وأما الأحاديث المتقدم ذكرها؛ فالصحيح منها لا يدلُّ على مقصوده؛ فغاية ما يُستفاد منها أن زيارة قبره ﷺ وغيره مشروعة، ونحن لا نخالف في هذا، والذي يدلُّ منها على ما ذهب إليه هذا المعترض ضعيف أو موضوع لا تقوم به حُجَّة ولا يصح للاستدلال في مورد النزاع؛ يعلم ذلك من رجع إلى كتاب «الصارم المنكي في الرد على السبكي» . وأمَّا المسألة التي ذكرها هذا المعترض هنا - وهي: أن التبرك بقبور الأنبياء والمرسلين أمر مشروع ـ؛ فهذا ما تقدم له دليل يُستفاد منه ذلك.
فقد تبيَّن أنه لم يستند في مشروعية ذلك إلا إلى قول أبي محمد المالكيّ - كما وصفنا ـ، وأنت تعلم أن الأصول التي تدور عليها أحكام الشرع أربعة: اثنان متفق عليها بين كافة المسلمين، واثنان مختلف فيهما بينهم؛ فالاثنان المتفق عليها بين كافة المسلمين: الكتاب والسنة، والاثنان المختلف فيها: الإجماع والقياس، وقد نظرنا في هذه الأصول الأربعة فلم نجد فيها دليلًا يسوغ للسبكي أن التبرك بالقبور أمرٌ مشروع محبوب لله ورسوله؛ بل وجدنا فيها ما يناقض ذلك ويأباه. وهذا الذي ذهب إليه السبكي - وهو مشروعية التبرك بقبر النّبيّ ﵊ وغيره - هو الذي أنكره شيخ الإسلام وغيره من أئمة المسلمين، وحججهم ظاهرة مستفيضة في
[ ١٢٠ ]
الكتاب والسنة والإجماع. وهذا المخالف لم يأتِ بشيء يصلح للاستدلال على ما قاله؛ فبطل ما ادَّعاه، وبالله نتأيد.
ثم أطال هذا المعترض في هذا الباب بأشياء خارجة عن الغرض؛ كالاستدلال على استحباب زيارة القبور والخلاف فيه، والتعريفات الفقهية. وهذا القدر لا يحتاج إلى مناقشة؛ لأنَّ شيخ الإسلام لم ينكر ذلك؛ وإنَّما أنكر شد الرحل لمجرد الزيارة، وأنكر أيضًا التبرك والانتفاع بالمقبور، وهذا المعترض لم يأتِ بدليل شرعي يجوز له ذلك - كما قدمنا ـ، وإطالته في هذا الباب بالوصف الذي ذكرناه مغالطة وخروج عن المقصود؛ لأنَّ الشيخ لم ينكر زيارة القبور ولا زيارة قبر النّبيّ ﷺ ولا قبر غيره من الأنبياء والمرسلين؛ يعرف هذا من نظر في كتبه؛ وإنَّما أنكر الزيارة البدعية؛ وهي قصد الانتفاع بالميت وطلب حوائج الدنيا والآخرة منه، وهذا الذي أنكره هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة الصحيحة والإجماع، وقد أجاز السبكي جميع ما أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية، بل ندب إليه ورغَّبَ فيه من غير دليل شرعي ولا فعل صحابي من أصحاب النّبيّ ﷺ معروف بالعلم والفُتيا، فمن كان هذه صفته فلا يحتاج إلى ردٍّ ولا نضيع فيه وقتًا؛ لأنَّنا لسنا متعبدين إلا بما جاء في كتاب الله وصحَّ عن نبينا محمد ﷺ بالإسناد الصحيح العاري عن العلة والشذوذ، وما عدا ذلك فهو محل نظر واجتهاد، والله الموفّق.
فإذا تأمَّلت بعين الإنصاف في الكتاب العزيز والسنَّة الصحيحة وأفعال الصحابة؛ علمتَ أن زيارة القبور المشروعة [هي:] الدعاء والترحم والسلام على الأموات وتذكُّر الآخرة وذكر الموت برؤية القبور، ليس إلا. وأما زيارتها للتبرك بأهلها وطلب حوائج الدنيا والآخرة من أهلها فأمرٌ محدَث في الدين؛ ما ورد به كتاب ولا سنَّة، ولا دلَّ عليه أثر عن صحابي معروف بالعلم والفُتيا، بل جاء في القرآن العظيم وسنَّة النّبيّ
[ ١٢١ ]
الكريم وقول الصحابة ما يناقض ذلك، وكيف يكون هذا الأمر مشروعًا وقد نهى رسول الله ﷺ عن ما هو أقل من ذلك؛ كاتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، وتحريم تجصيصها، والحلف بغير الله، والنذر لمخلوق؛ فصلى الله على مَن بُعِثَ لمحو الشرك جليله ودقيقه، وقطع شجرته من أصولها، ولأجل أن يكون الدين كله لله. فإن كنتَ يا هذا تدَّعِي محبَّة الله ورسوله؛ فلا تقدِّم على قولهما رأي أد من الناس كائنًا من كان، وإن كنتَ ممن لا يعرف الدليل ولا يفهم معاني القرآن الحكيم، ولا يعلم ما جاء في السنَّة من صحيح وسقيم؛ فالأولى بك أن تبكي على نفسك على ما فاتك من هذا الخير الجسيم؛ فإنك مهما كنت عالمًا بآراء الرجال فإنَّك لا تعد من أهل العلم عند المحققين؛ بل أنت عندهم كحاطب ليل وجارف سيل، تحسب القربة حطبة، والحصا مرجانًا، والنور ظلامًا، والظلامُ نورًا، فإن صواب الرأي وخطأه لا يعرفان إلا بمعرفة الدليل. وإياك - متى كنتَ بهذا الوصف - أن تخوض في أعراض العلماء أئمة الدين، وحُماتِه من آراء الغالطين؛ فإنَّك بهذا تكون مرتكبًا إثمين: إثم الجهل، وإثم الخوض في أعراض العلماء العاملين. فنسأل الله - تعالى - أن يجعلنا
[ ١٢٢ ]