فيقال له: كيف انتصرت له وقدمته على غيره من غير علم ولا سلطان بيِّن، وشنَّعت على مخالفك؟! والكلام في هذا يطول جدًّا.
وليس غرضنا الردّ على هؤلاء - فإنَّ ذلك يحتاج إلى أسفار ـ؛ وإنَّما غرضنا من إيرادنا هذا هنا الإشارة إلى المفاسد التي حدثت في الإسلام بسبب التقليد وسدّ باب الاجتهاد والأخذ بالدليل. والله المستعان.
فصل
ثم جاء من بعدهم أقوام أعياهم طلب علم الكتاب والسنة وما يحتاج لهما من علوم الآلات، وأَلِفُوا البطالة والكسل وقلَّة العمل في أمر المعاش؛ فعمدوا إلى شيء سموه علم التصوف؛ وهو عبارة عن: لبس الصوف والخشن من الثياب، والزهد في
[ ١٠٠ ]
الدنيا مطلقًا، وتعليق السبح في العنق، ولبس الخرقة، والجلوس في الخلوة، ويذكر الله بالذكر الذي لم يرد به الشرع؛ مثل أن يذكره - تعالى - بالاسم المفرد كقول: الله الله، أو: هو هو، وزعموا أن المريد إذا تَجَرَّدَ إلى الله - تعالى - بهذه الصفة التي ذكرناها عنهم وجلس يذكر الله؛ فإنه يرتفع عنه الحجاب، ويسمع الله - تعالى - يقول: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾، وتأتيه العلوم من غير واسطة! ولذلك يقول بعضهم:
[ ١٠١ ]
حدثني قلبي عن ربي! وغير ذلك من الأحوال والأفعال التي ورد بها الشرع؛ بل جاء بضدها، ولما علموا أن الشرع لا يوافقهم على ذلك أخذوا يقسمون العلوم إلى قسمين: ظاهر وباطن؛ فعلم الشرع عندهم من علم الظاهر، وعِلْمهم من علم الباطن، وسمّوا علماء الشرع علماء الرسوم، وأخذوا يفسرون القرآن والسنة تفسيرًا يلائم حالهم، زاعمين أن لكل حرف من القرآن ظاهرًا وباطنًا؛ فأهل الشرع عرفوا الظاهر منه وهم عرفوا الباطن! فمن راج عليه صنيعهم هذا - بسبب قصوره في علم الشريعة الحقَّة ـ؛ سلَّم لهم جميع ما يقولونه ويفعلونه، ولو تكلم بالألفاظ الكفرية، وأتى الفواحش علنًا، وترك الصلاة والصيام وغير ذلك من الأمور التي جاء الشرع بها! فتجده يلتمس له الأعذار الباردة؛ مثل قوله: هذا من علماء الباطن فلا يعترض عليه في جميع ما يقول ويفعل! ومثل: أن يلتمس لأقواله الكفرية تأويلات كاسدة، ومثل قوله إذا رآه يفعل الفواحش: هذه فاحشة في الظاهر وفي الباطن هي طاعة وعبادة! ومثل قوله إذا رآه يترك الصلاة: هذا رجل من أهل الخطوة فيخطو
الدنيا بخطوة واحدة؛ فلا يبعد أن يصلي الصلوات الخمس في الحرم المكي أو المدني! ومثل قوله: هذا رجل له أربعون جسمًا؛ [فهذا الذي رأيته يترك الصلاة جسمًا واحدًا]، وتسعة وثلاثون جسمًا يصلُّون في أماكن متعددة. وغير ذلك مما سوَّد وجه الدين، وألجأ اليهود والنصارى والمشركين على الطعن فيه، وصدَّهم عن الدخول فيه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وإذا أردتَ بسطَ ذلك؛ فعليك بكتاب «تلبيس إبليس»
[ ١٠٢ ]