في مرضه بثلاث؛ فقال: «أخرجوا [اليهود] والنّصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم»، ومن الوفود: وفد عبد القيس » وذكر قصّتهم، إلى أن قال: «وكان السّفر إليه في حياته لتعلّم الإسلام والدّين ولمشاهدته وسماع كلامه، وكان خير محضًا، ولم يكن أحد من الأنبياء والصّالحين عُبد في حياته بحضرته؛ فإنّه كان ينهى مَن يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي؛ فكيف بالشّرك؟! كما نهى الذين سجدوا له »، إلى أن قال: «ومعلوم أنّه لو كان حيًّا في المسجد؛ لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وقصد القبر الذي اتّخذ مسجدًا ممّا نهى عنه، ولعن أهل الكتاب على فعله. وأيضًا؛ فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدّين وقربة إلى ربّ العالمين إلَّا وهي مشروعة في جميع البقاع؛ فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرّسول ﷺ التّعظيم التّامّ والمحبّة التّامّة إلَّا عند قبره؛ بل هو مأمور بهذا في كلّ وقت.
وزيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسّفر إلى القبر بمجرّده بالعكس: مفسدة راجحة لا مصلحة فيها، بخلاف السّفر إلى مسجده؛ فإنّه مصلحة راجحة، وهنا يفعل من حقوقه ما يفعل في سائر المساجد، وهذا ممّا يتبيّن به كذب الحديث الذي يٌقال فيه: «مَن زارني بعد مماتي؛ فكأنّما زارني في حياتي»، وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضريّ - صاحب عاصم ـ، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن حجّ فزار قبري بعد موتي؛ كان كمَن زارني في حياتي»، وقد رواه عنه غير واحد، وهو عندهم معروف من طريقه، وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى
[ ١٨٥ ]
الغاية، حُجّة في القراءة، وقال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة، وقال البخاريّ: تركوه »، ثم سرد الشّيخ كلام الأئمّة فيه، وقال: «وقد رواه الطّبرانيّ في «المعجم» من حديث اللّيث بن أبي سليم عن زوجة جدّه عائشة عن ليث، وهذا اللّيث وزوجة جدّه مجهولان، ونفس المتن باطل؛ فإنّ الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرّجل بها مثل الواحد من الصّحابة؛ بل في «الصّحيحين» عنه أنّه قال: «لو أنفق أحدكم » الحديث؛ فالجهاد والحجّ ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتّفاق المسلمين، ولا يكون الرجل بهما كمَن سافر إليه في حياته ورآه؛ كيف وذلك إمّا أن يكون مهاجرًا إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه يتعلّمون الإسلام ويبلغونه عنهم إلى قومهم، وهذا لا يمكن لأحد بعدهم أن يفعل مثلهم.
ومن شبّه مَن زار قبر شخص بمَن كان يزوره في حياته؛ فهو مصاب في عقله ودينه، والزّيارة الشّرعيّة لقبر الميّت مقصودها الدُّعاء له والاستغفار كالصّلاة على جنازته، والدُّعاء المشروع المأمور به في حقّ نبيّنا - كالصّلاة عليه والسّلام عليه وطلب الوسيلة له - مشروع في جميع الأمكنة؛ لا يختصّ بقبره؛ فليس عند قبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة؛ بل كلّ عمل صالح يمكن فعله في سائر البقاع، لكنّ مسجده أفضل من غيره؛ فالعبادة فيه فضيلة؛ لكونها في مسجده؛ كما قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلَّا المسجد الحرام»، والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه مشروعة فيه قبل أن يدفن النّبيّ ﷺ في حجرته، وقبل أن تُدخل حجرته في المسجد، ولم يتجدّد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النّبيّ ﷺ وغير ما شرعه هو لأُمّته ورغّبهم فيه
[ ١٨٦ ]