تعرف مكانة الشخص العلمية بشيوخه ومؤلفاته. فالشيخ﵀- تتلمذ على أكابر العلماء في وقته، وقد ذكرنا ما وجدناه منهم، ولا يبعد أن يكون تتلمذ على غيرهم مما لم نجدهم، لا سيما من كانوا في جُدة، ومن أعظم من أخذ عنه: الشيخ جمال الدين القاسمي، كما ذكر هو عنه نفسه. وقد تأثَّر به﵀- تأثرًا بالغًا، ففهم هذا الدين كما كان يفهمه الصحابة والتابعون، ومن نظر في كتابه يدرك مدى هذا التأثر. ومما يدلُّ على علمه ومكانته، اقتنائه لهذه الكتب العظيمة. فقد كان الشيخ﵀- مُغْرَمًا بشراء الكتب من مصر والهند، حتى كوَّن مكتبة عظيمة في وقت قلَّ فيه رؤية الكتاب، فضلًا عن اقتنائه. فأفاده هذا سعة اطلاع على كلام لعلماء
ومؤلفاتهم، وكسَبَ شخصية علمية قويَّة. ويدلُّ على تمكُنِهِ من العلم، تأليفه لهذا الكتاب العظيم، وقد ألَفَه وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره. وحدَّثني ولده أنه كان يحب المناظرة في العلم، فقد كان في جُدة عالم كبير اسمه محمد حسين مطر فكان الشيخ ينتصر عليه دائماَ ويُرجعه إلى المسألة في مكانها من كتب العلماء.
وقد بلغ منزلة علمية أهَلته لتصدر المجالس والفُتْيَا، حتى كان مرجعَ الناسِ في جدة، يسألونه عن أمور الطلاق والحلال والحرام، وكان خطيبًا في مسجد عكاش، أكبر المساجد في ذلك الوقت، وحلقته في هذا المسجد معروفة يحضرها طلاَب العلم والقُضاة، فاستفاد الناس منه ومن مُجالسته.
يقول تلميذه حمزة سعداوي: (انتفع بعلمه خلق كثير، كانت حلقته غاصَة بالناسِ من طلاب العلم ومن العوام، فأحيا الله به قلوبًا ميّتة بعيدة عن منهج الله، فصحَّح
[ ٢٧ ]
للناس عقائدهم وسلوكهم وأرجعهم للدين الصحيح نقيًا كما كان عليه سلف الأمة) .
ثناء أهل العلم عليه ممن عرفه أو درس عليه:
قال عنه الشيخ نصيف: (واظب الشيخ محمد على دروس العلماء وحرص أشد الحرص على التحصيل، فقلَّمَا يفوته درس مع أنه كان كفيفَ البصر، وانتفع بالمواظبة، وصار عالمًا، واقتنى مكتبة كبيرة، وأصبح يدرس الناس علوم التفسير، والحديث، وانتفع بعلمه خلق كثير) .
وقال عنه تلميذه حمزة سعداوي: (أُوتي الشيخ علْمًا عظيمًا، فلم يكن أحد يوازيه علماَ مع قوة الحفظ واستحضار الآيات والأدلة، لا سَيما وقت الْخُطبة وكان لا يُعْلَى عليه في ذلك الوقت) .
وقال عنه تلميذه محمد باشميل: (كان الشيخ عالمًا كبيرًا، وبالأخص في علم الفقه والحديث. ذهب إلى سوريا لطلب العلم، ثم رجع وقد أُوتي علمًا جما، ولم نسمع من يقول قوله، وإذا أخذ يدرَّس وذكرَ اسم صحابي كأنك حاضر مع الرسول ﷺ، يأتي بكل شيء عن هذا الصحابي: فضائله، وإسلامه) .
وقال عنه الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه "تاريخ مدينة جُدة ": (كان الشيخٍ محمد حسين حريصًا على طلب العلم جاداَ فيه، واقتنى مكتبة كبيرة، وأصبح عالما يشار إليه بالبنان، ودرس للناس التفسير والحديث، وانتفع بعلمه خلق كثير ووصفه كثير من طلابه وممن كان يحضر دروسه بأوصاف كثيرة) .
[ ٢٨ ]