فصل
وأمّا ما عوى به ابن حجر المكيّ في كتابه «الجوهر المنظم» وشرحه لـ «مناسك النّووي» وكتابه «الفتاوى الحديثيّة»؛ من التّشنيع والحطّ على شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ فقد رأينا - أولًا - أن نطوي الكشح ونلوي عنان القلم عمّا نبح به؛ لأنّه أشبه بكلام الرّافضة في حقّ الشّيخين أبي بكر وعمر. وأين ابن حجر من شيخ الإسلام حتى يُقبل طعنه فيه؟! فلو وزنّا بينه وبين شيخ الإسلام؛ وجدنا الفرق كما بين السّماء والأرض، وكما بين الثّريا والثّرى، وكما بين حبّ اللؤلؤ والذّرة، ولكن لما رأينا بعض النّاس الجاهلين الأغبياء قد قلّدوا ابن حجر في هذيانه؛ رأينا أن نتكلّم على بعض ما قاله في حقّ هذا الإمام؛ فنقول:
أولًا: أمّا طعن ابن حجر على شيخ الإسلام؛ فهو معارض بمدح الأئمّة الأعلام الذين عاصروا شيخ الإسلام؛ مثل: الإمام الحافظ أبي الحجاج المزّيّ، والإمام الذّهبيّ، وغيرهما ممّن ذكر أسماءهم الإمام ابن ناصر الدّين الدّمشقيّ الشّافعيّ في كتابه «الرّد الوافر»؛ فارجع إليه؛ فقد ذكر جمعًا كثيرًا يقارب مائتي إمام، وكلّهم أثنوا على ابن تيميّة، وسمّوه شيخ الإسلام، وبعدهم بقليل؛ مثل: الحافظ شيخ الإسلام أبي الفضل أحمد بن حجر العسقلانيّ، والحافظ بدر الدين محمود العينيّ الحنفيّ، ومفتي المالكيّة الإمام البساطيّ، والقاضي جلال الدّين البلقينيّ، وخلق سواهم، وكلّهم أثنوا على شيخ الإسلام، وبرّأوه مما نسبه إليه
[ ٢٢٤ ]
أعداؤه الجاهليّون. وإذا أردتَ الوقوف على مَن أثنى على شيخ الإسلام ورثاه بعد موته بقصائد عديدة؛ فعليك بكتاب «الكواكب الدّريّة في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيميّة» للشّيخ مرعي الحنبليّ، وكتاب «القول الجليّ في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيميّة الحنبليّ» للشّيخ صفيّ الدّين الحنفي - نزيل نابلس ـ، والكتابان مطبوعان في مصر. وممّن ترجم لاشيخ الإسلام وأطال: الإمام شمس الدّين الذّهبيّ في «تذكرة الحفّاظ» و«التّاريخ الإسلاميّ»، والإمام ابن شاكر، والصّلاح الكتبيّ في «فوات الوفيات»، والإمام ابن الورديّ في «تاريخه» - وله مرثيّة فيه تقطّع القلوب - وغيرهم من المتقدّمين قبل ابن حجر المكيّ. وأمّا في زمننا وقبله فخلق لا يُحصون. فإذا رجعتَ إلى هذه الكتب التي أشرنا؛ تبيّن لك ما قاله ابن حجر من الكذب والزّور والبهتان في حقّ هذا الإمام.
ثانيًا: إنّ ابن حجر لم يعزُ ما قاله إلى كتاب من كتب شيخ الإسلام. والذي يظهر لي: أنّه ما رأى منها كتابًا واحدًا؛ وإلَّا لو رأى لاستحيا من الله أن يقول ما
[ ٢٢٥ ]
قال؛ اللهمّ إلَّا أن يكون قد غلب عليه التّعصّب والعناد، وهل يليق برجل ينتسب إلى العلم يستحلّ الخوض في أعراض أئمّة الهدى من غير أن يعزي ما قاله إلى كتاب من كتبهم، بل كتبهم على خلاف ما قال هذا المفتري.
ثالثًا: إنّ ابن حجر وأمثاله ممّن طعن في شيخ الإسلام لا يُقبل طعنهم فيه؛ لأنّهم جاهلون؛ بشهادتهم على أنفسهم أنّهم مُقلِّدون، مُحَرِّمون على أنفسهم وعلى النّاس الاستهداء بالكتاب والسُّنّة، مُقِرّون على أنفسهم أنّهم لا يفهمون معاني الكتاب والسُّنّة، ولا قدرة لهم على استنباط الأحكام من الأدِلّة! وأمّا شيخ الإسلام فقد شهد له بالاجتهاد المطلق، وأنّ شروط الاجتهاد قد توفرت فيه واستجمعها: سبعون مجتهدًا في زمانه؛ فكيف يليق بالجاهل العاجز عن فهم النّصوص أن يطعن في عِرض إمام مجتهد، كتبه تشهد له بالفضل الذي لم يشاركه فيه إلَّا القليل من النّاس؟! وما لك يا ابن حجر وما لهذا الإمام؟! أشفِق على نفسك وأرِحها من العناء؛ فشيخ الإسلام لا يحطّ من قدره ما هذيتَ به، وما أدري طعنك هذا إلَّا كما قال الشّاعر:
كناطِحٍ صخرةً يومًا ليكلِمَها أشفِق على الرّأسِ لا تُشفِقْ على الحجرِ
وكما قيل:
لقد هَزلَتْ حتى بدا مِن هزالها كلاها وحتى سامها كلّ مفلِسِ
وما مثل ابن حجر ومثل شيخ الإسلام في الفرق والبعد إلَّا كما قال أمير المؤمنين أبو الحسنين سيدنا عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه ورضي عنه ـ، حين قسّم النّاس إلى ثلاثة أقسام؛ فقال: «النّاس ثلاث: عالم ربانيّ ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لا يستضيئون بنور العلم، مفتونة قلوبهم وقلوب مَن يعجبهم شأنهم » إلى آخر ما قال. فأمّا شيخ الإسلام فهو من القسم الأوّل والثّاني - بلا نزاع ـ؛ فإنّه كان عالمًا بالكتاب والسُّنّة، مقدمًا لهما على قول كلّ
[ ٢٢٦ ]