قامت عندهم!
وحيث أن الناس قد ولعوا كثيرًا بأهل هذا الفريق؛ فإن شاء الله - تعالى - لنا عودة نبين فيها حالهم وما هم عليه من ترك الكتاب والسنَّة. والله الموفّق.
فصل
وحيث أن الله ﷾ قد تكفَّل لدينه بالحفظ، وقضى بأنه لا يخلي الأرض من قائم له بحجة؛ كما جاء في الحديث: «إنَّ اللهَ يبعث على رأس كل قرن أو مائة سنة من يجدد للناس أمر دينهم»؛ قَيَّضَ لهذا الدين رجالًا هم صفوة خلقه وخيرته من عباده؛ ألا وهم علماء الحديث، كثَّرهم الله - تعالى - في القديم والحديث؛ فقاموا في وجوه المبتدعين، وذبُّوا عن كتاب الله - تعالى - وسنَّة نبيه تحريف الجاهلين، وتأويل المبطلين؛ فمن قام [بالرد] على المتكلمين في التوحيد والأصول قديمًا إلا مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ويزيد بن هارون وعبد العزيز بن يحيى الكناني والإمام الحجَّة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري والدارمي وغيرهم. ومن بعدهم بقليل مثل: الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر والإمام أبي محمد علي ابن حزم
[ ١٠٧ ]
وابن بطّة وأضرابهم. ثم جاء بعدهم شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية؛ فقام لله قيامًا مُخْلِصًا في قوله وعمله؛ فمزق شملهم وفرَّق جمعهم. وجاء بعده الإمام الحافظ ابن القيم؛ فنحا نحوه وقام قيامه، ومثله الإمام ابن الوزير اليماني، وغيرهما. وجاء بعدهم الإمام شيخ الإسلام أبو الفضل شهاب الدين أحمد ابن حجر العسقلاني ثم المصري؛ فنَصَرَ الله به السنَّة وخذَّل البدعة. وقريبًا منه الإمام المتقن سعد الدين التفتازاني، وغيرهما. ثم جاء بعدهم الإمام المتقن جلال الدين عبد
[ ١٠٨ ]
الرحمن بن أبي بكر السيوطي وابن المقري الشافعي اليماني، وغيرهما. ثم جاء بعدهم الإمام المحدث محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني والإمام محمد بن علي الشوكاني، وغيرهما.
ثم جاء بعدهم في زماننا الإمام المجتهد المطلق أبو الطيب السيد صديق حسن خان، والعلامة المحدِّث شمس الحق الدهلوي، والفاضل الأستاذ الشيخ محمد عبده - مفتي الديار المصرية ـ، والأستاذ المصلح السيد محمد رشيد رضا - صاحب مجلة المنار ـ، والأستاذ الجامع بين النسبين السيد محمود شكري الألوسي، والسيد محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي، وغيرهم مما يطول ذكرهم.
وحيث أن المشارب والمذاهب مختلفة؛ اختلف الرادُّون على أهل هذه
[ ١٠٩ ]
الفرق ممن ذكرنا؛ فمنهم من تصدَّى للرد على المتكلمين، ومنهم من ردَّ على المقلِّدين، ومنهم من ردَّ عليهم جميعًا، ومنهم من ردَّ على المتصوفة، ومنهم من ردَّ على الذين قالوا: إن باب الاجتهاد قد انسد وأنكروا أن يكون الاجتهاد في كل زمان فرض. وهم - وإن كانوا قليلين في كل زمان ومكان - فهم الأكثرون الفائزون؛ ﴿أولئك حزب الله ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون﴾، وإليهم الإشارة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»، وقوله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» . وأهل الفِرَق التي ذكرناها فهم - وإن كانوا أكثرين في العدد ـ؛ فهم الأقلُّون في العلم والعمل، وتراهم إذا ناظرهم المُحدِّثون نكسوا رؤوسهم وأمالوا ذقونهم، وأخذوا يشنِّعون عليهم، ويقولون فيهم ما يشهد الله - تعالى - وملائكته وأولوا العلم أنهم منه براء، وطفقوا يغرون بهم الجهَّال من الملوك والحكَّام؛ فهددوهم بالنفي والسجن والقتل، وما صدهم ذلك عن القيام بالحق؛ علمًا منهم بأن فتنة الناس ليست كعذاب الله، وهؤلاء الجهَّال الذين آذوا أهل الله وأولياءه وحزبه وأنصار نبيه سيلقون من الرذائل ما يعجز عن وصفه الواصفون؛ لأن الله قد أخبر عن نفسه بأن من آذى له وليًّا فقد بارزه بالمحاربة؛ فهؤلاء الجهال الذين عادوا أهل الحديث إليهم الإشارة بقوله ﷺ: «إنَّ الله لا يقبِضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعه؛ ولكن يقبضه بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناسُ رؤساء جهَّالًا؛ فسئلوا فأَفْتَوا بغير علم؛ فضَلُّوا وأضَلُّوا»؛ فلا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم.
[ ١١٠ ]