الشّافعيّ يقول: «أنا راجع عن كلّ مسألة تخالف آية أو سُنّة، وإذا رأيتموني أروي حديثًا ولا آخذ به؛ فأشهدكم أنّ عقلي قد ذهب» ! والآثار في مثل ذلك عن الأئمّة كثيرة مستفيضة.
وأمّا جنايتهم على المسلمين: فمنها: صدّهم لهم عن كتاب ربّهم وسُنّة نبيّهم، وتكثيرهم لهم من كتب الفقه والخلاف، وإلزامهم النّاس بقراءتها ودراستها، وأن يضيعوا فيها عمرهم، ويا حبذا لو كانت هذه الكتب التي سمّوها كتب الفقه خالية من المسائل التي لا يشهد لها نقل ولا يستحسنها عقل؛ بل هي مشتملة على ما هو حقّ وعلى ما هو باطل مخالف للشّرع؛ فلم يراعوا فيها حكمة التّشريع ولا علل الأحكام؛ ولذلك تراهم يجوّزون الحيل على إسقاط فرائض الله وعلى حقوق الآدميّين، وعلى التّعرّض للعنة سيد المرسلين لمن يفعل ذلك.
فمنها: مسألة إسقاط الصّلاة التي ما جاء [بها] كتاب ولا سُنّة، ويقولون: إنّ فعل ذلك يسقط الصّلاة عن ذمّة الميّت! فصادموا بقولهم هذا ما ورد في الصّحيح من قوله ﷺ: «مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها؛ فلا كفارة لها إلَّا ذلك» .
ومنها: تحايلهم على إسقاط الزّكاة بقولهم: إذا ملك الرّجل نصاب الزّكاة من ذهب أو وَرِق، وخشي أن يحول عليه الحول؛ فبدّله بذهب آخر أو وَرِق أو يوهبه لأحد من النّاس، ثم يسترده منه بعد قبضه له، أو يجعل النّصاب في شيء من المتاع أو الحنطة، أو يوهبه لأحد ثم يشتريه منه بعد ذلك! فإذا فعل شيئًا من هذه الحيل - ولو قبل الحول بيوم ـ؛ سقطت عنه الزّكاة، فقط في ذلك كراهة
[ ٢١٩ ]
تنزيهيّة؛ يعني: أنّها خلاف الأولى، ولا حرمة عليه في ذلك! والحيل على إسقاط الزّكاة لها ضروب عندهم كثيرة؛ فانظر - رحمك الله - إن كنتَ ممّن نوّر الله قلبه؛ هل هذا موافق لشرع ربّنا وسُنّة نبيّنا؟! وهل هذا يرضاه الله منّا أم مصادم للدّين مناقض له أعظم تناقض؟! وأين حكمة التّشريع في ذلك؛ حيث يقول في غير ما آية: «وآتوا الزّكاة»، وقوله - تعالى ـ: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطّهرهم وتزكّيهم بها﴾، وغير ذلك من الآيات المحرّضة على إيتاء الزّكاة، وقوله ﷺ: «أمرني ربي أن آخذ صدقة من أغنيائهم فأجعلها في فقرائهم»؟! فبالله عليك؛ هذا المحتال المنافق المخادع - لله ورسوله - هل فعل شيئًا من حكمة التّشريع أو أتى بما أُمِرَ به.
ومثل: تحيّلهم على إسقاط الشّفعة، ولهم فيها حيل مختلفة.
ومنها: تحيّلهم للمطلّقة من زوجها ثلاثًا؛ بأن يأتوا لها بالتّيس المستعار - الذي لعنه رسول الله ﷺ (وهو: المحلّل)؛ ويقولون: إنّ هذا يُحلّها للأوّل.
وغير ذلك من المسائل التي يستهجن ويستقبح ذكرها؛ مثل: قولهم في الإمامة وصاحب
[ ٢٢٠ ]
الزوجة الحسناء يقدّم على مَن ليس كذلك، وصغر الذّكر يقدّم على الأكبر ذكرًا!!! فأنشدك بالله أيها المنصف الذي شمّ رائحة العلم؛ هل شرعنا يأمرنا بالتّجسّس على مَن زوجته حسناء أو قبيحة، وهل شرعنا يأمرنا أن نجسّ عورات بعضنا بعضًا لأجل أن نعرف مَن ذكره قصير أو طويل؟!! فهل هذا كلّه جناية على المسلمين أم لا؟! خصوصًا في التحيّل على إسقاط الزّكاة التي هي أحد أركان الدّين بعد الصّلاة، وأنّ منفعتها للمسلمين أعمّ من غيرها؛ فإذا كان كلّ غنيّ قرأ هذه الكتب، وعلم كيف يتحيّل على إسقاط الزّكاة؛ فماذا يصنع الفقراء والأصناف الثّمانية الذين تُصرف لهم الزّكاة؟! فهل يموتون جوعًا، أو يسرقون؟! بل يبتهلون إلى الله - تعالى - أن يعامل أرباب هذه الكتب بعدله، ويجازيهم على صنيعهم هذا بما هم أهله. فهل بعد هذا كلّه يُقال: إنّهم أهل السُّنّة والجماعة، وهم النّاجون والمعظّمون للنّبيّ ﷺ ولشريعته؟! وأمّا ابن تيميّة فقد أتى بعثرة لا تُقال ومصيبة عظمى! فكلَّا؛ ومعلوم لكلّ مَن قرأ كتب ابن تيميّة أنّه ما قصد في كتبه إلَّا محاربة هؤلاء الذين وصفنا حالهم، وأتى بالأدِلّة القاطعة لحججهم، والمُزيلة لشبههم، والمشتّتة لجمعهم، وأفنى عمره ﵁ في نصرة دين الله وكتابه وسُنّة نبيّه؛ ﴿فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون﴾؟
ومن حيلهم القبيحة والمذمومة: حيلتهم على أكل الرّبا باسم العينة،
[ ٢٢١ ]