فصل
وجماع القول في هذه الآية الكريمة: هو أن الله ﷾ قد شرط لِوَجْدِه توابًا رحيمًا للمنافقين، الذين يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أُنزل على رسوله ويريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ويصدون صدودًا عن حكم الله ورسوله؛ ثلاثة شروط: بمجيئهم إليه ﷺ، واستغفارهم عنده، واستغفار الرسول لهم؛ فلو أخلُّوا بشرط من هذه الشروط الثلاثة لم يقبل الله توبتهم.
ومعلوم أن هذا الحكم قد انقطع بوفاته ﷺ باتفاق المسلمين؛ فلم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف أنه قال: من شروط التوبة المجيء إلى قبره ﷺ ولو من الأماكن النائية، والاستغفار عنده، واستغفار الرسول لهم، ولو قال أحد هذا لكان مناقضًا لكتاب الله - تعالى - وسنة نبيه ﷺ ولإجماع المسلمين؛ لأنَّ الله يقول: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾، والأحاديث الواردة في فضل التوبة مشهورة، وليس فيها اشتراط المجيء إلى قبر أحد؛ فعلم بهذا أن قول السبكي قول ساقط ليس عليه أثارة من علم ولا سبقه إلى مثله أحد من أهل التفسير، ولو كان معنى الآية كما زعم هذا المعترض؛ لكان المجيء إلى قبره ﷺ والسفر إليه فرضًا كالصلاة والحج، ومن تخلف عنه يموت عاصيًا؛ إذ هو لم يتب من ذنبه ولو تاب في اليوم مائة مرة؛ لأنَّ ذلك لم تتوفر فيه هذه الشروط الثلاثة المتقدمة، وهذا السبكي لا يقول بهذا؛ فكيف يجعل هذا مستحبًّا فقط.
وقوله: «لأن المجيء يصدق على المجيء من بعد ومن قرب ومن سفر» .
فجوابه: نعم؛ هذه المعاني كلها يحتملها لفظ (المجيء)، ولكن لما كان هذا ليس شرطًا مستمرًا لقبول توبة كل من تاب؛ فتعين حمل (المجيء) بهذه المعاني على: المجيء إليه في حياته ﷺ كما بينّا ـ.
وقوله: «لأنَّ العلة وجد أن الله - تعالى - توابًا رحيمًا» .
فجوابه أن يُقال: ليس هذا مختصًّا بزمان دون زمان ومكان دون مكان؛ بل متى أقبل العبد على ربه، وجاءه مستغفرًا، مقلعًا عن ذنبه، صادقًا من قلبه، خاشعًا
[ ١٣٣ ]
بجوارحه، مقدِّمًا أمام الله ذلك حمد الله - تعالى - والصلاة والسلام على نبيه، وختمها بمثل ذلك؛ فهذه باتفاق المسلمين توبة نصوح؛ لا يردّ الله - تعالى - من أتى بها، ويجده توابًا رحيمًا، سواء كان هذا التائب بهذه الصفة إلى ربه في مصر أو في الشام أو في اليمن. فهل يستحب هذا السبكي السفر من جميع هذه الأماكن التي سميناها لكل من أراد أن يتوب ليجد الله توابًا رحيمًا؟! أو يقول: أنه متى تاب العبد إلى ربه وأقبل عليه في أي مكان وفي أي زمان؛ وجدَ الله توابًا رحيمًا؟ فإن قال هذا؛ فقد رجع عن قوله باستحباب السفر إلى مجرد الزيارة، وإن قال: بل لا بُدَّ من سفره إلى القبر المعظم لأجل أن يتوب هناك؛ فقد خالف بقوله هذا ما عليه عامة المسلمين، وتبين أنه لا حجَّة [له] في هذه الآية على ما ذهب إليه، وأنَّ شيخ الإسلام مُحِقٌّ في قوله. وبالله نتأيد.
واعلم أننا غير مرة ذكرنا طريقة شيخ الإسلام في الزيارة؛ وبيَّنَّا أنه لا ينكرها؛ بل يستحبها كغيره من العلماء؛ وإنَّما أنكر السفر وإعمال المطي إلى مجرد الزيارة من غير قصد الصلاة في مسجده ﷺ؛ عملًأ بالحديث الصحيح المروي في الصحيحين وغيرهما، ولم ينفرد هذا الإمام بهذا القول؛ بل سبقه إليه أبو هريرة، وبصرة الغفاري، وابن سيرين، والشعبي،
[ ١٣٤ ]