إليها منهيّ عنه؛ فتكون - حينئذ - مشروعة في حقّ القريب، وفعلها لا يتوقّف على هذه الوسيلة؛ لأنّه ما من بلد إلَّا وفيها قبور؛ فالفائدة التي تحصل من الزّيارة المقصودة بالسّفر وشدّ الرّحل تحصل بزيارة قبور البلدة. وأعني بالفائدة: تذكّر الآخرة بزيارتها، والدُّعاء والتّرحّم والسّلام على أهلها. وهذا هو الذي صحّ في السُّنّة من قوله وفعله ﷺ. ومَن ادّعى شيئًا آخر زائدًا على هذه الفائدة الحاصلة من زيارة القبور؛ فعليه الدّليل.
وأيضًا يُقال في الجواب: ليست كلّ قُربة يُشرع إليها السّفر وشدّ الرّحل؛ فهذه الصّلاة من أعظم القُربات وأفضلها، ولكن لم يُشرَع لها شدّ رحل ولا سفر لغير المساجد الثّلاثة، وهذا النّذر أصله قُربة - وهو: الإنفاق في أوجه الخير ـ، ولكن لم يُشرَع؛ بل نُهي عنه.
وما أجاب به السّبكيّ لا يكفي في رَدّه؛ بل الحُجّة قائمة لمخالفيه، ولو أخذنا نناقشه في جميع ما أورده؛ لطال بنا الكلام، وردّه ظاهر من الأصل الذي قرّرناه في أوّل الفصل. والله الهادي.
واعلم أنّ السّبكيّ قد أسهب جدًّا في تقرير هذه القاعدة بكلام لا طائل تحته، ويُورِد على نفسه إشكالات ويجاوب عنها بأجوبة ضعيفة، وحيث أنّنا ما وضعنا كتابنا هذا إلَّا لردّ ما ظنّه دليلًا من الكتاب والسُّنّة والإجماع والقياس؛ فلا تحتاج لردّ ما أورده من هذه المباحث؛ لأنّ الحُجّة في قول الله ورسوله، وحيث أنّنا قد بيّنّا ردّ ما استدلّ به منهما؛ فلا نحتاج لردّ ما بناه على ذلك؛ فإنّه بناه على باطل، وما بُني على باطل فهو باطل؛ فتدبّرها. ثم إنّ هذه الشُّبه والمباحث التي أوردها السّبكيّ في هذا الباب والذي بعده؛ قد ناقشه فيها كثير من العلماء؛ فمنهم: الإمام الحافظ شمس الدين ابن القيم في «نونيّته» وغيرها، ومنهم: الإمام الحافظ شاه ولي الله المحدّث الدهلويّ، ومنهم: العلّامة الشّيخ عبد اللّطيف النّجديّ في كتابه المُسمّى «منهاج
[ ١٧٥ ]
التّأسيس في الرّدّ على داود بن جرجيس»، ومنهم: الإمام المفضال السّيد صدّيق حسن ملك بهوبال في كتابه المُسمّى بـ «رحلة الصّديق إلى البيت العتيق»، وفي كتابه «عون الباري شرح أدلّة البخاريّ»، وفي كتابه المُسمّى «السّراج الوهّاج بشرح مختصر [مطالب] بن الحجاج»، وفي كتابه المُسمّى «الدّين الخالص»، وغير ذلك من كتبه؛ فلقد أجاد وأفاد.
ومنهم: الإمام السّيد محمود شكري الألوسيّ في كتابه المُسمّى بـ «غاية الأماني في الرّدّ على النبهانيّ»، ومنهم: الإمام مفتي بغداد السيد نعمان في كتابه المُسمّى بـ «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين»، وغيرهم من أئمّة الدّين قديمًا وحديثًا.
وحيث أنّ هذه الكتب قد طبع أكثرها، بعضها بمصر وبعضها بالهند؛ فلا حاجة بنا إلى نقل ما فيها؛ لأنّ ذلك يفضي إلى التّطويل المُمِلّ، وحسبنا أنّنا أشرنا إليها، وهي متيسرة لمن أراد الرّجوع.
ثم إنّ الإمام نعمان أفندي الألوسيّ - صاحب كتاب «جلاء العينين» - بعد أن ذكر أقوال العلماء وما رَدُّوا به على السّبكيّ وأضرابه؛ قال ما حاصله: «والذي أختاره: جواز شدّ الرّحل والسّفر إلى مرقده الشريف ﷺ، وهذا خاصّ به؛ لا يجوز السّفر إلى زيارة قبر غيره» . والذي ذكر هذا الإمام هو
[ ١٧٦ ]
وجيه؛ إلَّا أنّنا نقول: الذي ندين الله به أنّ الأحوط والأولى: شدّ الرّحل والسّفر بنيّة الزّيارة والصّلاة في مسجده ﷺ كما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة ومَن وافقه من علماء المذاهب ـ؛ وذلك لوجهَين:
أحدهما: أنّ المسافر إذا قصد بشدّ رحله الزّيارة والصّلاة في المسجد؛ حصل له ثواب النيّتين، بخلاف ما إذا قصد الزّيارة فقط.
الثاني: أنّ قصد الزّيارة المُجرّدة فيه تعطيل للحديث الصّحيح - وهو قوله ﷺ: «لا تُشَدّ الرِّحال » الحديث ـ؛ فإنّه لو كان كلّ مَن سافر إلى المدينة لم يقصد بشدّ رحله إلَّا الزّيارة فقط؛ للزم منه ألا يكون أحد قد عمل بهذا الحديث.
فإن قلتَ: الصّلاة في مسجده ﷺ حاصلة لكلّ أحد نوى الزّيارة فقط؛ لأنّه [إذا] وصل المدينة قدّم الصّلاة في مسجده ﷺ ثم زار قبره الشّريف.
قلنا: هذه دعوى مقابلة بمثلها؛ فإنّا نقول: مَن نوى الصّلاة في المسجد والزيارة معًا، أو نوى الصّلاة في المسجد فقط؛ فلا بُدّ من فعل ما ذكرتُ في هذا الإشكال.
وأمّا قصد الزّيارة الخالية عن قصد الصّلاة في مسجده ﷺ؛ فالذي يظهر لي: أنّه قول ما قاله أحد، ولا دلّ عليه أثر يُعتمَد عليه.
فإن قلتَ: يدلّ على هذا القول: ما رواه الطّبرانيّ من قوله ﷺ: «مَن أتاني زائرًا لا تُعمِله حاجة إلَّا زيارتي؛ كان حقًّا عليّ أكون له شفيعًا يوم القيامة»؛ فهذا الحديث صريج في الجواز، بل استحباب السّفر إلى الزّيارة، من غير قصد عبادة سواها.
أقول: هذا الحديث قد تقدّم الكلام عليه من الحافظ ابن عبد الهادي في أوّل كتابه «الصّارم المُنكي في الرّدّ على السّبكيّ»، وقد تكلّمنا عليه أيضًا في أوّل هذا الباب عند ذكر السّبكيّ له، وبيّنّا أقوال العلماء على ما يدور عليه إسناده، وأنّه لا يصلح للاحتجاج في محلّ النّزاع، وعلى تقدير صلاحيته؛ فيكون معناه ـ
[ ١٧٧ ]