يسلم له صحته، وربعه مختلف فيه، وربعه موضوع»، وقد اختصره هذا الإمام الجليل، وبيّن ما فيه من هذه الأنواع. وما عدا هذه الطّبقة ففيها الغثّ والسّمين؛ مثل: الحلية لأبي نُعَيم، ومصنف ابن مندة، وابن أبي الدُّنيا، والدَّارَقُطنيّ، والبيهقيّ، والطبرانيّ، وبقية المسانيد والأجزاء والمغازي والتّفسير والملاحم والوعظ والتّصوّف، يعرف هذا مَن مهر في هذا الفنّ الشّريف.
ثم جاء قوم من المتأخّرين؛ فجمعوا بين هذا وهذا، تارة يبيّن حال الحديث وقد لا يبيّن؛ فقلّدهم النّاس مِن غير علم ولا سلطان بيِّن؛ فخبطوا خبط عشواء، وركّبوا متن عمياء، ضمن الجامعين المكثرين في المتأخّرين: جلال الدين السيوطيّ؛ فصنّف: «الجامع الكبير»؛ الذي التزم أنّه يذكر فيه الأحاديث النّبويّة بأسرها، واختصر منه «الجامع الصّغير»،
[ ١٤٦ ]
وله مصنّفات في الحديث والتفسير كثيرة، ولكن لم يتحاش فيها من إخراج الصّحيح والضّعيف والموضوع؛ فتارة يُنَبِّه على حال الحديث، وفي الكثير لا ينبِّه اتِّكالًا على الكتب التي عزا إليها، وكثير ما يوجد فيها الموضوع، خصوصًا في «الجامع الكبير» و«الصّغير»، وفي تفسيره المسمّى بـ «الدُّرّ المنثور في التّفسير بالمأثور»، والحال أنّه قال في ديباجة «الجامع الصّغير»: «لا أذكر فيه إلا الصّحيح والحسن»، والحال أنّه قد ذكر منه أحاديث في كتاب «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» ! ونبّه على وضعها، وبالجملة: إنّك - يا أخي - لا تغترّ بكل حديث رأيتَه في كتاب - ما عدا الصحيحين؛ فإنّ جميع ما فيها مقطوع بصحّته عند المحققين، إلا أحاديث قليلة؛ ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدّمة «فتح الباري» ـ، أو سمعتَه من عالم؛ خصوصًا في زماننا هذا؛ فإنّ العالِمين بالحديث قليلون جدًّا؛ بل من قرون عديدة، وليس كلّ مَن مهر في فنّ يكون ماهرًا في سائر الفنون؛ بل كلّ فنّ له رجال مشهورون به؛ فهذا حُجّة الإسلام الغزاليّ - مع جلالة قدره - كانت بضاعته في الحديث مُزجاة؛ كما شهد به هو على نفسه! وهذا الزمخشريّ - مع كثرة تفنّنه - كان قليل البضاعة في الحديث؛ يدلّك على ما قلنا في هذين الإمامَين: كتاب «الإحياء» للغزاليّ، وسائر مصنفاته؛ فإنّها
[ ١٤٧ ]
مشحونة بالأحاديث الضّعيفة والموضوعة؛ يعلم هذا مَن رجع إلى تخريج أحاديث
«الإحياء» للحافظ العراقيّ، وإلى شرحه للسيد مرتضى الزبيديّ، وكتاب «الكشاف» للزمخشريّ؛ فإنّه ذكر فيه أحاديث موضوعة باتّفاق أهل الصّناعة الشريفة، وتبعه فيها القاضي البيضاويّ في «تفسيره»، وقد خرّج جميع ما فيه من أحاديث الحافظ جمال الدين الزّيلعيّ - صاحب كتاب «نصب الرّاية» ـ، واختصره الحافظ
[ ١٤٨ ]
ابن حجر في مجلّد - رأيتُه أنا بمكتبة دمشق ـ، وهذا الرَّازي - مع سعة علومه - قد ذكر في «تفسيره» أحاديث موضوعة، وهذا السُّبكي - الذي نحن بصدد الرّدّ عليه - قد شحن كتابه هذا مع صغر حجمه بالأحاديث الواهية والموضوعة.
فإذا عرفتَ هذا؛ فأقول لك: إنّ هذه الأحاديث التي أوردها السُّبكي مستدّلًا بها على أنّ السّفر لمجرد الزيارة الخالية عن الصّلاة في مسجده ﷺ قُربة من أعظم القُربات؛ في غاية البُعد والسُّقوط، وإنّ تصحيح ابن السكت هذا الحديث لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته أهل الفنّ، وكيف يكون هذا الحديث صحيحًا وفيه ثلاث عِلَل: الكلام في مسلم بن سالم الجهني الذي يدور عليه إسناده، والاضطراب في متنه وسنده - وكلها قادحة ـ، وأيضًا ليس هذا الحديث من مرويات الصحيحين، ولا من مرويات أحد من أهل الطّبقة العُليا ولا التي تليها؛ فإذا انضمّ ما قلناه إلى الذي قاله صاحب «الصّارم المُنكي في الرّد على السُّبكي»؛ [تبيّن] ردّ كل هذه الأحاديث التي ما عليها أثارة من الصّحّة.
فإن قلتَ: قد احتجّ مَن يرى استحباب زيارة القبر الشّريف وقبور سائر المسلمين بهذه الأحاديث.
فالجواب: أنّهم لم يحتجّوا بها؛ بل احتجّوا على ذلك بالأحاديث الصّحيحة المرويّة من قوله وفعله ﷺ؛ فمنها: قوله ﵊: «كنتُ نهيتُكم عن زيارة القُبور؛ فزوروها»، وقوله: «زوروا القبور؛ فإنّها تذكّركم الآخرة»، وفعله ﷺ من زيارة أهل البَقيع وغيرهم، وقبره ﷺ داخل في مسمّى القبور؛ لأنّه اسم جنس
[ ١٤٩ ]