أحد، زاهدًا في الدُّنيا معرضًا عن المناصب والوظائف، مختارًا للدّار الآخرة الباقية على الدّار الفانية؛ فصدق عليه أنّه عالم ربانيّ ومتعلّم على سبيل نجاة. وأمّا ابن حجر فكان على خلاف ذلك من حبّ الدُّنيا والشّهرة والتّفاخر، مقلدًا في دينه غيره من الأصول والفروع، إن أصاب مقلّده أصاب، وإن أخطأ أخطأ؛ فصدق عليه ما قاله أمير المؤمنين في وصف أهل القسم الثّالث.
فصل
وهذا أوان الشّروع في الرّد على ما قاله - وبالله التّوفيق ـ.
وهنا تنبيه؛ وهو: أنّي إذا عبتُ المتأخّرين وكتبهم؛ فلا أقصد عامّتهم؛ بل أعني: الذين لم يعيروا الدّليل نظرهم ولا ينتصرون له؛ بل جمدوا على التّعصّب للمذهب، ولو أورد عليه مخالفه عشرين دليلًا لم يلتفت لشيء من ذلك! بل يقول: المذهب هكذا! ومعاذ الله أن أعيب على كافّة المتأخّرين وكتبهم؛ بل أقول: وكم من المتأخّرين مَن فاق بعض المتقدّمين بأضعاف مضاعفة، كما أنّي لا أمدح كافّة المتقدّمين ومصنّفاتهم؛ بل أقول: وكم في المتقدّمين مَن هو أصل بلاء الأُمّة.
فالحاصل: أنّي إذا مدحتُ أو عبتُ؛ فإنّما مُرادي: الذين نصروا الدّليل وتشيّعوا لله ورسوله، ولم يُهملوا شيئًا من الأدِلّة الصّحيحة، لا في أصول الدّين ولا في فروعه، سواء كان من المتقدّمين أو من المتأخّرين، وكلّ مَن قدّم عقله وآراء الرّجال على الأدِلّة الشّرعيّة؛ فهو المعنيّ بالقدح والذمّ، سواء كان من المتقدّمين أو من المتأخّرين؛ فاحفظ هذا، والله يؤيّدك.
قول ابن حجر: «فإن قلتَ: كيف تحكي الإجماع السّابق على مشروعيّة الزّيارة والسّفر إليها وطلبها، وابن تيميّة - من متأخّري الحنابلة - منكر لمشروعيّة ذلك كلّه، كما رآه
[ ٢٢٧ ]
السّبكيّ في خطّه» .
فجوابه أن يقال: في أيّ كتاب وفي أي فتوى لابن تيميّة حرّم فيها زيارة قبرة النّبيّ ﷺ؟! وهذه كتبه بأيدينا مطبوعة منتشرة في جميع أنحاء الأرض، وكلّها مصرّحة بمشروعيّة زيارة قبر النّبيّ ﷺ وقبور غيره من الأنبياء وكافّة المسلمين؛ وإنّما ذكر الخلاف في مسألة: شدّ الرّحل. فبالله عليك؛ إذا كان رجل قد قصر فهمه عن فهم كلام الأئمّة؛ فهل يليق به أن يطعن عليهم، وينسب إليهم أشياء لم يقولوها بل قالوا بخلافها؟! أمّا يستحي مَن هذا صنيعه، ويتذكّر موقفه بين يدي أحكم الحاكمين؟! وهل يجوز لهذا المعترض - بعد هذا البيان - التّشدّق بما أتى به من الهذيان من جهلة النّاس الطّغام الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون؛ بل وجدوا مشائخهم على هذا الضّلال المبين؛ فقالوا: إنّا وجدنا أشياخنا على هذا قائلين، وإنّا على آثارهم مقتدون! فتبًّا لهاتيك العقول! وكيف ينتسب ابن حجر هذا لأهل العلم، وهذا حاله؛ مِن ترك التّثبّت في النّقل، والتّبصّر في النّقد. وكان دأب العلماء ﵏ التّثبّت في مسألة الجرح والتعّديل؛ فكانوا لا يحكمون بجرح الرّجل إلَّا إذا عرفوا حال الجارح، وبشرط أن يذكر ما جرحه به؛ ليُنظر فيه؛ فقد يكون ذلك جرحًا في الحقيقة، وقد لا يكون؛ مثل مسألتنا هذه؛ فالسّبكيّ التبس عليه وعسر عليه فهم فتوى ابن تيميّة؛ فظنّ أنّه حرّم الزّيارة وشدّ الرّحال معًا؛ فأخطأ؛ فجاء العلماء فبيّنوا مقصود ابن تيميّة من هذا الكلام؛ وأنّ مقصوده من هذا تحريم شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة - كما قال رسول الله ﷺ، فإذا شدّ الرّحل بنيّة الصّلاة في مسجده؛ استُحب له أن يزور قبر النّبيّ ﷺ، وإذا نواها مع الصّلاة؛ فلا بأس.
فهذا ملخّص ما قال ابن تيميّة؛ فهل يقول أحد: إنّ هذا يفيد تحريم الزّيارة إلَّا مَن أعمى الله بصره وقلبه واتّبع الشّيطان وحزبه؟!
وأمّا قوله: «كما رآه السّبكيّ في فُتيا له بخطّه»؛ فجوابه: أنّ الفُتيا التي رآها السّبكيّ قد ذكرها بالحرف الواحد في كتابه «شفاء السّقام»، ومذكورة أيضًا في عدّة كتب لشيخ الإسلام، وعليها خطوط علماء بغداد من أهل المذاهب الأربعة، وليس فيها ـ
[ ٢٢٨ ]
ولله الحمد - حرف يوهم تحريم الزّيارة - كما زعمتَ ـ، ولولا طولها لأثبتُها هنا؛ ولكن حيث أنّ الكتب التي توجد فيها مطبوعة منتشرة؛ فلا حاجة بي لذكرها. نعم؛ قد توهّم السّبكيّ هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ فشيخ الإسلام تمثّل بهذا البيت:
عليك في العلم أن تبدي غوامضه غَلَطَ في فهم كلامه فأخذ يُغلّط غيره
فأمّا شيخ الإسلام فلا ملامة عليه، ومَن لامه فهو المخطئ؛ لأنّه بيّن الحقّ بأوضح عبارة؛ وإنّما اللّوم على مَن لم يفهم كلام أهل العلم؛ فيغلّط ويخطّئ ويأخذ يشنّع عليهم، وابن حجر هذا قد نقل عبارات السّبكيّ كلّها من غير تصرّف، ونسبها إلى نفسه - والله أعلم بقصده ـ؛ فاتبّع غيره في خطيئته فضلّ وأضلّ، وهذا جاءه من شؤم التّقليد الأعمى؛ فنسأل الله - تعالى - السّلامة من الضّلال بعد الهدى، آمين.
وقوله: «ومَن هو ابن تيميّة؟» فيُقال له: ومَن أنتَ يا ابن حجر؟! وهذه كتب طبقات الرّجال قد أوضحت لنا رتبته ورتبتك؛ فعلمنا أنّ الفرق بينك وبين ابن تيميّة كبعد المشرقين! وهذه مصنّفاته شاهدة بعظم فضله، وكلّها مؤيّدة ومقرّرة لهذا الدّين. وأمّا أنتَ فأين مصنّفاتك؟ وكلّها لم تبلغ معشار عشر مصنّفاته، لا في العلم ولا في الحجم، وأحسن ما في كتبك: كتاب «الزّواجر عن اقتراف الكبائر»، إن صحّت نسبته لك؛ وقد رأيتُ أنا في كتاب «عقود الجوهر في تراجم مَن له خمسون مؤلّف فأكثر»، ذكر فيه اسم هذا الكتاب ونسبه للحافظ شيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلانيّ، شارح البخاريّ، ذكر ذلك في ترجمته. وإن صحّت نسبته لك؛ فأنتَ مسبوق به؛ فقد ألّف النّاس قبلك كتبًا في عدّ الكبائر؛ كالحافظ الذّهبيّ، والإمام
[ ٢٢٩ ]
شمس الدّين ابن القيّم، وغيرهما.
وأمّا ما أطال به من السّبّ والشّتم لشيخ الإسلام؛ فإنّي أتركه له؛ لأنّه هو الأجد والأحرى به. ولما أفلس من الجواب؛ أخذ يُشَنّع بالشّتم والسّباب، وهذا شأن سفلة النّاس لا شأن أهل العلم، والسّبّ لا يظهر علمًا ولا يبني حقًّا؛ ولذلك لم نشتغل بمكافأته عليه.
وأمّا تعريضه - في أثناء سبّه - بقوله: «وجاء بعده من الحنابلة ممّن هو على مذهبه»؛ يعني به: الحافظ شمس الدّين ابن عبد الهادي، صاحب كتاب «الصّارم المنكي في الرّد على السّبكيّ»، وهو كتاب ليس له نظير في بابه؛ بيّن فيه حال الأحاديث التي أوردها السّبكيّ في الزّيارة شاهدًا لها بالصّحّة؛ فبيّن ضعفها ووضعها، كما بيّن ما افتراه السّبكيّ على شيخ الإسلام. فكان يلزم هذا المعترض بدل أن يشتغل بالسّبّ يشتغل بالرّدّ على هذا الكتاب، إن كان عنده علم؛ وإلَّا فكان يسعه السّكوت، ومن أين لك ذلك، والحافظ ابن عبد الهادي لم يتكلّم على هذه الأحاديث إلَّا بكلام أهل الفنّ فيها؛ فما ذنبه؟!
وقوله: «وأطال الكلام بما تَمُجّه الأسماع» - يعني: ابن تيميّة ـ!
وجوابه: نعم؛ أمثالكم الذين لم يألفوا الدّليل، وحرّموا عىل أنفسهم وعلى النّاس الاستهداء بالكتاب والسُّنّة؛ فلا يستطيعون سماع الأدِلّة إذا تواردت عليهم؛ لأنّها مخرّبة لبنيانهم، وهادمة لقواعدهم، مزعزعة لأصولهم، وأمّا المقتدون المتّبعون للدّليل؛ فإنّهم يجدون حلاوة واطمئنانًا في أنفسهم عند سماع الدّليل، وتنقبض نفوسهم عند سماع قال وقيل، ومِن المعلوم أنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة لم يتكلّم في هذا الكتاب الذي ردّ به على القاضي المالكيّ في مسألتنا هذه - بل وفي سائر كتبه - إلَّا بصريح الأدِلّة النّقليّة والعقليّة، مع استفراغ الوسع في استنباط الأحكام منها.
[ ٢٣٠ ]
فأيّ لوم يلحقه في ذلك، وهو مأجور على كلّ حال، أصاب أو أخطأ، وأمّا ابن حجر فلا حظّ له من ذلك؛ لأنّه حرّم على نفسه العمل بالدّليل وألزمها التّقليد، وشتّان بين الرّجلين؛ فإنّ المجتهد هو الذي يكون مأجورًا في الحالين - أصاب أم أخطأ ـ، وأمّا مَن قلّده فليس له ذلك؛ لأنّ الله يقول - وهو أصدق القائلين ـ: ﴿واتّقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ .
وأمّا قوله: «وسوّلت له نفسه حتى ضرب مع المجتهدين بسهم صائب » إلخ:
فجوابه أن يُقال: أمّا شيخ الإسلام فقد شهد له بالاجتهاد في زمانه سبعون مجتهدًا؛ أنّ شروط الاجتهاد قد استجمعها وزيادة؛ كما دلّت على ذلك مصنّفاته التي ملأت الآفاق، وشهد بحسن جودتها المخالف والموافق؛ فلا غرو بعد هذا أن يدّعي الاجتهاد.
ويقال أيضًا لابن حجر: هذا باب الاجتهاد الذي سددتموه؛ من الذي أمركم بسدّه؟ وفي أي زمان كان سدّه؟ أمّا تستحون من هذا المقال الذي لا يصدر إلَّا عن جاهل محتال؟! فكم من خير عن الأُمّة بمقالكم هذا منعتموه، وكم من بدع وخرافات وترهات ألصقتموها بالدّين بسبب هذا الافتراء العظيم، منعتم الناس أن يستهدوا بكتاب ربّهم وسُنّة نبيّهم وأقوال سلفهم؛ لتروج عليهم بضاعتكم المزجاة، وتنفقوا عليهم سلعتكم؛ توسلًا لحبّ المال والجاه! فلمّا رأى شيخ الإسلام ما حلّ بالدّين وأهله من سوء صنيعكم هذا؛ قام لله بصدق عزم، وقوة حزم، ومعه تلميذه الإمام شمس الدّين ابن القيّم، وفي أثرهم الحافظ ابن عبد الهادي، والحافظ ابن كثير والحافظ ابن الوزير اليمانيّ، وتبعهم الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر السعقلاني، والحافظ السّخاوي، والحافظ جلال الدّين السّيوطيّ، وفي أثرهم جاء الحافظ شيخ الإسلام محمد بن إسماعيل الأمير الصّنعاني، والحافظ شاه ولي الله المحدّث الدّهلويّ، والحافظ شيخ الإسلام قاضي اليمن محمد عليّ الشّوكانيّ، والإمام المحدّث السّيد صدّيق حسن خان، وخلق سواهم؛ وهجموا بأجمعهم وقوة عزمهم وجنانهم على باب الاجتهاد الذي سدّه أهل البغي والعناد؛ ففتحوه، وصار النّاس يدخلون في دين الله أفواجًا، حتّى النّصاري واليهود وأهل المِلل المختلفة، الذين كان لا يمنعهم عن الدّخول فيه إلَّا تشعّب الفرق والأحزاب والبدع والخرافات؛ فكانوا يحسبون أنّ هذا كلّه دين؛ فلمّا جاء هؤلاء الأئمّة الذين وصفنا حالهم، وبيّنوا للنّاس ما هو من الدّين وما هو بريء منه - بل يشتكي إلى الله من
[ ٢٣١ ]
نسبة هذا إليه ـ؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا؛ فقد سنّوا للنّاس سُنّة حسنة، يلحقهم ثوابها في قبورهم، وأمّا مخالفوهم الذين منعوا النّاس عن الاستدلال
بالكتاب والسُّنّة، وأوجبوا عليهم قبول أقوالهم وإن كانت مصادمة للقرآن العزيز؛ فقد سنّوا للنّاس سُنّة سيّئة يلحقهم وزرها إلى قبورهم؛ ﴿فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون﴾: الذين آمنوا بالله ورسوله، واتّبعوا ما أُنزل عليه وما بيّنه من قوله وفعله، وتمسّكوا بهديه، وأوجبوا على النّاس ذلك كلّه، وحرّموا عليهم أن يقدّموا عليه قول أحد من النّاس كائنًا مَن كان، أم الذين قالوا: يحرم على كلّ أحد بعد الأئمّة الأربعة أن يأخذ أو يستدلّ على مسألة ما بآية أو سُنّة؟! فنعوذ بالله من الخذلان، ونسأله السّلامة إلى دار السّلام.؟
وأمّا قوله: «هذا ما وقع من ابن تيميّة مما ذكروا - وإن كان عثرة لا تقال أبدًا، ومصيبة يستمرّ عليه شؤمها دوامًا سرمدًا - ليس بعجيب» !
أقول له في الجواب: هذا قد تقدّم الجواب عنه عند قول السّبكيّ له؛ وبيّنّا أنّ شيخ الإسلام ما قال ذلك عن هوى وتشهي؛ بل قاله عن اجتهاد وتفحّص [للأدِلّة] الشّرعيّة العقليّة؛ ولذلك حكمنا له بأنّه مأجور - أصاب أم أخطأ ـ؛ بشهادة الرّسول ﷺ؛ فلا يحلقه لوم ولا شؤم، وأمّا أنتم فأهل اللّوم والذّمّ؛ لأنّكم ما حكّمتم الدّليل في شرع الملك الجليل؛ بل قلّد بعضكم بعضًا في أصول الدّين وفروعه؛ فجنايتكم على الدّين وأهله أشهر من أن تُشهر، وأوضح من أن تُذكر - وقد سبق منّا بيان بعض ذلك ـ.
وقوله: «إنّه خالف إجماعهم في مسائل كثيرة» .
وجوابه أن يُقال: أوجد لنا مسألة من مسائله التي خالف فيها إجماع الأُمّة حتى ننظر فيها! وأمّا هذا القول المجمل فلا يُطالب بالجواب عنه. ومن أين لك معرفة بالأجماع؟! والدّليل على جهلك به: نقلك مثل هذا عن شيخ الإسلام؛ فإن كان قد قلتَ هذا مقلّدًا لغيرك؛ فهو جهل على جهل! وإن كان قلتَه بعد اطّلاعك على مسائله التي خالف فيها غيره؛ فهو أعظم دليل لنا على أنّك لا تعرف الإجماع ولا مواقعه، وأنّى يُسلّم لك هذا الافتراء؛ وما من مسألة خالف فيها شيخ الإسلام إلَّا هو مسبوق بها، وهب أنّه لم يُسبق بمَن قال مثل قوله؛ ولكن ما قال ذلك إلَّا بدليل صحيح؛ فأيّ لوم عليه ونحن مطالبون بالعمل بالحديث الصّحيح، سواء عمل به الكثير أو القليل، أو لم يُعرف أحد عمل به، والإجماع لا ينسخ
[ ٢٣٢ ]
ولا ينسخ به - على فرض تسليم وقوعه؛ ودون ذلك خرط القتاد ـ!
وأمّا قوله: «وتدارك على أئمّتهم، سيّما الأئمّة الرّاشدين» .
فجوابه أن يُقال له:
أولًا: إنّ تدارك العلماء بعضهم على بعض لم يزل بين الأُمّة معروفًا مشهورًا، قديمًا وحديثًا، لم ينفرد به شيخ الإسلام؛ فهذا الشّافعيّ ﵁ قد ردّ على أهل العراق وردُّوا عليه، وردّ على مالك في بعض المسائل وردّوا عليه، ولم يزل الردّ من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم مستعملًا إلى يومنا هذا؛ فلِمَ تركتَ كلّ هؤلاء وأخذتَ تشنّع على شيخ الإسلام؟!
وقوله: «سيّما الخلفاء الرّاشدين»؛ أقول: هذه المقالة كذب محض؛ لا تُعرَف في شيء من كتب شيخ الإسلام؛ بل الموجود في كتبه الذّبّ عن الصّحابة أجمعين، خصوصًا الخلفاء الهادين المهديّين، وهذا كتابه في الرّدّ على الرّافضة شاهد بذلك. وهب أنّه أستدرك عليهم بعض المسائل؛ فلا بدع؛ لأنّهم ما كانوا معصومين؛ بل يجوز أن يخطئ كلّ أحد منهم؛ كما يعرف هذا مَن تتبّع سيرهم وأقوالهم؛ فقد ثبت عن الخليفة أبي بكر الصّديق أنّه كان يقول أذا أفتى في مسألة ليس لها نصّ صريح: «إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشّيطان؛ والله ورسوله منه بريء»، وقد رجع أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب عن بعض المسائل - وهذا معروف في كتب الحديث والفقه ـ، وكثير من المسائل التي كان يفتي بها بعض الصّحابة لم يعمل بها في المذاهب الأربعة، وهي ثابتة عنهم بالنّقل الصّحيح؛ مثل: ما ثبت عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ من جواز نكاح الرّجل ابنة زوجته إذا لم تكن في حجره؛ عملًا بظاهر القرآن، ومثل: ما ثبت ع نابن عباس وغيره من جواز نكاح المُتعة، وأنّه لم
[ ٢٣٣ ]
يُنسَخ، وغير ذلك من المسائل التي يكول ذكرها؛ فلو خالف أحد شيئًا من هذه المسائل بدليل ظهر له؛ لم يكن منتقصًا لأحد من أصحاب النّبيّ ﷺ ولا غيرهم؛ لأنّ الدّليل كما هو حجّة علينا؛ فهو حجّة على الصّحابة - رضوان الله عليهم أجمعين ـ.
ولعلّ ابن حجر يومئ بكلامه هذا إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميّة من أنّ الطّلاق الثّلاث إذا كان مجموعًا في كلمة واحدة؛ فلا يقع إلَّا طلقة واحدة، كما جاء ذلك في صحيح مسلم؛ ولفظه: كان الطّلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر: الثّلاث واحدة، حتى قال عمر: «إنّ النّاس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة؛ فلو أمضيناه عليهم؛ فأمضاه عليهم»؛ فقال شيخ الإسلام ابن تيميّة عند هذا: إنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب فعل ذلك قبل أن يُفتح على النّاس باب التّحليل - الذي لعنه رسول الله ﷺ، ولعن فاعله، وسمّاه بالتّيس المستعار ـ، ولو كان يعلم ابن الخطّاب أنّ النّاس سيفعلون ذلك؛ ما أمرهم بوقوع الطّلاق ثلاثًا؛ وهذا مصداق ما قال بعض الصّحابة: «ما ضُيّعت سُنّة إلَّا وظهرت بدعة»، وما زال أمر التّحليل يتفاقم حتى بلغ ما بلغ، وأقلّ مفاسده: التّعرّض للعنة الرّسول ﷺ، وإفساد الزّوجة، وتغيير حكمة الشّرع التي شرع لها الزّواج، ومفاسد كثيرة جدًّا لا تحصى - ذكر بعضها الإمام ابن القيّم ـ؛ فلو بقي النّاس على ما كانوا في عهد نبيّهم ﷺ وعهد أبي بكر؛ لكان خيرًا لهم وأقوم، ولانسدّ عليهم باب مفاسد الحيل، التي كادت أن تُضيّع الدّين جملة، وقد أدخلوها في النّكاح، والصّلاة، والزّكاة، والصّوم، وفي أكل الرّبا والحقوق، وغير ذلك.
والحاصل: أنّ قول الله ورسوله مقدّم على رأي كلّ أحد من النّاس كائنًا مَن كان.
وأمّا من قوله: «حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس ﷾ عن كلّ نقص، والمستحقّ لكلّ كمال ـ؛ فنسب إليه العظائم والكبائر، وخرق سياج عظمته وكبرياء جلالته؛
[ ٢٣٤ ]
بما أظهره للعامّة على المنابر من دعوى الجهة والتّجسيم، وتضليل مَن لم يعتقد ذلك من المتقدّمين والمتأخّرين؛ حتى قام علماء عصره وألزموا السّلطان قتله أو حبسه وقهره، إلى أن مات؛ وخمدت تلك البدع وزالت تلك الظّلمات» ! انتهى كلامه بحروفه.
وجوابه أن يُقال:
أولًا: سبحانك هذا بهتان عظيم! ومَن قرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة في التّوحيد وغيره؛ علم قطعًا براءته مما نَسب إليه هذا الكذّاب المعتدي - وهو ابن حجر ـ؛ فقد ردّ فيها على المجسّمة والمشبّهة، وليس فيها حرف واحد يشعر بما قاله وافتراه هذا الرّجل. نعم؛ قد أثبت لله ﷾ أسمائه وصفاته التي ورد بها القرآن والسُّنّة من غير تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل، فإن كان هذا تجسيمًا وإثبات جهة عند ابن حجر؛ فلا يختصّ به شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ لأنّه ليس أوّل مَن قال به؛ بل هذه الصّفات نزل بها القرآن العربيّ، وتكلّم بها النّبيّ الأُمّيّ في وسط أصحابه - الذين هم أعلم العرب باللّغة الفصيحة ـ، ونقلها عنهم خلف عن خلف، ولم يثبت عن أحد منهم أنّه أوّل شيئًا من ذلك؛ فهل كانوا في ذلك مجسّمين ومثبتين للجهة ومنتقصين ربّهم؟! فإن اعتقد ابن حجر فيهم ما اعتقده في شيخ الإسلام فهو أصل الضّلال وأجهل الجهّال، وإن كان يقول: ما كانوا يعتقدون ذلك؛ فقد خالف ما يشهد به النّقل والعقل وإجماع الأُمّة.
والحاصل: أنّ ردّه على شيخ الإسلام متضمن الرّدّ على النّبيّ ﷺ وعلى أصحابه وتابعيهم والأئمّة المجتهدين - عرف ذلك أو جهله ـ، بل ردّ على الله ﷾: فأمّا ردّه على النّبيّ ﷺ؛ فلأنّه هو السّائل للجارية بقوله: «أين الله؟»؛ فقالت: في السّماء؛ فقال لسيّدها - أي: مالكها ـ: «أعتقها؛ فإنّها مؤمنة»، وهو القائل: «ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا » الحديث وغير ذلك من الأحاديث الواردة في الصّفات؛ المفيدة أنّ الله في السّماء، وأنّه فوق العرش، وأنّه ﷾ موصوف بكل ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، والكيف في جميع ذلك غير
[ ٢٣٥ ]
معقول. فهذا هو الذي كان عليه أئمّة سلفنا، وشيخ الإسلام لم يزد عليه؛ بل انتصر له، وردّ على مَن يخالفه ويتأوّله حتى وصف ربّه بصفات العدم المحض - فرارًا من التّجسيم بزعمه ـ! وألزمه أيضًا التّجسيم فيما أثبته لله - تعالى - من الصّفات - كالعلم والحياة والإرادة والسّمع والبصر والكلام (الذي ليس بحرف ولا صوت) ـ؛ لأنّ هذه الصّفات كما هي ثابتة لله ﷿ فهي ثابتة للمخلوقين.
فإن قال: علم الله - تعالى - ليس كعلمنا، ولا حياته كحياتنا، ولا إرادته ولا سمعه ولا بصره ولا كلامه
الجواب: قلنا له: كذلك استواؤه ﷾ على عرشه ليس كاستوائنا، ولا نزوله، ولا وجهه، ولا عينه، ولا نفسه، ولا يداه، ولا قدمه، ولا ساقه، ولا إتيانه، ولا ضحكه، ولا رضاه، ولا غضبه، ولا فرحه، ولا تعجّبه، وأيّ فرق بين ما أثبته له وبين ما نقيته عنه من الصّفات التي ذكرناها، والثّابتة له - تعالى - بنصّ القرآن والسُّنّة الصّحيحة؛ فما هذه إلَّا مكابرة وتفريق من غير فرق.
والحاصل: أنّ الرّدّ على هؤلاء في مثل هذه المسائل يطول جدًّا، وقد أراحنا فيه أئمّتنا المتقدّمون والمتأخّرون - كأبي حنيفة في «الفقه الأكبر»، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد، وغيرهم؛ مثل: البخاريّ، وأهل الحديث كلّهم (رضوان الله تعالى عليهم)، فمن بعدهم شيخ الإسلام ابن تيميّة، والحافظ ابن القيّم، وغيرهما من المتأخّرين ـ؛ جزاهم الله خيرًا.
ولشيخ الإسلام أن يتمثّل بقول بعضهم:
إن كان تجسيمًا ثبوتُ صفاتِهِ فإنّي بحمد الله عبدٌ مجسّم
وما ضرّه أن يقول فيه ابن حجر ما قال إذا كان قد اقتفى فيما ذهب إليه سلفه الصّالح، فإن كان إثبات هذه الصّفات خرقًا لسياج عظمة الله - تعالى - وكبريائه، وأنّ ذلك من نسبة العظائم والكبائر - كما قاله هذا الجاهل بربّه ـ؛ فهو ﷾ هو الذي وصف نفسه بنفسه؛ فقال - تعالى ـ: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ - في سورة طه ـ، وقال - تعالى ـ: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ - في سورة تبارك ـ، وقال - تعالى ـ: ﴿إليه يصعد الكلم
[ ٢٣٦ ]