وافتراء على الشّيخ؛ وكتبه على خلاف ذلك، وقد ردّ هذا وأنكر نسبته إلى الشّيخ ابن تيميّة الحافظ العينيّ - شارح البخاريّ ـ، وهو أعلم بمصنّفات شيخ الإسلام من ابن حجر بأضعاف، ولقرب عهده منه. وهذه الحكاية السّخيفة من نقل كذّاب عن كذّاب؛ فنعوذ بالله من حال مَن يخلق ما يقول.
والحاصل: أنّ هؤلاء الذين عطّلوا الله عن صفاته الخبريّة، وأوّلوها بآرائهم؛ فإنّهم أولًا شبّهوا ثم عطّلوا؛ لأنّهم ما عقلوا من هذه الصّفات إلَّا صفات المخلوفين؛ فلذلك نزّهوا الله عنها زعمًا منهم أنّ إثبات ذلك يُفضي إلى التّجسيم، وما دروا أنّ الله ﷾ كما أنّ ذاته مخالفة للذّوات؛ فصفاته مخالفة للصّفات؛ فقالوا: إنّ إثبات صفة الكلام له - تعالى - يقضي أنّ له جارحة يتكلّم بها؛ لأنّه ما عهد كلام من غير جارحة، وغفلوا أنّ بعض المخلوقات قد تكلّمت من غير جارحة، كما أخبر الله عن السّماوات والأرض؛ إذ قال لها: ﴿ائتيا طوعًا أو كرهًا﴾؛ قالتا - السّماوات والأرض ـ: ﴿أتينا طائعين﴾، ومثل: تسبيح الحصى في كفّه ﷺ، ومثل: شهادة الأعضاء على العباد يوم القيامة، وإخبار الأرض بما وقع عليها يوم القيامة أيضًا؛ فهل جميع ذلك كان لها لسان وفهم؟! كلَّا؛ فكيف بمَن هو على
[ ٢٣٨ ]
كلّ شيء قدير؟! فيتكلّم كيف شاء ومتى شاء، وقد أرانا الله ﷾ في الدُّنيا مثالًا؛ وهو الفوتوغراف؛ يتكلّم ويقرأ من غير لسان، وهو صنعة لبعض المخلوقين؛ فلله المثل الأعلى.
فلمّا لم يعقلوا كلامًا من غير جارحة؛ قالوا بالكلام النّفسيّ، ومنعوا أنّ الله ﷾ يكون قد أسمع موسى كلامه؛ بل خلق الكلام في الشّجرة! وأنّه لم يتكلّم بهذا القرآن العربيّ الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه بأيدينا في مصاحفنا؛ وقالوا: هذا القرآن مدلول كلام الله أو عبارة أو حكاية! وأنّه يُطلق عليه كلام الله مجازًا لا حقيقة! ومنعوا أنّ الله - تعالى - يُسمِع كلامه بعض خلقه؛ كما روى ذلك البخاريّ في «صحيحه»؛ عند تفسير قوله - تعالى - في سورة سبأ: ﴿حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم﴾، وكذلك سائر الصّفات منعوا إثباتها له - تعالى ـ؛ خوفًا من التّشبيه، وخفي عليهم ما قاله ابن عبّاس من أنّه: ليس شيء في الدّنيا يشبه ما في الجنة مما أعدّه الله لأوليائه المتّقين الصّالحين، إلَّا مجرّد الاشتراك في التّسمية. والحال: أنّ الله ﷾ يقول - وهو أصدق القائلين - في وصف الجنّة: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمّان﴾، ومن المعلوم أنّ الدّنيا فيها نخل ورمّان، ولكن لما كان النّخل ليس كالنّخل الذي في الجنّة ولا الرّمّان كالرّمان؛ عُلم منه أنّه محض اشتراك في التّسمية فقط. والمقصود: أنّ هؤلاء لمّا حكّموا عقولهم في النّصوص الشّرعيّة وأوّلوها بأهوائهم؛ ضلّوا وأضلّوا، ولم ينفعهم قولهم: «إنّ خصومنا لا يمكن ردّهم إلَّا بأدِلّة العقل، وأمّا النّصوص السّمعيّة فلا تجدي معهم نفعًا»؛ لأنّهم - في الحقيقة - لا للإسلام نصروا ولا لعدوهم كسروا؛ بل أوقعوا النّاس في الشّك والحيرة، ولو التزموا طريقة القرآن والسُّنّة؛ لكانوا هادين مهديّين، ناصرين للإسلام وأهله. فنسأله - تعالى - التّوفيق والعصمة.
وأمّا قول ابن حجر: «حتّى قام عليه بعض علماء زمانه؛ فكلّموا السّلطان في حبسه وقتله» .
فجوابه: هذا صحيح؛ وهذه سُنّة الله في حقّ كلّ مَن قام لله منتصرًا؛ لأجل أن يجعل له أسوة بالأنبياء والرّسل - صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ـ؛ لأنّ
[ ٢٣٩ ]
العلماء ورثة الأنبياء، وقد قال ﷾: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾، وقال - تعالى ـ: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا من المجرمين﴾ . والحاصل: أنّ عداوة أهل الجهل للعلماء معروفة، لا ينكرها أحد؛ فلو أقنعوه بالحُجج والبراهين النّقليّة والعقليّة؛ لأرضوا بفعلهم ربّهم والنّاس أجمعين، ولكن من أين لهم علم يقاومون به هذا الطّود العظيم؛ فلما عجزوا عن مناظرته أمام السّلطان في مصر؛ أخذوا يسعون في أذاه، ويُغرون به الملوك والأمراء؛ فكان له في ذلك أجر وعليهم وزر، وعند الله تجتمع الخصوم.
وأمّا كونه مات في السّجن؛ فلا عجب، وكم من إمام حُبس في السّجن حتى مات، وهل أحد أُوذي في الله مثل أهل العلم؟! تأمّل في التّاريخ؛ تجد ما وقع للأئمّة المجتهدين وأهل البيت وغيرهم. فالشّيخ أراد الله - تعالى - له أن ينظمه في سلك الذين أُوذوا فيه وصبروا؛ ليوفيهم أجرهم بغير حساب.
وأمّا قوله: «ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسًا، ولم يُظهر لهم جاهًا ولا بأسًا؛ بل ضربت عليهم الذّلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» !
فجوابه أن يُقال: قد ردّ الله - تعالى - هذا الكلام على قائله. وأمّا أتباع شيخ الإسلام؛ فقد أعلى الله - تعالى - قدرهم، ورفع ذكرهم، وانقاد النّاس لهم؛ حتى صاروا يهتفون ويترنمون في المجالس بذكرهم، ويفتخرون بالانتساب إليهم، وحقّق الله لهم ما قاله فيهم، وأنجز لهم وعده؛ حيث قال: ﴿وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين﴾، وقوله: ﴿فاصبر إنّ العاقبة للمتّقين﴾؛ فكانت العاقبة لهم؛ بأن نشر كتبهم في الآفاق، وانتفع بها الخاصّ والعامّ من كلّ جنس، حتى النّصارى واليهود على اختلاف مللهم؛ فطُبعت في بلادهم، فضلًا عن بلدان أهل الإسلام من كلّ جنس ومذهب، وعكف النّاس عليها قراءة وتدريسًا وكتابة، وتبيّن لهم أنّها هي كتب الدّين الصّحيح، وشواهد الحال تشهد بما قلناه؛ فليخسأ هذا المعترض!
ومن طالع كتاب «سجل أم القرى» الذي
[ ٢٤٠ ]