وقال الشّيخ تقيّ الدّين في ردّه على ابن البكريّ: وأمّا قول القائل: قد توسّل به الأنبياء آدم وإدريس ونوح وأيّوب؛ كما هو مذكور في كتب التّفسير وغيرها؛ فيقال: مثل هذه القصص لا يجوز الاحتجاج بها بإجماع المسلمين؛ فإنّ النّاس لهم في شرع مَن قبلنا قولان:
أحدهما: أنّه ليس بحُجّة.
الثّاني: أنّه حُجّة ما لم يأتِ شرعنا بخلافه، بشرط أن يثبت ذلك بنقل معلوم - كإخبار النّبيّ ﷺ. فأمّا الاعتماد على نقل أهل الكتاب أو نقل مَن نقل عنهم؛ فلا يجوز باتّفاق المسلمين؛ لأنّ في الصّحيح عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم» . وهذه القصص التي ذكر فيها توسل الأنبياء بذاته ليست في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصّحابة؛ وإنّما تذكر مرسلة؛ كما تُذكر في الإسرائيليّات التي تُروى عمّن لا يعرف. وقد بسطنا الكلام في
[ ٢٥٦ ]
غير هذا الموضع على ما نقل في ذلك عن النّبيّ ﷺ، وتكلّمنا عليه، وبيّنّا بطلانه. ولو نقل ذلك عن كعب ووهب ومالك بن دينار ونحوهم ممّن ينقل عن أهل الكتاب؛ لم يجز أن يحتجّ به؛ لأنّ الواحد من هؤلاء - وإن كان ثقة - فغاية ما عنده [أن ينقل] من كتاب من كتب أهل الكتاب، أو يسمعه من بعضهم؛ فإنّه بينه وبين الأنبياء دهر طويل، والمرسل عن المجهول من أهل الكتاب الذي لا يعرف علمه وصدقه لا يقبل باتّفاق المسلمين، ومراسيل أهل زمننا عن نبيّنا ﷺ لا تقبل عند العلماء، مع كون ديننا محفوظًا محروسًا؛ فكيف بما يرسل عن آدم وإدريس ونوح وأيّوب ﵈؟!
والقرآن قد أخبر بأدعية الأدنبياء وتوباتهم واستغفارهم؛ وليس فيها شيء من هذا، وقد نقل أبو نعيم في «الحلية» أنّ داود ﵇ قال: «يا ربّ؛ أسألك بحقّ آبائي عليك إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ فقال: يا داود؛ أي حقّ لآبائك عليّ» . فإن كانت الإسرائيليّات حُجّة؛ فهذا يدلّ على أنّه لا يسأل بحقّ الأنبياء، وإن لم تكن حُجّة؛ لم يجز الاحتجاج بتلك الإسرائيليّات. انتهى [كلامه] . فبيّن ﵀ أن لم يصح في هذا شيء عن النّبيّ ﷺ، وأنّ جميع ما رُوي في ذلك باطل لا أصل له. [اهـ] .
[ ٢٥٧ ]
فصل
وأمّا الكلام على حديث ابن عبّاس - وهو الحديث الثّاني ـ؛ فجوابه أن يقال: هذا الحديث أشدّ ضعفًا من الحديث الذي قبله - كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى ـ.
الحديث الثّاني المرويّ عن ابن عبّاس: قال في «الميزان» في ترجمة عمرو بن أوس: يجهل حاله، وروى حديثًا فذكره بتمامه، وقال: رواه الحاكم من طريق جندل بن والق، وأظنّه موضوعًا، وأمّا جندل بن والق؛ فقال مسلم في «الكنى»: ضعيف، ومثله عن البزّار، وأمّا علي شيخ الحاكم وهارون بن العباس الهاشميّ؛ فلم أجدهما في رجال «التّهذيب»، لكن ذكرهما في «الميزان»، ونقل تضعيفها عن الدّارقطنيّ. انتهى.
[ ٢٥٨ ]