ذلك فارجع إلى كتاب البخاري ومسلم و«خلق أفعال العباد» وتفسير ابن جرير، وغيرها من كتب السلف التي ألَّفوها [لبيان السنة] وللرد على أهل البدع والشُّبَه الذين يريدون أن يُبدلوا كلام الله.
فصل
وأما القسم الثاني: فقد سمَّوا أنفسهم علماء الفقه والفروع، وقرَّرُوا قاعدة؛ وهي: إذا جاء النص مخالفًا لقول متبوعهم يؤول إن أمكن، وإلَّا حاولوا ردَّهُ إمَّا: بطعن في أحد رجال إسناده ولو بشيء لا يُعَدّ طعنًا وجرحًا في الحقيقة. وتراهم إذا كان الحقَّ هم يُعَدِّلون هذا الراوي وإنْ جرحه عدد كثير. فخلاصة قاعدتهم: أنَّ ما ذهبَ إليه أصحابه هو الأصل، والنصوص الشرعية هي الفرع، فإن وافق الفرع الأصل قُبِل وإلَّا فلا! هذا ما قاله أبو الحسن الكرخي الحنفي. وحيث إن جميعهم قد علموا أن ضلالهم هذا لا يخفى على من رزقه الله فهمًا في كتابه واطلاعًا على سنَّة نبيه ﷺ؛ منعوا الناس بل حرَّموا عليهم الاهتداء بالكتاب والسُّنَّة، ولو بلغ في العلم أعلى درجات الغاية،
[ ٧٣ ]
وقالوا: إنَّ باب الاجتهاد والأخذ بالدليل قدانسدَّ، وليس عليكم إلا أن تدينوا الله بما في هذه الكتب التي وضعناها لكم، ولا تقرؤوا القرآن إلا للأموات والتعبد! ولا كتب الحديث إلا لإنزال المطر ودفع الوباء والبلاء وكل شدَّة! ومن جاءكم يستدلّ بشيء في القرآن والسنة فارموه بالتبديع والتضليل والتشنيع وشهروه بين الناس بأنه رجل يبغض الأئمة الأربعة؛ لينفر الناس عنه ويجتنبوه، ولا يسمعو قوله ولو تلا عليهم القرآن العظيم من أوله إلى آخره، وأتاهم بألف دليل! فانظر - هداك الله - إلى هذا المنكر العظيم!
فوالله؛ لو أحيا الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد في هذا الزمان؛ لتبرؤوا إلى الله من المنتسبين إليهم، وحماهم الله من أن يجعلوا أقوالهم مُقَدَّمة على قول الله ورسوله ﷺ. ومن طالعَ كتب الأئمة المنسوبة إليهم؛ وجد فيها شِدَّتهم على تاركي السُّنَّة، والحث على اتباعها، والتبرؤ إلى الله من تقديم أقوالهم عليها، وكيف يُظَنُّ بهم ذلك وهم أئمة الهدة ومصابيح الدّجى؟! فرضي الله عنهم أجمعين! ونفعنا بعلومهم وحشرنا في زمرتهم، آمين.
[ ٧٤ ]
وإذا أردتَ الوقوف على نهيهم عن التقليد وكراهتهم له، وحث الناس على الأخذ بالدليل، فإن وافق قولهم الدليل قُبِلَ وإلا فيُرَدُّ قولهم بحديث النّبيّ ﷺ؛ فعليك بكتاب «جامع بيان العلم وفضله» للحافظ ابن عبد البر، وكتاب «إعلام الموقعين» للحافظ ابن القيم، و«محاورة المصلح والمقلد» للسيد رشيد رضا، وغيرها من الكتب المؤلفة في هذا الباب.
فصل
واعلم أني لا أقصد بالذمِّ إلا من كان متصفًا بهذه الصفات التي ذكرتها، وهو مرادي دائمًا في هذا المجموع؛ إذا ذكرتُ أقوامًا وشنَّعت عليهم فلا أقصد إلا مَن خالفَ الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، ولا أعمم سائرهم بالذمِّ والتشنيع؛ فإن ذلك خطأ عظيم؛ فمرادي بالرد على أهل هذين القسمين هو: ما حكيناه عنهم؛ وإلا فكثير من أتباع الأئمة الأربعة - رضوان الله تعالى عليهم - كانوا هادين مهديين، عاملين بأقوال الأئمة إذا كانت موافقة للكتاب والسنة، وإذا جاء الحديث مخالفًا لشيء من أقوالهم تركوا أقوالهم للسَّنة الصحيحة، فهؤلاء هم الذين اتبعوا الأئمة على الحقيقة؛ فرضي الله عنهم وشكر سعيهم. وأما من وصفنا حالهم في القسمين السابقين؛ فأولئك لا يقال لهم أتباع الأئمة؛ بل أناس اتبعوا أهواءهم وآراءهم من غير بيِّنة ولا توفيق من الشارع، ولا يَجْعَل أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم وحاشاهم أن يأمروا أحدًا أن يجعل أقوالهم هي الأصل والكتاب والسنة هما الفرع؛ فإن وافق
[ ٧٥ ]
شيء منها أقوالهم فذاك؛ وإلا فليس له مخرج. وهذ االذي ذكرته إنما هو شيء يسير من المفاسد التي حصلت من أهل التقليد.
بل هناك مفاسد أخرى تزيد بأضعاف مضاعفة عمَّا وصفته؛ فكم أُخرجت رجال من العلماء من بلادهم ظلمًا وعدوانًا، وكم تركت رجال من العلماء في غيابات السجن؛ فمنهم من مات فيه، ومنهم من فرَّج الله عنه، وكم من دماء قد سفكت، وبلاد للمسلمين في يد العدو قد سقطت. وهذا كله إنَّما هو من شؤم التقليد والانتصار لغير الله ورسوله.
فلو أراد هؤلاء بفعلهم هذا الانتصار لله ورسوله؛ ما حصل من ذلك شيء؛ لأن الله يقول - وبقوله يهتدي المؤمنون ـ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾، وقال - تعالى ـ: ﴿كتب الله لأغلبنَّ أنا ورُسلي﴾، وقال جلَّ ثناؤه: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾؛ فقوله حق ووعده صدق، فلما تغلب العدو على بلاد هؤلاء وغيرها من البلدان التي كانت عند المسلمين - وحيث أنه لم يكن ذاك كذلك ـ؛ علمنا قطعًا أن هرؤلاء ما أرادوا بفعلهم هذا وجه الله؛ بل أرادوا التقرب إلى الملوك والولاة وأرباب الدينا؛ فإذا وَلِيَ إمام حنفي قاموا لنصرة أبي حنيفة وأتباعه، وطعنوا [في] الشافعية؛ لأنهم إذ ذاك أهل شوكة، وإذا وَلِيَ إمام شافعي قامت الشافعية على الحنفية؛ فاقتصوا منهم بأضعاف ما فعلت الحنفية فيهم؛ جزاء وفاقًا، وهكذا كلَّما حُبِّبَ إلى أيّ إمام شيء من العلوم تراهم يهرعون إليه، يحسنون هذا العلم له، ويضعون فيه الكتب والرسائل؛ فأين هؤرء من علماء السلف الذين كانوا إذا طُلِبُوا هَربوا، وإذا دُعوا إلى أبواب الأمراء لم يُجِيبوا؛ فكم حُبِسَ بعضهم وضُرِبَ من أجل أنه لم يقبل القضاء! ورُوي عن الإمام مالك بن أنس ﵁ أنه لما طلبه الخليفة هارون الرشيد إلى بغداد ليسمع منه الموطأ؛ فأرسل له مالك بقوله: «يا بَني العباس
[ ٧٦ ]
العلم عنكم أُخذ والعلم يُؤتَى ولا يَأتي»؛ فلما بلغه كتاب مالك قال: صدق؛ وتوجه إلى المدينة؛ فسمع منه الموطأ، ثم أعطاه صلة عظيمة من الدنانير؛ فأخذها ووضعها في بيته ولم يتصرف فيها، ثم توجه أمير المؤمنين إلى مكة فحجَّ البيت ثم عاد إلى المدينة، وكلَّف الإمام بالذهاب معه إلى بغداد؛ فقال له مالك: «أما أنا فلا أخرج من مدينة رسول الله ﷺ، وأما الدنانير التي أعطيتنيها فهي موجودة لم
أتصرف في شيء منها» .
وهذا الإمام أبو حنيفة ﵁ لمَّا طُلِبَ إلى القضاء فلم يقبل فحُبِسَ وضُرِبَ على ذلك. فهكذا تكون العلماء؛ كما قال بعض الصّالحين: «ما أحسن الأمير عند باب [العالم] ! وما أقبح العالم عند باب الأمير» .
فصل
وهذا الذي قلته إنَّما هو بعض ما قاله أهل العلم في وصف هؤلاء المفتونين المغرورين، وقد رأيت من الصواب أن أنقل بعض عبارات من كلام الإمام حجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي - رحمه الله تعالى ورضي عنه - في كتابه «الإحياء»
[ ٧٧ ]
قال ما نصه:
«الباب الرّابع: في سبب إقبال الخلق على علم الخلاف، وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشرط إباحتها:
اعلم أنّ الخلافة بعد رسول الله ﷺ تولّاها الخلفاء الرّاشدون المهديّون، وكانوا أئمّة علماء بالله - تعالى ـ، فقهاء في أحكامه، وكانوا مستقلّين بالفتاوى في الأقضية؛ فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلَّا نادرًا في وقائع لا يُستغنى فيها عن المشاورة، فتفرّغ العلماء لعلم الآخرة، وتجرّدوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلّق بأحكام الخلق من الدُّنيا، وأقبلوا على الله - تعالى ـ[بكنه]
[ ٧٨ ]
اجتهادهم - كما نُقل من سيرهم ـ، فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولّوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام؛ اضُطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم؛ لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقي من علماء التّابعين مَن هو مستمرّ على الطّراز الأوّل، وملازم صفو الدِّين، ومواظب على سمت علماء السّلف؛ فكانوا إذا طُلبوا هربوا وأعرضوا؛ فاضطرّ الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات؛ فرأى أهل تلك الأعصار عِزّ العلماء وإقبال الأئمّة الولاة عليهم، مع إعراضهم عنهم؛ فاشرأبّوا لطلب العلم؛ توصّلًا إلى نيل العِزّ ودرك الجاه من قبل الولاة؛ فأكبّوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرّفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصّلات منهم؛ فمنهم مَن حُرم، ومنهم مَن أنجح، والمنجح لم يخل من ذلّ الطّلب ومهانة الابتذال؛ فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السّلاطين أذِلّة بالإقبال عليهم، إلَّا مَن وفّقه الله - تعالى - في كلّ عصر من علماء دين الله، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأمصار على علم الفتاوى والأقضية؛ لشدّة الحاجة إليها في الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصّدور والأمراء مَن يستمع مقالات النّاس في قواعد العقائد، ومالت
نفسه إلى سماع الحُجج فيها؛ فعُلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام؛ فأكبّ النّاس على الكلام، وأكثروا فيه التّصانيف، ورتّبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أنّ غرضهم الذبّ عن دين الله، والنّضال عن السُّنّة، وقمع المبتدعة، كما زعم مَن قبلهم: أنّ غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدّين وتقلّد أحكام المسلمين؛ إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم!
ثم ظهر بعد ذلك من الصّدور مَن لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه؛ لما كان قد تولّد من فتح بابه من التّعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه، وبيان الأولى من مذهب الشّافعيّ وأبي حنيفة ﵄ على الخصوص؛ فترك النّاس الكلام وفنون العلم، وأقبلوا على المسائل الخلافيّة بين الشّافعيّ وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد - رحمهم الله تعالى ـ
[ ٧٩ ]
وغيرهم، وزعموا أنّ غرضهم استنباط دقائق الشّرع، وتقرير علل المذهب، وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التّصانيف والاستنباطات، ورتّبوا فيها أنواع المجادلات والتّصنيفات، وهم مستمرّون عليه إلى الآن، وليس ندري ما الذي يُحدث الله فيما بعدنا من الأعصار! فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيّات والمناظرات لا غير، ولو مالت نفوس أرباب الدُّنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمّة، أو إلى علم آخر من العلوم؛ لمالوا أيضًا معهم، ولم يسكنوا عن التعلّل بأنّ ما اشتغلوا به هو علم الدِّين، وأنّ لا مطلب لهم سوى التّقرّب إلى ربّ العالمين. والله ﷾ أعلم» اهـ من إحياء علوم الدين.
قال شارحه السّيّد محمد مرتضى الزبيدي - رحمه الله تعالى ورضي عنه - عند قول المصنف: «وليس ندري ما الذي قدَّر الله فيما بعدنا من الأعصار» .
قلتُ: «ثم تعاظم الأمر في ذلك، وأوسعوا فيه الكلام ومالوا إليه مرة واحدة بحيث لا يعد العالم فيما بينهم إلا إذا استكمل الخلاف والجدل، وحصلت المناظرات بين الحنفية والشافعية، وترتب على ذلك تخريب بعض البلاد، وإجلاء بعض العلماء، ومن أعظمها ما حصل بمرو [أم] مدن خراسان بسبب ابن السمعاني وغيره، فهذا الذي ذكرته هو الباعث لهم على الإكباب والإقدام على الخلافيات والمناظرة
[ ٨٠ ]
والجدل لا غير»، إلى أن قال كلامًا حاصله: أن الملوك كلما مالوا إلى علم سواء كان من علم الشرع أو من علم الفلاسفة مالوا معهم، زاعمين أنهم قد أرضوا بفعلهم رب العالمين، وهم في ذلك من الخاطئين.
وكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى ولَيْلَى لَا تُقِرُّ لهم بِذَاكَا» انتهى.
قلتُ: ما ذكره الشارح من وقوع الفتن والقلاقل بين الشافعية والحنفية في مرو أم مدن خراسان بسبب ابن السمعاني له قصة غريبة تضحك الثكلى، ذكرها الشيخ تاج الدين عبد الوهاب السبكي بن علي السبكي الذي نحن بصدد الرد عليه، في «طبقات الشافعية الكبرى» له، وحاصلها: أن الإمام المظفر ابن السمعاني كان في بادئ أمره حنفيًّا تفقه على والده وغيره في الفقه الحنفي، وناظر وناضل، ثم رأى في منامه رب العزة ﷻ؛ فقال له: أما آن لك أن ترجع إلينا يا أبا المظفر! فلما أصبح أوَّلَها
[ ٨١ ]
بأن الله ﷾ يريد منه الانتقال من مذهب أبي حنيفة ﵁ إلى مذهب الإمام الشافعي ﵁؛ فقامت القيامة بين الحنفية والشافعية من أجل الإمام؛ فغلق المسجد القديم، ومُنِعَت الشافعية من إقامة الجمعة! فبالله عليك! تأمَّل منصفًا في هذه القصة؛ فهل يقول أحد من سفلة الناس فضلًا عن أهل العلم: أن مذهب أبي حنيفة خطأ وضلال واتباع غير دين المسلمين، حتى أن الله يقول لأبي المظفر: أما آن لك أن ترجع إلينا! بمعنى أن تترك مذهب أبي حنيفة وترجع إلى مذهب الشافعي، ليس لها تأويل إلا هذا؟! وكان من الممكن بل هو التحقيق إن صحَّت هذه الرؤيا لابن السمعاني؛ فتأويلها - والله أعلم - أن ابن السمعاني كان مشتغلًا بعلم الكلام المتضمن تأويل نصوص الصفات والمناظرة بالجدل انتصارًا لأبي حنيفة؛ فأراد الله هدايته وإنقاذه من المهلكات التي نهى الله عنها ورسوله؛ فأراه في نومه ما أراه. ومعنى «أن ترجع إلينا» بمعنى: أن ترجع إلى كتابنا وسنَّة نبينا؛ فتناظر وتناضل عنهما وتنتصر لهما، ولا تقدم قول أحد من الناس كائنًا من كان عليهما؛ فإن وافق قول متبوعك شيئًا منهما قُبِل، وإلا فيرد بكتابنا وسنة نبينا.
هذا هو التأويل اللائق برؤيا هذا الإمام؛ وقد أدرك ذلك وفهمه - رحمة الله تعالى عليه - فرجع إلى مذهب أهل الحديث، وتخرج فيه، ونبغ وبرع وصنَّف التصانيف النافعة. والحامل لنا على تأويل هذه الرؤيا أسبابٌ:
مِنها: أن المذاهب هذه لم تكن معروفة في عهد النّبيّ ﷺ ولا في عهد الصحابة ﵃؛ بل حدثت في أواخر المائة الثانية، هذا بالنسبة إلى وجود الأئمة الأربعة؛ وإلا فالتقليد لم يستفحل أمره إلافي المائة الرابعة؛ يُعْلَم ذلك من تتبع كتب الحديث وكتب الأئمة الذين كانوا قريبًا من عهد الأئمة الأربعة؛ كمختصر المزني
[ ٨٢ ]
والمدونة، وغيرهما. فكيف يظنّ أحد أن الله - تعالى - يأمر أحدًا من خلقه باتباع غير كتابه وسنة نبيه ﷺ.
ومنها: أن مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك ليس بعضها بأولى من بعض؛ إذ ما من مذهب من المذاهب إلا وفيه حق موافق للقرآن والسنة، وفيه من الرأي والاستحسان ما هو مخالف للنصوص الشرعية، ولكن يقال: بعضها أكثر صوابًا من بعض، ولكن خطأهم مغفور لهم خاصة دون غيرهم؛ لأنهم - رضي الله تعالى عنهم - لم يألوا جهدًا في تمحيص الحق وتوضيحه، وقد أفرغوا وسعهم في ذلك، و﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقد فعلوا ذلك لأنفسهم؛ خروجًا من التقليد المنهي عنه؛ إذ كان قبلهم من هم أعلم منهم، ولكن لما علموا علمًا ضروريًّا أن الله ﷿ لم يوجب على الناس إلا اتباع الكتاب العزيز وسنَّة نبيه ﷺ؛ لأنه المعصوم عن الخطإ، بخلاف غيره من الناس؛ فإنه يجوز عليه الخطأ مهما عَظُمَ قدره؛ إذ لا عصمة لغير الأنبياء - صلوات الله تعالى عليهم ـ، وأما من أتى بعد الأئمة الأربعة أو غيرهم فلا يغفر خطأه بتقليده لهم، ما لم يتبع طريقتهم في استنباط الأحكام، ويدأب في تحصيل ذلك كما دأبوا، ويتجشم الصعب لذلك كما تجشَّمُوا، ومن لم يكن عنده قدرة على ذلك فلا يجوز له أن ينتصر لأحد منهم بغير علم ولا سلطان بيِّن؛ بل عليه أن يسأل أهل العلم الموصوفين بهذه الصفات، والأمة لم تُعدَم - ولله الحمد - في كل زمان من هو موصوف بهذه الصفات؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على أمر الله لا يَضُرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»، وقوله ﷺ: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة مَن يُجَدِّد للناس أمرَ دينها»؛ فلا تخلو الأرض في كل زمان - ولله الحمد - من
[ ٨٣ ]
قائم لله بحجة.
وأما أهل الحديث - كَثَّرهم الله تعالى - في كل مكان في القديم والحديث؛ فهم أولى الناس بالله - تعالى - وبنبيه ﷺ وبالصحابة وبالتابعين وبالأئمة المجتهدين؛ لأنهم لم يقدموا قولًا على قول الله - تعالى - ورسوله، وجعلوا ذلك هو الأصل، وأقوال الناس هي الفرع؛ فإن وافقت هذا الأصل قُبَلَت وإلَّا رُدَّت؛ فإنها أحقر من أن تكون مساوية لقول الله ورسوله، فضلًا عن أن تُقَدَّم عليه؛ فهذا هو الذي نَدِين الله به وندعو الناس إليه.
فصل
وقد ذكر الإمام الغزالي للمناظرة آفات عشر، وهي أم الرذائل والفواحش؛ منها: النفاق، والحسد، والحقد، والعداوة، والبغضاء إلى غير ذلك، إلى أن قال: «وهذه غير ما يقع بين المتناظرين من الشتم والضرب وتمزيق الثياب وجر اللحا » إلى آخره.
[وأنا أقول]: هذا كله صحيح مشاهد لنا بالعيان، ولكن أقول: لا تُترك المناظرة والمناضلة عن الحق إذا حُسنت النية، وكان القصد نُصْرَة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكيف لا تغضب لترك الآية القرآنية والسنة الصحيحة النبوية، والله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾، وقال - تعالى ـ: ﴿وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾؟!
ومن المعلوم أن نصر الله ورسوله هو نصر كتابه وسنة رسوله ﷺ، خشية أن تقضي عليهما آراء الرجال، وهذ االاختلاف والتنازع لا يرتفعان أبدًا [إلا بالتحاكم إلى الكتاب والسنة]؛ لقوله - تعالى ـ: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، وقوله - تعالى ـ: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾؛ فقد أخبر الله ﷾ بوقوع التنازع والاختلاف، ولكن هذا التنازع والاختلاف لا يضر؛ لوجود
[ ٨٤ ]
القرآن والسنة الصحيحة بين أظهرنا؛ فالرد إليهما يسيرٌ سهلٌ جدًّا على من أراد الله هدايته.
وأما التنازع والاختلاف المضران؛ فهما: الرد إلى آراء الرجال واستحساناتهم؛ فهذا هو المضر؛ لأن الآراء والأفهام لا تنحصر ولا تنضبط؛ ولذلك كان يقول أبو حنيفة ﵁: «هذا رأي رأيناه فمن جاءنا بأحسنَ منه قبلناه» .
وهنا أسباب توجب الاختلافَ تَفاوتَ الناسُ في فهمها؛ وهي أسباب ثمانية ذكرها الإمام ابن رشد والإمام المرتضي شارح «الإحياء»، وهذا نصه؛ قال في الشرح المذكور: «ثم إن الشيخ - رحمه الله تعالى - ذكر سبب الإقبال على علم الخلاف والانكباب عليه، ولم يذكر الأسباب الموجبة للخلاف في هذه الملة؛ وهي ثمانية: الأول: اشتراكم الألفاظ والمعاني، الثاني: الحقيقة والمجاز، الثالث: الإفراد والتركيب، الرابع: الخصوص والعموم، الخامس: الرواية والنقل، السادس: الاجتهاد فيما لا نقل فيه، السابع: الناسخ والمنسوخ، الثامن: الإباحة والتوسيع» .
قلتُ: هذه الأسباب الثمانية هي التي يدور عليها قطب رحى علم أصول الفقه، ويا حبذا لو قصروا الكلام عليها كما فعل الإمام الشافعي ﵁ في رسالته التي وضعها في الأصول؛ بل ضموا إلى ذلك أقوال المعتزلة والفلاسفة وأهل
[ ٨٥ ]
الكلام؛ حتى كأنه علم كلام محض! كما أفاد ذلك السيد بدر الدين النعساني في كتابه «الإرشاد والتعليم»، وهذه الأسباب كلها موجودة في الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ فلا محيص عنها، ولكن قد قَلَّ الخلاف فيها بين المُحَدِّثين؛ لأنهم لم يدخلوا في شيء من الرأي والاستحسان؛ فأحكام القرآن متفقون عليها فيما أعلم، وأما أحكام السنَّة فالخلاف بينهم بين حديث صحيح وحسن، وضعيف وموضوع، وناسخ ومنسوخ، وبعضهم يرى هذا حديثًا صحيحًا، وبعضهم يراه حسنًا فقط. وبعضهم يقول: هذا حديث ضعيف لا تقوم به حجة، ولو كثرت طرقه، وبعضهم يقول: إذا تعددت طرقه قوَّى بعضها بعضًا وصلح للاحتجاج. وبعضهم يقول: يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال، وبعضهم يقول: لا يعمل به مطلقًا. وبعضهم يقول: هذا حديث موضوع، وبعضهم يقول: ليس هذا بموضوع؛ وله شواهد ومتابعات ترفعه عن درجة الوضع. فهذا الخلاف قريب الاتفاق؛
[ ٨٦ ]
لأنهم قد وضعوا علمًا لذلك سمَّوه (علم مصطلح الحديث)، يدخل فيه علم الجرح والتعديل؛ فمن رجع إلى هذا الفن رَدَّ الخلاف إليه؛ فلم يبقَ بعد ذلك عنده شك في أن هذا الحديث إما صحيح أو حسن، أو ضعيف أو موضوع. والله الموفّق.
هذا خلاف المحدثين في فروع الفقه، وأما في العقائد فلم يختلفوا قط؛ بل كلهم مجمعون على إثبات الصفات لله - تعالى - التي جاء بها القرآن وصحَّت بها الأخبار عن رسول الله ﷺ، من غير تأويل ولا تمثيل؛ فرحم الله الإمام السفاريني الحنبلي حيث يقول في عقيدته التي سمَّاها «الدرة المضية»:
ألم ترَ اختلاف أهل النظرِ وحُسْن ما نحاه أهلُ الأثرِ
فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى نبيهم فاقنع بهذا وكفى
فصل
ولعلَّ قائلًا يقولُ: قد ذكرتَ فيما مضى أنّه لا بُدّ من وقوع التنازع والاختلاف في الأحكام الشرعية كما أخبر الله، وكيف يستقيم هذا والله ﷾ نهانا عن التفرق في الدين بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وقوله: ﴿ولا تكونوا
[ ٨٧ ]