موصوفًا بها؛ فهذا يلزم عليه: أنّ النّبيّ ﷺ لم يُدْخِل النّاس في الدّين إلَّا بالكذب المحض - والعياذ بالله ـ! وأنّهم عرفوا الحقّ من عند أنفسهم، لا من الرسول، وأنّ الرسول ﷺ لم يُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم؛ بل غشّهم وكتم عنهم ما فيه هدى ونور لهم! فأيّ كفر أعظم، وأيّ مصيبة أطمّ، وأيّ ذنب أقبح، وأيّ بلاء على الإسلام والمسلمين أعمّ من هذا؟! فالويل كلّ الويل لمن حاد عن طريقة القرآن والسُّنّة؛ ﴿فبعدًا لقوم لا يؤمنون﴾ . ومثل قولهم: إنّ الرّسول أقرّ الجارية على قولها موافقة لها على عقلها؛ لأنّ عقلها يقصر عن معرفة أدِلّة النّظر! فيُقال لهم: هل أقرّها ﷺ على حقّ أم باطل؟ فإن كان الأوّل: فقد ارتفع النّزاع، ولزم أن تُجيبوا مَن سألكم بـ «أين الله؟» بقولكم: في السّماء، وتشهدون له بالإيمان، ونحن نراكم تُضلّلون وتكفّرون مَن سأل عن الله بـ «أين؟»، والمجيب له بأنّ: الله في السّماء.
وإن كان الثّاني: لزمكم القول بما ألزمنا سابقًا من أنّه ﷺ كان يقرّ النّاس على الكفر! بل يتكلّم بما ظاهره كفر صراح من غير أن يؤوّله لهم! وهل الكفر الذي ما فوقه كفر إلَّا مثل هذا؟! وهل ثَمّ تنقيص لرتبة النّبيّ ﷺ أعظم ولا أحطّ قدرًا من هذا؟! ومع هذا كلّه تقولون لمن أدّاه الدّليل إلى مسألة: أنّه لم يعظّم النّبيّ؛ بل نقصه عن رتبته؛ حيث لم يجوّز السّفر إلى زيارته من غير قصد الصّلاة في مسجده! فهل هذا إلَّا كما قيل: «رمتني بدائها وانسلّت»؟! وهل هتك ستركم، وكشف عورتكم، وأظهر للنّاس سوء معتقدكم وما انتقصتم به ربّكم ونبيّه، وإعراضكم عن الكتاب الذي جاء به؛ إلَّا شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيميّة؛ فروّح الله روحه، ونوّر ضريحه.
وأمّا جنايتهم على السُّنّة:
فمنها: ما تقدّم في القرآن العزيز.
ومنها: ردّ السُّنَن
[ ٢١٦ ]
الصّحيحة الواردة في الصّفات بقولهم: هذه أخبار آحاد! فلا يجوز وصف الباري - تعالى - بمثلها، ولا يُقبل في الصّفات إلَّا الأخبار المتواترة! وإذا جاءهم الخبر المتواتر أوّلوه بآرائهم. فالحاصل: أنّهم لا يقبلون الأحاديث الواردة في الصّفات، وإذا كانوا قد أوّلوا آيات الكتاب العزيز الواردة في صفات الله ﷿؛ فالسُّنّة بطريق الأولى!
ومنها: تقديمهم آراء متبوعهم عليها؛ حتى قال بعضهم: «إنّ كلام أصحابنا هو الأصل، وما جاء من السُّنّة إن كان موافقًا لهم قُبِل، وإلَّا فيؤوّل أو يهمل» . وبعضهم ممّن اشتغل بعلم الحديث، لكنّه لم يرفع به رأسًا؛ لغلبة التّقليد عليه؛ فترى هذا المسكين يتعصّب للمذهب بكل ما يقدر عليه؛ فتارة يضعّف الصّحيح، أو يؤوّله بما يوافق المذهب، وتارة يصحّح الضّعيف؛ فإذا اطّلعتَ على شرح «صحيح البخاريّ» - مثلًا - لعالم حنفيّ؛ قلتَ: كتاب البخاريّ كلّه أدِلّة لمذهب أبي حنيفة! وإن قرأتَه بشرح مالكيّ أو شافعيّ أو حنبليّ؛ قلتَ: هذا الكتاب كلّه لمذهب إمام الشّارِح!
ومنها: قولهم: إنّ السُّنّة قد انقطع الاستدلال بها مِن سنة أربعمائة أو بعدها بيسير - على اختلاف بينهم في الزّمن الذي انسدّ فيه باب الاجتهاد ـ؛ فيحرم على النّاس استنباط حكم من آية أو سُنّة؛ ويجب عليهم تقليد مذهب معيّن، ولا يجوز لهم قراءة كتب السُّنّة - كـ «صحيح البخاريّ» وغيره - إلَّا لأجل التّبرّك وإنزال المطر ورفع الوباء والغلاء ودفع الشّدائد! ويقتنون الكتاب من كتب السُّنّة لأجل تكثير الدّراهم، وحفظًا للبيت من الاحتراق والسّرقة، وغير ذلك من الأشياء التي لم تُعهد في زمان السّلف! وليت شعري؛ مع هكذا كلّه؛ أمروا النّاس بالاستهداء بها وفهم معانيها، وأوجبوا عليهم العمل بما فيها، والرجوع إليها عند التّنازع والاختلاف، بل تراهم يقولون للنّاس: أنتم لا تفهمون معاني الكتاب والسُّنّة - كأنّهما لم يكون باللّسان العربيّ الفصيح العاري عن التّعقيد والغرابة ـ، وأنتم لا تعرفون المتواتر من الآحاد، ولا النّاسخ من المنسوخ، وغفلوا أنّ السُّنّة معظمها بل كلها - ما عدا حديث: «من
[ ٢١٧ ]
كذب عليّ متعمّدًا» - آحاد؛ كما قال ابن الصّلاح، وأنّ المنسوخ منها لم يزد على واحد وعشرين حديثًا؛ جمعها: أبو الفرج ابن الجوزيّ في جزء.
ومنها: إذا رأوا رجلًا يستهدي بالكتاب والسُّنّة في جميع أصول الدّين وفروعه؛ رموه عن قوس واحدة بقولهم: هذا مجسّم حشويّ! وفي زماننا هذا يقولون له: أنتَ رجل وهابي! وغير ذلك من الألفاظ المنفّرة للنّاس عنه، سيّما إذا سمعوه يقول: إنّ الإمام الفلانيّ أو العالم الفلانيّ أخطأ في كذا؛ لمخالفته حديث كذا وكذا؛ شنّوا عليه الغارة؛ وقالوا: هذا رجل يستحقر الأئمّة وأتباعهم، وقد غفل المغرّرون عن قول عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر للنّاس: لا تتغالوا في مهور النّساء؛ فقامت إليه امرأة وقالت له: يا أمير المؤمنين؛ أين أنتَ من قوله - تعالى ـ: «وآتيتُم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا»، ومَن فيكم يعطينا قنطارًا؟! فوقف عند قولها أمير المؤمنين، وقال: «كلّ النّاس أعلم منك يا عمر، حتى المرأة» ! وكان أبو بكر يقول في كلّ مسألة يفتي فيها باجتهاده: «إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشّيطان؛ والله ورسوله منه بريء»، وكان
[ ٢١٨ ]