والنخعي، ومالك بن أنس، وابن الجويني، والقاضي حسين، وطائفة. فأي ملامة على هذا الشيخ إذا ذهب إلى هذا القول، سيّما وقد علمتَ من سبقه إليه من الأئمة؟! فإن كان مقلدًا في ذلك فكفاه هؤلاء الأئمة، وهم يجوزون تقليد إمام واحد ولو خالف بقوله سائر الأئمة؛ فكيف بمن قلد أئمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟؟! وإن كان مجتهدًا؛ فدليله ظاهر من حديث الصحيحين؛ وهو قوله ﷺ: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، ولم يأتِ مخالفوه بشيء يصلح للاستدلال، وقد بيَّنَّا أن الآية الكريمة لا حجة لهم فيها. والله وليّ التوفيق.
فصل
الأصل الثاني: السنَّة.
قوله: «وأما السنَّة: فمثل قوله ﷺ: «من زار قبري»، والزيارة اسم جامع يصدق على الزائر من بعد ومن قرب ومن سفر » إلخ.
فالجواب: أنّ هذه الأحاديث ليس فيها شيء يعتمد عليه؛ بل هي أحاديث ملفقة مختلقة الأسانيد، والسند ما بين ضعيف شديد الضعف وموضوع؛ فكيف يستدلّ بأحاديث هذا حالها على حكم شرعي من أحكام الله - تعالى ـ؟!
فإن قال قائلٌ: قد ذكر بعض الناس: أن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه يرتقي من درجة الضعف إلى درجة الحسن، ويكون من باب الحسن
[ ١٣٥ ]
لغيره.
فالجواب أن يقال: هذا القول ليس ما اتفق عليه؛ بل للعلماء في الحديث الضعيف ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يقبل مطلقًا، ولو بلغت طرقه في الكثرة ما بلغت. فممن قال ذلك: مالك، والبخاري، ومسلم، وابن حزم، وداود. وهذا يعرفه من رجع إلى مصنفاتهم؛ فإنَّهم لم يدخلوا فيها إلا ما صحَّ عندهم. وحجتهم على هذا القول ظاهرة واضحة؛ وهو أن الله ﷾ لم يتعبدنا إلا بما صح عندنا، وتبيَّن صحة مأخذه، وأما المشكوك في صحته فنحن مأمورون بتركه؛ لقوله - تعالى ـ: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾؛ فهذا الحديث الضعيف لا علم لنا بصحته؛ فكيف نثبت به حكمًا شرعيًّا في دين الله، وهو يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، وفي القراءة الأخرى: (فتثبتوا)، وحيث أننا لم نتمكن من التثبت ولم يتبيَّن لنا صحته؛ فوجب علينا تركه؛ لقوله ﷺ: «دع ما يريبك إلا ما لا يريبك» .
القول الثاني: أنه يقبل إذا تعددت طرقه واختلف مخرجه بحيث إذا اجتمعت يتحصل منها أن للحديث أصلًا. وهو قول الحافظ ابن حجر العسقلاني.
القول الثالث: أنه يعمل به في فضائل الأعمال من ترغيب وترهيب.
ومحل هذا الخلاف ما لم يكن في إسناده كذابون أو متهمون بالتدليس والوضع.
فإذا عرفتَ هذا؛ فهذه الأحاديث لا تقوم بها حجة عند المحققين من العلماء، وقد بيَّن حالها الحافظ ابن عبد الهادي في أول كتابه «الصارم المنكي في الرد على السبكي»؛ فلا حاجة بنا هنا
[ ١٣٦ ]
للكلام عليها، ويكفينا عن بيان حالها عدم تصريح أحد من أهل السنن الذين أخرجوا الصحيح والحسن والضعيف؛ فدلَّ ذلك على أن هذه الأحاديث لم يكن لها أصل عندهم؛ وإلا لو كان لها أصل ما وسعهم تركها وهي مستقلة بإثبات حكم شرعي، وهل يقول عاقل: إن البخاري ومسلمًا ومالكًا والنسائي وأبا داود والترمذي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة وغيرهم ممن صنفوا في جمع الأحاديث قد أخلُوا كتبهم من هذه المسألة؟! سيّما وهم يعلمون أنها ذات خلاف بين السلف - كما بيَّنَّاه سابقًا ـ؛ فلما لم يعرّج أحد منهم عليها علمنا أنها لا تصلح للاستدلال، وذكر مثل الدارقطني والبيهقي لها لا يفيدها قوة؛ لأنَّ الدارقطني
[ ١٣٧ ]
ما قصد في سننه إلا جمع الغرائب؛ ولذلك تراه يذكر الصحيح والسقيم والموضوع؛ فتارة يبين حال الرواية وقد لا يبين حالها؛ اتكالًا على ظهوره عنده، وقد كتب عليها في زماننا العلامة شمس الحق العظيم آبادي الدهلوي حاشية سمَّاها: «التعليق المغني على سنن الدارقطني»؛ أجاد فيها وأحسن. وأما البيهقي فقد جمع في سننه مثل الدارقطني؛ ولذلك احتوت سننه على الغث والسمين، وقد اختصرها الحافظ شمس الدين الذهبي؛ فجردها من الأحاديث الواهية، وللإمام علاء الدين المارديني التركماني ردّ عليها في سفرين سمَّاه: «الجوهر النقي في الرد على البيهقي» .
فقد تبيَّن لك حال هذه الأحاديث التي ذكرها السبكي. وعلى تسليم ثبوتها؛ فهي لا تفيد إلا مشروعية الزيارة فقط، وشيخ الإسلام لا ينكر مشروعية الزيارة - كما شهد له بذلك هذا المعترض نفسه ـ؛ وإنَّما النزاع في مسألة: استحباب شدّ الرحل إلى مجرد الزيارة من غير قصد الصلاة في مسجده ﷺ. وهذه الأحاديث لا تفيد بمنطوقها إلا الزيارة، وقول السبكي: «إنّ لفظ (الزّيارة) يتناول شدّ الرحل وغيره من المعاني»؛ فمردود بفعله ﷺ؛ لأنَّه ما ثبت عنه في حديث صحيح ولا ضعيف ولا مكذوب أنه شد رحله إلى زيارة قبرٍ من قبور الأنبياء ولا غيرهم من قبور المؤمنين، ومعلوم أن قبور الأنبياء وغيرهم كانت موجودة في زمانه ﷺ وفي زمان أصحابه؛ فما ثبت عنه ﷺ إلا أنه كان يزور قبور أهل البَقيع وغيرهم، من غير شد رحل ولا سفر؛ فهل يقول مسلم: إنَّ النّبيّ ﷺ وأصحابه تركوا أمرًا مشروعًا محبوبًا لله ﷾ واهتدى إليه السبكي وأضرابه؟؟! فسبحانك هذا بهتان عظيم. وكيف ينطبق هذا على قوله ﷺ: «أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له»، وعلى قوله - تعالى ـ: ﴿اليوم أكملت لكم
[ ١٣٨ ]