ومسألة أخرى مشهورة بدرهم عجوى، والخرقة، والسّبحة، وغير ذلك من الحيل التي كادت أن تهدم أصل الدّين. ولولا ما يلحقهم من لوم العامّة لتحيّلوا على إسقاط الصوم والحجّ والصّلاة وسائر العبادات!
والحاصل: أنّهم أضرّ على الإسلام والمسلمين من اليهود والنّصارى الذين بدّلوا وغيّروا؛ فنسوا جميع قبائحهم هذه وأخذوا يشنّعون على أئمّة الدّين الذين أظهروا للنّاس مصائبهم؛ فكانوا - كما قيل في المثل السّائر على ألسنة العوام ـ: «تعبر الباغية تدهيك والذي فيها تجعله فيك» ! فالله يجازيهم بما يستحقّون!
فصل
ووصيّتي لك أيّها السُّنّيّ المريد سعادته في العاجل والآجل: أن تترك كتبهم هذه التي وضعوها في أصول الدّين وفروعه، وتعكف على القرآن العزيز وسُنّة النّبيّ الكريم، وتستعين على فهم ذلك بالتّفاسير المعتبرة - كتفسير ابن جرير وابن كثير ـ، وبأقوال الأئمّة المتقدّمين - كأبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد ـ، وسائر أئمّة الحديث الذين لم يخلطوا الحقّ بالباطل، لا في الأصول ولا في الفروع. وإذا صار لك قدم راسخ في علم الكتاب والسُّنّة وأقوال سلف الأُمّة؛ فلك - حينئذ - أن تنظر في كتب هؤلاء المتأخّري؛ لتميّز بعلمك ما فيها من الحقّ والباطل، وعليك أن تتبع الحقّ أينما كان، ومع مَن كان، لا تتعصّب ولا تنتصر ولا تتشيّع إلَّا لله ورسوله. وإذا كان لم يكن عندك شيء من علم الكتاب والسُّنّة ولا أقوال السّلف في الأصول والفروع؛ فابكِ على نفسك! واحذر أن تخوض في أعراض العلماء تقليدًا للذين خاضوا؛ فتهلك كالذين هلكوا. ونحن لم تكن بيننا وبين شيخ الإسلام ابن تيميّة قرابة ولا نسب ولا غير ذلك مما تظنّ بسببه تهمة؛ ولكن رأينا الرّجل لا يتكلّم على مسألة من مسائل الدّين - أصوليّة أو
[ ٢٢٢ ]
فرعيّة - إلَّا وأيّدها بالأدِلّة النّقليّة والعقليّة، ورأينا المُشنّعين عليه بخلاف ذلك؛ فتراهم يقلّد بعضهم بعضًا في التّشنيع والسّبّ والتّكفير ونقل الكذب الصّراح من غير تحاشي ولا نظر، وسمعنا الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾، وفي قراءة: (فتثبتوا)
الآية، ونحن - بفضل الله - قد تبيّنّا وتثبّتنا في أمر ابن تيميّة وأمر مُخالفيه؛ فوجدنا الفرق أظهر من الشّمس في رابعة النّهار؛ فشتان بين مَن يتكلّم بالدّليل وبين مَن يتكلّم بقال وقيل! وأيضًا رأينا الذين أثنوا على شيخ الإسلام ابن تيميّة ومدحوه وشهدوا به بالعلم - على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم - أعظم قدرًا وأجلّ معرفة من الذين طعنوا فيه. وهذا السّبكيّ مع كونه من ألدّ الخصوم للشّيخ؛ فقد اعترف بعلمه وبفضله! والفضل ما شهدت به الأعداء. وهذه كتب شيخ الإسلام قد انتشرت في جميع بقاع الأرض، شرقًا وغربًا، وانتفع بها المسلمون على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وأجناسهم، وكلّ منهم أثنى عليها وعلى مؤلفها، وحطّ على مَن طعن عليه وشانه بما هو منه بريء؛ كما شهدت له بذلك مصنّفاته التي يلوح النّور في كلّ ورقة منها.
[ ٢٢٣ ]