وقالَ ابنُ قدامةَ ﵀ (٦٢٠هـ): «إنَّ الله تعالى وصفَ نفسهُ بالعلوِّ في السَّماءِ، ووصفهُ بذلكَ محمَّدٌ خاتمُ الأنبياءِ، وأجمعَ على ذلكَ جميعُ العلماءِ مِنَ الصَّحابةِ الأتقياءِ والأئمَّةِ مِنَ الفقهاءِ، وتواترتِ الأخبارُ بذلكَ على وجهٍ حصلَ بهِ اليقينُ، وجمعَ الله تعالى عليهِ قلوبَ المسلمينَ، وجعلهُ مغروزًا في طباعِ الخلقِ أجمعينَ، فتراهم عندَ نزولِ الكربِ بهم يَلْحَظُونَ السَّماءَ بأعينهم، ويرفعونَ نحوها للدعاءِ أيديهم، وينتظرونَ مجيءَ الفرجِ منْ ربِّهم، وينطقونَ بذلكَ بألسنتهمْ، لا ينكرُ ذلكَ إلَّا مبتدعٌ غالٍ في بدعتهِ، أو مفتونٌ بتقليدهِ واتِّباعهِ على ضلالتهِ» (١).
الرابعُ عَشَرَ:
النُّصوصُ الدَّالةُ على رؤيةِ أهلِ الجنَّةِ لهُ تعالى مِنَ الكتابِ والسنَّةِ، وإخبارُ النبيِّ ﷺ أنَّهم يرونهُ كرؤيةِ الشمسِ والقمرِ (٢) ليلةَ البدرِ ليسَ دونهُ سحابٌ، ولا يرونهُ إلَّا منْ فوقهم (٣).
_________________
(١) إثبات صفة العلو (ص٦٣)، لابن قدامة.
(٢) وجوهُ الشَّبَهِ بين رؤيةِ اللهِ ورؤيةِ الشمسِ والقمرِ: أ - أنها رؤيةٌ من أسفلَ إلى أعلى. ب - أنها واضحةٌ جَلِيَّةٌ. ج - أنها بَصَرِيَّةٌ عَيانِيَّةٌ. د - أنها رؤيةٌ بلا إِحَاطَةٍ.
(٣) شرح الطحّاوية (٢/ ٣٨٦).
[ ٣٧ ]
وهذهِ المسألةُ منْ أشرفِ مسائلِ أصولِ الدينِ، «وأجلِّها قدْرًا، وأعْلاها خطرًا، وأقرِّها لعيونِ أهْلِ السنَّةِ والجماعةِ، وأشدِّها على أهْلِ البدْعةِ والفرقةِ، وهي الغايةُ التي شمَّرَ إليهَا المشمِّرونَ، وتنافسَ فيهَا المتنافسونَ، وتسابقَ إليهَا المتسابقونَ، ولِمِثْلِهَا فليعْملِ العاملونَ، اتَّفقَ عليهَا الأنبياءُ والمرسلونَ، وجميعُ الصَّحابةِ والتَّابعونَ، وأئمَّةُ الإسلامِ على تتابعِ القرونِ، وأنْكرهَا أهْلُ البدعِ المارقونَ، والجهميَّةُ المُتَهَوِّكونَ، والفرعونيَّةُ المعطِّلونَ، والباطنيةُ الذينَ همْ منْ جميعِ الأدْيانِ مُنْسَلِخُونَ، وبحبائلِ الشيطانِ مُتَمَسِّكونَ، ومنْ حبْلِ الله منقطعونَ، وعلى مَسَبَّةِ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ عاكفونَ، وللسنَّةِ وأهْلهَا محاربونَ، ولكلِّ عدوٍّ للهِ ورسولهِ ودينهِ مُسَالِمُونَ، وكلُّ هؤلاءِ عنْ ربِّهمْ مَحْجُوبُونَ، وعنْ بابهِ مَطْرُودُونَ» (١).
قالَ ﷾: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (٢).
_________________
(١) حادي الأرْواح إلى بلاد الأفْراح (ص٣٦١)، طبعة مؤسسة الرسالة.
(٢) لِيَتَأَمَّلِ القارئُ اللبيبُ موقفًا جمعَ بين الإمامِ أحمدَ بنِ نَصْرٍ الخزاعيِّ (المتوفى سنة ٢٣١هـ)، وبين الواثق الخليفة الجهمي وقاضيه أحمد بن أبي دؤاد. ذكر الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٠/ ٣١٧ - ٣١٨): «أنَّ أحمد بن نصر حُمل مقيَّدًا إلى الواثق وفي مجلسه أحمد بن أبي دؤاد وأتباعه. فقال له الواثقُ: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: هو كلامُ الله. قال: أمخلوقٌ هو؟ قال: هو كلامُ الله. فقال له: فما تقولُ في ربك؟ أتراهُ يومَ القيامةِ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين قد جاءَ القرآنُ والأخبارُ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *﴾ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقال رسول الله ﷺ: «إنكم ترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا القمرَ لا تُضامون في رؤيته»، فنحن على الخبر. قال الواثق: ويَحَك! أيُرى كما يُرى المحدودُ المتجسِّمُ ويحويه مكانٌ ويحصره الناظرُ؟ أنا أكفرُ برَبٍّ هذه صِفَتُهُ. ثم قامَ إليه فلما انتهى عليه ضرَبهُ بالسَّيفِ على عاتِقِهِ وهو مربوطٌ بحبلٍ قد أُوقِفَ على نِطْعٍ، ثم ضرَبَهُ أخرى على رأسِهِ، ثم طَعَنَهُ في بَطْنِهِ فَسَقَطَ صريعًا ﵀، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. ﵀ وعفا عنه. قال ابنُ كثير معقبًا على قياس الواثق: وما قاله الواثقُ لا يجوزُ ولا يلزمُ ولا يُرَدُّ به هذا الخبرُ الصحيحُ، والله أعلم».
[ ٣٨ ]
قالَ الحافظُ الذهبيُّ ﵀: «أحاديثُ رؤيةِ اللهِ في الآخرةِ متواترةٌ، والقرآنُ مصدِّقٌ لها» (١).
وفيما يلي أوردُ بعضَ الأحاديثِ الدَّالَّة على رؤيةِ الله في الجنَّةِ.
١ - عنْ عمّارِ بْنِ ياسرٍ ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: « وأسألكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهكَ والشوقَ إلى لقائكَ» (٢).
قال الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمَّدٍ التيميُّ ﵀: والنبيُّ ﷺ لا يسألُ سؤالًا يستحيلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يبعثُ نبيًَّا إلَّا وهوَ عالمٌ بما يجري عليهِ (٣).
وقالَ ابنُ القيِّم ﵀:
أوَ مَا سَمِعْتَ سُؤالَ أَعْرَفِ خَلْقِهِ بِجلاَلِهِ المَبْعُوثِ بِالقُرْآنِ
شَوْقًا إلَيْهِ وَلَذَّةَ النَّظَرِ الذِي بِجَلاَلِ وَجْهِ الرَّبِّ ذِي السُّلْطَانِ
الشَّوْقُ لَذَّةُ رُوحِهِ فِي هَذِهِ الدُّ نْيا وَيَوْمَ قِيَامَةِ الأبْدَانِ
تَلْتَذُّ بِالنَّظَرِ الَّذي فَازَتْ بِهِ دُونَ الجَوَارِحِ هَذِهِ العَيْنَانِ
واللهِ مَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ألَذُّ مِنَ اشْتِيَاقِ العَبْدِ لِلرَّحْمَنِ
وَكَذَاكَ رُؤيَةُ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ هِيَ أكْمَلُ اللَّذَّاتِ للإِنْسَانِ
لَكِنَّمَا الجَهْمِيَّ يُنْكِرُ ذَا وَذَا وَالوَجْهَ أيْضًا خَشْيَةَ الحِدْثَانِ
تَبًّا لَهُ المَخْدُوع أنْكَرَ وَجْهَهُ وَلِقَاءَهُ وَمَحَبَّةَ الدَّيَّانِ
وَكَلاَمَهُ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوَّهُ وَالعَرْشَ عَطَّلَهُ مِنَ الرَّحْمَنِ
فَتَرَاهُ فِي وَادٍ وَرُسْلُ الله فِي وَادٍ وَذَا مِنْ أعْظَمِ الكُفْرَانِ (٤)
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٥٥).
(٢) قطعةٌ من حديث أخرجه النسائي (١٣٠٥ و١٣٠٦)، وصححه الألباني ﵀ في «صحيح سنن النسائي» (١٢٣٧ و١٢٣٨).
(٣) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٠).
(٤) الكافية الشافية (ص٣٨٧).
[ ٣٩ ]
٢ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ (١) مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿». ثُمَّ تلاَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٢).
قالَ صدِّيق حسن خان ﵀: «وتفسيرُ الزيادةِ النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ سبحانهُ، وقد ثَبَتَ التفسيرُ بذلكَ منْ قولِ رسولِ الله ﷺ فلمْ يبقَ حينئذٍ لقائلٍ مقالٌ ولا التفاتٌ إلى المُجَادَلاتِ الواقعةِ بينَ المُتَمَذْهِبَةِ الذين لا يعرفونَ مِنَ السنَّةِ المُطَهَّرَةِ ما ينتفعونَ بهِ، فإنَّهم لو عرفوا ذلكَ لَكَفُّوا عنْ كثيرٍ منْ هَذَيَانِهِمْ. واللهُ المستعانُ» (٣).
_________________
(١) قال شيخُ الإسلام ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٤٣): «فأخبرَ أنَّ النَّظرَ إليهِ أحبُّ إليهمْ منْ كلِّ ما يتنعمونَ بهِ، ومحبَّةُ النَّظرِ إليهِ تبعٌ لمحبتهِ، فإنِّما أحبوا النَّظرَ إليهِ لمحبتهم إيَّاه، ومَا منْ مؤمنٍ إلَّا ويجدُ في قلبهِ محبةَ الله، وطمأنينةً بذكرهِ وتنعمًا بمعرفته، ولذَّةً وسرورًا بذكْرهِ ومناجاتهِ، وذلك يقوى ويضعفُ ويزيدُ وينقصُ بحسبِ إيمانِ الخلقِ. فكلُّ منْ كانَ إيمانهُ أكملَ كانَ تنعمهُ بهذا أكْملَ».
(٢) أخرجه مسلم (١٨١).
(٣) فتح البيان (٦/ ٥٠).
[ ٤٠ ]
٣ - عَنْ أَبِي موسى الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِياءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (١).
قَالَ ابنُ القيِّم ﵀: «فهذا يدلُّ أنَّ رداءَ الكبرياءِ عَلَى وجههِ - ﵎ - هُوَ المانعُ مِنْ رؤيةِ الذَّاتِ، وَلاَ يمنعُ مِن أصلِ الرؤيةِ؛ فإنَّ الكبرياءَ والعظمةَ أمرٌ لازمٌ لذاتهِ تَعَالَى، فَإِذَا تجلَّى سُبْحَانَهُ لعبادهِ يومَ القيامةِ، وكشفَ الحجابَ بينهم وبينهُ، فَهُوَ الحجابُ المخلوقُ. وأمَّا أنوارُ الذَّاتِ الَّذِي يحجبُ عنْ إدراكهَا فذاكَ صفةٌ للذَّاتِ، لاَ تفارقُ ذاتَ الرَّبِّ ﷻ. ولو كشفَ ذَلِكَ الحجابَ لأحرقتْ سبحاتُ وجههِ مَا أدركهُ بصرهُ مِنْ خلقهِ. وتكفي هَذِهِ الإشارةُ فِي هَذَا المقامِ للمصدِّقِ الموقِنِ، وأمَّا المعطِّلُ الجهميُّ فكلُّ هَذَا عندهُ باطلٌ ومحالٌ» (٢).
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٧٨) و(٤٨٨٠) و(٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠).
(٢) التبيان فِي أقسام القرآن (ص١٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).
[ ٤١ ]
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «والمخاطبونَ بهذا قومٌ عربٌ يعلمونَ المرادَ منهُ، ولا يقعُ في قلوبهم تشبيههُ سبحانه [بالشمسِ والقمرِ] بلْ هم أشرفُ عقولًا، وأصحُّ أذْهانًا، وأسلمُ قلوبًا منْ ذلكَ، وحقَّقَ ﷺ وقوعَ الرؤيةِ عيانًا برؤيةِ الشمسِ والقمرِ تحقيقًا لها، ونفيًا لتوهُّمِ المجازِ الذي يظنُّهُ المعطِّلونَ» (١).
وقالَ ﵀:
مَا بَعْدَ تِبْيَانِ الرَّسولِ لنَاظِرٍ إِلَّا العَمَى وَالعيْبُ فِي العُمْيَانِ
فَانْظُرْ إلَى قَولِ الرَّسُولِ لِسَائِلٍ مِنْ صَحْبِهِ عَنْ رُؤيَةِ الرَّحْمَنِ
حَقًّا تَرَوْنَ إلَهَكُمْ يَومَ اللِّقَا رُؤيَا العِيَانِ كَمَا يُرَى القَمَرَانِ
كَالبَدْرِ لَيْلَ تَمامِهِ وَالشَّمْسِ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ مَا هُمَا مِثْلاَنِ
بَلْ قَصْدُه تَحْقِيقُ رُؤيَتِنَا لَهُ فَأتَى بأظْهَرِ مَا يُرَى بِعِيَانِ
وَنَفَى السَّحَابَ وَذَاكَ أمرٌ مَانِعٌ مِنْ رُؤيَةِ القَمَرَينِ فِي ذَا الآنِ
فَإذَا أتَى بالمُقْتضِي وَنَفَى المَوَا نِعَ خَشْيَةَ التقْصِيرِ فِي التِّبْيَانِ
صَلَّى عَلَيهِ الله مَا هَذَا الذِي يَأتِي بِهِ مِنْ بَعْدِ ذَا التِّبْيَانِ
مَاذَا يَقُولُ القَاصِدُ التبيَانَ يَا أهْلَ العَمَى مِنْ بَعْدِ ذَا التِّبْيَانِ (٢).
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٦٨١ - ٦٨٢).
(٢) الكافية الشافية (ص١٩٧).
[ ٤٢ ]
٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجليِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ ليلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذَا لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] (١).
قالَ الإمامُ البغويُّ ﵀: «وقولُه: «كما ترونَ» ليسَ كافُ التَّشبيهِ للمرئيِّ بالمرئيِّ، بلْ كافُ التَّشبيهِ للرؤيةِ التي هي فعلُ الرائي بالرؤيةِ، ومعناهُ: تَرَوْنَ ربَّكم رؤيةً لا شكَّ فيها، كما تَرونَ القمرَ ليلةَ البدرِ لا مريةَ فيها» (٢).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: «ومعلومٌ أنَّا نرى الشمسَ والقمرَ عيانًا مواجهةً، فيجبُ أنْ نراهُ كذلكَ، وأمَّا رؤيةُ ما لا نُعَايِنُ ولا نُواجِهُهُ فهذهِ غيرُ مُتَصَوَّرَةٍ في العقلِ، فَضْلًا عنْ أنْ تكونَ كرؤيةِ الشَّمسِ والقمرِ.
وأمَّا قولُه «لا تُضَامُونَ» يُروى بالتَّخفيفِ. أي: لا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ في رؤيتهِ كما يلحقُ النَّاسَ عندَ رؤيةِ الشَّيءِ الحسنِ كالهلالِ. فإنَّهُ قدْ يَلْحَقُهُمْ ضَيْمٌ في طلبِ رؤيتهِ حينَ يُرى؛ وهوَ سبحانهُ يتجلَّى تجليًّا ظاهرًا فيرونَهُ كما تُرى الشمسُ والقمرُ بلا ضَيْمٍ يَلْحَقُكُمْ في رؤيتهِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).
(٢) شرح السنة (٢/ ٢٢٦) للبغوي.
[ ٤٣ ]
وقيلَ: «لا تَضَامُّون» بالتَّشديدِ، أي: لا ينضمُّ بعضُكمْ إلى بعضٍ كمَا يتضامُّ النَّاسُ عندَ رؤيةِ الشيءِ الخفيِّ كالهلالِ، وهذا كُلُّه بيانٌ لرؤيتهِ في غايةِ التَّجَلِّي والظُّهورِ بحيثُ لا يَلْحَقُ الرائي ضررٌ ولا ضيمٌ كما يلحقهُ عندَ رؤيةِ الشَّيءِ الخفيِّ والبعيدِ والمحجوبِ ونحو ذلكَ» (١).
٦ - عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَرَى اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: «يَا أَبَا رَزِينٍ! أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ مُخْلِيًا بِهِ؟» قلْتُ: بَلَى! قَالَ: «فَاللهُ أَعْظَمُ وَذَلِكَ آيَةٌ فِي خَلْقِهِ» (٢).
وإثباتُهُ ﷺ جوازَ الرؤيةِ لجميعِ الخلقِ في وقتٍ واحدٍ وكلُّ منهم يكونُ مُخْليًا بهِ بالقياسِ على رؤيةِ القمرِ مَعَ قولهِ: «اللهُ أَعْظَمُ» دليلٌ واضحٌ على أنَّ النَّاسَ يرونهُ مواجهةً عيانًا يكونُ بجهةٍ منهم. وأنهُ إذا أمكنَ في بعضِ مخلوقاتهِ أنَّهُ يراهُ النَّاسُ في وقتٍ واحدٍ كلُّهم يكونَ مخليًا بهِ، فالله أولى أنْ يمكنَ ذلكَ فيهِ فإنَّهُ أعظمُ وأجلُّ (٣) وأكْبرُ منْ كلِّ شيءٍ. فهذا يُزيلُ كلَّ إشْكالٍ، ويبْطلُ كلَّ خيالٍ (٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٥ - ٨٦).
(٢) رواه ابن ماجه (١٨٠)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٤٤٤) طبعة مجمع الملك فهد.
(٤) شرح الطحاوية (ص٣٧٥).
[ ٤٤ ]
قالَ ابنُ أبي العزِّ الحنفيُّ ﵀: «وليسَ تشبيهُ رؤيةِ الله تعالى برؤيةِ الشمسِ والقمرِ تشبيهًا لله، بلْ هوَ تشبيهُ الرؤيةِ بالرؤيةِ، لا تشبيهُ المرئي [وهو الله] بالمرئي [وهو الشمسُ والقمرُ]، ولكنْ فيه دليلٌ على علوِّ الله على خلقهِ، وإلَّا فهلْ تعقلُ رؤيةٌ بلا مقابلةٍ! ومنْ قالَ: يُرى لا في جهةٍ (١)،
_________________
(١) قال النوويُّ ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٦): «يراه المؤمنون؛ لا في جهةٍ». وردَّ عليه صديق حسن خان ﵀ في «السراج الوهاج» (١/ ٣٤٧) بقوله: «هذا الذي قاله؛ سلك فيهِ مسلك المتكلِّمة. ومذهب أهلِ الحقِّ في ذلك وما ضاهاه: إمرارهُ على ظاهره من غير تأويلٍ ولا تعطيلٍ؛ وقدْ ثبت في الأحاديث الصحيحة قوله ﷺ للجارية «أَيْنَ اللهُ؟»، وفي أخرى «الإشارة بالإصبع إلى السماء» والأخبار في ذلك كثيرة جدًّا. وكذلك آيات الكتاب العزيز تدلُّ عليه دلالةً واضحةً، وتفيدُ الفوق، والعلو، والاستواء على العرش، والكون في السماء، فأين هذا من ذاك؟ رحم الله امرءًا أنصفَ، ولم يتأوَّل ولم يتعسَّف». وقال العلامة يحيى بن أبي الخير العمراني (٥٥٨هـ) في «الانتصار» (٢/ ٦٤٧ - ٦٤٨): «وأما الدليل على إبطال قول الأشعرية فهو: أنَّ الشرع ورد بثبوت الرؤية لله تعالى بالأبصار فحُمِلَ ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، بدليل قوله ﷺ: «كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»، ولا يقتضي ذلك تحديدًا ولا تجسيمًا لله، كما لا يقتضي العلم به تحديدًا له ولا تجسيمًا. وإنْ قالوا: إنَّ الرؤيةَ لا تختصُّ بالأبصارِ، رَجَعُوا إلى قول المعتزلة، في نفي الرؤية، وأنَّ المرادَ بالرؤية العلمُ به ضروريًا، وقد حُكي عن بعض متأخري الأشعرية أنَّه قال: لولا الحياءُ من مخالفة شيوخنا، لقلتُ: إنَّ الرؤيةَ العلمُ لا غير».
[ ٤٥ ]
فليراجع عقلهُ!! فإمَّا أنْ يكونَ مكابرًا لعقلهِ، أو في عقلهِ شيءٌ، وإلَّا فإذا قالَ: يُرى لا أمامَ الرائي، ولا خلفهُ، ولا عنْ يمينهِ ولا عنْ يسارهِ ولا فوقهُ ولا تحتهُ ردَّ عليهِ كلُّ منْ سمعهُ بفطرتهِ السليمةِ.
ولهذا ألزمَ المعتزلةُ مَنْ نفى العلوَّ بالذَّاتِ بنفي الرؤيةِ، وقالوا: كيفَ تُعْقَلُ رؤيةٌ بغيرِ جهةٍ» (١).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
فَسَلِ المُعَطِّلَ هَلْ يُرى مِنْ تَحْتِنَا أمْ عَنْ شَمَائِلِنَا وَعَنْ أيْمَانِ
أَمْ خَلْفَنَا وَأمَامَنَا سُبْحَانَهُ أمْ هَلْ يُرَى مِنْ فَوقِنَا بِبَيَانِ
يَا قَومُ مَا فِي الأمرِ شَيْءٌ غَيْرَ ذَا أوْ أنَّ رُؤيَتَهُ بِلاَ إمْكَانِ
إذْ رُؤيَةٌ لاَ فِي مُقَابَلَةٍ مِنَ الرَّ ائِى مُحَالٌ لَيْسَ فِي الإِمْكَانِ
وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعـ ـوَاهُ مُكَابَرَةً عَلَى الأَذْهَانِ (٢).
وقالَ ﵀: «والذي تفهمهُ الأممُ على اختلافِ لغاتِها وأوهامِها منْ هذهِ الرؤيةِ رؤيةُ المقَابَلَةِ والمُوَاجَهَةِ التي تكونُ بينَ الرائي والمرئي فيهَا مسافةٌ محدودةٌ غيرُ مُفْرِطةٍ في البعدِ، فتمتنعُ الرؤيةُ، ولا في القربِ، فلا تمكنُ الرؤيةُ، لا تعقلُ الأممُ غيرَ هذا، فإمَّا أنْ يَرَوْهُ سبحانهُ منْ تحتهم - تعالى الله - أو منْ خلفهم، أو منْ أمامهمْ، أو عنْ أيمانهم، أو عنْ شمائلهم، أو منْ فوقهم، ولا بدَّ منْ قسمٍ منْ هذهِ الأقسامِ إنْ كانتِ الرؤيةُ حقًّا، وكلُّها باطلٌ سوى رؤيتهم لهُ منْ فوقهم.
_________________
(١) شرح الطحاوية (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) الكافية الشافية (ص١١٤).
[ ٤٦ ]