قَالَ الله ﷾: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. ﴿إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٥]. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] أي: لَهُ مكانةٌ ووجاهةٌ عندهُ، وَهُوَ أقربُ الملائكةِ إِلَيْهِ، وفي قولهِ: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: ٢٠] إشارةٌ إِلى علوِّ منزلةِ جبريلَ، إذْ كَانَ قريبًا مِنْ ذي العرشِ سُبْحَانَهُ (٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٧٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٥١).
(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٧٤).
(٤) الكافية الشافية (ص٣٣٥).
(٥) التبيان فِي أقسام القرآن (ص٨٩).
[ ٥٦ ]
وقالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ *﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]، فأضافَ العرشَ إِلَى نفسهِ، كَمَا تضافُ إِلَيْهِ الأشياءُ العظيمةُ الشريفةُ، وهذا يدلُّ عَلَى عظمةِ العرشِ، وقربهِ منهُ سُبْحَانَهُ واختصاصهِ بهِ؛ بلْ يدلُّ عَلَى غايةِ القربِ والاختصاصِ، كَمَا يضيفُ إِلَى نفسهِ بـ «ذو» صفاتهِ القائمةِ بِهِ، كقولهِ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ﴿ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمن: ٢٧] (١). ويقالُ: ذو العزَّةِ، وذو الملكِ، وذو الرَّحمةِ ونظائرُ ذَلِكَ.
فلوْ كَانَ حظُّ العرشِ منهُ حظَّ الأرضِ السَّابعةِ، لكانَ لاَ فرقَ أَنْ يقالَ: ذو العرشِ، وذو الأرضِ (٢).
وقال تعالى: ﴿ويحملُ عرش ربك﴾ [الحاقة: ١٧]، وإضافةُ العرشِ إلى اللهِ تقتضي «إضافةً تخصُّهُ كما في سائرِ المضافاتِ إلى اللهِ، كقولهِ: بيتُ اللهِ، وناقةُ اللهِ، ونحوِ ذلك. وإذا كانَ العرشُ مضافًا إلى الله في هذه الآية إضافة اختصاصٍ، وذلك يوجبُ أن يكونَ بينهُ وبين اللهِ من النسبةِ ما ليس لغيرهِ، فما يذكرهُ الجهمية منَ الإستيلاء والقدرة وغيرِ ذلك أمرٌ مشتركٌ بين العرش وسائرِ المخلوقاتِ، وهذه الآية تنفي أن يكونَ الثابتُ منَ الإضافةِ هو القدر المشترك، وتوجبُ اختصاصًا للعرش بالله ليس لغيره» (٣).
وتدبَّر - رحمك الله - الأحاديثَ التاليةَ الواردةَ في ذكرِ العرشِ:
_________________
(١) قال شيخ الاسلام ﵀ في «المجموع» (١٦/ ٢٩٦): «وهو سبحانه ذو الجلال والاكرام. فهو المستحِقُّ لأنْ يُجَلَّ، ولأنْ يُكرمَ. والإجلالُ يتضمَّنُ التعظيمَ، والإكرامُ يتضمَّنُ الحمدَ والمحبةَ».
(٢) التبيان فِي أقسام القرآن (ص٦٨).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٢٧٩) طبعة مجمع الملك فهد.
[ ٥٧ ]
١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ما منْ عبدٍ أتى أخًا لهُ يَزُورُه فِي اللهِ إلَّا نادى منادٍ منَ السَّماءِ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَتْ لكَ الجَنَّةُ، وإلَّا قالَ اللهُ فِي ملكوتِ عَرْشِهِ: عبدي زَارَ فِيَّ، وعَلَيَّ قِراهُ، فلمْ أَرْضَ لهُ بِقِرًى دُونَ الجَنَّةِ» (١).
٢ - عنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «أُذنَ لي أنْ أُحَدِّثَ عنْ مَلَكٍ منْ ملائكةِ اللهِ، منْ حَمَلَةِ العَرْشِ: إنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عَاتِقِهِ، مَسِيرَةَ سَبْعمَائَةِ عَامٍ» (٢).
٣ - عَنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قَالَ: دخلَ النبيُّ ﷺ عَلَى بلالٍ وعندهُ صبرةٌ منْ تمرٍ، فقالَ: «مَا هَذَا يَا بلالُ؟» قَالَ: أُعِدُّ ذَلِكَ لأضيافكَ. قَالَ: «أَمَا تَخْشَى أنْ يكونَ لَكَ دُخَانٌ فِي نارِ جهنَّمَ؟! أَنْفِقْ بلالُ! وَلاَ تَخْشَى منْ ذِي العَرْشِ إِقْلاَلًا» (٣).
٤ - عنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوسَ فإنَّهُ أوسطُ الجنَّةِ، وأعلى الجنَّةِ، وفوقَهُ عرشُ الرَّحْمنِ» (٤).
قَالَ ابنُ خزيمة ﵀: «فالخبرُ يصرِّحُ أنَّ عرشَ ربِّنا جلَّ وعلاَ فَوْقَ جنَّتهِ، وقدْ أعلمنَا جلَّ وعلاَ أنَّهُ مستوٍ عَلَى عرشهِ، فخَالِقُنا عالٍ فَوْقَ عَرْشِهِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ جنَّتهِ» (٥).
_________________
(١) رواه أبو يعلى فِي مسنده (٧/ ١٦٦) (٤١٤٠)، والبزّار «كشف الأستار» (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩) (١٩١٨)، وجوَّد إسناده الحافظ المنذري فِي «الترغيب» (٣/ ٢٣٩).
(٢) رواه أبو داود (٤٧٢٧)، وصححه الألباني ﵀ في «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٥٣).
(٣) رواه البزّار (٣٦٥٣) «كشف الأستار»، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٥١٢).
(٤) رواه البخاري (٧٤٢٣).
(٥) كتاب التوحيد (ص١٠٤).
[ ٥٨ ]
٥ - عنْ جويريةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ منْ عندهَا بكرةً حينَ صلَّى الصبحَ، وهي في مسجدها. ثمَّ رجعَ بعدَ أنْ أضحى، وهيَ جالسةٌ. فقالَ: «ما زِلْتِ على الحالِ التي فَارَقْتُكِ عليهَا؟» قالتْ: نعمْ. قالَ النبيُّ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاَثَ مرَّاتٍ. لَوْ وُزِنَتْ بما قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمَ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ ورِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١).
قالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: «المقصودُ بالحديثِ نهايةُ ما يمكنُ منَ المعدودِ، وغايةُ ما يمكنُ منَ القولِ. والمحبوبُ هوَ كلامُ الرَّبِّ ورِضَاهُ، وذِكْرُ عددِ خلقِهِ، وزِنَةِ عَرْشِهِ (٢). فهذا يُبَيِّنُ أنَّ زنةَ العرشِ أثقلُ الأوزانِ» (٣).
الثامنُ عَشَرَ: