فنزَّهَ اللهُ نفسَهُ عَنِ الوالدِ والولدِ والزوجةِ والكفؤ، قالَ ﷾: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، وقالَ ﷿: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا *﴾ [الجن: ٣].
ونزَّهَ نفسهُ عَنِ اللُّغوبِ قالَ ﷾: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمالِ قدرتهِ، وأنَّهُ لا يلحقهُ اللُّغوبُ في الأعمالِ العظيمةِ مثلَ خلقهِ السَّمواتِ والأرضَ، كما يلحقُ المخلوق اللغوب إذا عَمِلَ عملًا عظيمًا.
_________________
(١) الكافية الشافية (ص١٣٠ - ١٣١).
[ ٦٢ ]
ونزَّهَ نفسَهُ عمَّا لمْ يقلْهُ أحدٌ ولمْ ينسبهُ إليهِ، تحذيرًا منْ وقوعهَا حتَّى لا تقع بخاطرِ أحدٍ.
فنزَّهَ نفسهُ عَنِ الطعمِ مع أنَّ أحدًا لمْ يصفهُ بهِ، قالَ الله ﷾: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
ونزَّهَ نفسهُ عَنِ الموتِ، فقالَ ﷾: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] لكمالِ حياتهِ.
ونَزَّهَ نفسهُ عَنِ السنةِ والنَّومِ، فقالَ ﷾: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمالِ حياتهِ وقيوميَّتهِ، إذِ النَّوْمُ أخو الموتِ. ولهذا كانَ أهلُ الجنَّةِ لا ينامونَ مَعَ كمالِ الراحةِ، كمَا لا يموتونَ.
ونَزَّه نفسهُ عَنِ النِّسيانِ مع أنَّ أحدًا لمْ ينْسبهُ إلى شيءٍ منْ ذلكَ، قالَ ﷾: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، لكمالِ علمهِ وحفظهِ.
ونَزَّهَ نفسهُ عَنِ الظُّلمِ فقالَ ﷾: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] لكمالِ عدلهِ وغناه ورحمتهِ.
ونَزَّه نفسهُ عَنِ العبثِ والباطلِ، قالَسبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] لكمالِ حكمتهِ.
ونزَّهَ نفسهُ عنْ مقالةٍ قالها بعضُ طوائفِ اليهودِ أنَّ العُزَيْرَ ابنُ الله.
[ ٦٣ ]
فإذا كانَ الله ﷾ قدْ نَزَّهَ نفسهُ عمَّا تقدَّمَ منَ العيوبِ والنَّقائصِ، فلأي شيءٍ إذًا لمْ ينزِّه نفسهُ عنْ تلكَ المقالةِ - وهي كونهُ تعالى فوقَ عرشهِ - إذا كانتْ متضمنةً لمعنًى فاسدٍ لا يجوزُ اعتقادهُ في حقِّ الله تعالى، مَعَ شهرةِ هذهِ المقالةِ، وتفاقمِ أمْرِهَا، فكانتْ هي أحقَّ منْ هذا كلِّهِ للتنبيهِ على فسادهَا والتحذيرِ منهَا. فكيفَ والأمرُ بالعكسِ فهوَ دائمًا يبدي ويعيدُ في ذكرِ علوِّهِ وفوقيَّتهِ ويقرِّرُ ذلكَ بكلِّ دليلٍ وبرهانٍ، بأوجزِ العباراتِ وأدلِّهَا وأبسطهَا وأقطعهَا للعذرِ وألزمهَا للحجَّةِ.
فلو فرضَ أنَّ النُّصوصَ خاليةٌ منْ تقريرِ العلوِّ والاستواءِ على العرشِ لكانَ تركهُ تنزيهه عَنِ العلوِّ أكبرَ دليلٍ على تقريرِ ذلكَ، ورضاهُ بهِ والعِلم بأنَّهُ غيرُ منافٍ لكمالهِ، فكيفَ وهوَ معَ ذَلِكَ والأدلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كلُّها على خلافِ قولِ «الجهميَّةِ» (١).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: «إنَّهُ عندَ المعطِّلةِ النُّفاةِ كونُ الله سبحانهُ فوقَ العالمِ مستوٍ على عرشهِ بمنزلةِ كونهِ يأكلُ ويشربُ وينامُ، بلْ هوَ بمنزلةِ إثباتِ الزوجةِ والولدِ لهُ في كونِ هذا منافيًا لإلهيتهِ وربوبيتهِ وقدمهِ وكون علوِّهِ على خلقهِ واستوائهِ على عرشهِ منافيًا لذلكَ. وهذا منْ أعظمِ القدحِ في العقولِ والفطرِ والشرائعِ والنبواتِ والكتبِ المنزلةِ، فإنَّها فرَّقتْ بيَن الأمرينِ تفرقةً معلومةً بالاضطرارِ، لكلِّ منْ لهُ أدنى مسكةٍ منْ عقلٍ. فمنْ سوَّى بينَ الأمرينِ، وجعلَ تنزيهَ الرَّبِّ عنهَا منْ لوازمِ الإقرارِ بهِ فليبكِ على عقلهِ وإيمانهِ» (٢).
_________________
(١) توضيح الكافية الشافية (ص١٠٧ - ١٠٨).
(٢) الصواعق (ص١٣١٣).
[ ٦٤ ]