قال أبو قُدامةَ السرخسيُّ: سمعتُ أبا معاذٍ خالدَ بنَ سليمانَ بفرغانةَ يقولُ: «كانَ جهمٌ على معبرِ ترمذ، وكانَ فصيحَ اللِّسانِ، ولمْ يكنْ لهُ علمٌ ولا مجالسةٌ لأهلِ العلمِ، فكلَّم السمنية، فقالوا لهُ: صفْ لنَا ربَّكَ ﷿ الذي تعبدهُ، فدخلَ البيتَ لا يخرجُ منهُ، ثمَّ خرجَ إليهم بعدَ أيَّامٍ، فقالَ: هوَ هذا الهواءُ مَعَ كلِّ شيءٍ، وفي كلِّ شيءٍ، ولا يخلو منهُ شيءٌ، فقالَ أبو معاذ البلخيُّ الفقيهُ: كذَبَ عدوُّ اللهِ، بل اللهُ ﷻ على العَرْشِ كمَا وَصَفَ نَفْسَهُ» (٢).
وقال يحيى بنُ أيوب: سمعتُ أبا نُعيمٍ البلخيَّ قالَ: «كَانَ رجلٌ منْ أهلِ مرو صديقًا لجهمٍ ثمَّ قطعهُ وجفاهُ فقيلَ لهُ: لِمَ جفوتهُ؟ فقالَ: جاء منهُ ما لا يحتملُ، قرأتُ يومًا آيةَ كذاَ وكذَا - نسيهَا يحيى - فقالَ: ما كانَ أظرف محمَّدًا، فاحتملتهَا، ثمَّ قرأ سورةَ طه، فلمَّا قالَ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥] قالَ: أمَا واللهِ لو وجدتُ سبيلًا إلى حَكِّها لَحَكَكْتُهَا مِنَ المصحفِ، فاحتملتهَا. ثمَّ قرأَ سورةَ القصصِ، فلمَّا انتهى إلى ذكرِ موسى قالَ: ما هذا؟ ذكر قصةً في موضعٍ فلم يُتِمَّها ثمَّ ذكرَ ههنا فلمْ يُتِمَّها، ثمَّ رمى بالمصحفِ من حِجْرِهِ برجليهِ!!! فَوَثَبْتُ عليهِ» (٣).
فهذا شيخُ النَّافينَ لعلوِّ الربِّ عَلَى عرشهِ ومُبَايَنَتِهِ منْ خَلْقِهِ.
_________________
(١) العلو (ص١٠٣٨).
(٢) أخرجه الذهبي في «العلو» (ص١٠١٧) بسند صحيح.
(٣) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (رقم٧٠) بسند صحيح.
[ ٧٣ ]
وذكرَ ابنُ أبي حاتم عنهُ بإسنادهِ عَنِ الأصمعيِّ قَالَ: قَدِمَتِ امرأةُ جَهْمٍ فقالَ رجلٌ عندهَا: اللهُ عَلَى عَرْشِهِ. فقالتْ: محدودٌ عَلَى محدودٍ. قَالَ الأصمعيُّ: هي كافرةٌ بهذهِ المقالةِ.
فهذهِ المقالةُ إِمَامَاهَا هَذَا الرجلُ وامرأتهُ وما أَوْلاهُ بأنْ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ *﴾ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *﴾ [المسد: ٤ - ٥] (١).