قال الرماديُّ: سألتُ نعيمَ بنَ حمَّادٍ عنْ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قالَ: «معناهُ أنَّهُ لا يَخْفَى عليهِ خافيةٌ بِعِلْمِهِ، ألا تَرَى قولَهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]» (١).
وقالَ ﵀: «منْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ، فقدْ كَفَرَ، ومنْ أنكرَ ما وَصَفَ بهِ نفسَهُ، فقدْ كَفَرَ، وليسَ ما وصفَ بهِ نفسَهُ وَلاَ رسولُهُ تشبيهًا» (٢).
وعقَّبَ الذهبيُّ عَلَى هذا الكلامِ بقولهِ: «قلتُ: هذاَ الكلامُ حقٌّ، نعوذُ باللهِ مِنَ التَّشبيهِ ومنْ إنكارِ أحاديثِ الصِّفاتِ، فما يُنْكِرُ الثَابتَ منهَا مَنْ فَقُهَ، وإنَّما بعدَ الإيمانِ بها هنا مقامانِ مذمومانِ:
تأويلُهَا وصرفُهَا عنْ موضوعِ الخِطابِ، فمَا أَوَّلَها السَّلفُ وَلاَ حَرَّفوا ألفاظَهَا عنْ مواضعِهَا؛ بلْ آمنوا بهَا، وأَمَرُّوهَا كَمَا جاءتْ.
المقامُ الثاني: المبالغةُ فِي إثباتها، وتصوُّرُهَا منْ جنسِ صفاتِ البشرِ، وتشكُّلهَا فِي الذِّهنِ، فهذا جهلٌ وضلالٌ، وإنَّما الصِّفةُ تابعةٌ للموصوفِ؛ فإذا كانَ الموصوفُ ﷿ لمْ نرَهُ، وَلاَ أخبرنَا أحدٌ أنَّهُ عاينهُ مَعَ قولهِ لنَا فِي تنزيلهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فكيفَ بقيَ لأذهاننا مجالٌ فِي إثباتِ كيفيَّةِ الباري، تعالى الله عنْ ذلكَ، فكذلكَ صفاتُهُ المُقَدَّسَةُ، نُقِرُّ بهَا ونعتقدُ أنَّها حقٌّ، وَلاَ نُمَثِّلها أصلًا وَلاَ نَتَشَكَّلُهَا» (٣).
_________________
(١) رواه الذهبي فِي «العلو» (ص١٠٩٢)، وصححه الألباني ﵀ في «مختصر العلو» (ص١٨٤).
(٢) رواه الذهبي فِي «العلو» (ص١٠٩٢)، وصححه الألباني ﵀ في «مختصر العلو» (ص١٨٤).
(٣) السير (١٠/ ٦١٠ - ٦١١).
[ ٧٨ ]