قَالَ العلَّامةُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ موهب المالكيُّ فِي شرحهِ لرسالةِ الإمامِ محمَّد بن أبي زيد:
«أمَّا قولهُ: (إِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهِ) فمعنى (فَوْقَ) و(على) عندَ جميعِ العربِ واحدٌ. وفي الكتابِ والسنَّةِ تصديقُ ذلكَ، وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
وساقَ حديثَ الجاريةِ والمعراجِ إِلَى سدرةِ المنتهى، إِلَى أنْ قَالَ:
«وقدْ تأتي لفظةُ (فِي) فِي لغةِ العربِ بمعنى فوق، كقولهِ تَعَالَى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] و﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] و﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]. قَالَ أهلُ التَّأويلِ: يريدُ فوقهَا، وَهُوَ قولُ مالكٍ ممَّا فهمهُ عمَّنْ أدركَ مِنَ التَّابعينَ ممَّا فَهِمُوهُ عَنِ الصَّحابةِ، ممَّا فهموهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّ اللهَ فِي السَّماءِ، يعني فَوْقَها وعَلَيْهَا، فلذلكَ قَالَ الشيخُ أبو محمَّد: (إنَّهُ فَوْقَ عَرْشِه) ثمَّ بيَّنَ أنَّ عُلُوَّهُ فَوْقَ عرشِهِ إنَّما هُوَ بذاتهِ لأنَّه تَعَالَى بائنٌ عنْ جميعِ خلقهِ بلا كيفٍ، وَهُوَ فِي كُلِّ مكانٍ بِعِلْمِهِ لاَ بِذَاتِهِ. إِذْ لاَ تحويهِ الأماكنُ، لأنَّهُ أعظمُ منهَا، قَدْ كَانَ وَلاَ مكانَ».
_________________
(١) مختصر العلو (ص٢٥٩).
[ ١١١ ]
ثمَّ سردَ كلامًا طويلًا إِلَى أنْ قَالَ: «فلمَّا أيقنَ المنصفونَ إفرادَ ذِكْرِهِ بالاستواءِ عَلَى عَرْشِهِ بعدَ خلقِ سماواتِهِ وأرضِهِ، وتخصيصِهِ بصفةِ الاستواءِ، عَلِمُوا أنَّ الاسْتِوَاءَ هنا غيرُ الاستيلاءِ ونحوِهِ، فأَقَرُّوا بوصفِهِ بالاستواءِ عَلَى عرشهِ، وأنَّهُ عَلَى الحقيقةِ لاَ عَلَى المَجازِ، لأنَّهُ الصَّادقُ فِي قِيْلِهِ، وَوَقَفُوا عنْ تكييفِ ذَلِكَ وتمثيلِهِ، إذْ لَيْسَ كمثلِهِ شيءٌ» (١).