يمكن عدُّ ابن عطاء الله السكندريُّ (ت: ٧٠٩) أبرز شيوخ ابن
[ ٢٢ ]
بيدكين، وهو صوفيُّ اشتهر بكتابه: «الحِكَم»، وُلد ونشأ في الإسكندرية، وأخذ التصوف عن أبي العباس المرسي (ت: ٦٨٦)، وانتقل ربَّما قُبيل هذا التاريخ إلى القاهرة، فاستوطنها، وتصدَّر للتدريس والوعظ، ومات بها سنة: (٧٠٩)، ولا يُعرف تاريخ مولده، لكن ذكروا أنَّه مات كهلًا، والكهل من جاوز الثلاثين إلى نحو الخمسين.
يظهر من عبارات التركماني أنَّه كان شديد الإعجاب بابن عطاء الله والتقدير له، وأنه تأثر به تأثرًا بالغًا جذبَه إلى التصوف، وربطه برؤيتها ومصادرها، فنجده محسِّنًا للظنِّ فيهم، مدافعًا عنهم، ومع ذلك فقد تعمَّد عدم تسميته، والاكتفاء بوصفه: «شيخنا ﵀» (ص: ٤٤٣)، أو: «شيخنا رحمة الله عليه» (ص: ٣٠٠، ٣٤٦، ٤٩٧)، أو: «شيخنا ﵀ وجميع المسلمين» (ص: ٩٥). وهذا الترحم يورد إشكالًا، لأن ابن عطاء توفي سنة (٧٠٩)، وقد انتهى ابن بيدكين من كتابه نحو سنة (٧٠٣)، فإما أنه كان يترحم عليه لأنه لم يعلم بأخباره بعد نُقلته إلى مكة، أو أنه أدخل عبارات الترحم في الإخراج الأخير لكتابه، خاصة بعد أن رجع إلى القاهرة كما سنشرحه.
لقد وفَّقنا الله تعالى إلى اكتشاف شيخ التركماني هذا من خلال صلتنا بكتب ابن عطاء الله، فبعض نقولات التركماني يرد بحروفه في كتب ابن عطاء الله، خاصة: «لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن» (^١)، وكذلك: «الحكم العطائية»، وقد بيَّنا ذلك في مواضعه (^٢)،
_________________
(١) وأبو العبَّاس هو المرسي (ت: ٦٨٦)، وأبو الحسن هو الشاذلي (ت: ٦٥٦) مؤسِّس الطريقة الشاذلية نسبة إلى شاذلة قرية بأفريقية، وقد أخرجه أهل المغرب من ديارهم، وكتبوا إلى نائب الإسكندرية: إنه يقدم عليكم مغربي زنديق، وقد أخرجناه من بلدنا؛ فاحذروه! لكنَّه تمكَّن من خداع أهل الإسكندرية بكرامات مزعومة، فنشر فيهم مذهبه.
(٢) راجع الصفحات: (٩٦، ١٨٢، ٢٣٣، ٢٧٧، ٧٢٠، ٧٢١، ٧٥٨، ٨٠١، ٨٠٢، ٨٠٣، ٨٠٤، ٨٠٥).
[ ٢٣ ]
ولاحظنا أن التركماني قد يخطأ أحيانًا في النقل، فينسب ما نقله ابن عطاء عن غيره إلى ابن عطاء نفسه، وهذا مفهومٌ في ضوء افتقار التركماني للدقة العلمية.
إن تعمُّد ابن بيدكين في إخفاء هويَّة شيخه له أسباب وجيهة، فهو لم يبلغ مرتبة من العلم تمكِّنه من تجاوز شيخه هذا، ولا تمكِّنه أيضًا من الدفاع عنه ومحاججة منتقديه؛ إذا ما أشهر اسمه، فعُرف به، ونسب إليه. ولعلَّ ابن بيدكين كان يدرك أيضًا أن ابن عطاء لا يسلم في سلوكه على الأقل من بعض المؤاخذات، فقد كان متحاملًا وباغيًا في خصومته لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨) رحمه الله تعالى، وظنُّنا أن ابن بيدكين كان يتابع أخبار تلك الخصومة، ويتأمل في وقائعها، حيث كانت في تصاعد، حتى حمي وطيسها في شهر شوال من سنة (٧٠٧)، إذ اتفق ابن عطاء مع شيخ الصوفية في القاهرة، ومعهما نحو الخمس مئة من المريدين على تحريض الدولة ضدَّ شيخ الإسلام ﵀، لكلامه في ابن عربي الضالِّ وغيره، فرُدَّ الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، وعقد له مجلس، وادَّعَى عليه ابنُ عطاء بأشياء لم يثبت شيء منها. ومع ذلك انتهى الأمر بحبس ابن تيمية لإنكاره الاستغاثة بالنبي ﷺ (^١). ولعل ابن بيدكين قد شهد هذه الواقعة بعد عودته من رحلة الحجِّ.
لقد كان في شخصيَّة كلٍّ من الرجلين ما يجذب ابن بيدكين، فابن عطاء واعظ مؤثر، كان له رواج بين العامة. قال الذهبيُّ ﵀: كانت له جلالة عجيبة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل، ورأيت الشيخ تاج الدين الفارقي لما رجع من مصر معظمًا لوعظه وإشارته، وكان يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسي بكلام يروِّح النفوس، ومزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم؛ فكثر أتباعه، وكانت عليه سيما الخير. ويقال: إن ثلاثة
_________________
(١) «العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية» لابن عبد الهادي المقدسي، ص: ٢٨٦.
[ ٢٤ ]
قصدوا مجلسه فقال أحدهم: لو سلمتُ من العائلة لتجردت. وقال الآخر: أنا أصلي وأصوم ولا أجد من الصلاح ذرة. فقال الثالث: إن صلاتي ما ترضيني فكيف ترضي ربي؟ فلما حضروا مجلسه قال في أثناء كلامه: ومن الناس من يقول … فأعاد كلامهم بعينه! (^١)
فلا عجب أن يتأثر به صاحبنا، وهو في عداد متعلِّمي العامة، ونجده يستذكر بعض تلك المجالس التي تركت في أعماقه أبلغ الأثر، فيقول: «وقال شيخُنا ﵀ مرةً شيئًا غريبًا حتى أطرَب السامعين، وأخرق عقولَهم، ولقد رأيتُ في مجلسه من حُمِلَ في كساءٍ إلى بيته، فلمَّا تكلم وفرغ، قال بعض الفقراء: يا سيدي! هذا الكلام الذي قلتَه لم أسمعه منك، بل من الله تعالى! فقال الشيخ عن نفسه: اذهب بهذه القفَّة العظام من الوسط، فالمتكلم هو الله تعالى جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه!» (ص: ٧٠٦). ولا شكَّ أن ابن بيدكين لم يكن يدرك ما وراء هذه الكلمة من معانٍ خطيرة! (^٢)
أما ابن تيمية؛ فللتركماني عوامل أخرى في الانجذاب إليه، إنه كان يرَى فيه نموذج العالم الربَّاني المصلح، الذي تميَّز بانفراده بين علماء عصره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^٣)، لا يخشى في الله لومة لائم، فكان يلحظ الفرق بينه وبين غيره من علماء عصره الذي اختاروا الساكوتة على منكرات الولاة والعامة، وربما وافقوهم في عوائدهم. لقد تملَّكت التركماني حماسةٌ قويَّة في الإصلاح، ورغبة عارمة في تغيير واقع
_________________
(١) «الدرر الكامنة» ١/ ٣٢٤.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء تحذيره من عقيدة وحدة الوجود عند ابن عربي الصوفي: «يقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العُبَّاد يأخذون من كلامه سلوكهم، فينتفعون بذلك، وإن كانوا لا يفقهون حقائقه» (مجموع الفتاوى: ٢/ ٤٦٩).
(٣) وقد شهد بهذا المؤرخ الحجة ابن كثير ﵀ في «البداية والنهاية» ١٤/ ٣٧؛ فذكر في وصف ابن تيمية: «انفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
[ ٢٥ ]
المجتمع الذي أنهكته البدع والمنكرات والفواحش، ولم تكن له ولاية شرعية، ولا مكانة اعتبارية تعينه على القيام بهذه المهمة، فكان يرَى في شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نموذج القدوة والأسوة في مسيرة الإصلاح والتجديد. لقد وجده في كل ميدان: في دمشق مجاهدًا في معركة شقحب (٧٠٢)، ورآه بين العامة وفي الأسواق منكرًا على أصحاب البدع والفسوق من شاربي الخمور ولاعبي الشطرنج، ورفع إليه بصره في مصر فإذا هو أمام داعية إصلاحٍ يُعتدى عليه، ويحارب بالإشاعات والأكاذيب والدعاوى الباطلة، ويُسجن مراتٍ وهو صابر محتسب، لا ينقطع نفعه لأمته حتى وإن غُيِّب خلف أسوار السجن، فيرجع إليه الأمراء والعلماء فيما يشكل عليهم من النوازل، ويقرُّ له المنصفون من خصومه بالإمامة في العلوم، ويشهدون له بالخير والصلاح، والعدل والإنصاف، وعلوِّ الهمة، وسموِّ الأخلاق.
لا شكَّ أن هذا الجانب العملي من حياة ابن تيمية هو الذي جذب ابن بيدكين إليه، وربَّما عُني ببعض كتبه ورسائله المتعلقة بمسائل العبادة والاتباع والتزكية والسلوك، لكنه بيقينٍ لم ينفذْ إلى تلك المساحات العميقة من علوم ابن تيمية، فما له وللصفدية والأصفهانية وبغية المرتاد وبيان تلبيس الجهمية ودرء تعارض العقل والنقل، إذ يكفيه من ابن تيمية ما هو وثيق الصلة بمجتمع العامة، فلا عليه إذن أن يستلهم من ابن تيمية الردَّ على القلندرية أو المرازقة، أو ينسخ بعض رسائله في العبادات والسلوك.
نقف في مكتبة لايدن بهولندة على رسالة صغيرة تحمل الرقم (٢٢٨٩)، وتقع في سبع ورقات، عنوانها: «قاعدة في أفعال الحج تصنيف الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵁ وأرضاه»، وكتب إلى اليمين من هذا العنوان: «هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين بن التركماني الحنفي، تلميذ ابن تيمية الحرَّاني». وقد شُطب على هذه الجملة، ولعلها كتبت لاحقًا ثم شطب عليها بقلم حديث. وفي آخرها: «تمت بحمد الله تعالى وعونه في ليلة يُسفر صباحها عن سادس جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمان مئة».
[ ٢٦ ]
ونقف على رسالة أخرى في المكتبة نفسها، برقم: (٢٢٩٠)، في خمس صفحات، عنوانها: «قاعدة في الصبر للشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ ورحم جميع أموات المسلمين»، وإلى اليمين من العنوان كتب أيضًا: «هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين التركماني، تلميذ ابن تيمية، مؤلف هذه الرسالة». وشطب عليها أيضًا (^١).
وثمَّةَ مخطوطة أخرى في لايدن، وهي لرسالة «الفتوة» للتركماني وسيأتي الكلام عليها وفي صفحة العنوان منها وصف ابن بيدكين بأنه: «من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وقد قرَّظ له شيخه على هذه الرسالة». ولم يشطب عليه!
وخطوط هذه المخطوطات الثلاث التي نجد فيها إصرارًا على وصف ابن بيدكين بتلميذ ابن تيمية متشابهةٌ؛ ممَّا يدلُّ على أن ناسخها واحد، كما أن مصدرها واحد، فقد كانت في حوزة الشيخ الرحَّالة أمين بن حسن الحلواني المدني (ت: ١٣١٦ هـ/ ١٨٩٨ م) ﵀، ثم باعها ضمن ما باع من النفائس في هولندة لدار بريل الشهيرة، وهي محفوظة حاليًّا في مكتبة جامعة لايدن. وهي ليست بخط ابن بيدكين، لكنها فيما أرجِّح بظنٍّ قويٍّ نُقلت من نسخة ابن بيدكين نفسه، وكتب عليها ما يصدُق على تلك النسخة الأصلية، فاقتضى ذلك شطب ما لا يصدق على النسخة المنقولة، وتاريخها صحيح (٨٠٨)، فهي كتبت بعد ابن بيدكين بنحو قرن من الزمان. وربما يكون الشطب لأن النسبة إلى ابن تيمية كانت سبب تهمة في تلك العصور!
وفي صفحة العنوان لرسالة «الفتوة» من مخطوطة دار الكتب المصرية نجد تأكيدًا آخر على وصف ابن بيدكين بتلميذ ابن تيمية: «هذه الرسالة في الفتوة للعلامة إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، وهو من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وقد قرَّظ له شيخه على هذه الرسالة، …».
_________________
(١) سنورد صور المخطوطتين ضمن نماذج المخطوطات، والرسالتان طبعتا ضمن «جامع الرسائل» ١/ ١٦٥ - ١٧٤، و١/ ٢٠١ - ٢١٩. ت: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد: ١٤٢٢.
[ ٢٧ ]
ربما يكفينا تقريظ شيخ الإسلام ابن تيمية رسالةَ التركماني لنسلكه في عداد تلاميذه، وهذا ما صنعه الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي في كتابه: «شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه»، فقال في ذكر تلاميذه ١/ ١١٨: «وإدريس بن بيدكين بن عبد الله التركي [كذا!] الحنفي مؤلف كتاب «اللمع في الحوادث والبدع» تتلمذ على شيخ الإسلام». ثم أحال إلى كتابنا هذا، وقال: وفي آخره تقريظ لشيخ الإسلام على رسالة صاحب اللمع: «الفتوة».
وقد تكون في عبارة «تتلمذ على شيخ الإسلام» بعض المجازفة، ولكن ينبغي أن لا نُشدِّد في شروط التلمذة عندما يتعلق الأمر بمثل ابن بيدكين، فتلك التلمذة لم تصنع منه فقيهًا ولا قاضيًا ولا عالمًا مبرَّزًا، إنه طالب علم مشارك، وحسبه أن ينال من التلمذة على شيخ الإسلام ما يناسب مرتبه.
لقد قدَّم لنا ثلاثة نصوص مهمة هي موضع اهتمام ابن تيمية: الأول: عن القرندلية أو القلندرية. والثاني: عن المرازقة. والثالث: عن الفتوة.
أما القرندلية: فقد أوجز التركماني القول فيهم، ولا أدري ما الذي منعه من التوسع في البحث رغم شدَّة بغضه لهم، وفي «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٣٥/ ١٦٣ - ١٦٦، مادة جيِّدة لم يقتبس منها التركماني شيئًا، وذكر أنهم «طائفة من الإفرنج»، ولا أدري مستنده في ذلك. ومهما يكن فقد وجد التركماني في ابن تيمية قدوة في مواجهة بدعة القلندرية، وقد قال العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي في «الرد الوافر» في ترجمة: الشيخ الإمام العلامة القاضي أبي البقاء محمد ابن سوار الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي (٧٠٧ - ٧٧٧ هـ): حكى بعض من لقيته من الشيوخ العلماء أنه حضر مرةً مع قاضي القضاة أبي البقاء شيخ الشافعية درسًا ألقاه بالمدرسة الرواحية، وهي داخل باب الفراديس من دمشق، فجاءه جماعة من طائفة القلندرية يسألونه، فأمر لهم بشيء، وكان إذ ذاك حاكمًا بدمشق على القضاء بها، ثم جاءه طائفة أخرى من الحيدرية وهو يتوضأ على بركة
[ ٢٨ ]
المدرسة المذكورة فسألوه، فأمر لهم بشيء، ثم جاء فصلى ركعتين، ثم قال: رحم الله ابن تيميةَ، كان يكره هؤلاء الطوائف على بدعهم. قال: فلما قال ذلك ذكرت له كلام الناس في ابن تيمية، فقال لي وكان ثم جماعة حاضرون، قد تخلفوا بعد الدرس يشتغلون عليه: والله يا فلان ما يُبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به. قال: فأعجبني ذلك منه، وقبلت يده، وقلت له: جزاك الله خيرًا.
وأما المرازقة: فقد أفرد لهم ابن بيدكين فصلًا مطوَّلًا، وذكر تفاصيل مهمة عنهم، ولابن تيمية بحث مطول فيهم نقلته في موضعه، ويظهر من المقارنة بين كلامهما أن ابن بيدكين لم ينقل عبارات ابن تيمية بحروفها، لكنه استفاد منها، وزاد عليها، وأعاد صياغتها بأسلوبه، إذ نجد عندهما جملة كبيرة من الأفكار المتشابهة حول: تذبذبهم في الانتساب إلى الشافعية أو الحنابلة، وتركهم الجمعة والجماعات، وعدم قبولهم توبة الرافضي، واحتجاجهم في ذلك بحديث باطل، والإنكار عليهم بطاعة شيخهم والتعصب له في مخالفة الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، وغلوهم في الاستثناء، وتكفيرهم لمخالفيهم واستحلالهم لدمائهم وأموالهم.
وأما الفتوة: فسنفردها بالبحث عند كلامنا على رسالة التركماني فيها، لكن نشير هنا إلى أن ابن تيمية قد استفتح تقريظه لها بثناء حارٍّ على ابن بيدكين فقال: «هذا الكراس كلام رجل صادق ناصح، متَّبع لشريعة الإسلام، ناهٍ عمَّا نهى الله عنه من الآثام، متبع الكتاب والسنة والأثر فيما دعا إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محب لله ولرسوله، راغب في طريق الله وسبيله … وهو فيه من أعظم المطيعين لله ولرسوله، القائمين بما أرضى الله ورسوله، ويجب على كل مسلم أن يرضى بما فعله من ذلك، ويعاونه على ذلك إذا احتاج إلى المعاونة بما يقدر عليه، وبوجود هذا وأمثاله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يُصلح الله للمسلمين دينَهم ودنياهم».
إن هذا الثناء يدلُّ بوضوح على معرفة شيخ الإسلام لابن بيدكين
[ ٢٩ ]
وحسن ظنِّه في حاله وصفته، كما يدلُّ على أن شيخ الإسلام قد أعجب بحماسة ابن بيدكين في الأمر والنهي، ودعا إلى إعانته فيما هو بسبيله، وهذا يمثل نموذجًا من صلة ابن تيمية بعامة المجتمع، وبمجتمع العامة. وراجع ما كتبته في المقارنة بين كلام ابن تيمية وابن بيدكين في الفتوة، وما ظهر من أثر لابن تيمية في رسالة الفتوة المفردة، وهي الإخراج الأخير لبحث ابن بيدكين في هذه المسألة، والله أعلم.