وبعد سنوات نلتقي بابن بيدكين في مدينة الخليل (^١) فقد سجَّل لنا قصة مجذوب من مجاذيب الصوفية فقال: «رأيت رجلًا قد وَلِهَ بحبِّ الله تعالى، لا يزال يقول: لا إله إلا الله. ملء رأسه، ولا كان يسعه إلا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل وصلَّى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل ﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين يأخذهما من سماط الخليل، فشكاه الناسُ لشيخ حَرَمِ الخليل ﵇ ويُعرف بالجَعْبَري، وقالوا: هذا الفقير يؤذينا من قوة ذكره. قال الشيخ: لا تعطوه الخبز …» (ص: ٧٠٢).
_________________
(١) وهي قريبة من بيت المقدس من أرض فلسطين، وفيها مسجد وقبر ينسب إلى الخليل إبراهيم ﷺ، ولا يصح ذلك، كما لا تجوز تسمية الموضع بالحرم الإبراهيمي.
[ ١١ ]
والجعبريُّ هو الشيخ الإمام العالم المقرئ شيخ القرَّاء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري ثم الخليلي الشافعي (٦٤٠ - ٧٣٢) ﵀. وقد ذكر ابن كثير في ترجمته أنه اشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة يُقرئ الناس، ودفن ببلد الخليل. فيظهر لنا من هذا أن ابن بيدكين دخل مدينة الخليل بعد سنة (٦٩٠)، فربما دخلها وهو في طريقه إلى مكة المشرَّفة، وقد يكون دخلها قبل ذلك وهو في طريقه من الشام إلى مصر.