ابن بيدكين لا يتوخَّى الدقة والتفصيل فيما يذكره، فقد ذكر جعبريًّا آخر، لكن إقامته في القاهرة، وهو الشيخ الزاهد إبراهيم بن مِعضاد بن شداد الجعبري، ولم يصرِّح بالسماع منه (ص: ١٦٠)، وصرَّح في موضع بالرواية عنه بواسطة من يثق به (ص: ٦٤٥)، فلا ندري هل أدركه صاحبنا أم لا؟ فقد توفي ابن معضاد في محرم سنة (٦٨٧) ﵀، وعدم معرفتنا بهذه التفاصيل الدقيقة يعيق رسم خريطة طريق واضحة لتنقلات التركماني. فقد يكون أقام في فلسطين ثم انتقل إلى مصر، وقد يكون الصواب عكس هذا، ولن نزعم أنه خلال ذلك أقام في الإسكندرية، وإن كان أبرز شيوخه إسكندرانيًّا، فمن المؤكد أنه التقى به في القاهرة، هذه المدينة التي حوت النشاط الأوسع من حياة ابن بيدكين، ففيها لقي الأشياخ، وجالس العلماء، ودخل في مناقشات مع بعض الفقهاء وغيرهم، كما كانت له صلات قوية بمجتمعه، وهذا جملة ما أذن لنا ابن بيدكين أن نطَّلع عليه:
شهد التركماني في القاهرة جهدًا محمودًا من أحد الولاة في القضاء على بدعة عيد الشهيد، فقال: «ولقد رأيت رجلًا يقال له: الخيَّاطُ، وكان متولِّي القاهرة، نهى النصارَى عن رمي شهيدهم في نيل مصر، ونهى المسلمين عن الذهاب إليه، وعن ذلك الاجتماع المذموم، والاختلاط، وهي والله مثوبةٌ عظيمةٌ تكون لفاعلها نورًا يوم القيامة، وجوازًا على الصراط. فلما توفي متولِّي القاهرة وطال الأمر، وتولى أمور المسلمين هذه الطائفة
[ ١٢ ]
المسْلِمَانيَّة؛ أظهروا المواسم والأعياد على رؤوس الأشهاد» (ص: ٥٦٦).
إن هذا النص يفيدنا أن التركماني استوطن القاهرة مدَّة، ولم يدخلها زائرًا عابرًا، فمتولي القاهرة المذكور هو الأمير علم الدين سنجر المسروري، توفي سنة (٦٩٥) أو (٦٩٨)، وكان بهذا المنصب قبل سنة (٦٨٦)، وقد بيَّنتُ في تعليقي المطول على هذا الموضع من الكتاب أن عيد الشهيد استمر العمل به حتى أبطله الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري سنة (٧٠٢)، ثم أعاده الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة (٧٣٨)، وتمَّ القضاء عليه نهائيًّا سنة (٧٥٥) بأمر الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (ت: ٧٦١) رحمهم الله تعالى.
ولم يذكروا في شيء من أخبار الخيَّاط ما يتعلق بأمر هذا العيد، فلعله تمكن من القيام بمنع جزئيٍّ لبعض مفاسده، فلما مات توسَّع الناس فيه مجدَّدًا، فاستوجب الأمر تدخل الأمير بيبرس، فأبطله بعد سنوات قليلة من وفاة الخياط ﵀. وقد شهد ابن بيدكين جهود الخيَّاط في محاربة ذلك المنكر، ونرجِّح أنه غادر القاهرة قبل وفاة الخيَّاط، ونَمَتْ إليه أخبار التوسِّع في الاحتفال بعيد الشهيد، فسجَّل ذلك في كتابه، ولم يتمكن من تسجيل إبطاله سنة (٧٠٢) من قبل الملك المظفَّر، لأنه انتهى من كتابه بعد ذلك بقليل، ربما في سنة (٧٠٣).
وفي القاهرة أيضًا وقعت للمؤلف ﵀ حادثة مهمة تزيدنا قناعة بأنه مكث فيها مدَّة طويلة، يطلب فيها العلم، فقد قال ﵀: «ودخل المؤلف يومًا الحمامَ، فجاء رجل وجلس على جُرْنِ الحمام، والناس تحته ينظرون إليه، فرمى الفوطة مِنْ وسطه، فقال مؤلف هذا الكتاب له: يا أخي، قال ﷺ: «الحياء من الإيمان». فلم يلتفت لقوله، ولم يصلِّ على النبي ﷺ؛ فأخذ المؤلف الفوطة وستر عورته فأخذها بغيظ، ورمى بها ثانيًا، وقال: هذا يجوز في مذهب مالك بن أنس! فغضب المؤلفُ لمقالته ولقلة حيائه، وقال له: ذكرتُ لك النبي ﷺ فلم تصل عليه، وتفتري الكذب على
[ ١٣ ]
العلماء! البعيد زنديق، إن رميت الفوطة مرة أخرى قتلتك، ودعني أُقتل لأجلك! فتحوَّلَ إلى غير ذلك الجرن. ثم إنَّ المؤلف ندم على قوله له: «أنتَ زنديقٌ»؛ لأنه قرأ القرآن، واطلع على العلوم، وهو من الخيرات محروم، فما مضى إلا مدة يسيرة حتى شهد المسلمون بزندقته، وضرب القاضي رقبته في: بَيْنَ القَصْرَيْنِ، بالقاهرة. وهو قاضي المالكية، لَمَّا نَسَبَ الباطِلَ إليه؛ سلَّطه الله عليه. وقال بعض جيرانه: إنَّه سبَّ أمَّه بشيء قبيحٍ، فدعت عليه بسوء الخاتمة؛ أجارنا الله منها» (ص: ٣٦٣).
قلتُ: طالب العلم المبتدئ تكون عنده حماسة زائدة، وقد يطلق ألفاظًا لا يدرك لوازمها، فإذا تدرج في طلب العلم زاد علمًا بجهله، فندم على ما كان منه. وهذا لا يكون إلا بمضيِّ سنوات، ونستطيع فهم هذا من قوله عن نفسه: «لأنه قرأ القرآن واطلع على العلوم»، وكان قبل ذلك: «من الخيرات محروم»، وهذا ما حمله على الندم لاتهام ذلك المتهتِّك بالزندقة، لكن لم يطل ندمه، فقد اتُّهم بالزندقة فعلًا، وانتهى الأمر بحكم القاضي عليه بالقتل. ولم يذكر ابن بيدكين اسمه، لكن وفَّقنا الله تعالى للتعرف عليه، فهو: أحمد بن محمد البقَقِيُّ المصريُّ، يلقب بفتح الدين، وقد ذكرت ترجمته وقصته مطولًا في موضعه، وتمَّ قتله في يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة (٧٠١)، والقاضي المالكي هو ابن مخلوف (ت: ٧١٨).
وهذا التاريخ يورد علينا إشكالًا حول تاريخ الانتهاء من تأليف الكتاب في مكة لا القاهرة، وسنحقق القول فيه لاحقًا.
ويذكر ابن بيدكين بعض الأخبار من يومياته، ولا يحدد زمانها ولا مكانها، وهي في الأرجح وقعت له أيام إقامته في القاهرة، منها قوله: «ولقد قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا …» (ص: ٧٢٠).
ويذكر في موضع آخر ما يدل على منزلته الاجتماعية وسمعته الطيبة: «وكان لي أخٌ من جنس النظر، وكان يتَّبع الأثر، ويحب القرآن والخبر،
[ ١٤ ]
فطلب مؤلفَ الكتاب عند النزع، وقال للحاضرين: اقرؤوا القرآن حتى أسمع، …» (ص: ٢١٣).
وقد يذكر المكان ولا يحدد الزمان فيقول: «قال مؤلف الكتاب: صليت الجمعة بجامع الأزهر بالقاهرة، فقال رجل لفقيه: إن رجلًا دخل على شيخه، انفتح له الحائط فدخل منه، وسلم على الشيخ، فلما خرج عاد الحائط إلى ما كان عليه. فقال الفقيه: آه، الله ينفعنا بالشيخ. فقلت له: كيف ينفعك الله به وأنت تهزأ به؟! …» (ص: ٧٢١).