وأخيرًا نلتقي بابن بيدكين في المسجد الحرام، وقد قدم للحجِّ واصطحب معه أهله، وطابت له الإقامة فاختار المجاورة: «وكان مؤلفُ الكتاب مجاورًا بمكة المشرَّفة هو وعيالُه» (ص: ٣٧٣). ولم يحتج إلى وقت طويل حتى يتعرف على البيئة المكية، فقد التقى بعلمائها، ورصد عوائد العامة فيها، فوجد فيها كثيرًا من المخالفات، فصحَّت نيته في تأليف كتابه هذا في موضوع اهتمَّ به، وجمع بعض مادته أثناء إقامته في القاهرة، يقول ﵀: «وهذا حديث صحيح، لكن قلته بالمعنَى؛ لأنِّي نسيتُ أن أنقله على الوضع، وكثير من حكايات الصالحين ذكرتهم بالمعنى، وقد جوز هذا بعض العلماء، وهو تيسير لمن حل بقلبه الغفلة والعمى؛ فإني ألَّفته بمكة المشرفة، وليس هي بمعدن لما يريده الإنسان من الكتب» (ص: ٤٩٦)، إنه يعقد هنا مقارنة بين مكة والقاهرة في النشاط العلمي والاهتمام بالكتب.
ويُشعرنا ابن بيدكين أنَّ السنَّ قد تقدَّمت به، فمن المؤكد أنه الآن قد جاوز الخمسين حيث يقول: «ونسأل الله حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة، فقد قرَّب الآجالَ، وبعَّد الآمالَ»، وفي نسخة: «فقد قرُب الأجلُ، وبعُد الأملُ» (ص: ٤٠٨)، وهذا يتوافق مع تاريخ التقائنا به في دمشق وهو شاب بين عامي (٦٦٠) و(٦٧٠)، إنه الآن في أوائل القرن الثامن، فنجده يختم كتابه بهذا الكلمات: «ووافق الفراغ من تأليفه في أشرف المكان، وأبرك الزمان، وذلك في مكة المعظمة، وفي شهر رمضان، في أوائل القرن الثامن من الهجرة المحمدية».
[ ١٥ ]
ونجد في ثنايا الكتاب توريخين مختلفين:
الأول في قوله: «فاشكر أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنة وكسور من الهجرة» (ص: ٥٩٧).
والثاني في قوله وقد ذكر حديث: «صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: …»: «وهاتان البدعتان [وفي نسخة: الخصلتان] المشؤُومتان أخبر ﷺ عنهما قبل ظهورهما بستِّ مئةِ سنةٍ وكسور من الهجرة المحمدية» (ص: ٣٠٨).
والحقيقة أن لا تعارض بينهما، فالأول خطاب للقارئ حال تصنيف الكتاب، والثاني إخبار عن ظهور تلك الخصلتين.
إن بنية ابن بيدكين الفكرية، وتكوينه الثقافي لا يُشعره بأهمية تحديد السنة، فيرضى بكلمتي: «كسور» و«أوائل»، وهما تدلَّان بصيغة الجمع هذه على عدد من السنوات تبدأ من السنة الثالثة فصاعدًا، ولا يمكن بحالٍ أن تدلَّا على رأس المئة الثامنة تحديدًا؛ كما ذهب إليه صبحي لبيب.
ونستنتج من هذا أن مجاورة ابن بيدكين امتدَّت إلى سنة (٧٠٣) على الأقل، وربَّما زادت على ذلك قليلًا. أما أول قدومه إلى مكة فكان قبل ذلك بمدة يسيرة لا نعرف قدرها، ودليلنا على ذلك قوله: «وقد قرأ خطيب مكة بعض هذا الكتاب على نزيل مكة وقاضيها» (ص: ٧٨).
وقد وقفنا على ترجمة الخطيب والقاضي من خلال النظر في كتب التراجم:
أما خطيب مكة: فهو تقي الدين عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد ابن إبراهيم الطبري، كانت له عناية بالفقه، ولِيَ خطابة مكة سنين كثيرة، وتوفي سنة (٧٠٤) ﵀ (^١).
_________________
(١) «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» ٥/ ٩٩ (١٤٧٨)، و«ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد» للفاسي (١٠٩٥).
[ ١٦ ]
وقاضي مكة هو حفيد العلامة الفقيه الشافعيُّ الشهير محبُّ الدين الطبري (٦١٥ - ٦٩٤): نجم الدِّين أبو حامد محمدُ بنُ محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبريُّ، ولد سنة (٦٥٨)، ووَليَ قضاءَ مكةَ في سنة (٦٩٤)، وهي السنة التي توفي فيها والده: جمالُ الدين محمد ﵀، فحمدت سيرته، واستمر إلى أن مات في جمادى الآخرة سنة (٧٣٠). وكان بارعًا في الفقه، وانتهت إليه رئاسة الفتوى في البلد الحرام، ﵀ (^١).
وكان والده أيضًا فقيهًا فاضلًا، له نظم حسن، وتأليف في المناسك، ولِيَ قضاء مكة سنين كثيرة، بعد القاضي عمران الشيباني وأصابه الفالج في آخر عمره، مات بمكة، بعد والدِه: محبِّ الدين (^٢).
وخطيب مكة وقاضيها يلتقيان في النسب كما ترى في عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم، وفي قول التركماني: «نزيل مكة» إشارة إلى أنَّ أصله غير مكيٍّ، وهذا صحيح، لكن إطلاق وصف النزيل عليه غير دقيق، لأنَّ استقرار هذه الأسرة في مكة يرجع إلى جدهم عبد الله، أو قبله، فقد ذكروا أن محب الدين الطبري ولد في مكة، والله أعلم.