قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قال العلماء: هي كل شفاعة تجوز في الشرع، يكون للشافع نصيب منها، أي يؤجر عليها. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، (أي: ومن يشفع شفاعةً سيئةً، و) (^٢) هي التي لا تجوز في الشرع، يكن له كفلٌ منها، أي: نصيبٌ من الوزر والإثم.
قال مجاهد في تفسير الآية، قال: هي شفاعة الناس بعضهم لبعض؛ يؤجر الشفيع على شفاعته، وإن لم تقبل شفاعته منه (^٣).
قال ﷺ: «اشفعوا تُؤجَروا» (^٤).
_________________
(١) في (خ): عليها. وفي (ط): عليها منها.
(٢) في (ق): والشفاعة السيئة.
(٣) «تفسير مجاهد» (ص ٢٨٧).
(٤) طرف حديث أخرجه الحميدي في «مسنده» (٧٧١)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٤٠٠ (١٩٥٨٤)، والبخاري في «صحيحه» (١٤٣٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٢٧)، وأبو داود في «سننه» (٥١٣١)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٧٢)، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ٧٧ (٢٥٥٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل، أو طلبت إليه حاجة قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء». وألفاظهم متقاربة وسقنا لفظ البخاري ﵀.
[ ٦١٨ ]
ولا يشفع الإنسان في حدٍّ من حدود الله؛ لما روي أن الصحابة شفعوا لامرأة سرقت، فقال ﷺ: «أتشفعون في حدٍّ من حدود الله؟! والله لو سرقت بنتي فاطمة لقطعت يدها، أما سمعتم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]» (^١).
ولا يشفع في خلاص مجرم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: نفيهم: حبسهم (^٢).
ورُوي عن بريرةَ أنها كانت تحت عبدٍ؛ فلما أعتقت اختارت نفسها، وكان الزوج يحبها، فدخل النبي ﷺ لكي يشفع له عسى أن تقيم معه، فشفع له، فقالت: يا رسول الله، إن كنت آمرًا فالسمع والطاعة، وإن كنت شافعًا فإني أكره الإقامة معه (^٣).
فَفَرَّقَ بينهما؛ لأن الحرة إذا كانت تحت عبدٍ فهو نَقْصٌ لها، وضرر
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٤١ (٢٤١٣٨) مختصرًا، والدارمي في «سننه» (٢٣٠٢)، والبخاري في «صحيحه» (٣٤٧٥)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٨٨)، وأبو داود في «سننه» (٤٣٧٣)، وابن ماجه في «سننه» (٢٥٤٧)، والترمذي في «جامعه» (١٤٣٠)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ٧٢ (٤٨٩٥) بنحوه.
(٢) انظر «المبسوط» للسرخسي ٩/ ٣٥٣.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢١٥ (١٨٤٤)، والدارمي في «سننه» (٢٢٩٢)، والبخاري في «صحيحه» (٥٢٨٣)، وأبو داود في «سننه» (٢٢٣١)، وابن ماجه في «سننه» (٢٠٧٥)، والترمذي في «جامعه» (١١٥٦) مختصرًا، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ٢٤٥ (٥٤١٧) من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: لما خيرت بريرة، رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة، ودموعه تسيل على لحيته؛ فكلَّمَ العبَّاسَ ليكلم فيه النبي ﷺ؛ فقال رسول الله ﷺ لبريرة: «إنه زوجك». فقالت: تأمرني به يا رسول الله؟ قال: «إنما أنا شافع». قال: فخيَّرَهَا فاختارت نفسها، وكان عبْدًا لآلِ المغيرة يقال له مغيث.
[ ٦١٩ ]
عليها، ولا ضرر ولا إضرار في دين النبي المختار (^١). فإذا أعتقا جميعًا فلا تختار نفسها؛ لأنه حر وهي حرة، فصارا في منزلةٍ واحدة.
انظر إلى فهم أَمَتِهِم ومُعْتَقَتِهِمْ في قولها: إن كنت آمرًا فالسمع والطاعة؛ لأن أمره ﷺ واجب على كل مسلم، قال المولى الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فلما قال: «ما أنا آمر بل شافع». والشفاعة هنا ليست بفرض، فلم تقبل، والنبي ﷺ لم يغضب، فمن شفع شفاعةً ولم تقبل منه فغضب لأجل علو قدره؛ خرج عن السنة، وعمل على إبطال أجره.
دخل ﷺ بيت بريرة يومًا، فوجد عندها برمة فيها لحم، فقدمت له قرص شعير، وقالت: إن اللحم تصدقوا عليَّ به. فقال ﷺ: «هو عليك صدقة ولنا هدية» (^٢).
فقد علمت أن الشفاعة إذا خرجت عن الشرع فالشافع مأزور لا مأجور، وهذا الباب واسع جدًّا، وليس بمحصور، وإن قبل الشفيع وقع في البدعة والإثم والفجور، ونقول طرفًا منه:
حكي عن رجل علق قلبه بمحبة شخص، فتمنع عنه، واشتد بلاء المحب إلى أن لزم الفراش، فلم تزل الوصايا تمشي بينهما ويشفعون، حتى وعده أن يعوده، فأخبر بذلك ففرح واشتد سرورًا، وانجلى عنه بعض ما كان يجد، فلما كان في بعض الطريق رجع، وقال: والله لا أدخل مداخل الرَّيب، ولا أعرض نفسي لمواقع التُّهم. فأخبر بذلك المتيم المسكين؛ فرجع
_________________
(١) يشير إلى حديث: «لا ضرر ولا ضرار»: أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣١٣ (٢٨٦٧)، وابن ماجه في «سننه» (٢٣٤١) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في «الإرواء» (٨٩٦).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢٧٦ (١٣٩٢٢)، والبخاري في «صحيحه» (١٤٩٥)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٧٤)، وأبو داود في «سننه» (١٦٥٥)، والنسائي في «المجتبى» ٦/ ٢٨٠ (١٠٧٤)، وفي «السنن الكبرى» (٦٥٩٥) من حديث قتادة عن أنس ﵁، وقد ورد أيضًا من حديث عائشة ﵂.
[ ٦٢٠ ]
إلى أشد ما كان عليه، وبدت عليه أمارات الموت، قال الراوي: فسمعته يقول وهو في تلك الحال:
سلام يا راحة العليل … وتردد المدنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل (^١)
قال: فقلت له: يا فلان، اتق الله. فقال: قد كان. فقمت عنه، فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه، فنعوذ بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة (^٢).
فمثل هذه الشفاعة وأخواتها لا تجوز في الشرع الشريف، فتيقظ من (^٣)
_________________
(١) نصُّ البيتين في رواية الحميدي في «جذوة المقتبس» وهو مصدر القصة، وعنه ذكرها الضبي في «بغية الملتمس» (٤٦٢)، وابن الجوزي في «المنتظم» ١٥/ ٢٤٩، والقفطي في «إنباه الرواة» ١/ ١٣٢، وياقوت في «معجم البلدان» ١/ ٤٢٤، وابن كثير في «البداية والنهاية» ١٢/ ٤٨، والصفدي في «الوافي بالوفَيَات» ٧/ ١٩٦، وغيرهم بهذا اللفظ: أسلَمُ يا راحةَ العَليل … رفقًا على الهائم النَّحِيل وصلُكَ أشهَى إلى فؤادي … من رحمة الخالقِ الجليل قال الإمام ابن كثير ﵀: وهذه زلةً شنعاء، وعظيمة صلعاء، وداهية دهياء، ولولا أنَّ هؤلاء الأئمة ذكروها ما ذكرتُها، ولكن فيها عبرة لأولي الألباب، وتنبيه لذوي البصائر والعقول، أن يسألوا الله رحمته وعافيته، وأن يستعيذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقهم حسن الخاتمة عند الممات، إنه كريم جواد. (ت)
(٢) هذه القصة وقعت في قرطبة لأحمد بن كليب النحوي، وهو أديب وشاعر مشهور الشعر، ولا سيما شعرُه في أسلم، وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته، وهو الأديب الشاعر أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز، وقد أرخ ابن الجوزي لوفاة ابن كُليب بسنة (٤٢٦)، وساقها الحميدي في «جذوة المقتبس» في ترجمة ابن كليب (٢٤٤) مطولًا، بروايته لها عن أبي محمد ابن حزم، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز، صاحب المزني والربيع، فذكر القصة بطولها، وقد استوفيت الكلام عليها في تحقيق مختصر «طوق الحمامة» لابن حزم ص ٣٣٣، والملحق (٢). (ت)
(٣) في (خ): عن.
[ ٦٢١ ]
غفلتك أيها العبد الكثيف، وكن تابعًا لسنة نبيك وأصحابه، وكل عبد تقي وعفيف، ولا تخرج عن طريقهم، وخف من سطوة المولى اللطيف.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذليُّ رحمة الله عليه لرجلٍ قد أحاط به الهم والغم حتى كاد أن يمنعه من الأكل والشرب والنوم: يا ابن فلان، اسكن لقضاء الله تعالى، وعلق قلبك بالله، ولا تيأس من روح الله، وانتظر الفرج من الله، وإياك والشرك بالله تعالى، والنفاق مع رسول الله ﷺ، وسوء الظن بالله؛ فإنه يوجب دوائر السوء من الله وغضبه ولعنته، وإعداد ناره. قال: فرأيته مربوطًا يسير بين يدي رسول الله ﷺ وهو يتلو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧١]. فقيل للشيخ: ما النفاق مع رسول الله ﷺ؟ قال: التظاهر بالسنة، والله يعلم منك غير ذلك. قلت: وما الشرك بالله؟ قال: اتخاذ الأولياء شفعاء دون الله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]. قال: قلت: قال رسول الله ﷺ: «اشفعوا تؤجروا» (^١)، قال: في حقِّ بحقٍّ، حيث أمرك الله ورسوله بحق، وقد بيَّن لك حق البيان بقوله: تؤجروا. فمن شفع في معصية أو طلب (^٢) جاهٍ أو منصب، أو طلب على وجه الرغبة لن يؤجر على ذلك، بل يعذب، ويتوب الله على من يشاء. ثم تلا: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قال: قلت: فما سوء الظن بالله؟ قال: من رجا غير الله، واستنصر بغير الله، آيسًا من الله أن ينصره؛ فقد ساء ظنه بالله. ثم تلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ الآية [الحج: ١٥] (^٣).
_________________
(١) تقدم قريبًا.
(٢) زاد في (ب): على.
(٣) لم أقف على هذه الحكاية.
[ ٦٢٢ ]
روَى البخاريُّ عن رجلٍ مرَّ على رسول الله ﷺ، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال الرجل: من أشراف الناس، هذا والله حَرِيٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ. قال: فسكت النبي ﷺ، ثم مَرَّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ: «ما رأيك في هذا؟» قال: يا رسول الله، هذا الرجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب لا يُنكح، وإن شَفَعَ لا يُشَفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله. فقال (^١) رسول الله ﷺ: «هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا» (^٢).
فصار الناس على أقسام: منهم من تقبل شفاعته في الدنيا، ويسمع كلامه، وفي الآخرة لا تقبل شفاعته، ولا يسمع كلامه. ومنهم من لا تقبل شفاعته في الدنيا، ولا يسمع كلامه، ولا يعرف مكانه، وفي الآخرة تقبل شفاعته، ويسمع كلامه، ويعرف مكانه.
ومنهم من لطف الله به بقدرته القاهرة، فتقبل شفاعته، ويسمع كلامه في الدنيا والآخرة، (ومنهم من لا تقبل شفاعته، ولا يسمع كلامه في الدنيا ولا في الآخرة) (^٣).
فالأول: هو الفقير الضعيف الحال، المتعفف عن السؤال، الصادق في الأقوال والأحوال؛ فشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يوم القيامة لأصحاب الذنوب الكبائر، والأولياء يشفعون في أصحاب الذنوب الصغائر؛ كل منهم يشفع على قدر منزلته عند الله سبحانه، وهذا له أصل في الشرع، قال الله تعالى إخبارًا عن المشركين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].
هذا إذا رأى الكفارُ المؤمنينَ يشفعون، ويقبل الحق شفاعتهم، وفي الخبر أن الله سبحانه يُشَفِّع الفقراء فيمن أحسن إليهم؛ ولذلك قال النبي ﷺ:
_________________
(١) زاد في (ب): له.
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥٠٩١)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٢٠) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٣) ليست في (ق).
[ ٦٢٣ ]
«اتخذوا مع الفقراء أيادي؛ فإن لهم يوم القيامة دولة، وأيَّ دولة» (^١)، عرَّفَ العبادَ بمراتبهم.
فانظر رحمك الله! إلى بركة الطاعة كيف تعود بركتها عليك، وعلى أصحابك وأقاربك ووالديك حين يرفعهم (^٢) الله يوم القيامة إليك ليقر بهم (^٣) عينيك، وكذلك يرفع الولد لوالديه في الجنة وإن لم يبلغ الولد بعمله إلى تلك المنزلة؛ تكرمًا من الحق سبحانه وتفضلًا، ولم ينقص من مرتبة الأبوين شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. والولد الطفل يوضع في ميزان أبيه يوم القيامة، ويشفِّع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١].
قال قائل: كيف نعمل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وبقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]، وكل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي؟ هذا كله في ابتداء الأمر؛ لا يشفع أحد في أحد، ويفر كل واحد من أهله وأصحابه وأقاربه وأحبابه، حتى يأذن الله بالشفاعة لمن يشاء ويرضى، وقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا يشفع المؤمن في كافر.
رأى بعض الصالحين في سياحته شابًّا في سفح جبل وعليه أثر القلق، فسأله عن حاله فقال: عَبْدٌ آبِقٌ من سيده. قال: فقلت له: تعلق بمن يشفع لك عنده. فقال الشاب: كل الشفعاء يخافون منه. فقلت له: من هو؟ قال:
_________________
(١) لم أقف عليه مرفوعًا، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٧١ من كلام وهب قال: اتخذوا اليد عند المساكين فإن لهم يوم القيامة دولة. قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ١٨/ ١٢٣ بعد ذكره هذا الحديث وحديثًا آخر: كلاهما كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين المعروفة.
(٢) في (خ): يرفعهما.
(٣) في (خ، ب): بهما.
[ ٦٢٤ ]
سيدي رباني صغيرًا، وعصيته كبيرًا، وَاحَيَائِي منه! وصرخ صرخةً، وخرَّ إلى الأرض ميتًا، فخرجت عجوز من مغارة على سماع صوته، فرأته ميتًا، فقالت: من أعان على قتل ولدي اللابس الأحزان؟ فقلت لها: أقيم حتى أعينك عليه. فقالت: دعه بين يدي قاتله؛ حتى يرى مصرعه فيرحمه (^١).
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٤/ ٣٦٧.
[ ٦٢٥ ]