وهو في الحقيقة قليل الدين والتوفيق والنجاح لخروجه عن طريق أهل الخير والفلاح ولمخالفته لله سبحانه ولما ورد في الأحاديث الصحاح فيزعم أنه شيخ للأنام، ثم يتكلم في حضرة من حضر عنده من العوام أنه رأى فاسقًا في الجنة، وخيِّرًا في النار
فانظر رحمك الله ما أنحس هذا المنام، وما أبعده عن الحقِّ وعن طريق النبي ﵊! لأن الشرع أمرنا بأن نشهد لأهل الخير بالخيرات والإنعام، ونخاف على أهل الشر، ولا نقنِّط أحدًا من رحمة الملك العلام. هذا طريق الموحدين، وطريق من (قال: ربي الله) (^١). ثم استقام، فلا تخرج رحمك الله عن طريق القوم؛ فإنه يخاف على من خرج عن طريقهم سرعة الأخذ، وشدة الانتقام، وأن لا يجمع الله شمله بهم، والله عزيزٌ ذو انتقام. ولا تذكر مؤمنًا حيًّا كان أو ميِّتًا بعيب تعرفه منه أو بمنام، ولكن اعمل على ستر عيبه، وعلى إظهار جميلٍ كان فيه تدخل الجنة بسلام، وتكون محبوبًا عند الله تعالى، وعند النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد صح أن النبي ﷺ دعا لمن ستر
_________________
(١) في (خ): آمن بالله.
[ ٦٣٨ ]
مسلمًا (^١)، ولمن شغل بعيبه عن عيوب الناس (^٢)، فاوع في قلبك هذا الكلام. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «دعوة المسلم لأخيه مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل ذلك» (^٣)، رواه مسلم في «صحيحه».
والملَك أيضًا دعاؤه لا يرد أبدًا، ودعاء الرسول مقبول، فاغتنم هذه الأدعية، ولا ترد نصيحتي لتكون سبب نجاتك، فاسمع ما أقول، ولا تذكر ما رأيته في منامك يدل على إسقاط حرمة حي أو ميت؛ فإنه لا يعنيك، وهو من سوء الخلق والحال، واعمل على ستر أخيك، وإقامة جاهه؛ فيرحمك الله تعالى الكبير المتعال، وينجيك من الشدائد والأهوال.
قال ﷺ: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (^٤) وقال أيضًا ﷺ: «رحم الله من شغله عيبه عن عيوب الناس» (^٥) وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (^٦) وقال أيضًا ﷺ:
_________________
(١) سبق تخريجه عند حديث: «من فرج عن مسلم كربة».
(٢) يعني حديث: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس». وهو جزء من حديث طويل أخرجه البزار في «مسنده» (٦٢٣٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٥٦٣) من حديث أنس ابن مالك ﵁. وأخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٣٨٥) وعقبه بقوله: هذا ليس من كلام رسول الله ﷺ، قال ابن حبان: سمعه أبان من الحسن فجعله عن أنس وهو يعلم، قال يحيى: أبان ليس بشيء، وقال شعبة: يكذب على رسول الله ﷺ لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عنه. وذكره الألباني في «السلسلة الضعيفة» ٨/ ٢٩٩ وقال: إسناده ضعيف جدًّا.
(٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٧٣٢)، وأبو داود في «سننه» (١٥٣٤) من حديث أبي الدرداء ﵁.
(٤) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٣٩٧٦)، والترمذي في «جامعه» (٢٣١٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٢٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩١١).
(٥) سبق تخريجه بلفظ: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس».
(٦) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٥٠٦)، والطبراني في «المعجم الكبير» ٢٢/ ٥٣ (١٢٧) من حديث واثلة بن الأسقع ﵁، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ ٢٢٤ وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٤٥).
[ ٦٣٩ ]
«من حمى مؤمنًا من منافق آذاه؛ بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة، ومن رمى مسلمًا بشيء يريد شينه؛ حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» (^١).
ثم اعلم بأن غيبة الميت وأذيته تسقط العبد المدبر من عين الله تعالى، وهي أعظم ذنبًا من غيبة الحي؛ لأن الحي يقدر الإنسان أن يتحلل منه في الدنيا، والميت خصم المغتاب بين يدي رب الأرباب.
اعلم أيها العبد المحروم! أن لحم الميت مسموم، والنائبُ عنه هو الحي القيوم، فانتبه من غفلتك أيها العبد المبعود!، واعلم أن الله سبحانه يسأل يوم القيامة العود لم خدش العود، ولا تتشبه بقومٍ ظاهرهم أيقاظ، وهم في الحقيقة رقود، قال صلوات الله عليه وسلامه: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا» (^٢). وأنشد بعضهم:
أما والله لو علم الأنام … لما خلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خلقوا ليومٍ لو رأته … عيون قلوبهم ساحوا وهاموا
ممات ثم قبر ثم حشر … وتوبيخ وأهوال عظام
ليوم الحشر قد عملت أناس … فصلوا من مخافته وصاموا
ونحن إذا أُمرنا أو نهينا … كأهل الكهف أيقاظ نيام
فمن أكثر من الصيام والقيام وأنواع العبادات، ثم أخذ يشتغل بعيوب الأحياء والأموات مثله كمثل من غرس ما حسن من الأشجار، ثم أطلق في أصولها النار.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٤١ (١٥٦٤٩)، وأبو داود في «سننه» (٤٨٨٣) من حديث معاذ بن أنس ﵁. وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٢) سبق تخريجه.
[ ٦٤٠ ]
وقد جاء في الحديث أن بعض الناس يجد شرب الخمر في صحيفته، وما شرب، (ويجد الزنا وما) (^١) زنا، فيقول: يا رب، ما هذا وأنت الحكم العدل؟ لم أفعل هذا! فيقال له: ولكن اغتبت من عمله. وآخر يعطى كتابه بيمينه، فيجد فيه الحج والجهاد والصوم والصدقة وغير ذلك من أفعال البر، فيقول: يا رب، ما فعلت شيئًا من ذلك، وليس هذا كتابي. فيقول الله تعالى: حصل لك هذا الأجر من غيبة الناس لك (^٢).
فالحذر كل الحذر من ظلم من لم تملك التحلل منه، مثل: غيبة ميت، أو ظلم البهائم، أو أن تزني بامرأةٍ لا يمكنك التحلل من زوجها وأهلها، أو بامرأة جارك؛ فيكونوا خصماؤك يوم القيامة.
قال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث، فتكون من المحسنين: أحدها: إن لم تنفعه فلا تضره. الثاني: إن لم تسره فلا تغمه. الثالث: إن لم تمدحه فلا تذمه (^٣).
وسئل عمر بن عثمان: ما الكرم؟ قال: التعامي عن زلل الإخوان (^٤).
فيجب على المسلم أن لا يتجسس على عيوب مسلم وعثراته، فإن الله آخذ بيده كلما عثر، ولا يثبت نفسه ويمحو غيره؛ ليكون رأسًا، فيستوجب الغضب، ويلقي نفسه للمهالك والعطب؛ لأن آفات الرأس كثيرة.
فالمؤمن الصالح قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بأخيه، هذا طريق القوم، به إلى الله تعالى وصلوا، وتحت كنفه الكريم نزلوا، فقد بانت الطريق، أين السالكون؟ وعُرضت السلعة، فأين المشتري؟ وهذه المنازل، فأين النازل؟ فكم أنوح ولا نائح، وكم أزمزم ولا متحرك!
اعلم رحمك الله! أن الحيَّ يؤلمه نَخْزُ إبرة (^٥)، والميت لا يتألم ولو قطع بالسيوف، كما قال بعضهم:
_________________
(١) في (خ): ولا. وفي (ب): والزنى ولا.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه الخطيب في «الزهد» (٩١) به.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) نخز: نَخَزْتُ الرجلَ وغيرَه: وجَأتُهُ وجئًا بحدٍّ. وبكلام: أوجعته.
[ ٦٤١ ]
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا … ولكن لا حياة لمن تنادي
فإذا رأى المسلم في منامه عن ميت كان خيرًا، مثل أن رآه في النار، أو عليه ثوب أسود، وما يشبه (^١) ذلك؛ فلا يسيء الظن به، ولا يقص هذا المنام على أحد من الأنام، فيخرج عن سنة خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الكرام. بل يكذِّب منامه تصديقًا للحديث؛ فإن النبي ﷺ أمرنا أن نشهد لأهل الخير بالخير، وأن لا نسيء الظن بالمسلمين، فقد تكون الرؤيا أضغاث أحلام، أو حديثُ نَفْسٍ، أو من تدنيس الشياطين اللئام، يريد الشيطان لتسيء (^٢) الظن بأخيك؛ فيحرمك الله تعالى أجر حسن الظن، ويوقعك (^٣) في الغيبة؛ فتبتلى ببلية عظيمة ومصيبة.
وقد وَرَدَ: لا تسئ الظن بالكلمة تسمعها من أخيك، وأنت (^٤) تجد لها في الخير محملًا (^٥). كمن سمع من رجل يقول عن نفسه: إنه مقصر أو مدبر أو عاصٍ، لا تحمل كلامه على حقيقة المعصية، بل تحمل كلامه أنه مُخرِّب على نفسه، أو على غفلة طرأت على قلبه، فترى من نوَّر الله قلبه يجتهد في أوصاف محاسن الناس، ويتعامى عن عيوبهم، وإن وقعت منهم منقصة يعتذر عنهم، فيقول: لعله نسي، أو ما علم أن هذه خطية، أو ما عمل هذه المثوبة لعذر لحقه، فالمؤمن حقًّا من يعمل على سلامة عرض أخيه خوفًا من أن يعافي الله الأخ ويبتليه، فإن كلم الرجل امرأة يُحْمَلُ أمرهما على أن الرجل مَحْرَمٌ لها أو زوج، فإن رأيت في تصانيف بعض الفضلاء شيئًا لا يوافق الشرع فلا تَنْفِ عنه الفضيلة، ولا تستحمره نفسك الثقيلة؛ فإنها لا تصلح أن تكون تلميذًا له، فيمقتها الله سبحانه بقدرته
_________________
(١) في (خ): يناسبه.
(٢) في (ق، ب): ليسيء.
(٣) في (خ): أو يوقعك.
(٤) في (خ): فأنت. وفي (ق): ما دمت.
(٥) جزء من أثر طويل أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٨٣٤٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٤/ ٣٦٠ من كلام عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٦٤٢ ]
الجليلة، فتقول: لعله غلط، أو سها، أو اقترأه (^١) لا افتراه.
والذي بلغنا أن الصالحين أصحاب شفقة وسكينة، يظهرون الجميل، ويسترون القبيح، وإذا سمعوا شيئًا فيه نقص أَوَّلُوهُ سبعين (^٢) تأويلًا، جبرًا وسترًا لإخوانهم المسلمين؛ ومن جبر مسلمًا أو ستره في الدنيا ستره (^٣) الله تعالى ولم يفضحه في عرصات القيامة، وسلمه من التوبيخ والملامة، قال ﷺ: «من ستر مسلمًا ستره الله، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (^٤).
وإياكَ، إياك رحمك الله! أن تقع في عَالِمٍ تقي، أو في رجل ولي؛ لأن شأنهما عظيم، والوقوع فيهما أو فيمن يذكر شيئًا رآه في منامه في نقصهما (^٥)، لا يرضي المولى الكريم؛ لأن العالم التقي في منزلة نبي. قال ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء» (^٦). حديث صحيح. وفي حديث آخر: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (^٧).
فكاد العالم العامل بالعلم أن يكون نبيًّا، ويكفيك ما جاء في الولي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله ﷺ: «إن الله ﷿ قال: من آذى لي وليًّا فقد آذنني بالحرب» (^٨).
_________________
(١) في (خ): افتراه.
(٢) في (خ): بسبعين.
(٣) في (خ، ط): جبره.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) في (خ): يقضهما.
(٦) طرف حديث أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٩٦ (٢١٧١٥)، والدارمي في «سننه» (٣٤٢)، وأبو داود في «سننه» (٣٦٤١)، وابن ماجه في «سننه» (٢٢٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٨٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٨٨) من حديث أبي الدرداء ﵁. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٨٢).
(٧) لم أقف عليه، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٦٦): لا أصل له باتفاق العلماء.
(٨) سبق تخريجه.
[ ٦٤٣ ]
ومما يدلك أيضًا على عظيم قدر المؤمن قوله سبحانه فيما يحكيه عنه رسوله ﷺ: «لم تسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (^١).
انظر رحمك الله! إلى هذا القلب، ماذا مَنَّ الله عليه حتى صار إلى هذه المرتبة أهلًا؟ قال بعض العلماء: لو كشف الحق سبحانه عن مشرقات قلوب أوليائه، لانضوى نور الشمس والقمر في أنوارهم، لكن الحق سبحانه يوفي أعيان الكائنات حقها، فيقر لكل كون زينته، ولذلك (^٢) ستر سر الخصوصية في وجود البشرية، ولا بد للشمس من سحاب، وللحسناء من نقاب، فستر سر الأولياء في دار الفناء، وسيظهره في دار البقاء التي رضيها لهم، فيرفع منارهم، ويبجل أقدارهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
ثم اعلم بأن الولي خرج عن تدبيره لتدبير الله ﷿، وعن انتصاره لنفسه لانتصار الله تعالى له، وعن حوله وقوته بصدق التوكل على الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال ﷾: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. فكان ذلك لهم لأنهم تركوا اختيارهم وجعلوا الله تعالى مكان همومهم، فدفع عنهم الأغيار، وقام لهم بوجود الانتصار، فنصرهم وتولاهم وحارب من عاداهم، كما جاء في الحديث: «يقول الله ﷿: من عادى لي وليًّا فقد آذنني بالحرب» (^٣) حديث صحيح.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى معاذًا يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: «اليسيرُ من الرياء شركٌ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله تعالى بالمحاربة» (^٤).
وقد طولنا هذا الباب، لكي لا يقع العاقل في أولي الألباب،
_________________
(١) تقدم الكلام عليه.
(٢) في (ق): وكذلك.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٦٤٤ ]
فيوبخه الله تعالى كما فعل بالمؤمنين، ويوقعه في الذل والبعد والعذاب.
جاء رجل إلى أبي حنيفة ﵀ وقال له: رأيتك البارحة في المنام وأنت في النار. قال له الإمام: ما تقول في هؤلاء الرهبان؟ قال الرجل: هم من أهل النار. قال أبو حنيفة: فقد يرى لهم بعض محبيهم أنهم في الجنة (من قوة المحبة) (^١) وأنت تبغضني؛ فلأجل ذلك رأيتني في النار (^٢).
قال المؤلف: قال لي من أثق بقوله: إن الشيخ إبراهيم بن معضاد الجَعْبِرِيُّ قال في ميعاده للحاضرين: مكثتُ مدَّة أسأل الله تعالى أن يريني النبي ﷺ في منامي، فرأيته ليلةً (^٣) على صفة رجل كرديٍّ، فأصبحت مهمومًا من هذه الرؤيا، وقلت في نفسي: النبي ﷺ عربيٌّ، فكيف رأيته (أنا على) (^٤) هذه الصفة؟! فدعوتُ الله تعالى أن يكشف لي عن حقيقة هذا الأمر، فبينما أنا سائرٌ في بعض شوارع المدينة بديار مصرَ، وإذا بضربةٍ بين كتفيَّ، فالتفتُّ وإذا هو رجل حَرْفُوشٌ على رأسه طُرْطُورٌ (^٥)، فقال لي: ما
_________________
(١) ليست في (ق، ب).
(٢) لم أقف على هذه الحكاية.
(٣) في (ق): ﵇.
(٤) في (ق): في.
(٥) الحرفوش وجمعه: الحرافيش يفهم من استخدام الكتاب لهذه اللفظة في عصر المماليك أنهم يريدون بها الرجل التافه، سخيف العقل، من دهماء العامة أو الرعاع. ولعلها من احرنفش: إذا تهيأ للشر، أو من الحرنفش وهو الغليظ الجافي الطبع. انظر تعليق المحقق على «نهاية الأرب» للنويري ٣٣/ ١٨. وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٥٢/ ٤٨٠ في ترجمة عبد الله الفاتولة الحلبي، ثم الدمشقي: شيخ مسنٌّ، حرفوشٌ، مكشوف الرأس، عليه دلق وقبق وسخ من رقاع، وله مجمرة يتوضأ بها، ويجلس عند قناة عقبة الكتان، ويكابد البرد والمشقة، ولا يسأل أحدًا فيما علمت، ولا يقرب الصلاة، وعقله ثابت، ورأيتهم يذكرون له كرامات وكشف من بابة كشف الرهبان والكهان، وكان الصبيان يعبثون به فيزط عليهم. توفي في شوال سنة (٧٠٠)، وصلِّي عليه بجامع دمشق عقيب الجمعة، وازدحم الناس على نعشه، وكانت جنازته مشهودة، وكان لهم فيه اعتقاد، ويعدونه من عقلاء المجانين، ودفن بالجبل بتربة المولَّهين! وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٣/ ٣٧٠ في وفيات سنة (٦٨٨): العالمُ ابن =
[ ٦٤٥ ]
لكَ يا جعبريٌّ؟ لولا أن عملك عملٌ نحسٌ مُرْدي؛ ما رأيتَ النبي ﷺ على صفة رجل (^١) كردي! (^٢).
_________________
(١) =الصاحب، الشيخُ الماجنُ، هو الشيخ الفاضل علم الدين أحمد بن يوسف بن عبد الله بن شكر، كان من بيت علم ورياسة، وقد درَّس في بعض المدارس، وكانت له وجاهة ورياسة، ثم ترك ذلك كلَّه، وأقبل على الحرفشة وصحبة الحرافيش، والتشبه بهم في اللباس والطريقة، وأكل الحشيش واستعمله، كان من إلفهم في الخلاعة والمجون، والزوائد الرائقة الفائقة التي لا يلحق في كثير منها، وقد كان له أولاد فضلاء ينهونه عن ذلك فلم يلتفت إليهم، ولم يزل ذلك دأبه حتى توفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الأول. ولما ولي القضاة الأربعة كان ابن خالته تاج الدين ابن بنت الأعزَّ مستقلًا في القضاء قبل ذلك، فقال له ابن الصاحب المذكور: ما متُّ حتى رأيتك صاحب رُبْعٍ! فقال له: تسكت وإلا خليتهم يسقونك السمَّ؟ فقال له: في قلة دينك تفعل، وفي قلة عقولهم يسمعوا منك. ثم ذكر له ابن كثير أبياتًا في مدح الحشيشة! أما (طُرطُور) فقد قال عبد السلام هارون ﵀ في «كناشة النوادر» ٧١: الطرطور: كلمة من صميم العربية، وأخذها الفرس والترك لفظًا وملبسًا من العربية، وكم لبس الفرس والترك من الطراطير، ولا سيما بعض أصحاب الطرق الصوفية من المولوية والبكتاشية، ولم ترد هذه الكلمة في كثير من المعاجم. جاء في «اللسان»: والطرطور: الوغد الضعيف من الرجال والجمع الطراطير. وأنشد: قد علمت يشكر من غلامها … إذا الطراطير اقشعر هامها ورجل طرطور أي: دقيق طويل، ثم يقول: والطرطور قلنسوة للأعراب طويلة الرأس. وجاء في «القاموس»: والطرطور الدقيق الطويل، والقلنسوة تكون كذلك، والوغد الضعيف. أما استينجاس في «المعجم الفارسي الإنجليزي» فيرمز له بالحرف (A) الدال على اقتراضه من العربية، وفسَّره بعين ما جاء في «اللسان»، وزاد عليه أنه يطلق أيضًا على الضعيف الدقيق من معزي الجبال وتيوسها. وقد جرت هذه الكلمة في لغتنا المعاصرة لكن بفتح الطاء الأولى بمعنى الرجل الذي ليس له حل ولا عقد، والذي لا يعبأ به، ولا بمكانه بين القوم، وهو مجاز صادق. (ت)
(٢) في (ق): في صورة.
(٣) لم نقف على هذه القصة، وصاحبها هو الشيخ الصالح العابد الواعظ أبو إسحاق إبراهيم بن معضاد بن شدَّاد بن ماجد الجعبري، أصله من قلعة جعبر، ثم أقام بالقاهرة، وكان يعظ الناس، وكان الناس ينتفعون بكلامه كثيرًا. توفي بالقاهرة يوم السبت ٤/ ١/ ٦٨٧ هـ، ودفن في تربته بالحسينية، وله نظم حسن، وكان من الصلحاء المشهورين ﵀. قاله ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٣/ ٣٦٧. =
[ ٦٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال الذهبي في «العبر» ٣/ ٣٦٤: الزاهد الواعظ المذكي، روى عن السخَّاوي، وسكن القاهرة، وكان لكلامه وقع في القلوب، لصدق كلامه، وإخلاصه، وصدعه بالحق، توفي في الحمام عن سبع وثمانين سنة وشهرٍ. وقال في «تاريخ الإسلام» ١/ ٢٩٧: كتب عنه: البَرْزالي، والمصريون. وسكن القاهرة دهرًا. وكان له مسجد هو شيخه وإمامه، فكان يجلس فيه، ويقص على الناس، ويخوف ويحذر، ولكلامه وقع في النفوس. وكان زاهدًا، عابدًا، أمَّارًا بالمعروف، قوَّالًا بالحق، حلو العبارة، ولأصحابه فيه عقيدة ومغالاة. وله شعر في التصوف والزهد. ورأيت كلَّ من عرفه يعظِّمه، ويثني عليه، وعلى طريقته، رحمة الله عليه، وعليه مآخذ في عباراته. وقال الصفدي في «الوافي بالوفيات» ٦/ ٩٥: أخبرني الشيخ الإمام العلامة أثير الدين أبو حيَّان من لفظه قال: رأيت المذكور بالقاهرة، وحضرت مجلسه أنا والشيخ نجم الدين ابن مكي، وجرت لنا معه حكاية، وكان يجلس للعوام يذكرهم، ولهم فيه اعتقاد، وكان يروي شيئًا من الحديث، وله مشاركة في أشياء من العلم وفي الطب وله شعر. قال: ولما مرِضَ مَرَضَ موته أمر أن يخرج به حيًّا إلى مكان مدفنه ظاهر القاهرة بالحسينية، فلما وصل إليه قال له: قُبَيْرُ جاءك دُبَيْر! وتوفي بعد ذلك بيوم أو يومين سنة سبع وثمانين وست مئة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في أثناء كلامه على من تولى الشيطان والكفار من غلاة الصوفية: وكان الشيخ إبراهيم بن معضاد يقول لمن رآه من هؤلاء كاليونسية والأحمدية: «يا خنازيرُ! يا أبناء الخنازير! ما أرى لله ورسوله عندكم رائحة، ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ [المدثر: ٥٢] كل منهم يريد أن يحدثه قلبه عن ربه، فيأخذ عن الله بلا واسطة الرسول: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. (مجموع الفتاوى: ١٣/ ٢٢٤). وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٤٧/ ٢٧٩ في وصف كلام ابن عربي الصوفي الضال: هو محضُ الكفر والزندقة، ولكن كان ابن العربي منقبضًا عن الناس، وإنما يجتمع به آحاد الاتحادية، ولا يصرح بأمره لكل أحد، ولم تشتهر كتبه إلا بعد موته بمدة، ولهذا تمادى أمره، فلما كان على رأس السبع مئةٍ جدَّد الله لهذه الأمة دينها بهتكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه: «الفصوص»، وقد حطَّ عليه الشيخ القدوةُ الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبريُّ، فيما حدَّثني به شيخنا ابنُ تيمية، عن التاج البرنباري: أنه سمع الشيخَ إبراهيم يذكر ابن العربيِّ فقال: كان يقول بقدم العالم ولا يحرِّمُ فرجًا. قلت: وقلعة جَعْبَر تقع في منطقة الجزيرة السورية على الضفة اليسرى لنهر الفرات على بعد (٥٣) كيلو مترًا من مدينة الرَّقَّة في سوريا. (ت)
[ ٦٤٧ ]
وقال للمؤلِّف بعض المجاورين بمكَّة: إن مريدًا قال لشيخه: يا سيدي، رأيتك البارحة في المنام، وقد تبدَّل وجهكَ بوجه خنزير! فقال الشيخ: يا بني، الشيخ مرآة المريدين، والمرآة لا يرى إلا ما ظهر فيها، والمنام يا بني هو صفتك، ثم اعلم أن من أصلح نهاره أصلح الله ليله، وصحة المنام موقوف على الصدق في الأحوال والكلام، فمن أراد أن يصلح الحق سبحانه له اليقظة والمنام، ويدخل الجنة مع بدر التمام، ويسلم (^١) من التوبيخ والملام، فَلْيُطِعِ الملك العلام، ولا يخرج عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، بدخوله في ذم المسلمين، وفيما يراه لهم من نحس المنام، كان بعضهم يقول:
لا تشتغل بالعتب للورى … فيضيع وقتك والزمان قصير
وعلام تعتبهم وأنت مصدق … أنَّ الأمور جرى بها المقدور
هم لم يوفوا للإله بحقِّه … أتريد توفِّيه وأنت حقير
فاشهد (^٢) حقوقَهم وقم لهم (^٣) بها … واستوف منك لهم وأنت صبور
فإذا فعلت فأنت أنت بعين من … هو بالخفايا عالم وخبير
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩].
روي أن عائشة ﵂ ذكرت للنبي ﷺ قِصَر صفية، فقال لها: «لقد قلت كلمةً لو مزجت بماء البحر لمزجته» (^٤).
_________________
(١) في (خ، ب): ويسلمه.
(٢) في (ب): واشهد.
(٣) ليست في (خ).
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ١٨٩ (٢٥٥٦٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٨٧٥)، والترمذي في «جامعه» (٢٥٠٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: حكيت للنبي ﷺ رجلًا؛ فقال: «ما يسرني أني حكيت رجلًا، وأنَّ لي كذا وكذا». قالت: فقلت: يارسول الله، إنَّ صفية امرأة. وقالت بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة، فقال: «لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج». وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
[ ٦٤٨ ]
معنى الحديث: أي لو خلطت كلمتك هذه بماء البحر لغيرت طعمه أو ريحه لشدة نتنها، وهذا الحديث الصحيح، والآية التي تقدم ذكرها من أعظم الزواجر في ترك الذم لمسلمٍ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فمن رأى منامًا قبيحًا لرجل حسن ديِّن وقصَّه، يقال له: هذا المنام صفتك، أو البعيد مبغض. فإن لم يكن المنام صفته ولا هو مبغض فهو من تلبيس إبليس، لكي يغير عقيدته، ويحرمه أجر حسن الظن بهذا الإنسان، فترى الجاهل اللئيم يظن أن هذا هَيِّنٌ وهو عند الله عظيم.
[ ٦٤٩ ]