يُخاف على مسلم يحضر لهذا العيد، ويقول لصاحبه: «إنه شهيد»؛ من سوء الخاتمة، ومن غضب المولى المجيد؛ لأنه أسلم ثم ارتدَّ لعنه الله تعالى ودخل في دين النصرانية؛ فهو من الرحمة والخيرات بعيد. فاحذر أيها المؤمن! أن تقول إنه شهيد؛ فإنه إثم شديد، النصارى يزعمون أنه مات مظلومًا، والمظلوم شهيد، وعندنا مات ظالمًا كافرًا مخالفًا للمولى المجيد، فصار الاسم على غير مسمى، كلصٍّ اسمه عفيف، أو كرجل دنيء الأصل كثيف واسمه: أيها السيد الشريف. وهذه الأسماء ليس لها فائدة، وشؤمها عليهم عائدة؛ لأن الله سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل اسمه، ولا لحسبه ونسبه.
قال الله سبحانه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣]. واختلاط المسلم مع هذه الطائفة الملعونة في وقت رميهم لشهيدهم في بحر النيل، لا يرضي المولى الجليل، فإن اعتقد المسلم (^١) أن البحر ببركة هذا الملعون يزيد، فهو كافر بالمولى المجيد، فإن تاب من هذه الأفعال والأقوال؛ تاب الله عليه، ويُبلغه ما يريد، فقد توقف نيل مصر سبع سنين، وحاكمها يوسف الصديق عليه
_________________
(١) في (خ، ب): المؤمن.
[ ٥٦٥ ]
السلام وهو نبي كريم على ربِّ العالمين، فكيف يزيد برمي هذا اللعين؟!
وجاء في السِّيَر: أنَّ أهل المقوقز ملك مصر كانوا يرمون شيئًا في نيل مصر لكي يزيد، فلما فتح الله تعالى مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ أخبر عمر بن الخطاب بذلك فنهاهم، وقال: لا ترموا في البحر شيئًا، فزاد البحر بقدرة الله، أكثر من عادته (^١).
ويجب على ولاة الأمر وفقهم الله لطاعته زجر هذه الطائفة الضالة الملعونة عن إظهار دينهم وأعيادهم وشعائرهم بين ظهور المسلمين، وعن رمي هذا الملعون؛ لكي لا يفتتن به كل مسلم جاهل ومفتون.
ولقد رأيت رجلًا يقال له الخيَّاطُ، وكان متولِّي القاهرة، نهى النصارَى عن رمي شهيدهم في نيل مصر، ونهى المسلمين عن الذهاب إليه، وعن ذلك الاجتماع المذموم، والاختلاط، وهي والله مثوبةٌ عظيمةٌ تكون لفاعلها نورًا يوم القيامة، وجوازًا على الصراط. فلما توفي متولِّي القاهرة وطال الأمر، وتولى أمور المسلمين هذه الطائفة المسْلِمَانيَّة (^٢)؛ أظهروا المواسم
_________________
(١) أخرجه الواقدي في «فتوح الشام» ٢/ ٦٣، وأبو الشيخ في «العظمة» ٤/ ١٤٢٥، واللالكائي في «كرامات الأولياء» ١/ ١٢٠، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٤/ ٣٣٧.
(٢) المسْلِمَانيَّة: لقب أطلق على الذين أسلموا في عصر المماليك، ويظهر أن هذا ارتبط بسلوك مريب أراد منه بعض الأقباط التمكن من بعض المناصب في الدولة، لهذا نجد الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٢/ ١٥ يقول: «فمن أسلم في باطنه هكذا، فيرجى له الخلاص من خلود النار، إذ قد حصَّل في باطنه إيمانًا ما، وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام وللرسول واعتقد أنهما حق، مع كون أنه على دين صحيح، فتراه يعظِّمُ الدِّينين، كما قد فعله كثيرٌ من المسلمانية الدَّواوين، فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرَّأ من الشرك». وقد استعمل هذا اللقب على وجه التنقص بإطلاقٍ، وهو إطلاق سيء يدل على ما أصاب المسلمين في عصور الانحطاط من نقص في تدينهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، حتى صار الزواج من امرأة حديثة عهد بإسلام منقصة، فقد ذكر محمد بن يوسف الجندي اليمني (ت: ٧٣٢) في «السلوك في طبقات العلماء والملوك» ٢/ ٢٢٧ أنَّ عمر بن محمَّد بن سالم الزَّبيدِيَّ قد لُقِّب بالمسلماني، لأنه تزوج بامرأة كانت مسلمانية. ويرد في بعض كتب المالكية التمثيل للمرأة الدنيئة بالمسلمانية. انظر: «تفسير القرطبي» [البقرة: ٢٢١]، و«مواهب الجليل شرح مختصر خليل» ٣/ ٤٣١، و«الشرح الكبير» للدردير ٢/ ٢٢٦. ولا شكَّ أن جهل المسلمين، وما طرأ عليهم من فساد كبير في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم؛ كان من أعظم أسباب عدم إسلام الأقليات الكثيرة في العالم الإسلامي، رغم مرور مئات السنين على احتكاكهم بالمسلمين. ولابن السبكي في «معيد النعم ومبيد النقم» شكوى مرَّة من تقصير العلماء والفقهاء في دعوة أهل الذمة، والله المستعان. (ت)
[ ٥٦٦ ]
والأعياد على رؤوس الأشهاد، وأعادوا رمي شهيدهم بين ملأ من العباد، وأحيوا هذه البدعة بعد موتها، أمات الله قلوبهم وشتَّتهم في أطراف البلاد، فكم كسروا مسلمًا، وكم هرَّبُوا مؤمنًا، وأرملوا النساء، وأيتموا الأولاد، وكم أغنوا راهبًا، وأسعدوا نصرانيًّا في القاهرة ومصر، (وما كان) (^١) حولهما من البلاد. فتراهم يرمون السكر وغيره على كل مسلم معيل وعفيف بأضعاف قيمته، (ولا يفعلون) (^٢) ذلك مع نصرانيِّ معتدٍ كثيف، فلا يخافون من السلطنة، ولا يستحيون من المولى اللطيف (^٣).
_________________
(١) في (ق): وفيما.
(٢) من (خ، ب): ولم يفعلوا.
(٣) قال المقريزي (ت: ٨٤٥) في «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» ١/ ١٢٩: ومما كان يعمل بمصر: عيد الشهيد، وكان من أنزه فرج مصر، وهو اليوم الثامن من بشنس، أحد شهور القبط، ويزعمون أن النيل بمصر لا يزيد في كل سنة حتى يلقى النصارى فيه تابوتًا من خشب فيه إصبع من أصابع أسلافهم الموتى، ويكون ذلك اليوم عيدًا، ترحل إليه النصارى من جميع القرى، ويركبون فيه الخيل، ويلعبون عليها، ويخرج عامَّة أهل القاهرة، ومصر على اختلاف طبقاتهم، وينصبون الخيم على شطوط النيل وفي الجزائر، ولا يبقى مغنِّ ولا مغنية، ولا صاحب لهو، ولا رب ملعوب، ولا بغيٌّ ولا مخنث ولا ماجن، ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم عظيم لا يحصيهم إلا خالقهم. وتصرف أموال لا تنحصر، ويتجاهر هناك بما لا يحتمل من المعاصي والفسوق، وتثور فتن، وتقتل أناس، ويباع من الخمر خاصة في ذلك اليوم بما ينيف على مئة ألف درهم فضة، منها خمسة آلاف دينار ذهبًا، وباع نصرانيٌّ في يوم واحد باثني عشر ألف درهم فضة من الخمر، وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائمًا بناحية شُبرا من ضواحي القاهرة، وكان اعتماد فلاحي شبرا دائمًا في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في عيد الشهيد. ولم يزل الحال على ما ذكر من الاجتماع كذلك، إلى أن كانت سنة اثنتين وسبع مئة، والسلطان يومئذٍ =
[ ٥٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بديار مصر: الملك الناصر محمد بن قلاوون، والقائم بتدبير الدولة الأمير: ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ أستادار السلطان، والأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة بديار مصر، فقام الأمير بيبرس في إبطال ذلك قيامًا عظيمًا، وكان إليه أمور ديار مصر هو والأمير سلار، والناصر تحت حَجْرهما، لا يقدر على شبع بطنه إلا من تحت أيديهما، فتقدَّم أمر الأمير بيبرس أن لا يرمى أصبع في النيل، ولا يعمل له عيد، وندب الحجاب ووالي القاهرة لمنع الناس من الاجتماع بشُبرا على عادتهم، وخرج البريد إلى سائر أعمال مصر، ومعهم الكتب إلى الولاة بإجهار النداء وإعلانه في الأقاليم بأن لا يخرج أحد من النصارى، ولا يحضر لعمل عيد الشهيد، فشقَّ ذلك على أقباط مصر كلهم من أظهر الإسلام منهم، وزعم أنه مسلم، ومن هو باقٍ على نصرانيته، ومشى بعضهم إلى بعض وكان منهم رجل يعرف: بالتاج بن سعيد الدولة يعاني الكتابة، وهو يومئذ في خدمة الأمير بيبرس، وقد احتوى على عقله، واستولى على جميع أموره، كما هي عادة ملوك مصر، وأمرائها من الأتراك في الانقياد لكتَّابهم من القبط سواء منهم من أسرَّ الكفر ومن جهر به. وما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدّث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلك، وخيل له من تلف مال الخراج إذا بطل هذا العيد، فإن أكثر خراج شُبرا إنما يحصل من ذلك، وقال له: متى لم يعمل العيد لم يطلع النيل أبدًا، ويخرب إقليم مصر لعدم طلوع النيل. ونحو ذلك من هتف القول وتنميق المكر، فثبَّت الله الأمير بيبرس، وقوَّاه حتى أعرض عن جميع ما زخرفه من القول، واستمرَّ على منع عمل العيد. وقال للتاج: إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الإصبع فلا يطلع، وإن كان الله سبحانه هو المتصرف فيه فيُكَذِّبُ النصارى. فبطل العيد من تلك السنة، ولم يزل منقطعًا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة. وعمَّر الملك الناصر محمد بن قلاوون الجسر في بحر النيل، ليرمي قوَّة التيار عن برِّ القاهرة إلى ناحية الجيزة، فطلب الأمير يلبغا اليحياوي، والأمير الطنبغا المارديني من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدَّة، فلم تطب نفسه بذلك لشدَّة غرامه بهما، وتهتُّكه في محبتهما، وأراد صرفهما عن السفر، فقال لهما: نحن نعيد عمل عيد الشهيد، فيكون تفرُّجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصيد! وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد، فرضيَا منه بذلك، وأشيع في الإقليم إعادة عمل عيد الشهيد، فلما كان اليوم الذي كانت العادة بعمله فيه ركب الأمراء النيل في الشخاتير بغير حراريق، واجتمع الناس من كل جهة، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللهو والخلاعة، فركبوا النيل وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات، وتوسع الأمراء في تنوُّع الأطعمة والحلاوات وغيرها توسعًا خرجوا فيه عن الحدِّ في الكثرة البالغة، وعمَّ الناس منهم ما لا يمكن وصفه لكثرته، واستمرُّوا على ذلك ثلاثة أيام، وكانت مدَّة انقطاع عمل عيد =
[ ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =الشهيد منذ أبطله الأمير بيبرس إلى أن أعاده الملك الناصر، ستًّا وثلاثين سنةً، واستمرَّ عمله في كل سنة بعد ذلك إلى أن كانت سنة خمس وخمسين وسبع مئة، تحرَّك المسلمون على النصارى، وعملت أوراق بما قد وقف من أراضي مصر على كنائس النصارى، ودياراتهم، وألزم كتَّاب الأمراء بتحرير ذلك، وحملت الأوراق إلى ديوان الأحباس، فلما تحرِّرت الأوراق اشتملت على خمسة وعشرين ألف فدَّان، كلها موقوفة على الديارات والكنائس، فعرضت على أمراء الدولة القائمين بتدبير الدولة في أيام الملك الصالح: صالح بن محمد بن قلاوون، وهم: الأمير شيخو العمري، والأمير صرغتمش، والأمير طاز، فتقرَّر الحال على أن ينعم بذلك على الأمراء زيادة على إقطاعاتهم، وألزم النصارى بما يلزمهم من الصَّغار، وهدمت لهم عدَّة كنائس، فلما كان العشر الأخير من شهر رجب من السنة المذكورة خرج الحاجب والأمير علاء الدين عليُّ ابن الكورانيِّ والي القاهرة إلى ناحية شُبرا الخيام من ضواحي مصر، فهدمت كنيسة النصارى، وأخذ منها إصبع الشهيد في صندوقٍ، وأحضر إلى الملك الصالح، وأحرق بين يديه في الميدان، وذرى رماده في البحر حتى لا يأخذه النصارى، فبطل عيدُ الشهيد من يومئذٍ إلى هذا العهد، ولله الحمد والمنة. أما الخيَّاط فهو الأمير علم الدين سنجر المسروري، متولِّي القاهرة. ترجم العيني (ت: ٨٥٥) في «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» في وفيات سنة (٦٩٥)، فقال: «كان يعرف بعلم الدين الخيَّاط، لقبه به أستاذه الذي اشتراه، وكان ذا شكل حسن، مهابًا مصطنعًا للناس بالخير في ولايته، عاقلًا محتشمًا، متعقلًا عما يبدو من الفواحش، رضيَّ الأخلاق مع لطف وكرم، وكان له تولع بالشراب واجتماع الندماء اللطاف مثل السراج الوراق وشمس الدين الكحال أبي دانيال ونصر الحمامي، وله مكارم عليهم وقبول شفاعات ينالون بها إلى مقاصدهم، واتفق لهم معه مجاري كثيرة من الهزليات المضحكة يطول شرحها … وكان له حسن تأتِّ في أموره واصطناع المعروف». ومن أخبار الخيَّاط أن الملك المنصور قلاوون وجَّهه سنة (٦٨٦) مع الأمير عز الدين الكوراني إلى غزو بلاد النوبة. فساروا إليها وغزوا وغنموا وعادوا. وذكره المقريزي في «السلوك» ٢/ ٣١٦ في المتوفين سنة (٦٩٨). وللخيَّاط كتاب: «المختصر من الكامل في التاريخ وتكملته» صدر عن مكتبة المكتبة العصرية في لبنان (٢٠٠٢ م)، ولم أقف عليه. وتوفي الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري سنة (٧٠٩)، وكان من خيار أمراء وملوك تلك الحقبة سيرةً. أما الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون فتوفي سنة (٧٦١)، وكان ملكًا عظيمًا، دينًا خيرًا، حسن السيرة، رحمهما الله جميعًا.=
[ ٥٦٩ ]
وما سبب تحكم هذه الطائفة الرَّدية على رقاب المسلمين، إلا لخروجهم عن السنة المحمدية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، كما تكونوا يولَّى عليكم.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر في خلافته أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تُحدَث كنيسة، وأن لا يظهروا أعيادهم، ولا يظهروا صليبًا خارج الكنيسة إلا كُسر على رأس صاحبه (^١).
وكان محمد بن عروة يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز وأمر أن لا تترك في دار الإسلام كنيسة ولا بيعة بحال قديمة ولا حديثة، ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب من كنائسهم وبيعهم. وقال بعض العلماء: إن طيَّنُوا ظاهرها منعوا، وإن طينوا باطنها لم يمنعوا، ويمنعون من أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة، وقيل: لا تجوز.
قال عمر بن أسيد: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن الميسر: أما بعد؛ فإنه قد بلغني أن في عملك رجل يقال له حسان بن يزيد على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن يزيد إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به، ولا تأخذ من غير أهل الإسلام على شيء من أعمال المسلمين. فقرأ الكتاب عليه،
_________________
(١) = قلتُ: يظهر مما تقدَّم أن عيد الشهيد استمر العمل به حتى أبطله بَيبَرس سنة (٧٠٢)، ثم أعاده الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة (٧٣٨)، وتمَّ القضاء عليه نهائيًّا سنة (٧٥٥) بأمر الملك الصالح ﵀. أما الخياط فتوفي قبل هذه الحوادث سنة (٦٩٥) أو: (٦٩٨). ولم يذكروا في شيء من أخباره ما يتعلق بأمر هذا العيد، فلعله تمكن من القيام بمنع جزئي لبعض مفاسده، فلما مات توسَّع الناس فيه مجدَّدًا، فاستوجب الأمر تدخل الأمير بيبرس، فأبطله بعد سنوات قليلة من وفاة الخياط ﵀، والله أعلم. (ت)
(٢) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢/ ١٨١.
[ ٥٧٠ ]
فأسلم، وعلمه الطهارة والصلاة (^١).
ولما خرج النبي ﷺ إلى بدر تبعه رجل من المشركين فلحقه، وقال: إني أريد أن أتبعك، وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه (عند الشجرة، ففرح به أصحاب النبي ﷺ وكان له قوة وجلادة، قال: جئت لأتبعك وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه) (^٢) على ظهر البيداء، فقال له مثل ذلك، قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم. فخرج به (^٣).
وهذا أصل عظيم في أن لا يستعان بكافر، هذا وقد خرج ليقاتل بين يدي رسول الله ﷺ، ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: لا تولوا على أعمالنا إلا حملة القرآن. فكتبوا إليه: إنا وجدنا فيهم خيانة. فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير (^٤).
وفي الخبر أن النبي ﷺ كان يعطي لبعض المشركين شيئًا من الزكاة ليؤلف قلوبهم للإيمان (^٥)، فجاؤوا لأبي بكر ﵁ في خلافته وطلبوا منه ما كان يعطيهم النبي ﷺ، فكتب لعمر بن الخطاب ﵁، فقطَّع الورقة وطردهم، وقال: إن الله أعز الإسلام، وأغنى عنكم.
ولما جاء نصارى نجران لعنهم الله إلى المباهلة دخل ﷺ لبيت فاطمة ﵂، وحمل الحسين على كتفه، وأخذ الحسن بيده، وفاطمة خلفه، وعلي خلفهما. وقال: «إذا دعوت فأمِّنوا». فلما رآهم الأسقف قال: يا معشر النصارى، لقد رأيت وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل
_________________
(١) لم أجده.
(٢) ليست في (خ).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) انظر «المستطرف» للأبشيهي ١/ ٢٤٩.
(٥) انظر «تبيين الحقائق» لفخر الدين الزيلعي ١/ ٢٩٩.
[ ٥٧١ ]
جبلًا من مكانه لأزاله، ولقد علمتم أن محمدًا نبيًّا مرسلًا (^١)، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، فلا تباهلوه فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة (^٢).
والمباهلة الدعاء على الظالم من الفريقين، فخافوا دعوته، وقبلوا الجزية، وانصرفوا إلى بلادهم.
قال ابن عباس ﵁: كتب النبي ﷺ لنصارى نجران كتاب الصلح على مالٍ مُقدَّر، نَجم في صفر ونَجم في رجب، فكثروا وصاروا ألوفًا (^٣)، ثم وقع منهم شيء على خلاف عهدة (^٤) الكتاب، فبلغ
_________________
(١) كذا، وصوابه: (أن محمدًا نبيٌّ مرسلٌ).
(٢) أخرج البخاري في «الصحيح» (٤٣٨٠) عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيد، صاحبا نجران، إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبيًّا فلاعنَّا لا نفلح نحن، ولا عقبنا من بعدنا. وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» (٢٤٥) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله ﷺ، وهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده، وصاحب رأيهم فقال رسول الله ﷺ لهما: «أسلما»، قالا: أسلمنا قال: «ما أسلمتما»، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولدًا»، ونزل: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ الآية، فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول. ونزل: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾، يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن: ﴿فقل تعالوا﴾ إلى قوله ﴿ثم نبتهل﴾، يقول: نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق، وإن الذي يقولون هو الباطل، فقال لهم: «إن الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم»، فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا، ثم نأتيك. فخلا بعضهم ببعض، وتصادقوا فيما بينهم، قال السيد للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبيٌّ مرسلٌ، ولئن لاعنتموه إنه ليستأصلكم، وما لاعن قوم قط نبيًّا فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، فإن أنتم لم تتبعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه، وارجعوا إلى بلادكم. وقد كان رسول الله ﷺ خرج ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة، فقال رسول الله ﷺ: «إن أنا دعوت فأمِّنوا أنتم»، فأبوا أن يلاعنوه، وصالحوه على الجزية.
(٣) في (خ): ألوف مقاتل.
(٤) في (ط): عهد.
[ ٥٧٢ ]
ذلك عمر، فاغتنمه ﵁ في إزعاجهم من جزيرة العرب، فجاءوا إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقالوا: يا أبا الحسن، هذا كتاب صاحبكم خطُّك، وفيه شهادة أصحابك، أنشدك الله، كتابك بيدك، وشفاعتك بلسانك، حتى تردنا إلى نجران، ولا تزعجنا عن الأوطان. قال علي ﵁: (دعوني فإن) (^١) عمر رشيد الأمر، سديد الرأي. قال سالم بن الجعد: وهم أربعون ألف مقاتل. فجاؤوا إلى عمر، وقالوا: قد اصطلحنا، فأقلنا. فقال: والله لا أُقيلكم أبدًا. فأخرج فرقة إلى الشام وفرقة إلى ديار مغرب (^٢).
قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. نسخ منها الدعاء لهما بالرحمة إذا كانا كافرين.
وكان في ابتداء الإسلام يجوز الدعاء للمؤمن والكافر من الآباء والأمهات؛ لما روي أنَّ النبي ﷺ قال لأصحابه لما أنزل الله تعالى حاكيًا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]: «هلموا بنا فلنذهب إلى قبور آبائنا وأمهاتنا فنستغفر لهم؛ فإن إبراهيم ﵇ قد استغفر لأبيه». فتفرقوا كلٌّ يدعو لأبيه ولأمه على قبره فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، فقال النبي ﷺ وأصحابه (^٣) ﵃ أجمعين: «أي ربنا قد استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. لما وعد إبراهيم أبوه بالإيمان وعده بالاستغفار، وهو قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، فلما تبين له أنه عدوٌّ
_________________
(١) في (ق): إن.
(٢) انظر تفسير «مقاتل بن سليمان» (١/ ٢١٢).
(٣) في (ب): لأصحابه.
[ ٥٧٣ ]
لله بموته كافرًا تبرأ منه، فالدعاء له حرام، وموالاته حرام (^١).
فينبغي للمؤمن أن لا يوالي أحدًا من أهل الكتاب، ولا يحب أحدًا من فسقة المسلمين الخارجين عن السنة والكتاب، ويعتزل عن كل مبتدع وغافل عن يوم الحساب؛ تبعًا للنبي ﷺ وعلى الآل والأصحاب، وعلى كل عبد اتبع القوم ثم أناب.
_________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» ١٤/ ٥١٣ من حديث قتادة قال: ذَكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا نبي الله، إن من آبائنا من كان يُحْسِن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي ﷺ: «بلى! والله لأستغفرنَّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه» قال: فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بلغ: ﴿الجحيم﴾، ثم عذر الله إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾.
[ ٥٧٤ ]