اللهم اكسنا كسوة تقينا بها من الفتن والهلاك، ونسألك الغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك، قال الله تعالى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
اعلم رحمك الله وإيانا وجميع المسلمين! أن اللباس على قسمين: لباس الأبدان، ولباس الإيمان. فالأول فيه خير، والثاني أفضل منه وخير؛ لأن الأول يفنى ويبلى، والثاني لا فناء له، فيجب على المسلم أن يصون ثوب الإيمان عن نجاسات المخالفة والعصيان، ويجتهد في تجديده وتطهيره بالطاعة والإحسان، قال صلوات الله عليه وسلامه: «جدِّدُوا إيمانَكم بلا إله إلا الله» (^١). ونعوذ بالله من قلة التوفيق ومن الخذلان.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه: رأيت النبي ﷺ في
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٥٩ (٨٧١٠)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٤٢٤)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٥٦ من حديث أبي هريرة بلفظ: «جددوا إيمانكم». قالوا: كيف نجدد إيماننا؟ قال: «قولوا: لا إله إلا الله». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢١٢: رواه أحمد، وإسناده جيد، وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان. وقال الألباني في «الضعيفة» (٨٩٦): ضعيف.
[ ٥٩٦ ]
المنام، فقال لي: يا علي طهِّر ثيابك من الدنس؛ تحْظَ بمدد الله في كل نفس. فقلت: يا رسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله قد كساك حلة الإيمان، وحلة المعرفة، وحلة التوحيد، وحلة المحبة. فقال: ففهمت حينئذٍ قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (^١).
قال قتادة ومجاهد رحمة الله عليهما في تفسير هذه الآية: أي نفسك فطهر من الذنوب وقال بعض المفسرين: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحًا إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا إنه لخبيث الثياب. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسة التي لا تصح معها الصلاة (^٢).
فصُنْ أيها المملوك! خِلَع الملوك، لكي لا تُنزع عنك، ولا تكثر الفجور فالحقُّ غيور، وكانت رابعة تقول:
ما بال دينك ترضى أن تدنسه … وثوبك الدهر مغسول من الدنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها … إن السفينة لا تجري على اليبس
فاشكر الله أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنةٍ وكسور من الهجرة، وأحرمها غيرك وهو في الحضرة، قال بعضهم: لما فاح عطر النبوة شمَّها سلمانُ من العجم، وبلال من الحبشة، وصهيب من الروم، وأبو طالب في الحضرة وهو مزكوم، ومن هذه السعادة والخيرات محروم، فمن أراد هذه السعادة فلا يعصي عالم الغيب والشهادة.
فصُن أيها المؤمن! هذه الخلعة المحمدية من الأفعال الردية، وافرح بما خصك الله به: أن جعلك من خير الأمم، وحرسك من السجود للصليب والصنم، فقيد هذه الخيرات بالشكر، والعمل الصالح؛ فإن المعاصي تزيل النعم. قال ﷺ: «المعاصي بريد الكفر» (^٣)، فكادت المعصية أن تكون كفرًا.
_________________
(١) ذكره الثعالبي في «الجواهر الحسان» ٤/ ٣٥٩، وابن عجيبة في «البحر المديد» ٨/ ٢٦٢.
(٢) راجع لهذه الأقوال «الدر المنثور»، و«تفسير البغوي» ٨/ ٢٦٥.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٥٩٧ ]
تاب بعضهم عن نبش القبور، فقال له شيخه: يا بني، بلغني أنَّ (^١) من مات على غير القبلة يحول عنها؛ فهل رأيت أحدًا مصروفًا عن القبلة؟ فقال: يا سيدي، رأيت أكثرهم مصروفين عن القبلة.
فانظر رحمك الله تعالى! إلى شُؤم المعصية والطغيان، كيف يؤدي إلى ذهاب الإيمان.
هجم العيد على إبراهيم بن أدهم، وعليه هِدْمَتان (^٢)، فقيل له: ما تلبس في العيد؟ أنشد في المعنى يقول:
قالوا غدًا العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساقٍ حبه جرعا
فقرٌ وصبرٌ هما ثوباي تحتهما … قلبٌ يرى الله في الأعياد والجمعا
العيد لي مأتمٌ إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعا
وقد تقدم أن اللباس على أقسام: منه ما يحرم، وهو لبس الذهب والحرير والإبريسم والديباج على الرجال، وللنساء حلال؛ لأن النبي ﷺ أخذ الذهب والحرير بيديه وقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي (^٣) حلالان لإناثهم» (^٤).
وعند أبي حنيفة (^٥) ﵀ يحرم لبس الحرير والذهب والديباج
_________________
(١) في (ق): أنه.
(٢) الهِدْمُ بالكسر: الثوبُ البالي، والجمع أهدام.
(٣) زاد في (ط) تبعًا ل (ب): يشتمل الصغير والكبير. وستأتي بعد قليل.
(٤) أخرجه أحمد في «المسند» ١/ ١١٥ (٩٣٥)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٨٠)، وابن ماجه في «سننه» (٣٥٩٥)، والنسائي في «سننه» ٨/ ١٦٠ (٥١٤٤)، و«الكبرى» (٩٤٤٥)، وأبو داود في «سننه» (٤٠٥٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن الملقن في «البدر المنير» ١/ ٦٤٣: قال عبد الحق في «الأحكام»: قال ابن المديني: حديث حسن، ورجاله معروفون. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٢٧٤).
(٥) «بداية المبتدي» ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٥٩٨ ]
والإبريسم (^١) على الرجل الكبير وعلى الطفل الصغير؛ لقوله ﷺ: «حرامان على ذكور أمتي». يشمل الصغير والكبير، لكن القلم مرفوع عن الصغير والإثم على من ألبسه. وقال أيضًا بتحريمه في الحرب؛ لورود النهي، ولأن الملحَّم يقوم مقامه.
وفي المسألتين خلاف للعلماء (^٢): لبسه في الحرب للرجل الكبير، وفي الإقامة للصبي (^٣) الصغير، واختلاف العلماء رحمةً، والخروج من خلافهم نعمة، وقد ورد في الأخبار المتواترة: أن من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة.
قال بعض العلماء: يُخاف على لابس الحرير من سوء الخاتمة؛ لقوله ﷺ: «من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (^٤). ولأن الحرير والذهب من حلي أهل الجنة ولباسهم، قال المولى القدير: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣].
واختلف العلماء في الأعلام في الثياب (^٥): هل يجوز إذا [كانت] (^٦) من الحرير والإبريسم أم لا؟ قال بعض العلماء: يُكره؛ لما روي عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقطع الأعلام من الثياب (^٧).
وروى الأعمش عن مجاهد أن عبد الله بن عمر اشترى عمامة، فرأى
_________________
(١) الإِبْرَيْسَمُ: الحَرِيرُ.
(٢) انظر: «المجموع» ٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦.
(٣) في (ق): للطفل.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٧ (٢٥١)، والبخاري في «صحيحه» (٥٨٣٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٦٩)، و«النسائي» ٨/ ٢٠٠ (٥٣٠٥)، وفي «الكبرى» (٩٦٢٢) من حديث عمر ﵁.
(٥) «الاستذكار» ٨/ ٣١٩، و«المغني» ١/ ٦٦٠.
(٦) في (خ، ق): كانا.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥١٩٢).
[ ٥٩٩ ]
علمها حريرًا فقطعه (^١)، وقال: اجتنبوا ما خالط الثياب من الحرير (^٢).
وأما من قال: لا بأس به. دليله: ما روى أبو أمامة الباهلي، قال: قلت: يا رسول الله، نهيتنا عن لبس الحرير، فما يحل لنا منه؟ قال: «ثلاثة أصابع، وذلك لا خير فيه» (^٣).
فلا بأس بلبس الثوب إذا كان سداؤه من حرير أو إبريسم، واللُّحمة من قطن أو خز أو صوف أو كتان، وفي لبس الخزِّ (^٤) خلاف للعلماء (^٥).
ويكره للمؤمنين الأخيار التشبه بزي الكفار؛ لقوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٦).
والذي أذكره في هذا الباب من المكروهات فيه ما هو كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، وكلا الطرفين ذميم.
ويكره للرجل التشبه بزي النساء، كلبس الثياب المحمرة والمعصفرة، والتقنع، ولبس السراويل القزواني، واختضاب يديه ورجليه بالحناء من غير عذر؛ لأن هذه الأشياء من زي النساء، ويكره أيضًا للمرأة التشبه بزي الرجال، كلبس القبع، والشاش، والقباء (^٧)، والسراويل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥١٩٠).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥١٨٥).
(٣) لم أجده عن أبي أمامة بهذا اللفظ، وأخرجه أبو عوانة في «مسنده» (٨٥٠٠)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٢٧٤، والطبراني في «الكبير» ٨/ ١٢٠ (٧٥٥٢)، والبيهقي في «الكبرى» ٣/ ٢٦٦ عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من لا خلاق له في الآخرة». وأخرجه النسائي في «الكبري» (٩٦٢٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢١٤) عن عمر قال: إياكم ولباس الحرير؛ فإن رسول الله ﷺ نهى عن لباس الحرير إلا هكذا. ورفع أصابعه السبابة والوسطى.
(٤) في (ق): الحرير.
(٥) «الإستذكار» ٨/ ٣٠٥.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) قَبا الشيءَ قَبْوًا جمعه بأَصابعه، والقَباء ممدود من الثياب الذي يلبس مشتق من ذلك لاجتماع أَطرافه والجمع أَقْبِية.
[ ٦٠٠ ]
الفاتحي؛ لأنه من زي الرجال ولا يستر عورتها، ولا تلبس الدلق العسلي، ولا الزربول (^١) الصيدي؛ فإنه من زي الرجال، وصحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال (^٢).
ويكره من غير عذر لبس الطيلسان (^٣) لكل إنسان، ويكره كشف الرأس عامدًا، ويكره حلق داير الرأس، وكذلك الناصية كما يفعله أهل العربدة، وهم حمَّاري هذه الأمة. فإن فعل شيئًا من ذلك لغير عذر لم يجز، وإن فعله لعذر جاز، بغير كراهة.
ويكره تلبيد الشعر (^٤)، وأن يوصل شعرًا آخر، فمن لبَّده من جهلة المسلمين لا يزال جنبًا ولو اغتسل في سبعة أبحر؛ لأن الماء لا يصل إلى أصول شعره، وهذا عبدٌ جاهل مفتون، والواصل شعره بشعر غيره ملعون؛ قال ﷺ: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» (^٥)، فإن لُعنت المرأة لأجل ما وصلت شعرها بشعر غيرها زينة لأجل زوجها، فالرجل يكون ملعونًا بطريق الأولى؛ لأنه وصله عبثًا، وأكثر ما يفعله فقراء الروم والعجم، الخوارج عن طريق سيد الأمم.
وكذلك الواشمة إذا وشمت شيئًا من بدنها لأجل التزين لأجل زوجها تكون ملعونة، والرجل يكون ملعونًا بطريق الأولى؛ لأنه (^٦) غيَّر خلق الله
_________________
(١) الزربونُ والزربولُ: وهو ما يلبَسُ في الرِّجْلِ.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الطيلسان، أو: الطالسان: ضرب من أوشحة يلبس على الْكَتف، أَوْ يُحِيط بِالْبدنِ، خَال عَنْ التفصل والخياطة، أَوْ هُوَ مَا يعرف فِي العامية المصرية بالشال، فَارسي مُعرب: تالسان أَوْ تالشان. «المعجم الوسيط» (مادة: طلس).
(٤) تَلْبِيد الشَّعَرِ: أَنْ يُجْعَل فِيهِ شيءٌ مِنْ صَمْغ عِنْدَ الإحْرامِ، لِئَّلا يَشْعَثَ ويَقْمَل إبْقَاءً عَلَى الشَّعَر. وإنَّما يُلَبِّد مَنْ يَطُول مُكثُه فِي الإحْرام. «النهاية» لابن الأثير.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) في (خ، ب): فإنه.
[ ٦٠١ ]
تعالى عبثًا، فإن وشم هذا الشيطان شيئًا من أطرافه بالقرآن فقد ارتكب فعلًا محرمًا يوجب له غضب الرحمن، ويخرجه عن طريق النبي ﷺ، وعن طريق أصحابه، وعن طريق أهل الخير والإيمان.
ويكره أن يكون الرجل ثائر الرأس واللحية؛ لما روي أن رجلًا دخل على النبي ﷺ وهو ثائر الرأس واللحية؛ فأشار إليه أن اخرج وأصلح رأسك، ففعل، ثم دخل على النبي ﷺ، فقال له: «أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟!» (^١)، ويكره لبس الشعر، وإن كان قد لبسه بعض العباد، فهو مخالف لسنة خير (^٢) العباد.
وقال الأوزاعي ﵀: لبس الصوف سنَّة في السفر، بدعة في الحضر (^٣).
دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم وعليه جبة صوف، فقال له قتيبة: ما دعاك إلى لبس مدرعة الصوف؟ فسكت، فقال: أكلمك ولا تجيبني؟ فقال: أكره أن أقول: زُهدًا؛ فأزكي نفسي، أو أقول: فقرًا؛ فأشكو ربي (^٤).
وقال ابن السماك لأصحاب الصوف: والله لئن كان لباسكم هذا موافقًا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، ولئن كان مخالفًا لقد هلكتم (^٥).
رأت عجوز شبابًا عليهم ثياب الصوف وهم جلوس يتضاحكون،
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧٠٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٤٦٢) من حديث عطاء بن يسار ﵁. وأخرجه النسائي في «سننه» ٨/ ١٨٣ (٥٢٣٦) من حديث جابر بن عبد الله، قال: أتانا النبي ﷺ فرأى رجلًا ثائر الرأس، فقال: «أما يجد هذا ما يسكن به شعره؟!». وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.
(٢) في (خ، ب): سيد.
(٣) ذكره الذهبي في «تذكرة الحفاظ» ١/ ١٣٦، وسير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٩.
(٤) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٦/ ١٥٧. وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٣٤.
(٥) أخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٥٣٨).
[ ٦٠٢ ]
فقالت: سبحان الله، زي الصالحين وفعل الجاهلين (^١). أنكرتْ عليهم لعدم التناسب.
وقال الحسن لفرقد السبخي: يا فرقد، تحسب أن لك فضلًا على الناس بكسائك؟ بلغني أن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية (^٢). وأنشدوا:
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى … تقلب عريانًا وإن كان كاسيًا
وخير خصال العبد (^٣) طاعة ربه … ولا خير فيمن كان لله عاصيًا
اعْلَم أيها الإنسان! أن لبس الدروع الحسان محرم على كل جبان، فلا تلبس أيها البطَّال لباس الأبطال، ثم تأخذ في الهزيمة؛ فإنه من أفعال كل خنثى العزيمة، فدع الدرع الحسن لصاحبه، فهو أولى منك بالغنيمة، وكانوا أحق بها وأهلها؛ لأن أحدهم عرف ما يطلب، فحينئذٍ هان عليه ما يبذل، ومن أراد الفوائد هجم على الشدائد.
ثم اعلم أن بعض الناس اختار الترفع في الملابس ونيته الإظهار لنعم الله تعالى، فلا بأس بذلك إذا كان من حلال، وروي أن الله جميل يحب الجمال (^٤)، وقد حُكِي عن جماعةٍ من الصالحين أنهم كانوا يظهرون الغِنَى في الفقر، تراهم على فاقة وهم يجتهدون في تحسين ثيابهم، وقال الله فيمن هذه صفاتهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ومن وسع الله تعالى عليه يجب أن يرى (أثر نعمته) (^٥) عليه، قال أمير
_________________
(١) لم أجده.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٥٦، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٣٥.
(٣) في (ق): المرء.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٩٩ (٣٧٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (٩١)، والترمذي في «جامعه» (١٩٩٩) من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
(٥) في (خ): أثرها.
[ ٦٠٣ ]
المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إذا وسَّع الله عليكم فوسعوا (^١). وقول عمر موافق لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وينبغي للمؤمن أن يكون في لباسه موافقًا لأقرانه؛ فلا يرتفع في لباسه جدًّا، ولا يتنازل جدًّا، وخير الأمر أوسطه؛ فإن لم يفعل ارتكب النهي، وأوقع الناس في الغيبة والإثم.
وقد جاء في الحديث: «رحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره» (^٢). فمن ارتفع في لباسه جدًّا أو تنازل جدًّا فقد شهر نفسه، وجعلها علمًا بين الناس، فخرج عن السنة، ولا عرف قدره، ولا كفى الناس أمره، وقد نهى النبي ﷺ عن الشهرتين (^٣)، فرحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره.
قال النبي ﷺ: «البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيها موتاكم؛ فإنها خير ثيابكم» (^٤).
ويقال: كُلْ من الطعام ما اشتهيت والْبَسْ من الثياب ما اشتهى الناس.
وقال بعضهم:
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٦٢٢).
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه البيهقي في «الشعب» (٦٢٣١) من حديث أبي هريرة وزيد بن ثابت، قال الشيخ: أبو نعيم هذا لا نعرفه. وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٣٢٦): موضوع.
(٤) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٥٢٠)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٢٤٧ (٢٢١٩)، وأبو داود في «سننه» (٣٨٧٨)، وابن ماجه في «سننه» (١٤٧٢)، والترمذي في «جامعه» (٩٩٤)، وفي «الشمائل» (٥٢) من حديث ابن عباس ﵄. قال الترمذي: حديث ابن عباس حسن صحيح. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٢٣٦).
[ ٦٠٤ ]
تجمل بالثياب تعش حميدًا … لأن العين قبل الاعتبار
فلو لبس الحمار ثياب خزٍّ … لقال الناس يا لك من حمار
وهذه الأشياء من رخص الشرع: المآكل الطيبة، والملابس اللينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فقد رخَّص الشرع في ذلك لمن لا يلتزم الزهد، فيقف على رُخص الشرع بأن لا يكون لباسه مرتفعًا جدًّا فيكون علمًا بين الناس.
ولا يلبس ما يُجَرُّ من الثياب؛ فقد صح في (الحديث: «من جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (^١). وهو نوع من التكبُّر أعاذنا الله منه، والسنة في الثياب أن تكون فوق الكعاب؛ فقد صحَّ في) (^٢) الأخبار: «ما كان أسفل من الكعبين فهو في النَّار» (^٣).
وقد لبس بعض الصحابة ومن صلحاء التابعين ما نَعُم من الثياب بعلم، ونيَّةٍ صالحة يلقى الله سبحانه بصحَّتها، وبعضهم اختار الاختصار، فلا يُتَعَرَّضُ عليهم؛ لأن له أصلًا في الشرع، فمن الخلفاء الراشدين من لبس ما نعم، وبعضهم لبس ما خشن، وقد بشرهم ﷺ بالجنَّة فلله الحمد والمنَّة، وسيأتي بيانه إن شاء الله.
لكن ما خشن من الثياب وما رقِّع يصلح للفقير لأجل التقليل من الدنيا وزهرتها (^٤)، فإذا تركها لله سبحانه عوضه الله ما هو خيرٌ منها،
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٨٦ (٩٠٠٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٨٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٩٧٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وقد ورد من حديث ابن عمر وغيره ﵃.
(٢) ليست في (خ).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤١٠ (٩٣١٩)، والبخاري في «صحيحه» (٥٧٨٧)، والنسائي في «سننه» ٨/ ٢٠٧ (٥٣٣١)، وفي «السنن الكبرى» (٩٧٠٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (ط): زهوتها.
[ ٦٠٥ ]
أي: يا عبادي، من صبر منكم على الطاعة وعلى ذهاب دار الفناء حصلتُ له أنا، ومن وجدني وجد كل شيء، وذهب عنه التعب والنصب والعناء، ومن فتُّه فاته كل شيء؛ فابتلي بالغضب والذل الطويل، والفقر بعد العِزِّ والغنى.
وروي أن النبي ﷺ لبس الصوف واحتذى المخصوف (^١)، (وكان يرتدي بالبُرُد الغليظ الحاشية) (^٢)، وكان إذا أُهْدِيَ له شيئًا من الحلل أو مما نعم من الثياب يفرقه على (^٣) الأصحاب (^٤).
وقال بعض التابعين: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وعليه قميص فيه سبع رقع. وروي أنه خطب يومًا وعليه ثوب فيه ثلاث رقع بعضها فوق بعض (^٥).
وكان إذا رأى رجلًا عليه ثوبان رقيقان يقول له: دع هذه البراقات للنساء (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٣٣٤٨)، والحاكم في «مستدركه» ٤/ ٣٢٦، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: لم يصح. وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٧٢٨).
(٢) ليست في (خ).
(٣) في (ق): بين.
(٤) من ذلك: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة سِيَراء، فبعث بها إلي فلبستها؛ فعرفت الغضب في وجهه، فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خُمُرًا بين النساء». أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٣٩ (١١٧١)، والبخاري في «صحيحه» (٢٦١٤) مختصرًا، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٧١)، وأبو داود في «سننه» (٤٠٤٣)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ١٩٧ (٥٢٩٨)، وفي «السنن الكبرى» (٩٥٦٦).
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن أخرج مالك في «الموطأ» (١٦٣٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦١٨٢) عن أنس ﵁ قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث، لبَّدَ بعضها فوق بعض في قميصه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٩٩٧٠)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢٢٨).
[ ٦٠٦ ]
وكان عليُّ بن أبي طالب كرَّمَ الله وجهه يشتري الثوبين الغليظين، ويلقيهما بين يدي عبده، فيختار العبد أي الثوبين (^١) شاء، ويلبس الآخر عليٌّ ﵁ (^٢).
وروي أنه لبس قميصًا بثلاثة دراهم، ثم قطع كمه من رؤوس أصابعه (^٣) فعابه الخوارج بذلك، فقال: أتعيبونني على لباس هو أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم (^٤).
وروي أنه قال لعمر بن الخطاب: إن أردت أن تلقى صاحبيك؛ فرقِّع قميصك، واخصف نعلك، وقصر أملك، وكل دون الشبع (^٥).
وروي أنه قال لرجل من أهل العراق: اشتر هذا السيف فطالما كَشَفْتُ به الكرب عن وجه رسول الله ﷺ، ولو كنت أملك ثمن عباءة ما بعته (^٦). وكان ذلك في خلافته ﵁.
_________________
(١) في (ق): أيهما.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على «فضائل الصحابة» (٩١٢)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٨٣ عن أبي سعيد الأزدي -وكان إمامًا من أئمة الأزد- قال: رأيت عليًّا أتى السوق وقال: من عنده قميص صالح بثلاثة دراهم؟ فقال رجل: عندي. فجاء به فأعجبه؛ قال: لعله خير من ذلك. قال: لا ذاك ثمنه. قال: فرأيت عليًّا يقرض رباط الدراهم من ثوبه فأعطاه، فلبسه فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه؛ فأمر به فقطع ما فضل عن أطراف أصابعه.
(٤) جزء من أثر أخرجه الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (٩٠٨)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٩١٨)، وضعفه الألباني في «ظلال الجنة» (٩١٨)، وقد دمج المصنف الأثرين السابقين فجعلهما أثرًا واحدًا.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في «التواضع والخمول» (١٤٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٦٨١).
(٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على «فضائل الصحابة» (٨٩٧) مختصرًا، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٧١٩٨) بنحوه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٥٨٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن الحكم وهو ضعيف.
[ ٦٠٧ ]
وقيل: لما مات أبو الدرداء ﵁ وجدوا في ثوبه أربع مئة رقعة، وكان عطاؤه أربعة آلاف (^١).
وقَوَّمُوا ثياب عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته من فرقه لقدمه حتى مِنديل كمِّه باثني عشر درهمًا (^٢).
وهجم العيد وعلى ولده قميص خَلِقٌ فبكى عمر ﵁، فقال له ولده: ما يبكيك يا أبت؟ قال: يا بني كسر قلبك في مثل هذا اليوم، الصبيان قد تجملوا بثيابهم وأنت بهذا القميص الخلق. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، وعَقَّ أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضيًا عني برضاك. فبكى عمر وضم ولده إليه، وقبَّل بين عينيه ودعا له، وسيَّر ولده لعامله، وطلب منه ثلاثة دراهم لثلاثة أيام؛ ليكسو (^٣) ولده بها قميصًا، فأبى وقال: قل للخليفة: إن ضمن الحياة لثلاثة أيام أقرضه. فلم يضمن ومات بعد ثلاثة أيام ﵀، فكان ولده يبكي ويقول: صدق العامل (^٤)، لم يعش والدي لثلاثة أيام (^٥).
فانظر إلى أوصاف القوم يا من حسن ظاهره بالثياب، وباطنه خراب. قال قائلهم:
أرى (^٦) وجهك لي عيدًا … فما أصنع بالعيد؟
دخل تلميذ الحسن البصري على رابعة في يوم عيد وسلم عليها عن الحسن، ورآها جالسة على قطعة حصير خلق (^٧)، (وعليها مدرعة صوف
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه الدولابي في «الأسماء والكنى» (٢٩٧٨)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٢٣.
(٣) في (خ): ليلبي.
(٤) في (خ): النايب.
(٥) لم أقف على هذه القصة، والنكارة عليها ظاهرة، والأحرى بها أن تكون موضوعة.
(٦) في (ق): أراك.
(٧) في (خ): خليع.
[ ٦٠٨ ]
خليع) (^١) وبين يديها طبق فيه نخالة وكسر يابسة وهندبا (^٢) بائتة، وهي تخرج الكسر اليابسة من النخالة وتأكلها بتلك الهندبا، فبكى تلميذ الحسن، فقالت له: ما يبكيك؟ فقال: مثلك في يوم عيد هذا نومها وهذا غطاؤها وهذا غذاؤها! فقالت: يا هذا، وما يوم العيد عندكم؟ فقال: يومٌ يَترَفَّهُ فيه الناس. فقالت: يا هذا، ذلك عِيدُ الغافلين في الدنيا، العيد لمن غفر له المولى. فخرج من عندها وذكر ذلك لبعض جيرانها، وكان من الأغنياء فقال: إنها لا تقبل مِنَّا شيئًا، فإن قبلت مني شيئًا على يديك شكرت سعيك. فقال: هات. فأعطاه خرقة فيها مائة دينار، فأخذها ووضعها بين يديها، فقالت: ما هذه؟ فقال: مائة دينار من جارك فلان. فقالت: أَوَ قَدْ أعلمته بما رأيت؟ أهكذا علَّمَك الحسن؟! مثلك من يستأمنه الناس على أسرارهم؟! خذها وأعدْها لصاحبها، وقل له لا ينغص عليَّ عيدي، ولا تَعُد تدخل عليَّ (^٣).
فانظر إلى قول هذه السيدة: العيد لمن غفر له المولى. هو والله العيد الكبير، كما قيل لبعض الرهبان: متى عيد هذا الدير؟ قال: إذا غُفر لأهله (^٤). ليس العيد لمن أكل الطعام اللذيذ، ولبس الثوب الجديد، وعصى المولى المجيد، وافتخر بما أوتي من المال والجاه والعبيد.
قال بعض المحبين شعر:
الناس بالعيد قد سروا وقد فرحوا … وما سررت به والواحد الصمد
لمَّا تخوفت أني لا أعاينكم … غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد
وقال بعض العارفين: العيد لمن حظي بالأجر والثواب، لا لمن تجمَّل بالملابس والثياب. وأنشدوا:
_________________
(١) ليست في (ق)، وفي (ب): وعليها قدر ثمة صوف خلق.
(٢) هِنْدَبٌ وهِنْدَبا وهِنْدَباة: بَقْلَة.
(٣) لم أقف عليه، وهذا السلوك مخالف للسنة النبوية.
(٤) لم أقف عليه.
[ ٦٠٩ ]
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف … والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان ما لي منهما خلفٌ … طول الحنين وعينٌ دمعها يَكِفُ
قيل لراهب: ما مذهب الرهبان في لبس السواد؟ قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب. قيل له: وكلكم أصيب بمصيبة؟ قال: وأي مصيبة أعظم من مصائب الذنوب (^١).
قال علي بن ثابت: رأيت سفيان الثوري في طريق مكة، فقَوَّمْتُ جميع ما عليه حتى نعليه درهمًا وأربع دوانق (^٢)، ولو لقيت سفيان ومعك فلسان تريد التصدق بهما، وأنت ممن لا يعرف سفيان لوضعتهما في يده (^٣).
ولبس سفيان يومًا ثوبه مقلوبًا ولم يعلم بذلك، فقيل له، فهَمَّ أن يخلعه ثم تركه وقال: لبسته لله، فلا أغيره لنظر الخلق، ولا أنقض نيتي (^٤).
ثم اعلم بأن المراد من الثوب ستر العورة، وأن يرُدَّ عن لابسه الحر والبرد، وأن يكون طاهرًا لصحة الصلاة، وأن يكون لنصف ساق الرجل متابعةً للرسول ﷺ (^٥)، وأن يكون من حلال لأجل القبول وما عدا ذلك فهو زيادة وفضول.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أبو القاسم البغوي في «الجعديات» (١٧٧٠)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٧٨، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٢٢٢).
(٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٦٢٢٣)، وذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٣/ ١٤٧.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) أخرجه في مالك «الموطأ» (١٦٣١)، والحميدي في «مسنده» (٧٣٧)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٥ (١١٠١٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٠٩٣)، وابن ماجه في «سننه» (٣٥٧٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٩٧١٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٤٤٦) عن أبي سعيد؛ أنَّ رَسُول الله ﷺ قال: «إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، فما أسفل من الكعبين ففي النار، لا ينظر الله إلى من جرَّ إزاره بطرًا». وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٩٢١).
[ ٦١٠ ]
قيل لبعض الصوفية: ثوبك ممزق. قال: ولكنه من وجه حلٍّ (^١).
وينبغي أيضًا لمن خشن ثوبه أن يخشن مأكله، ويكون مسكينًا ذليلًا بين يدي خالقه، عسى يراه على تلك الحالة فيرحمه، فمن خشن ثوبه ولم يخشن حاله فليس بشيء.
قال أبو سليمان الدارانيُّ رحمة الله عليه: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم، وشهوته في بطنه بخمسة دراهم (^٢). أنكر عليهم لقلة التناسب.
لبس أبو سليمان ثوبًا عسليًّا، فقيل له: لو لبست ثوبًا أجود من هذا. فقال: ليت قلبي في القلوب مثل قميصي في الثياب (^٣). قال ﷺ: «من ترك ثوب جمال وهو قادر على لبسه؛ ألبسه الله تعالى من حلل الجنة» (^٤).
دخل جماعة على بشر وعليهم ثياب مرقعة، فقال لهم: يا قوم، اتقوا الله ولا تظهروا هذا الزي؛ فإنكم تعرفون به وتكرمون له. فسكتوا عن آخرهم، فنهض شاب من بينهم وقال: الحمد لله الذي جعلنا ممن يعرف به، ويكرم له، والله لنظهرن هذا الزي حتى يكون الدين كله لله. فقال له بشر: أحسنت يا غلام مثلك من يلبس المرقعة (^٥).
وقد تقدم أن لبس ما خشن ورقع له أصل في الشرع، فعله جماعة من الصحابة مع القدرة، وفعله أهل الصفة لأجل الحاجة، فكان أحدهم يخرج
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٩/ ٢٦٠.
(٣) أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٧٥).
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٣٩ (١٥٦٣١)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٨١) عن معاذ ابن أنس الجهني؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من ترك اللباس تواضعًا لله، وهو يقدر عليه؛ دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها». قال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٧١٨).
(٥) لم أقف عليه.
[ ٦١١ ]
إلى مزابل المسلمين يلتقط الخرق والجلود ويطهرهم، ثم يرقعهم في ثوبه سترًا لعورته.
فمن فعل ذلك مع القدرة إهانةً لنفسه التي تلبس الجديد ثم تخالف المولى المجيد، وتأكل الطعام اللذيذ، وتصرفه في معصية الله تعالى وفيما لا يريد، فيؤجر الإنسان على إهانتها؛ لأن الله تعالى يبغض النفس المتمردة التي هي عن الحق مائلة.
فلا تكرم النفس التي هي مهانة عند الله سبحانه بما أنعم من الملابس، ولا بالأطعمة الطيبة الهائلة، فمثل من يفعل ذلك كمثل رجل له زوجة، وهو عالم بخيانتها وفجورها، وهو يحب الإقامة معها، ويلبسها الثياب اللينة، ويطعمها الأطعمة الفاخرة، فحينئذٍ لا يفلح هذا العبد في الدنيا، ويكون ديوثًا في الآخرة.
دخل نسوة على رجل يعرف بالشيخ أيوب الكردي، وكان في زاوية تعرف بزاوية الشيخ خضر بالحسينية بالديار المصرية، وكان الشيخ صالحًا عارفًا بالعلوم، فلما دخل على النسوة قال لهن: يا ستَّات، اذهبْنَ (إلى الحاجَّة يريد) (^١) زوجته فقلن: يا شيخُ، ما نحن ستَّات، بل نحن قحاب، وقد جئناك لنتوب. فبكى الشيخ كثيرًا وقال لهن: أنتنَّ قحَّبتُنَّ فروجكنَّ، وأنا قحَّبتُ (^٢) قلبي، فأَنْتُنَّ خير منِّي (^٣).
_________________
(١) في (خ): لعند الحاجة أي.
(٢) في (خ): قحبة. قال في «تاج العروس» (مادة: قحب): القحب: الشيخ المسنُّ، والعجوز قحبة، وهو الذي يأخذه السعال، قاله أبو زيد. وقد قحَب: إذا سعل. ورجل قحب وامرأة قحبة: كثيرة السعال مع الهرم، وقيل: هما الكثيرا السعال مع هرم أو غير هرم. قال الأزهري: قيل للبغي قحبة، لأنها كانت في الجاهلية تؤذن طلابها بقحابها وهو سعالها. وعن ابن سيده: القحبة: الفاجرة. وأصلها من السعال، سميت: لأنها تسعل أو تنحنح أي ترمز به، أو هي أي القحبة كلمة مولَّدة، وبه جزم الجوهري وغيره. وقال أبو هلال في كتاب «الصناعتين»: صار تسمية البغي المكتسبة بالفجور قحبة حقيقةً، وإنما القحاب: السعال. وفي «شفاء الغليل»: العامة تسمي البغي قحبة.
(٣) لم نقف على هذه القصة، وقد ترجم ابن حجر في «الدُّرر الكامنة في أعيان المئة =
[ ٦١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الثامنة» ١/ ٥١٩ لأيوب الكردي، فقال: هو المعروف بالخصيِّ أحد المعتقدين بدمشق، ويذكر عنه مكاشفات وكرامات وشطحات، وكانت له زاوية بقصر الجنيد بدمشق، ثم تحول إلى غزة في سنة (٦٩٩)، ثم تحول إلى مصر، فأقام بزاوية كان عمَّرها ابن قرمان، مجاورة لداره بالحسينية، فرتب له عشرين رطل خبز، وراويتي ماء، وشرع الأمراء، والناس يزورونه، وكان من شرطه أن من زاره إن لم يحضر معه شيء لا يكلمه، ولا يدعو له، وكان لا يوقِّر أحدًا، وربما دعا مقلوبًا، ثم خرج مع العسكر إلى التتر، فوقف في الصف وهو عريان، فلما وقعت الكسرة على الميسرة سقط عن فرسه، فبقي مطرقًا، فيقال: إن بعض المسلمين قتله ظنًّا منه أنه من التتر، فاستمر طريحًا إلى أن مات بعد أيام، فدفن، وذلك في شهر رمضان سنة (٧٠٢). قلتُ: تلك الواقعة هي معركة شَقحَب أو معركة مرج الصُفر، كانت في الثاني من رمضان (٧٠٢ هـ)، بسهل شقحب بالقرب من دمشق، بين المماليك بقيادة الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر والشام والمغول بقيادة قتلغ شاه نويان (قطلوشاه) نائب وقائد محمود غازان إلخان مغول فارس (الإلخانات)، وانتهت بنصر مؤزر للمسلمين قضى على التهديد المغولي في دخول الشام والتوسع في قلب العالم الإسلامي. قال العيني في «عقد الجمان» ١/ ٤٣٩: الشيخ نجم الدين أيوب الكردي، قُتل في هذه الوقعة، كان قد ورد من البلاد في سنة سبع وثمانين وستِّ مئة، ومعه جماعة من الأكراد، وأقام بدمشق مدة سنتين، ونال من أمرائها حظًّا كبيرًا. وظهرت له أمور من المكاشفات والصلاحية، وكان لا يدخل إليه أمير إلا ويطالبه بالهدية، ولا بد أن يحمل له شيئًا من الدنيا، واتَّبعوا أمره فيما يأخذه، فوجدوه يتصدق به ولا يدخره. ثم رحل إلى مصر ويوم عبوره حصلت له معرفة مع ابن قرمان، فأخذه إلى بيته، ثم بنى له زاوية بجوار بيته، وأقام فيها إلى أن خرج السلطان للقاء العدو، فخرج معهم. ولما التقوا بالعدو كان راكبًا بآلة الحرب، واقفًا إلى جانب ابن قرمان، فقُتل معه، ثم دفنا جملةً واحدةً، رحمهما الله تعالى. وذكر نحو هذا مختصرًا المقريزي في «السلوك لمعرفة دول الملوك» ٢/ ٣٦٧. وابن قرمان: هو الأمير حسام الدين أوليا بن قرمان أحد الأمراء في الدولة الظاهرية بمصر، وهو ابن أخت قرمان وعرف بابن قرمان، وكان شجاعًا. أما الشيخ خضر، فهو: ابن أبي بكر محمد بن موسى أبو العباس المهرانيُّ العدويُّ، ذكره ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» ٧/ ٢٧٦، فقال: كان أصله من قرية المحمدية من أعمال جزيرة ابن عمر، وهو شيخ الملك الظاهر بيبرس، وصاحب الزاوية التي بناها له الملك الظاهر بالحسينية على الخليج بالقرب من جامع الظاهر. وكان الشيخ خضر بشَر الملك الظاهر قبل سلطنته بالملك، فلمَّا تسلطن صار له فيه العقيدة العظيمة حتى إنه كان ينزل إليه في الجمعة المرة والمرتين، وكان =
[ ٦١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يطلعه على غوامض أسراره، ويستشيره في أموره، ويستصحبه في أسفاره، وكان الشيخ يخبر الملك الظاهر بأمور قبل وقوعها فتقع على ما يخبره، ثم تغير الملك الظاهر عليه لأمور بلغته عنه وأحضر السلطان من حاققه، وذكروا عنه من القبائح ما لم يصدر عن مسلم! والله أعلم بصحة ذلك؛ فاستشار الملك الظاهر الأمراء في أمره، فمنهم من أشار بقتله، ومنهم من أشار بحبسه، فمال الظاهر إلى قتله ففهم خضر، فقال للظاهر: اسمع ما أقول لك، إن أجلي قريب من أجلك، وبيني وبينك مدة أيام يسيرة، فمن مات منَّا لحقه صاحبه عن قريب! فوجم الملك الظاهر وكف عن قتله، فحبسه في مكان لا يسمع له فيه حديث، وكان حبسه في شوال سنة إحدى وسبعين وست مئة، وتوفي يوم الخميس أو في ليلة الجمعة سادس محرم سن ست وسبعين وست مئة، ودفن بزاويته بالحسينية. وكان الملك الظاهر بدمشق، فلما بلغه موته اضطرب وخاف على نفسه من الموت لما كان قال له الشيخ خضر: إن أجله من أجله قريب! فمرض الظاهر بعد أيام يسيرة ومات، فكان بين الشيخ خضر وبين الملك الظاهر دون الشهر. وقال ابن تغري بردي أيضًا في حوادث سنة (٦٧٢) ٧/ ١٦٣: وفي يوم الاثنين ثاني عشر شوال استدعى الملك الظاهر الشيخ خضرًا إلى القلعة، وأحضره بين يديه، وأحضر معه جماعة من الفقراء حاققوه على أشياء كثيرة منكرة، وكثر بينه وبينهم فيها المقالة، ورموه بفواحش كثيرة، ونسبوه إلى قبائح عظيمة؛ فرسم الملك الظاهر باعتقاله، وكان للشيخ خضر المذكور منزلة عظيمة عند الملك الظاهر … متى فتح مكانًا أفرض له منه أوفر نصيب، فامتدت يد الشيخ خضر بذلك في سائر المملكة يفعل ما يختار لا يمنعه أحد من النواب، حتى إنه دخل إلى كنيسة قمامة [هي كنيسة القيامة ببيت المقدس] ذبح قسيسها بيده! وانتهبَ ما كان فيها تلامذَتُه! وهجم كنيسة اليهود بدمشق ونهبها! وكان فيها ما لا يعبر من الأموال! وعمرها مسجدًا وعمل بها سماعًا ومد بها سماطًا! ودخل كنيسة الإسكندرية وهي عظيمة عند النصارى فنهبها وصيرها مسجدًا، وسماها المدرسة الخضراء! وأنفق في تعميرها مالًا كثيرًا من بيت المال، وبنَى له الملك الظاهر زاوية بالحسينية، ظاهر القاهرة، ووقف عليها، وحبس عليها أرضًا تجاورها تحتكر للبناء، وبنى لأجله جامع الحسينية. قلتُ: يظهر من أخبار هذا الرجل أنه كان دجالًا من دجاجلة الصوفية، ورأس عصابة من الحرامية والمجرمين، وقد وجد في أهل الذمة مع فساد الدولة، وعجز العلماء، وجهل العامة هدفًا سهلًا للنَّهب والسَّلب والاعتداء، وأخرج ذلك في قالب نصرة الدين من تحويل الكنيسة إلى مسجد، أو قتل راهب. وكل ذلك أعمال محرمة، منافية لأحكام الشريعة السمحة، وأخلاق أهل الإسلام، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا به. (ت)
[ ٦١٤ ]
فمن لبس ثياب الصالحين ولم يتخلق بأخلاقهم يقال له: هذه الخرقة فأين الاجتهاد والحرقة؟!
دخل بعضهم على أخٍ له في الله، فرأى أولاده (^١) يستتر بعضهم ببعض من العري (^٢)، قال: فقلت له: لم لا تدعو الله لهم؟ قال: هو أعلم بمصالح عباده، دعهم عسى يراهم فيرحمهم (^٣).
وقال محمد بن واسع: رأيت كأني أنا وفلان نستبق إلى الجنة فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقتني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد، ولك ثوبان (^٤).
فإذا كان لك ثوب فلا تحسد صاحب ثوبين، وقل عسى أن تكون الملابس قد هُيئت لي في الآخرة، ولكن حتى (^٥) تكتحل البصائر بنور الهدى؛ اللَّهم اكحل بصائرنا بنور الهدى، وجنبنا وجميع المسلمين المعاصي والبدع والردى.
نختم هذا الباب بما يكره وما يحرم من الملابس والثياب، كره بعض العلماء الأعلام الحرير في الثياب (^٦)، وكذلك جلود السباع كلها لبسها
_________________
(١) في (خ): الوليدات.
(٢) في (ب): القرى.
(٣) لم أقف على هذه الحكاية، وقد أخطأ هذا الذي ترك أولاده يتسترون ببعضهم من العري؛ إذ الظاهر أنه ترك العمل فلم يجد ما ينفقه عليهم، وأكبر من هذا الخطأ ترك الدعاء لهم، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت.
(٤) جاء في «الرسالة القشيرية»: وقال بعضهم: رأيت كأن القيامة قد قامت، وقيل: أدخلوا مالك بن دينار، ومحمد بن واسع الجنة. فنظرت أيهما يتقدم: فتقدم محمد بن واسع، فسألت عن سبب تقدمه، فقيل لي: إنه كان له قميص واحد ولمالك قميصان.
(٥) في (ب): متى.
(٦) ننقل هنا كلام ابن عبد البر في «الاستذكار» ٨/ ٣٢٣ وما بعدها فإنه استوعب كلام العلماء في المسألة والآثار الواردة فيها، قال: وأما نصوص أقوال الفقهاء في هذا الباب: فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: أكره لباس الخز؛ لأن سداه حرير. قال مالك وذكر لبس الخز فقال: قوم يكرهون لباس الخز، ويلبسون قلانس الخز فعجبًا من اختلاف رأيهم، قال مالك: وإنما كره لباس الخز؛ لأن سداه حرير.=
[ ٦١٥ ]
وافتراشها، وأباحه الأكثرون (^١)، واختلفوا أيضًا في طرز الذهب: فجوزه
_________________
(١) = قال أبو عمر: هذا كله خلاف ما في موطئه عن عائشة: أنها كست عبد الله بن الزبير مطرف خز كانت تلبسه. وقد روي عن مالك أنه لبس الخزَّ، وما أظنه الصحيح عنه - والله أعلم - والصحيح عنه ما ذكره الدولابي، عن الزبير بن بكار، قال: حدثني مطرف بن عبد الله، قال: كان مالك بن أنس يلبس الثياب العجمية ويستجيدها. وقد ذكرنا جماعة ممن لبس الخزَّ من السلف الصالح فيما تقدم من كتابنا هذا، وذلك كله يشهد لما قاله ابن عباس في الحرير الذي حرمه رسول الله ﷺ على الرجال. والدليل على ذلك أيضًا أن عبد الله بن الزبير كان يلبس الخز، ويحرم لباس الحرير والصرف الخالص. وروى شعبة عن أبي ذبيان خليفة بن كعب، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب فقال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وقال أبو نعيم وهب بن كيسان: رأيت سعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله، وأبا هريرة، وأنس بن مالك يلبسون الخزَّ. وروى عمار بن أبي عمار قال: قدمت على مروان مطارف خزٍّ فكساها أصحاب رسول الله ﷺ، فكأني أنظر إلى أبي هريرة وعليه منها مطرف أغير، وكأني أنظر إلى طرف الإبريسم فيه. وقال بسر بن سعيد: رأيت على سعد بن أبي وقاص جبة شامية، قيامها قزٌّ، ورأيت على زيد ابن ثابت خمائص معلمة. وهذا كله يدل على أن الخز الذي كانوا يلبسونه كان فيه الحرير، وروي عن ابن عمر أن الخزَّ الذي كانوا يلبسونه لم يكن فيه حرير. وكان مالك ﵀ يعجبه مذهب ابن عمر وورعه، ولذلك كان يكره لباس الخز. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثني معتمر بن سليمان، عن حميد، قال: سئل أنس عن الحرير قال: أعوذ بالله من شرِّه، كنا نسمع أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. وحدثني أبو معاوية، عن سعيد، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري، قال: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. قال: وحدثني معمر، عن يونس، عن الحسن أنه كان يكره قليل الحرير وكثيره. وهذا كله حجة لمالك ومن تبعه. وأما الشافعي ﵀ فأباح لباس قباء محشو بقز؛ لأن القز باطن، فكأن الملبوس عنده المكروه من الحرير ما كان ظاهرًا - والله أعلم - لأن الأصل في الكراهة الواردة في الشبهة بِزِي الأعاجم والشهرة بذلك، والله أعلم.
(٢) قال ابن قدامة في «المغني» ١/ ٨٦: فأما جلود السباع فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الدبغ ولا بعده. وبذلك قال الأوزاعي، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن عمر وعلي ﵄ كراهة الصلاة في جلود الثعالب، وكرهها سعيد بن جبير، والحكم، ومكحول، وإسحاق. وكره الانتفاع بجلود السنانير: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبيدة السلماني. ورخص في جلود السباع جابر، وروي عن ابن سيرين وعروة أنهم رخصوا في الركوب على جلود النمور، ورخص فيها الزهري. وأباح الحسن، والشعبي، وأصحاب الرأي الصلاة في جلود الثعالب؛ لأن الثعالب تفدى في الإحرام فكانت مباحة؛ ولما ثبت من الدليل على طهارة جلود الميتة بالدباغ.
[ ٦١٦ ]
بعضهم تبعًا للثوب، وقال بعضهم بتحريمه. وقال بعض العلماء: إنْ تلاشى الذهب إذا وضع في النار؛ يجوز لُبسُه، والله أعلم (^١).
فمن أذهب الله تعالى قلبه إلى الغفلة والعمى اجتهد عن الخروج من خلاف العلماء، ومن فعل ذلك لأجل الذلة والاتِّضاع؛ أعزه الله ورفعه، وجعله من أهل الخير والاطلاع؛ لأن من تحققت ذلته وهب له الحق نصرته، فحينئذٍ ينصلح الحال بذهاب البدع والضلال، ومتى تمكن حب الدنيا والبدع في الصدور؛ توقف على الفاعلين الخيرات والأمور.
_________________
(١) انظر «الاختيارات الفقهية» ٤٣٧.
[ ٦١٧ ]