ومن رؤيا النبي ﵊ وعلى الآل والأصحاب السادة الكرام
فإن رأى المسلم منامًا أو سمع كلامًا فرأى كأنه في الجنة، أو سمع قائلًا أو هاتفًا يقول له: أنت من أهل الجنة! فلا تغتر أيها المؤمن! بذلك، ولا بكثرة اجتهادك وجهادك، ولا بصومك وصلاتك، ولا بكثرة ذكرك وحجك وغزواتك، فأنت أعلم بحالك، هل فعلك فعل مسلم ناجٍ أم فعل رجل هالك؟ وقد روي أن جماعة صحبوا النبي ﷺ، وكان فيهم مَنْ كَتَبَ الوحي، وفيهم من جاهد مع النبي ﷺ، وكان فيهم من حج إلى بيت الله الحرام، وماتوا على غير ملة الإسلام (^١)، ولا تغتر أيضًا بكثرة رؤياك للنبي ﷺ في منامك، فقد رآه غيرك يقظةً ومات كافرًا، وبعضهم مات مرتدًا والعياذ بالله فنزل فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. ومنهم من مات جاحدًا
_________________
(١) لم يُصب المؤلف ﵀ في قوله هذا، فقد بالغ وأطلق العبارة، والصواب قول الخطابي ﵀: لم يرتدَّ من الصحابة أحدٌ، وإنما ارتدَّ قوم من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين. نقله ابن حجر في «الفتح». وقال البغدادي في: «الفَرْق بين الفِرق»: أجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ من كندة وحنيفة وفزارة وبني أسد وبني بكر بن وائل؛ لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين فهؤلاء بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم والصراط المستقيم.
[ ٦٥٠ ]
لا مكذبًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وبعضهم مات منافقًا بعدما كان موافقًا، وسببه أنه عاهد الله تعالى ثم غدر، فألحقه الله ﷿ بمن نافق وكفر، وهذه الآية في حقه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]. والكلُّ قد ذكرهم الله تعالى في القرآن، وهذا المختصر ليس هو موضوع لشرح أهل الكفر والطغيان.
ولا تغترَّ أيضًا بكثرة المجاورة في بيت ربِّ العالمين، ولصحبتك لعباد الله الصالحين، واعلم وتحقق أن العاقبة للمتقين، فالحق سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل ما تقدم ذكره، ولا بكثرة علمه ولو كان شريفًا من أصل سيد المرسلين، إن لم تكن أحواله مستقيمة وأفعاله أفعال المتقين، واسمعوا ما قال مولاكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال ﷺ: «من سرَّهُ أنْ يكونَ أكرمَ النَّاسِ فلْيتَّقِ الله» (^١).
فاعرضْ أيها المؤمن! أحوالك وأفعالك وأقوالك على الكتاب والسنة، فإن وافق فلله الحمد والمنَّة الذي ظهر فيك أوصاف أهل الجنَّة، فهي دار المتقين، ومستقر أهل اليقين، ولا تغتر أيضًا بكثرة بكائك، ولترددك للمواعيد، والنفس غافلة عما هي مسؤُولة عنه، وعن التأهب ليوم الوعيد، فيكون جميع ما قاله الإنسان أو سمعه حجة عليه يوم يوقفه الحقُّ بين يديه، فليس الشأن لمسرف يبكي وينتحب ويمسح عينيه، الشأن لمن عمل بالكتاب والسنة وترك ما يعاقب عليه.
ولا تغتر أيضًا بما بُشِّرتَ به فيما ظهر لك في الختمة، أو في ضرب رملٍ، أو حصًى، أو ما ظهر لك من الفأل في كتبٍ ألَّفها المنجمون
_________________
(١) طرف من حديث طويل أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (٦٧٥)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٧٠ من حديث ابن عباس ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: هشام بن زياد متروك. ونقل الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ٦٣ عن البيهقي قوله: هشام بن زياد تكلموا فيه بسبب هذا الحديث.
[ ٦٥١ ]
الجهال، فكل ذلك بدعة وضلال، فأعرض عن ذلك كله، وتوكل على الكبير المتعال؛ ليكون حسبك في جميع الأحوال، وينجيك من الشدائد والأهوال، ويخلصك من القطيعة والأوحال، ويسلمك من البدع وسوء الحال، قال ﷺ: «من أتى عرافًا فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمدٍ» (^١).
فإن صحَّ شيء من كلامه وقع مصادفةً لا من قوة علمه بالغيوب ولا مكاشفة، والمنجم لا يعرف عاقبة نفسه، فكيف يعرف عاقبة غيره؟! قال الله تعالى إخبارًا عن نبيه وحبيبه ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
قال بعض الملوك لمنجِّمه: أريد أركب الساعةَ! فنهاه، فركب الملك وتوكَّل على مولاه، فرجع سالمًا، فدعا المنجِّمَ، وضربه وحبسه، وقطع جامكيته (^٢)، وقال له: أنت تعلم عاقبة غيرك، فكيف لا تعرف عاقبة نفسك؟! إن هذه الأشياء تجري عليك (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٧٦ (١٠١٦٧)، والدارمي في «سننه» (١١٣٦)، وأبو داود في «سننه» (٣٩٠٤)، وابن ماجه في «سننه» (٦٣٩)، والترمذي في «جامعه» (١٣٥) من حديث أبي تميمة عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد رُوي عن النبي ﷺ قال: «من أتى حائضًا فليتصدق بدينار». فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة، وَضَعَّفَ محمد هذا الحديث من قِبَلِ إسناده. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٥٢٢).
(٢) الجامكية: رواتب أصحاب الوظائف من الأوقاف، وهو لفظ فارسي معرب.
(٣) في سنة (٢٢٣) غزا الخليفة المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد الرومَ، فأنكاهم نكايةً عظيمةً لم يسمع بمثلها لخليفةٍ، وشتَّت جموعهم، وخرَّب ديارهم، وفتح عمورية بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألفًا، وسبى مثلهم، وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجِّمُون أن ذلك طالع نحس، وأنه يُكسر، فكان من نصره وظفره ما لم يخفَ، فقال في ذلك أبو تمام الطائي قصيدته المشهورة، وهي هذه: السيفُ أصدقُ إنباء من الكتب … في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللَّعب والعلَمُ في شهب الأرماح لامعة … بين الخميسين، لا في السبعة الشهب أين الرواية؟ أم أين النجوم؟ وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرصًا وأحاديثًا ملفَّقةً … ليست بعجم إذا عدت ولا عرب هذه القصة ذكرها ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ٢/ ٢٣، نقلًا عن «نشوار المحاضرة» للتنوخي، ونقلها الذهبي في «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٣٩٥، وفي «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٣٩٠، وأشار إلى ضعفها فصدرها في الكتاب الأول بقوله: «وبلغنا»، وفي الثاني: «قيل»، وهكذا صنع ابن تغري بردي في «مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة» ١/ ١٤٨ فقال: «ويُحكى».
[ ٦٥٢ ]
ونسأل الله تعالى أن يطهرنا من البدع والعيوب، ويسلمنا من الدخول في علم الغيوب، والسر في أن الحق ﷾ لم يكشف لأحد عن عاقبة أمره في الدنيا ولا في الآخرة: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢].
لو علم الإنسان أنه يغرق في سَفْرته ما ركب البحر، ولو علم أن هلاكه في البر ما أخذ في نقل قدم، (فما كان يغرق في البحر، ولا يهلك في البر، فيبطل ما كتب عليهم في القدم) (^١)، ولو كشف للمؤمن أنه من أهل الجنة تهاون في العمل، ولو علم أنه من أهل النار لترك العمل، ولتمادى في الطغيان والكسل، لكن الحق ﷾ يكشف لكل أحد عن مقامه عند الغرغرة، فإن كان من أهل الجنة أحب لقاء الله؛ فأحب الله لقاءه، وإن كان من أهل النار كره لقاء الله؛ فكره الله لقاءه (^٢). ولذلك نرى الميت يشْخَص (^٣) قبل خروج روحه، فاعمل أيها المؤمنُ! لساعتك هذه، فلذلك ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٤٦ (٨٥٥٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٨٥)، والنسائي في «المجتبى» ٤/ ٩ (١٨٣٤)، وفي «السنن الكبرى» (١٩٦٠) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». قال: فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول الله ﷺ، وما ذاك؟ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت، فقالت: قد قاله رسول الله ﷺ وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. واللفظ لمسلم، وقد ورد أيضًا من حديث أنس وأبي موسى ﵄.
(٣) شَخَصَ الرجل بِبَصَرِه عند الموت يَشْخَصُ شُخُوصًا: رَفَعَه فلم يَطْرِفْ.
[ ٦٥٣ ]
قال بعضهم: دخلت كهفًا فوجدت شيخًا قد نحل من الهرم وهو ساجد يبكي، ويقول: لئن أطلت عنائي (^١) في الدنيا وعذبتني في الآخرة، لقد أبعدتني وأهنتني يا كريم. فلما قضى سجوده سلمت عليه، وقلت له: ما حملك على الانقطاع؟ قال: يا أخي، من طلب الله لم يرض بغيره عوضًا، فحيثما وجدت قلبك أقرب إلى الله فلا تطلب غيره. قلت له: فالقوت من أين؟ قال: الأمر أقل من ذلك؛ إذا احتجنا إلى ذلك فنبات الأرض وقلوب الشجر. قلت: ألا أحملك إلى مواضع الخصب؟ قال: الخصب حيث يطاع الله ﷿، ولا حاجة لي بالناس. قلت له: أوصني. قال: لا تدَّخر من نفسك شيئًا، ولا تؤثرن بحظك من الله أحدًا، وارع حدود الله عند مغالبة الهوى، ولا ترد بعملك غير الله تعالى والسلام. ثم اشتغل عني بالبكاء (^٢).
فانظر رحمك الله! إلى خوف أهل الطاعة، مع كثرة الاجتهاد والانقطاع والقناعة؛ (وإلى أمننا) (^٣) مع الاختلاط بالناس، والتخليط، وحب الدنيا، وترك العمل الصالح مع وجود الاستطاعة، والمصيبة العظمى غفلة أحدنا عن الموت وأهوال يوم الساعة مع كثرة الإفلاس وقلة البضاعة.
كان مالك بن دينار (رحمنا الله تعالى به) (^٤) إذا صلى ورده ليلًا يقول: إلهي خلقت دارين وخلقت لكل دار أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرِّم شيبة مالك على النار (^٥).
_________________
(١) في (ب): غيابي.
(٢) لم أقف عليه، وسلوك هذا الشيخ مخالف لمنهج النبي ﷺ وسنته وهديه المتواتر في عبادته ومعيشته ومعاناته لشؤون الحياة، وهو أعلم الناس بالله وبدينه وشرعه، وأتقاهم له، وأعظمهم خوفًا وعبادةً ورغبة فيما عند الله ﷿، وخير الهدي هدي محمد ﷺ. (ت)
(٣) في (خ): ولا تمتنا.
(٤) ليست في (ق). وهذا من التوسُّل الممنوع، وهو من الوسائل المؤدية إلى الشرك، لهذا قال جمهور أهل العلم بتحريمه، وهو مذهب الحنفية أيضًا. (ت)
(٥) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٣٢٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٦١ بنحوه دون قوله: إلهي خلقت دارين. وانظر «إحياء علوم الدين» ١/ ٣٥٥.
[ ٦٥٤ ]
فانظر أيها المؤمن إلى صفات الأبرار، فمن سوء الحال والاغترار أن يعمل أحدنا عمل الفجار، ويطلب منازل الأخيار، فالحق سبحانه خوَّفهم ليجمعهم عليه، وليؤمنهم يوم يوقفهم (^١) بين يديه، قال الله تعالى في كتابه المكنون: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨].
فمن اتصف بصفات هؤلاء المتقين؛ أمَّنه الله تعالى يوم الفزع الأكبر، وحشره معهم عن يقين، (وقد أوردت حكاية مالك بن دينار ﵀ لقوله: لا أدري من أي الدارين أنا؟) (^٢).
واسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، فأهل اليقظة لا يعلم أحدهم ما غاب عنه من أمر الدنيا، ولا من أمر الآخرة ولا إلى ماذا مصيره، فكيف يعلمها المنجِّم وهو أعمى القلب والبصيرة؟! فالعاقبة مغيَّبة، والإرادة غير مغالبة، ولا يكون أبدًا إلا ما يريد؛ فسلم لربوبيته، وكن من جملة العبيد؛ يأتيك من الله الخير والمزيد، فالأشياء كلها إليه مصروفة، والخاتمة والاستقامة على مشيئته موقوفة.
ولا يدرك أحد شيئًا إلا بمشيئة الله تعالى؛ لقوله ﷾: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وكان كثيرًا يحلف ﷺ: «لا ومقلِّب القلوب» (^٣)، أي: يصرِّفها أسرع من البرق (^٤).
فمن رضي الله عليه صرف قلبه إلى ما يقربه إليه، ومن لم يرض عنه
_________________
(١) في (ق): يقفون.
(٢) ليست في (ق).
(٣) أَخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٥ (٤٧٨٨)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٧٤١)، والدارمي في «سننه» (٢٣٥٠)، والبخاري في «صحيحه» (٦٦١٧)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٦٣)، وابن ماجه في «سننه» (٢٠٩٢)، والترمذي في «جامعه» (١٥٤٠)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ٢ (٣٧٦١)، وفي «السنن الكبرى» (٤٧٠٣) من حديث ابن عمر ﵁.
(٤) في (خ): الريح.
[ ٦٥٥ ]
صرف قلبه إلى ما (يبعده عنه) (^١)، ويسوِّد وجهه يوم يقف بين يديه، وفي التنزيل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
قال العلماء: يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع العبد.
وقال ابن عباس ﵁: إن الهدهد كان يرى الماء من تحت الأرض، ويخبر به سليمان ﵇. فقال نافع (^٢): فما باله (^٣) لا يرى الفخ؟ قال ابن عباس للرجل: إنها كلمة ألقاها الشيطان في فيك، ألا ترى إذا جاء القضاء عمي البصر (^٤). وفي الحديث أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول: «يا مثبت القلوب ثبِّت قلبي على طاعتك». فقالت عائشة: يا رسول الله، إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء، فهل تخشى؟ قال: «وما يؤمنني يا عائشة؛ وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الجبار، إذا أراد أن يقلب قلب عبدٍ قلبه» (^٥).
ورُوي: «إنَّ الرجلَ ليعمل الزَّمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له [عملُه] بعمل (أهل النَّار، وإنَّ الرجلَ ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم [له] عملُه بعمل) (^٦) أهل الجنَّة». رواه مسلم (^٧).
_________________
(١) في (ق): لا يقربه إليه.
(٢) هو ابن الأزرق رأس الخوارج.
(٣) في (ق): له.
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» (٩٠٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٦٢١٢).
(٥) أخرجه بهذا السياق أحمد في «مسنده» ٦/ ٢٥٠ (٢٦١٣٣)، وأبو يعلى في «مسنده» (٤٦٦٩) من حديث عائشة. وأخرجه من حديث أنس ﵁ الترمذيُّ في «جامعه» (٢١٤٠) وغيره، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في «المشكاة» (١٠٢).
(٦) ليست في (خ).
(٧) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٨٤ (١٠٢٨٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ، قال: … فذكره، واللفظ لمسلم، والزيادتان منه. وقد ورد من حديث عائشة وابن مسعود ﵄.
[ ٦٥٦ ]
قال [أبو] (^١) محمدٍ عبد الحقِّ: اعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سُمع بهذا ولا عُلم به والحمد لله وإنما تكون لمن كان له فسادًا في العقيدة، أو إصرارًا على الكبائر، أو إقدامًا على العظائم والعياذ بالله، ثم العياذ بالله أو (^٢) يكون ممن كان مستقيمًا، ثم تغيَّر عن حاله، وخرج عن سنته، (وأخذ في غير طريقته) (^٣)؛ فيكون ذلك سببًا لسوء خاتمته، وشؤم عاقبته (^٤). كإبليس الذي عبد الله ثمانين ألف سنة، ثم تكبَّر على آدم؛ فأحبط الله عمله، وقُطع من الجنة والرحمة أمله. وبلعام بن باعورا (^٥) الذي آتاه الله تعالى آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض، واتبع هواه، وبرصيصًا العابد (^٦) الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦]. قال الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، فمتى لزم القلب السنة، وعلى طاعة الله تعالى أقام؛ سلَّمه الله تعالى
_________________
(١) ليست في النسخ، وأبو محمد هو عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن سعيد بن إبراهيم الأزدي الأندلسي الإشبيلي، المعروف بابن الخراط (ت: ٥٨١ هـ) صاحب كتاب «الأحكام» وغيره.
(٢) في (ق): أن.
(٣) ليست في (خ).
(٤) «العاقبة في ذكر الموت» (ص ١٨٠ - ١٨١) لعبد الحق الإشبيلي، وهذا لفظه كما في كتابه المطبوع: «واعلم أنَّ سوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، وإنما يكون ذلك لمن كان له فساد في العمل، وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، ويثب عليه قبل الإنابة، ويأخذه قبل إصلاح الطوية، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله، ثم العياذ بالله أن يكون لمن كان مستقيمًا: لم يتغير عن حاله، ويخرج عن سنته، ويأخذ في غير طريقه، فيكون ذلك سببًا لسوء الخاتمة، وشؤم العاقبة، والعياذ بالله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] …». وفي نقل المؤلف: (فسادًا … إصرارًا … إقدامًا)، كذا في نسخ كتابه، وهو خطأ نحوي.
(٥) انظر قصته في «تفسير الطبري» ١٣/ ٢٥٣ وما بعدها.
(٦) انظر قصته في «تفسير الطبري» ٢٣/ ٢٩٦.
[ ٦٥٧ ]
من سوء الخاتمة، والجنة له مقام، ومتى زاغ القلب وابتدع يخاف عليه، والله عزيز ذو انتقام، ونسأل الله تعالى الاستقامة، ولزوم السنة، والأمن من فزع يوم القيامة، فترى الصالحين كل منهم خائف حزين، يتأوه ويبكي ويئنُّ لإبهام الخاتمة، ولما تقدم من حديث سيد المرسلين. وقد أخبر عنهم رب العالمين بقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٦] أي: خائفين.
سمعت عائشة ﵂ قارئًا يقرأ: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٧] فبكت وقالت: رب منَّ عليَّ وقني عذاب السموم (^١).
وروي أن النبي ﷺ استأذن عائشة وكانت ليلتها، وقام يصلي، وأطال القيام ثم الركوع ثم السجود، حتى ظنت عائشة أن الله سبحانه قبض نبيه في سجوده، ثم جلس يبكي في وقت السحر، فدخل عليه بلال وقال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (^٢).
وصحَّ أن ضحكه ﷺ كان تبسمًا (^٣)، وروي أنه قال لجبريل ﵉: «ما لي لا أراك ضاحكًا؟ فقال جبريل: يا محمد، ما ضحكت منذ خلقت النار» (^٤).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤٠٤٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٢/ ٣٧٥ بنحوه.
(٢) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٦٢٠)، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ» (ص ٢٠٠ - ٢٠١) من حديث عائشة ﵂. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٨).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٠٥ (٢١٠٠٤)، والترمذي في «جامعه» (٣٦٤٥)، وفي «الشمائل» (٢٢٦) من حديث جابر بن سمرة. وورد من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء أخرجه الترمذي في «جامعه» (٣٦٤٢) وصححه الترمذي، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٨٦١).
(٤) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٣٦) من حديث رباح قال: حُدِّثْت أنَّ النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: «لِم تأتني إلا وأنت صارٌّ بين عينيكَ؟ قال: إِني لم أضحك منذ خلقت النار». وهذا منقطع كما ترى.
[ ٦٥٨ ]
وكان الصحابي إذا أصبح كأنه خرج من قبر من قوة خوفه وكثرة اجتهاده، وكانت زوجة الصحابي تتعلق به قبل خروجه من بيته وتقول: الله الله فينا، لا تدخلوا فيما لا يحل لكم لأجلنا، نصبر على الجوع ولا نصبر على النار (^١).
وخرج بعض الصحابة بعدما صلى العشاء خلف النبي ﷺ يريد بيته، فوقف يتفكر في الطريق حتى أذَّن بلال الفجر، فرجع وصلى مع النبي ﷺ صلاة الصبح بوضوء العشاء (^٢).
وروي أن جماعةً من الصحابة ومن التابعين ﵃ أجمعين صلُّوا بوضوء العشاء الصبحَ أربعين سنة، ومن جملتهم أبو حنيفة (^٣). (ونسأل الله اللطف بقدرته اللطيفة) (^٤)، قال الله ﷿: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، يديمون الصلاة إلى الأسحار، ثم يأخذون في الاستغفار، فهم ﵃ ما أسلفوا الجرائم في ليلهم، لكن هذه من عادة الأبرار: الطاعة والأذكار والندم والاستغفار.
قيل لعطاء السلمي في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: ما ترك خوف جهنم في قلبي موضعًا للشهوات (^٥). وقيل: إنه مكث أربعين سنة لم ينظر إلى السماء، فنظر يومًا، فسقط إلى الأرض، وانفتق في أمعائه فتق (^٦).
_________________
(١) انظر «إحياء علوم الدين» ٢/ ٥٨.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) البداية والنهاية ١٠/ ١١٤.
(٤) ليست في (ق).
(٥) انظر «إحياء علوم الدين» ٤/ ١٨٥.
(٦) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٦/ ٢٢١.
[ ٦٥٩ ]
ودخل المزني على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، وقال له: كيف تجدك يا إمام؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا؛ فما أدري هل أنا من أهل الجنة فأهنَّى أم من أهل النار فأعزَّى (^١)، ثم أنشد ﵁ يقول:
أسفي أموت وليس لي … عملٌ به نفسي تطيب
والغبن أني راحلٌ … ما لي من التقوى نصيب
وقال محمد بن يوسف: تأملت سفيان ليلةً بكى حتى أصبح، فقلت: أتبكي على الذنوب؟ قال: لا، بل خوفًا أن أسلب الإيمان (^٢).
وكان إبراهيم بن أدهم لا يزال مهمومًا، فقيل له في ذلك، قال: كيف نأمن وإبراهيم الخليل ﵇ يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ويوسف الصديق ﷺ يقول: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]؟! (^٣).
وقال إمام الحرمين: إذا سمعت أخبار الكفار في النار وخلودهم فيها فلا تأمن على نفسك، فإن الأمر على خطر، فما تدري ماذا يكون من العاقبة؟ وماذا سبق في حكم الغيب؟ فلا تغترَّ بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات (^٤).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الزهد الكبير» (٥٧٥) دون ذكر الشِّعر.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ١٢ عن عبد الرحمن بن مهدي قال: مات سفيان الثوري عندي، فلما اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، أراك كثير الذنوب، فرفع شيئًا من الأرض فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الايمان قبل أن أموت. ومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن الجوزي في «الثبات عند الممات» (ص ٨١) بنحوه.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ذكره المناوي في «فيض القدير» ١/ ٤٥٦، ولم يذكر مصدر النقل عن إمام الحرمين، وهو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجُوَيْني (٤١٩ - ٤٧٨ هـ) ﵀.
[ ٦٦٠ ]
وأُنشد في نحو ذلك:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر
قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].
قال بعض العلماء: إن أكثر ما يجد المؤمن في صحيفته من الحسنات الهم والحزن.
قال المؤلف: ولَأَنْ يكونَ المؤمنُ في الدنيا مخمولًا مهمومًا، خيرٌ له من أن يكون كذلك في الآخرة؛ لأن هموم الدنيا فانية، وهموم الآخرة باقية، قال الله تعالى مخبرًا عن أهل النار: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤]. تفسيره: لا يموت في جهنم فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه.
قال الثوريُّ يومًا بين يدي رابعة: واحزناه. قالت: لا تكذب، لو كنت محزونًا ما هنأ لك العيش (^١).
انظر رحمك الله! إلى خوف هؤلاء السادة مع الزهد والعبادة، وإلى أمْنِنَا مع حبِّ الدنيا والمخالفة لعالم الغيب والشهادة.
ثم اعلم بأن الخوف مع وجود الطاعة والاستقامة هما طريق من أخذ الله تعالى بيده وأقامه، وهما نعمتان عظيمتان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. فإن قيل لك: أتخاف الله تعالى، ولم يظهر فيك صفات الخائفين! فاسكت؛ لأنك إن قلت: نعم. تقع في الكذب، وإن قلت: لا. فتكفر.
ثم اعلم بأنَّ القبض والخوف أقرب إلى وجود السلامة من البسط؛
_________________
(١) أخرجه السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٣٨٩).
[ ٦٦١ ]
لأن القبض هو وطن العبد؛ إذ هو في أسر قبضة الله تعالى، ومن أن يكون للعبد البسط؛ لأنه خروج عن حكم وقته، والخوف أليق بحكم هذه الدار؛ لأنها موطن التكليف، وإبهام الخاتمة، وعدم العلم بالسلامة، والمطالبة بالوفاء، وأن لا يخرج العبد عن طريق النبي المصطفى، وعن طريق أصحابه أهل الخير والجود والوفاء.
قال بعض الصوفية: رأيت شيخي بعد موته في المنام مقبوضًا، فقلت له: يا أستاذ، ما لك مقبوضًا؟ قال: يا بني، القبض والبسط مقامان؛ من لم يوفهما في الدنيا، وفاهما في الآخرة. وكان هذا الشيخ الغالب عليه في حياته البسط، وأنشد بعضهم يقول:
عجبتُ لمن يدوم له السرورُ … ويعلم أن مسكنه القبور
ومن يمسي ويصبح في أمانٍ … وموعده القيامة والنشور
وقال بعض المشايخ: بلغني أن الإنسان خلق أحمق، ولو لم يكن كذلك ما هنئ له العيش (^١).
قال المؤلف: لأنَّ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر كما جاء في الحديث (^٢)، ولا يجد الراحة المسجون، ومن عادة المسجون أن يحدق بعينيه ويصغي بأذنيه متى يُدعى، فيجيب. وفي حديثٍ آخر: لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه (^٣).
فاعمل رحمك الله! على الراحة الطويلة، فلذلك فليعمل العاملون،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (٢٦) من كلام الثوري رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٢٣ (٨٢٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٥٦)، وابن ماجه في «سننه» (٤١١٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ١٥٦) موقوفًا على ابن مسعود ﵁. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦٦٣): لا أصل له مرفوعًا، وهو صحيح عن ابن مسعود ﵁.
[ ٦٦٢ ]
واسمع قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف: ٦٨]. فالدنيا طريق نصب، فيه آدم نصب، وفيه ناح نوح وما استراح، وعُرض الخليل على النار للاختبار، وفقد يعقوب بصره، وابتُلي بالرق يوسف، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح يحيى، وابُتلي بالبلاء أيوب، وبكى حتى نبت العشب من عبرته داود، وتكدر عيش سليمان في ملكه، ورعى موسى الغنم من أجله، وهام في البراري عيسى ابن مريم، وعالج النبي المختار الفقر، مع حمل أذى الكفار، ﷺ وعلى جميع الأنبياء، وعلى أتباعهم السادة الأخيار، صلاةً دائمة إلى يوم القرار.
فترى أحدنا قد أُعمي قلبه بحب الدنيا، لا يعمل إلا على راحة نفسه، ولا بد من المخالفة للمولى الكريم، ويطلب من قلة حيائه أن يكون مع أنبياء الله تعالى وأوليائه في جنات النعيم، وقد أجمع العلماء والحكماء أنه لا يدرك نعيم بنعيم.
وقيل: إن إبراهيم بن أدهم أراد أن يدخل الحمام، فمُنع من الدخول، فبكى وقال: اللَّهم لا يُؤذَن لي بالدخول إلى بيت الشيطان مجانًا (^١)، فكيف يؤذن لي بالدخول إلى بيت النبيين والصديقين مجانًا؟! (^٢) وكانت رابعة تقول:
ما بالُ دينك ترضى أن تدنِّسه … وثوبك الدهر مغسولٌ من الدَّنَس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها … إن السفينة لا تجري على اليبَس (^٣)
وقول هذه السيدة يناسب قولَه ﷺ: «الكَيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله». وسبب هذا الحديث أن رجلًا مُدِحَ بين يدي النبي ﷺ بالكياسة، قال لهم: «الكيِّس من دان نفسه …» الحديث، هذا سببه (^٤)، ومعناه والله أعلم: أي لا يعمل العبد
_________________
(١) في (خ): نجانا الله منه.
(٢) انظر تفسير «روح البيان» ٤/ ١٨٤.
(٣) انظر تفسير «روح البيان» ٢/ ٩٧.
(٤) سلف هذا الحديث وذكرنا مصادره من حديث شداد بن أوس ﵁، وإسناده ضعيفٌ، وليس فيه بيان السبب الذي ذكره المؤلف ﵀، لكن ورد في حديث آخر: أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٥٤٥) من طريق محمد بن يونس الكديمي، قال: حدثنا عون بن عمارة العبديُّ، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن ثابت، عن أنس بن مالكٍ قال: جاءت بي أم سُليمٍ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! خادمُك أنسٌ، فادع له، وهو كيِّسٌ، وهو عارٍ يا رسولَ الله، فإن رأيتَ أن تكسوه رَازَفَيْتَيْنِ يَسْتَتِرُ بهمَا؟ فقال رسول الله ﷺ: «الكيِّس من عمل لما بعد الموت، والعاري العاري من الدين، اللهم! لا عيش إلَّا عيشَ الآخرة، اللهم اغفر للأنصار والمهاجرة». وهذا إسناد ضعيف جدًّا أو موضوع، محمد بن يونس الكديمي متروك الحديث، اتُّهم بوضع الحديث. (ت)
[ ٦٦٣ ]
عمل الفجار، ويطلب منازل الأخيار، لكن يجب على العبد أن يجتهد في التوبة، وقصر الأمل، ثم يسأل الله تعالى الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل.
وقد طوَّلنا هذا الباب عسى أن ترجع هذه النفس خُطَيوة (^١) مما هي عليه من حب الدنيا، ومما يسوِّد وجهها يوم القدوم على الله سبحانه، وحين (^٢) تقف بين يديه، وعجبٌ إن رجعت لشقوتها؛ ولأن الدنيا في قلبها قد رسخت، وعلامات الشقاء في وجهها قد ظهرت، ونجوم سعادتها قد أَفَلَت.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، والحرص على الدنيا، وطول الأمل» (^٣).
قال مالك بن دينار رحمة الله عليه: البدن إذا سقم لا ينجع فيه طعام ولا شراب، والقلب إذا علق فيه حب الدنيا لا تنجع فيه المواعظ (^٤). فالويل
_________________
(١) في (ق): قليلا.
(٢) في (ق): يوم.
(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٢٤٨، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ١٧٥، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٧٥٨).
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٦٣، والبيهقي في «الزهد الكبير» (٢٥١) به.
[ ٦٦٤ ]
ثم الويل لمن لعبت به الدنيا، ثم فقد قلبًا واعيًا، وطرفًا باكيًا، وعملًا زاكيًا، يكفي للعبد المبعود إقباله على نفسه وعلى هذا الوجود، وإعراضه عن السيد المعبود.
وهذه أمراض نسأل الله منها العافية، فكلُّ عليل يمكن علاجه (^١) إلا عليلًا يعجبه مرضه، فما منع العباد من النفوذ إلى الله تعالى إلا إقبالهم على نفوسهم وجواذب التعليق بغير الله ﷾، فكلما همَّت قلوبهم أن ترحل إلى الله تعالى جذبها ذلك التعلق، فالحضرة محرمة على من هذا وصفه، وممنوعة على من هذا نعته، فلا يطمعنَّ طامع أن يدخل الحضرة الإلهية وخلفه من يجذبه.
واسمع قول المولى الجليل الرحيم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
قال بعض العلماء: القلب السليم هو الذي لا تعلُّق له بشيء دون الله ﷿.
قال المؤلف (ألَّف الله قلبه على الإيمان، وسلَّمه والقارئ والسامع من الكفر والفسوق وحب الدنيا والعصيان) (^٢): لما سمع الصالحون قوله ﷺ: «الدنيا جيفة تتجافى عنها الأنفس العفيفة» (^٣). ثم أقبلوا على الآخرة، واجتهدوا في إقامة الوظيفة، فلما علم الله تعالى صدقهم وضعفهم؛ أدركهم بقدرته اللطيفة، وهوَّن عليهم ما ثقل على غيرهم، فصارت بقدرته خفيفة.
قال علماء التفسير في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قالوا: هو التجافي عن دار الغرور، والإنابة
_________________
(١) في (خ، ب): العلاج فيه.
(٢) ليست في (ق).
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٣٨ موقوفًا على عليٍّ بن أبي طالب ﵁.
[ ٦٦٥ ]
إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله (^١)، فمن عُدم هذا النور وقع في ظلمات الجهل، والتهى بدار الغرور.
سئل معروف الكرخي ﵀ عن أولياء الله تعالى كيف قدروا على الطاعة؟ قال: بإخراج الدنيا من قلوبهم، ولو كانت في قلوبهم ما صحَّت لهم سجدة (^٢).
وقال الحسن البصري ﵁: والله ما عُبدت الأصنام بعد معرفة الرحمن إلا لحب الدنيا (^٣).
وقال حامد اللَّفَّاف: من شاء صدقني، ومن شاء كذَّبني، وإنه لا يستحق الرجل عبادة ربه ومعه خصلتان: قدر الشيء، وقدر النفس (^٤).
قال المؤلف: متى عظَّم الإنسان نفسه ودنياه كان محقورًا عند خالقه ومولاه؛ لأنه عظَّم ما قلله الله، فحينئذٍ لا يعد من السعداء، ولا يفلح هذا العبد أبدًا، فمن تطهَّر من تعظيم نفسه، ومن حب هذه الدنيا الدنيئة؛ يجد حلاوة الطاعة، وتزكو له الأعمال الدينية، ويحبه الله تعالى، ويحببه لخلقه، ويلحقه بخير البرية.
فقد جاء في الحديث: «إن حب الدنيا وحب الله ﷾ لا يجتمعان في قلب عبدٍ أبدًا» (^٥). و: «إنَّ حبَّها رأسُ كل خطيَّة» (^٦)؛ فمن
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القرآن» ١٥/ ٢٤٧.
(٢) أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٨٥).
(٣) لم أقف عليه. وحامد اللفاف من تلاميذ حاتم الأصم، له بعض الأقوال والروايات في الزهد، ولم أجد ترجمته.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ليس بحديث، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٣٢٦ قال: وفي أخبار داود: إن الله تعالى أوحى إليه: تزعم أنك تحبني، فإن كنت تحبني فأخرج حبَّ الدنيا من قلبك؛ فإنَّ حبى وحبها لا يجتمعان في قلب.
(٦) أخرجه البيهقي في «الشعب» (١٠٥٠١)، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٢٢٦): موضوع.
[ ٦٦٦ ]
تطهَّر مما تقدم ذكره من الدَّنس يحظَى بمدد الله تعالى في كل نفس. وقد جاء في الحديث الصحيح: أن الله ﷾ لما خيَّر نبيه ﷺ بين الفقر والغنى، اختار الفقر على الغنى (^١)، فلو كان في الكثرة خير لاختاره نبينا ﷺ، ولذلك قال علماء الحنفية: من لا يأخذ ولا يعطي أفضل ممن أخذ وأعطى (^٢).
أتظن أيها المؤمن أن النبي ﷺ جهل الاختيار لنفسه؟ فمن اتبعه من أمته حُشر معه، وحصل له الخير والمنى، فابْكِ على نفسك أيها المغتر بالدنيا، والسابق للبكاء أنا، قال المولى الغفور: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. فاصغ لهذا الخطاب، واسأل الله العمل به (أيها العبد المرتاب) (^٣)، قال ﷺ: «ما زال ربي معرضًا عن الدنيا وعمن غرَّقه فيها إلى يوم القيامة» (^٤)، وقال المولى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النجم: ٢٩]. فإذا ثبت أن الله ﷾ قد أعرض عن الدنيا وقد أعرض النبي ﷺ عنها، وعن من أقبل عليها فكيف يفلح أو ينجح من قد شغل كله ببعضها، وقد أطال النظر إليها؟ كما قال بعضهم (ما يناسب هذا القول) (^٥):
إذا كان شيء لا يساوي جميعه … جناح بعوضة عند من أنت عبده
تملَّك (^٦) جزءٌ منه كلك ما الذي … يكون غدًا في الحشر قدرك عنده
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٣١ (٧١٦٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٣٦٥) من حديث أبي هريرة قال: جلس جبريل إلى النبي ﷺ، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إنَّ هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك، قال: أفمَلِكًا نبيًّا يجعلك أو عبدًا رسولًا؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: «بل عبدًا رسولًا». وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٠٠٢).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ليست في (ق).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ليست في (ق).
(٦) في (خ): واشغل.
[ ٦٦٧ ]
فترى الصادق في محبة الدنيا إن دخلت عليه فرح غاية الفرح، وأقبل على نفسه، وأخذ في البناء والعمارة، فيبني الدار لغيره، ويرضى لنفسه بفقر الآخرة والخسارة، وكم رئي من إنسان بنى دارًا ليسكنها صارت قبره، وربما زخرفها لزوج امرأته وداره خراب، وغرس غروسًا لعدوه، وعليه الحساب، فليته لا بنى ولا غرس.
أمر الخليفة هارون الرشيد أو غيره ببناء قبة في وسط لجة (ماء، وأجرى المهندسون الماء من أسفل القبة إلى أعلاها) (^١)، وصار الماء يتفجر من (فوقها، ويُرى (^٢) من داخلها) (^٣)، فلما فرغ من عمارتها دخلها الخليفة فأعجبته، فنام (في ظلها، فسمع قائلًا يقول له في منامه) (^٤):
أتبني بناء الخالدين وإنما … مقامك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية … لمن كل يوم يعتريه رحيل
فمات ذلك الخليفة بعد جمعة (^٥).
فيا حسرة عبد يعتد لصيفه وشتائه ولما يهواه، ولا يتجهز للقاء سيده وخالقه ومولاه، فيترك زاد التقى مع علمه بقرب الرحيل، وقلة البقاء؛ فترى عمر الغافل منهوبًا قد أسكره حب الدنيا، فابتلي بالغفلة وما حصَّل مطلوبًا، وأهل اليقظة تفرقوا عن جميع الكائنات وانجمعوا على المحبوب، فطاب عيشهم وحصل لهم المطلوب. قال قائلهم:
كانت لقلبي أهواءٌ مفرقة … فاستجمعت مذ رآك القلب أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده … وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
انظر رحمك الله! إلى أوصاف إخوانك المؤمنين، فترى أحدنا
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) في (ب): ويجري.
(٣) في (ق): جوانبها.
(٤) في (ق): فيها فسمع منشدًا ينشد.
(٥) تقدمت هذه الحكاية، وذكرنا مصدرها هناك.
[ ٦٦٨ ]
يخالف إخوانه ويفتح على نفسه أبواب الرخَص فيضيع وقته، فيهلك مع جملة الهالكين.
كان شيخُنا ﵀ يقول: ما أَقلَّ بركةَ مالٍ وقع فيه أيدي النَّاهبين.
وعن عائشة ﵂ قالت: لما مات عثمان بن مظعون ﵁ كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه، وقبَّل بين عينيه، وبكى بكاءً طويلًا، فلما رفع على السرير قال: «طوبى لك يا عثمان، لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها» (^١) رواه البغويُّ، واسمه: عبد الله.
_________________
(١) أخرجه أبو الحسن الطيوري في «الطيوريات» ٣/ ٩٢٠ من طريق عبد الله بن محمد البغوي، قال: حدثنا محمد بن عبد الواهب الحارثي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: لما مات عثمان بن مظعون كشف النبيُّ ﷺ الثوب عن وجهه، وقبَّل بين عينيه، ثم بكى طويلًا، فلما رُفع السرير، قال: «طُوبى لك يا عثمان! لم تلبَسْكَ الدنيا ولم تلبسها». وقال الطيوري: غريب من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، تفرد به محمد بن عبد الله بن عبيد، والله أعلم. وأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٢٤، وابن الجوزي في «المنتظم» ٣/ ١٩١ من طريق البغوي وهو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (ت: ٣١٧ هـ)، به. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٣/ ١٢٠: وقد رويناه متصلًا مسندًا من وجه صحيح حسن، ذكرتُه في «التمهيد» من حديث يحيى بن سعيد، … فساقه. قلتُ: كذا قال ﵀، والصواب أن إسناده ضعيف جدًّا من أجل محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، فقد ضعفه ابن معين، وقال: ليس بثقة. وقال: ليس حديثه بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال مرة: متروك. وقد ورد هذا الحديث مختصرًا بإسناد أحسنُ حالًا من هذا، فأخرجه أحمد ٦/ ٤٣ و٥٥ و٢٠٦، وابن ماجه (١٤٥٦)، وأبو داود (٣١٦٣)، والترمذي (٩٨٩)، وفي «الشمائل» (٣٢٦) من طريق عاصم بن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قبَّل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت، فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خديه. وقال الترمذي: حديث عائشة حديث حسن صحيح. قلتُ: عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعَّفه ابن معين، وقال البخاري وغيره: منكر الحديث. ومدار الحديث عليه، لهذا جزم الألباني بضعفه في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦٠١٠)، والله أعلم. (ت)
[ ٦٦٩ ]
وروى زيد بن أرقم أن أبا بكر الصديق ﵁ استسقى ماءً، فأتي بماء وعسل (^١) في إناءٍ؛ فلما أدناه من فيه بكى وأبكى من حوله؛ ثم سكت وسكتوا، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مساءلته، ثم مسح وجهه وأفاق، فقالوا: ما هيج هذا البكاء عليك؟ قال: كنت مع النبي ﷺ فجعل يدفع عنه شيئًا: «إليك عني». ولم أر أحدًا معه، فقلت: يا رسول الله، أراك تدفع شيئًا ولم أر أحدًا معك؟ فقال: «هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها، فقلت لها: إليك عني. فتنحَّت وقالت: والله لئن انفلتَّ مني لا ينفلت مني من بعدك». فخشيت أن تكون قد لحقتني فذاك الذي أبكاني (^٢).
قال المؤلف: متى ملأ حب الدنيا القلوب التي في الصدور، توقفت على أربابها جميع الأمور، فلا يجدون حلاوة الطاعة، ولا ينزل نور العلم لقلوبهم لغفلة أحدهم وذهوله عن الموت وأهوال يوم الساعة، فتراه إذا صلى وحده توسوس ونقر الصلاة، ودرج القراءة ليتفرغ لحظوظ نفسه، فبئس ما قدم والله من البضاعة بين يدي الساعة، وإن صلَّى مع القوم سبق إمامه، والدنيا واقفة أمامه؛ فتارةً يعبث بلحيته، (وتارةً ينظر لجبته) (^٣)، ويعدل العمامة، وأما القلب فقد أعماه حب الدنيا، وهو غافل عن أهوال يوم القيامة، قد ملأت الدنيا عينه وقلبه وسمعه، لها ينظر، ولها يسمع، ولها يأخذ، ولها يمنع، اللَّهم سلمنا من شر هذه الأربع.
فتراه لا يقبل قول ناصح، ولا يتعظ بكلام رجل صالح، دينه هواه، وحديثه دنياه؛ وهذا حال من خذله خالقه ومولاه؛ فإن جمع المحب للدنيا منها ما يكفيه، وقيل له: تفرغ من هموم هذه الدنيا الفانية فالموت قريب، واعمل على كل شيء يؤمنك يوم القيامة، ويوصلك إلى الحبيب، لا يسمع
_________________
(١) في (ق، ب): وغسل.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٣١.
(٣) ليست في (ق).
[ ٦٧٠ ]
شيئًا من هذا؛ ولذلك قالوا: لا تقل للمحب فيما يحب إلا ما يحب، ألا ترى إلى هذا القليل السعادة كيف يقول للدنيا: إن الدنيا ليست بشيء، ولا يزداد فيها إلا محبة وإرادة، فيخالف قولُه فعلَه (^١)، ويصير ممقوتًا عند عالم الغيب والشهادة.
فلا تتعب أيها المؤمن نفسك معه، فهو عالمٌ بما تقول له وزيادة؛ لأن الدنيا لم تُبق له سمعًا يسمع به الحكمة من أهل الله تعالى المخصوصين بالاصطفاء والسعادة. وقد جاء في الحديث: «لا تُلقوا الحكمةَ على غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (^٢)، فلا تخالف الحديث؛ فهو لا يسمع منك أبدًا، قال المولى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
هل رأيت محبًّا يفارق محبوبه؟! فتراه غافلًا في مكان اليقظة، وفي موضع أسبغ الحق سبحانه على الطائفين والعاكفين والمصلين والناظرين فضله وإنعامه؛ يطوف بقالبه وقلبه يذكر ماله وأنعامه، قد أعرض في طوافه عن ذكر مولاه، وشغل غيره ونفسه بذكر دنياه، فمثله كمثل من أهدى لسيده دُرًّا ثم أخلط فيه بعرًا؛ فبئس ما قدمت يداه، فإن نصحه النُصَّاح لم يقبل (^٣) وقال: هذا أمرٌ مباح. ولا يعجبه إلا ذكر الدنيا، ومن ذكر محبوبه استراح، قد فتح على نفسه أبواب الدنيا والرُّخَص فأسكراه؛ فلا تراه قط صاحٍ.
(وهذه الأحوال من بعض صفات المؤلف لهذا الكلام) (^٤)، فسبحان من يظهر الجميل، ويستر الذنوب القباح، ونسأل الله تعالى لنا ولجميع المسلمين اليقظة وحسن الخاتمة، وأن يجعلنا من أهل الدين والخير
_________________
(١) في (خ، ب): وفعله.
(٢) جزء من حديث طويل أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (٦٧٥)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٧٠. قال الحاكم: هذا حديث صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: هشام بن زياد متروك.
(٣) في (ط): ينس.
(٤) ليست في (ق).
[ ٦٧١ ]
والصلاح، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم، وآله وصحبه وسلم، ما غاب نجم ولاح.
قال بعض العلماء: بلغنا أن جماعةً من الصحابة ومن التابعين تصدقوا بجميع أموالهم خوفًا من فساد قلوبهم، وأن يحجبوا عن محبوبهم. انظر أيها المؤمن! إن كان قلبك أصفى من قلوبهم، جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لبعض أصحابه: «إن استطعت أنْ تلقَى الله فقيرًا ولا تلقاه غنيًّا فافعل» (^١).
واعلم أن القلب له وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]. فمتى تفرَّغ القلب من محبة الدنيا وأهلها، سكن فيه محبة الله تعالى، وكذلك جاء في الحديث المشهور: «إذا أحبَّ الله العبدَ زوَى عنه الدنيا» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠٢١)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣٥٢، وأبو نُعيم في «حلية الأولياء» ١/ ١٥٠ من حديث أبي سعيد الخدري، عن بلال ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا بلال، الق الله فقيرًا ولا تلقه غنيًّا» قال: قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله ﷺ؟ قال: «إذا رزقتَ فلا تَخْبَأْ، وإذا سُئلت فلا تمنع». قال: قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: «هو ذاك، وإلا فالنار». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وردَّه الذهبي بقوله: «واهٍ»، وأحسن، فهذا الحديث منكر، وإسناده ضعيف جدًّا. وخرَّجه الألباني في «الضعيفة» (٦٧٤٢). (ت)
(٢) حديث صحيح أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٤٢٩٦)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٢٦٧٣) و(٢٦٧٤)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٣٩٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٤٤)، والشجري في «أماليه» (٢٢٢٤) باللفظ الذي ذكره المصنف من حديث رافع بن خديج ﵁. وأخرجه الترمذي (٢٠٣٦) عن محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء». قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث، عن محمود بن لبيد، عن النبي ﷺ، مرسلًا. وأخرجه أحمد ٥/ ٤٢٧ و٤٢٨، والترمذي (٢٠٣٦) عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب، تخافونه عليه». قال الترمذي: وقتادة بن النعمان الظفري هو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، ومحمود بن لبيد قد أدرك النبي ﷺ، ورآه وهو غلام صغير. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٤٤ عن عاصم بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه». قال الحاكم: كذا قال عن أبي سعيد وفي حديث عمارة بن غزية، عن قتادة بن النعمان، والإسنادان عندي صحيحان والله أعلم. والحديث صححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣١٧٩ - ٣١٨٢).
[ ٦٧٢ ]
(كان الشِّبليُّ يُنشد على سور عسقلان هذه الأبيات) (^١):
إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاجٍ إلى السرج
ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج (^٢)
وقد جاءت الآثار وكثرت الأخبار أن مثل الدنيا والآخرة كضرَّتين: إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وأنهما بمنزلة المشرق والمغرب، إذا أقبلت على أحدهما استدبرت الأخرى، وأنهما بمنزلة كفتي الميزان؛ إذا رجح أحدهما نقص الآخر، قال بعض السلف: من زهد في الدنيا مع التنعم فيها، مثله كمثل من غسل يديه من الزفر بالسمك، ومثل من تعبد مع طلب الدنيا كمثل من يطفئ النار بالحلفاء (^٣).
طلب الحواريون من عيسى ﵇ بيتًا يعبدون الله فيه، فقال لهم: اذهبوا وابنوا بيتًا على الماء. فقالوا له: وهل يثبت بيتًا (^٤) على الماء؟! فقال: وهل تصح عبادة مع حب الدنيا؟! (^٥).
_________________
(١) في (ق): وأنشد.
(٢) أخرج نحوه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٤/ ٣٩٦.
(٣) هذا الكلام برمته في «قوت القلوب» لأبي طالب المكي ١/ ٤٣٥.
(٤) كذا، وصوابه: (بيتٌ).
(٥) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٤/ ٢٢٣.
[ ٦٧٣ ]
كشف لبعض الصالحين فرأى الدنيا في صورة جيفة، ورأى إبليس في صورة كلب، وهو جاثم عليها، ومنادٍ ينادي من فوق: أنت كلبٌ من كلابي، وهذه جيفة من خلقي، وقد جعلتها نصيبك مني، فمن نازعك شيئًا منها فقد سلَّطتك عليه (^١).
ويفهم من قوله: من نازَعك شيئًا منها: أي من الدنيا. وأما الحاجة فليست من الدنيا؛ لما جاء في الإسرائيليات أن موسى ﷺ عرضت له حاجة، فقصد صديقًا له، فلم يقرضه شيئًا، فرجع مهمومًا، فأوحى الله إليه: كنت تطلب حاجتك مني؟ قال موسى: يا رب علمت مقتك للدنيا، فاستحييت منك أن أطلب شيئًا منها؛ فتمقتني، فأوحى الله إليه: يا موسى، الحاجة ليست من الدنيا (^٢). قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]، فمن أحب هذه السبعة فقد أحب الدنيا كلها، ومن أحب شيئًا منها فقد أحب بعضها، ومتى كانت الحاجة داعية إلى شيء منها فليست من الدنيا. وكان عيسى ابن مريم ﷺ والسلف الصالح يسمون الدنيا: خنزيرة! (^٣) ولو وجدوا لها اسمًا شرًّا من ذلك لسموها به.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: «لتأتينكم من بعدي دنيا تأكل أديانكم كما تأكل النار الحطب» (^٤) وفي حديث آخر: «إن لكلِّ أمةٍ فتنةً، وفتنةُ أمتي المال». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح (^٥)، وفي خبر آخر: «إنما
_________________
(١) انظر «قوت القلوب» لأبي طالب المكي ١/ ٤٠٦.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٣٥ من كلام يزيد بن ميسرة.
(٤) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٣/ ٢٠٦، وقال العراقي في «تعليقه على الإحياء»: لم أجد له أصلًا.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٦٠ (١٧٤٧١)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٣٦) من حديث كعب بن عياض ﵁. قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٩٢).
[ ٦٧٤ ]
أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم». رواه البزَّار (^١). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «هلك الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة» (^٢)، وهذا الحديث فيه دليل أن الدنيا إذا زادت نقصت الآخرة، وإن كان الإنسان كريمًا على الله تعالى؛ (لذلك تركها الأولياء قبل أن تتركهم) (^٣)، ولا خير في دنيا تنقص الآخرة، ولو دامت الدنيا لأهلها لا ينبغي أن يحسدوا عليها لنقص الآخرة، والأكدار في طرف العصا؛ لأنها إذا دخلت أشغلت وإذا ولَّت أحزنت. ويُخاف على المسلم أيضًا من الطغيان ومن طول الحساب؛ وأن لا يبلغه الله تعالى درجة الأحباب.
قال محمد بن واسع: رأيت كأني أستبق أنا وفلان إلى الجنة؛ فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقتني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد ولك ثوبان (^٤).
وقال المؤلف: نخاف عليه من الطغيان؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]، فإن سلَّمه الله تعالى من الطغيان ومن التوبيخ والملامة، فاعلم أن العطب فيها أكثر من السلامة.
قال لقمان لابنه: يا بني، الدنيا بحرٌ عميق، غرق فيه أناس كثيرون، فاجعل سفينتك فيه تقوى الله تعالى لعلك تنجو (^٥)، ولا أراك ناجيًا (^٦).
_________________
(١) أخرجه البزار في «مسنده» (١٦١٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٢٩٨) من حديث ابن مسعود ﵁. وقد ورد من حديث أبي موسى ﵁، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٢٤٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٥٤٧)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٠٩ (٨٠٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁. وقد ورد من حديث أبي ذر ﵁، وصححه الألباني وانظر «السلسلة الصحيحة» (١٧٦٦).
(٣) ليست في (ق).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) في (خ، ب): لعلك ناجٍ.
(٦) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٥٣٧)، وأحمد بن حنبل في «الزهد» (ص ١٠٤).
[ ٦٧٥ ]
فابك على نفسك أيها المغترُّ! بالدنيا، والسابق للبكاء أنا، واتَّعظ بمن هدم الموت منه أركان ما بنى؛ فأصبح في لحده مسكينًا ذليلًا؛ بعد العزِّ والجاه والغنى، واسمع ما قال بعض الفضلاء:
إن لله عبادًا فُطنا … طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكَّروا فيها فلما علموا … أنها ليست لحيٍّ سكنا
جعلوها لجَّةً واتخذوا … صالح الأعمال فيها سُفنا
قال العلماء (^١): إن ثعلبة كان فقيرًا، (وكان يصلي الصلوات) (^٢) خلف النبي ﷺ فطلب (^٣) الدعاء من النبي ﷺ أن يوسِّع الله سبحانه عليه الدنيا، وعاهد الله سبحانه أن يكون في غناه صالحًا متصدقًا، فلما دخلت عليه الدنيا تمكَّن حبها من قلبه؛ فترك ما عاهد الله سبحانه عليه، وطغى في أفعاله وأقواله؛ أما الأفعال: فقلَّت صلواته خلف النبي ﷺ، ومنع الزكاة ونسي العهد. وأما في أقواله: لما سمع آية الزكاة قال: والله إنْ هي إلا أختُ الجالية (^٤). فمات ثعلبة منافقًا، بعد ما كان موافقًا، وذلك في خلافة عمر ﵁. قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] (^٥).
_________________
(١) في (ق): قيل.
(٢) في (ق): يصلي.
(٣) في (ق): فسأل.
(٤) قال الفيومي في «المصباح المنير»: قيل لأهل الذمة الذين أجلاهم عمر ﵁ عن جزيرة العرب: جالية، ثم نقلت الجالية إلى الجزية التي أخذت منهم، ثم استعملت في كل جزية تؤخذ، وإن لم يكن صاحبها جلا عن وطنه، فيقال: استعمل فلان على الجالية، والجمع: الجوالي.
(٥) قصة ثعلبة مشهورة، وهي مع شهرتها منكرة لا تصحُّ، وقد أخرجها الطبراني في «المعجم الكبير» ٨/ ٢١٨ (٧٨٧٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٣٥٧) من حديث أبي أمامة ﵁: أنَّ ثعلبة بن حاطب الأنصاري أتى رسول الله ﷺ فقال: يا =
[ ٦٧٦ ]
وكذلك دخلت الدنيا على بلعام، وكان راسخًا في العلوم فأطغته الدنيا؛ فمات وهو كافر محروم (^١). قال الله تعالى في حقه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
_________________
(١) =رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه». ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك يا ثعلبة! أما تريد أن تكون مثل رسول الله ﷺ؟! والله لو سألتُ أن تسيل لي الجبال ذهبًا وفضَّة لسالت». ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، والله لئن آتاني الله مالًا لأوتين كل ذي حقٍّ حقَّه. فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهم ارزق ثعلبة مالًا». فاتخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت عنها أزِقَّة المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الصلاةَ مع رسول الله ﷺ، ثمَّ يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة مع رسول الله ﷺ، ثم يخرج إليها، ثم نمت فتنحى بها فترك الجمعة والجماعات، فيلتقي الركبان ويقول: ماذا عندكم من الخبر؟ وما كان من أمر الناس؟ فأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، قال: فاستعمل رسول الله ﷺ على الصدقات رجلين: رجلٌ من الأنصار، ورجل من بني سليم، وكتب لهما سُنَّة الصدقة وأسنانها، وأَمَرهما أن يصدقا النَّاس، وأنْ يمرَّا بثعلبة فيأخذا من صدقة ماله، ففعلا حتى ذهبا إلى ثعلبة فأقرآه كتاب رسول الله ﷺ، فقال: صدِّقا الناس فإذا فرغتما فمرا بي. ففعلا، فقال: والله ما هذه إلا أُخَيَّةُ الجزية. فانطلقا حتى لحقا رسول الله ﷺ، وأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]، قال: فركب رجل من الأنصار قريبٌ لثعلبة راحلة حتَّى أتى ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة! هلكتَ، أنزل الله ﷿ فيك القرآن كذا؛ فأقبل ثعلبة ووضع التراب على رأسه وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، يا رسول الله، فلم يقبل منه رسول الله ﷺ صدقته حتى قبض الله رسول الله ﷺ، ثم أتى أبا بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ، فقال: يا أبا بكر، قد عرفت موقعي من قومي ومكاني من رسول الله ﷺ فاقبل مني، فَأبَى أن يقبله، ثم أتى عمر ﵁ فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عثمان ﵁ فأبى أن يقبل منه، ثم مات ثعلبة في خلافة عثمان ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ١٠٧: رواه الطبراني وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر، وهو مشهور فيما بين أهل التفسير والله أعلم. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٠٨١): ضعيف جدًّا.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٦٧٧ ]
الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. أي مال إلى الدنيا، (فلما مال إليها) (^١) واتبع هواه؛ جعل الله النار مثواه. كانت همته سفلية، ولذلك طلب الأدنى وترك الأعلى، قال المولى الجليل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
قيل لعلي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: هل السفلة مذكور في كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، مذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النجم: ٢٩] (^٢). وكان ﵁ يقول: الدنيا جيفة، من أراد شيئًا منها فليصبر على مزاحمة الكلاب (^٣).
قال ﷺ لبعض أصحابه: «قليل تؤدي شكره خيرٌ من كثير لا تطيقه» (^٤). وقال: «من رضي عن الله بقليل من الرزق؛ ﵁ بقليل من العمل» (^٥). وفي حديث آخر: «طوبى لمن كان عيشه كفافًا وقنع» (^٦).
روى البخاريُّ: أنَّ رجلًا مرَّ على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٣٨.
(٤) جزء من الحديث الوارد في قصة ثعلبة، وقد تقدم تخريجه.
(٥) أخرجه البيهقي في «الشعب» (٤٥٨٥) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٥٧٣): ضعيف جدًّا.
(٦) أخرجه أحمد (٢٣٩٤٤)، والترمذي (٢٣٤٩)، وابن حبان (٧٠٥)، والطبراني في «الكبير» ١٨/ (٧٨٦)، والحاكم ١/ ٣٤، من حديث فضالة بن عبيد ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «طُوبَى لمن هُدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقَنَع». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٨٣٠): صحيح.
[ ٦٧٨ ]
جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفَّع. قال: فسكت النبي ﷺ، ثم مرَّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ: «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ: «هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا» (^١).
وقال ﷺ: «إن الله يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي؛ أملأ صدرك غنًى وأسدُّ فقرك، وإلا تفعل ملأت يدك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك» (^٢)، رواه الترمذي.
وفي حديث آخر: «يقول الله ﷿ للدنيا: يا دنيا اخدمي من خدمني، وأتعبي يا دنيا من خدمك» (^٣).
فمن شغل بالله تعالى، وفارق المعاصي في ظاهره، ونبذ حب الدنيا من قلبه، كان الله ﷾ في شغله وآتاه الزوائد من ربه، ووكَّل به حارسًا يحرسه من عنده وجمعه في سيره، وأخذ الله تعالى بيده في جميع أموره، والزوائد زوائد العلم واليقين، يقول الله ﷿: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (^٤). ومن عرف الله تعالى لم يشتغل بشيء سواه. سمع سفيانُ الثوريُّ رجلًا ينشد:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٥٨ (٨٦٩٦)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٠٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٦٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٩١٤).
(٣) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٨/ ٤٤، والشهاب القضاعي في «مسنده» (١٤٥٤) من حديث ابن مسعود ﵁. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٢): موضوع.
(٤) أخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (٦٩) من حديث عمر ﵁. وقد ورد أيضًا من حديث أبي سعيد أخرجه الدارمي في «سننه» (٣٣٥٦)، والترمذي في «جامعه» (٢٩٢٦) وقال: هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٣٣٥).
[ ٦٧٩ ]
أتوب إلى الذي أُضحي وأُمسي … وقلبي يتقيه ويرتجيه
تشاغل كل مخلوق بشغلٍ … وشغلي في محبته وفيه
فبكى سفيان، وقال: نِعْمَ الشُّغلُ شغلك (^١).
فإذا طلبتَ أيها المؤمن! أن يوسِّع الله عليك الدنيا ويطيِّبَ عيشَك فيها، فزَوَّاها (^٢) عنك، ووسَّعَ عليك عملَ الآخرة، (فطيَّب عيشَك فيها؛ فما صنَعَ معكَ إلا معروفًا حسنًا) (^٣)، (وارض بتدبير الله وتقديره، وألطافه إذا زوَى عنك الدُّنيا؛ لأنَّها تُشغلك عنه) (^٤)، وتنقص مرتبتك عنده (^٥)، (وحقيقة الدنيا ليس بشيء) (^٦)، (وعيش الدنيا ليس بطيب) (^٧)؛ لأنها كالظل الزائل عن أيامٍ قلائل؛ ظاهرها حسن، وحقيقتها بلاء وحزن، إن أقبلت أشغلت، وإن أدبرت أحزنت، عمرها قصير، ومحبها حقير، وخطرها كبير.
كُشِف لبعض الصالحين فرأى الدنيا مزينة فاستعاذ بالله منها، فقالت: إن أردت أن يعيذك الله مني فأبغض الدرهم والدينار (^٨).
وفي أخبار موسى ﷺ: إن لم تلق الفقير مثل ما تلقى به الغني، فاجعل كل علم علَّمتك تحت التراب، وإذا رأيت الفقر مقبلًا فقل: مرحبًا بشعار الصالحين. وإذا رأيت الغنَى مقبلًا فقلْ: ذنبٌ عُجِّلت عقوبته (^٩).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) من (خ)، وفي (ق): (فازوها). وفي (ط) تبعًا ل: (ب): (فزوِّها). وزَوَّى الشيء يزويه زيًّا: جمعه وقبضه.
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (خ): الذي زوى عنك ما يشغلك عنه في الدنيا.
(٥) في (خ): في الآخرة.
(٦) ليست في (خ).
(٧) في (ق): وعيشها يطيب. وفي (ب): وعيشها لا يطيب.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣١١٥٨)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٢/ ٢٤٤ من كلام العلاء بن زياد.
(٩) ذكره أبو طالب المكي في «قوت القلوب» ١/ ٤٠٧.
[ ٦٨٠ ]
وبلغنا أن جماعةً من الصحابة تصدقوا بجميع أموالهم (^١)، وبعضهم لم يدخل في أمر من أمور الدنيا، ومنهم من عزل نفسه، ومنهم من ولي وذهب ماشيًا، ولما عُزل عاد (^٢) ماشيًا، وأبو ذر ﵃ لم يقبل هدية عثمان في خلافته مع فقره وفاقته، ولم يدخل في أمرٍ من الأمور (^٣). وخطب على أن يكون أميرًا فأبى، وتوَكَّلُوا على الله ﷾ وانجمعوا عليه، فعرَّفهم الطريق الموصلة إليه، ووقاهم شر هذه الدنيا (^٤) الغرارة، فمن صدق في توكله أخذ الله تعالى بيده وأجاره، وبلغنا ذلك عن جماعة من التابعين ﵃ أجمعين.
_________________
(١) منهم أبو بكر الصديق ﵁، أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٣٥٠ (٢٦٩٥٧)، والطبراني في «المعجم الكبير» ٢٤/ ٨٨ (٢٣٥) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه - خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم - قالت: وانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. قالت: فأخذت أحجارًا فتركتها فوضعتها في كوة البيت كان أبي يضع فيها ماله. ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ. قالت: لا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني قد أردت أن أسكن الشيخ بذلك. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٦/ ٧٤: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.
(٢) في (خ، ط): جاء.
(٣) أخرجه الطبري في «تهذيب الآثار» ١/ ٢٩٣ عن ابن سيرين قال: قال أبو ذر: خرجت إلى الشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب. قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم. فكتب إلى عثمان ﵁ إن أبا ذر قال …، وكتب إِلَيَّ عثمانُ أن أقدِم. فلما خرج انتقل متاعه، فأخرج أهله مزودًا ينوء باليد، فقال الناس: هذا أبو ذر الذي كان يُزَهِّد في الدنيا. فقال أهله: والله ما هو بذهب ولا فضة؛ إنما هي فلوس كان إذا خرج عطاؤه اشتراها لأهله. فلما قدمتُ على عثمان قال لي: تروح عليك اللقاح؟! فقلت: الدنيا لا حاجة لي فيها. قال: فاعتزل ما هاهنا.
(٤) في (ق): الدار.
[ ٦٨١ ]
هؤلاء السادة كان لهم قلوب نَيِّرة (^١)، خافوا عليها من العمى فصبروا تلك المدة اليسيرة على الجوع والعُري والظمأ، فتعجلوا عيشًا هنيًّا طيبًا، واستبشرت لقدوم أرواحهم ملائكة السماء، أنشد بعضهم:
استعمل الصبر تجني بعده العسلا … وقف على الباب ليلًا تبلغ الأملا
وزاحم القوم في باب الكريم تجد … بابًا عن القاصد الملهوف ما قُفِلا
فالصالحون كان لهم قلوب خافوا عليها، ومن أعمى الله قلبه على أي شيءٍ يخاف؟
قال المولى الغفور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. فمتى عميت القلوب التي في الصدور؛ توقفت على أربابها جميع الأمور.
نظر بعض الصالحين إلى محرم وهو في الطواف، فجاءته لطمة أعمت عينه الواحدة التي نظرت، وسمع قائلًا يقول: نظرة بلطمة، وإن زدت زدناك (^٢).
(فإن قال قائل: فكم لي أنا من نظرة فلم أعم ولم أرمد؟
جوابه: يكفيك أيها المفتون عمى قلبك الذي تعلم أن هذا حرام وأنت تفعله على الدوام، فتخالف الله تعالى وتخرج عن طريق النبي ﵊ (^٣)، والحق سبحانه يغير على عبده أن ينظر إلى غيره، ومن نور الله تعالى قلبه لا يتأسف على عمى عينه، (كما كان بعضهم يقول) (^٤):
إذا كنت لي ما … ضرَّني من عدمته
فمن أراد أن ينور الله تعالى قلبه، ويكرمه في الدار الآخرة وهنا،
_________________
(١) في (ب): خيرة.
(٢) سلف ذكره.
(٣) ليست في (ق).
(٤) ليست في (ق).
[ ٦٨٢ ]
ويبلغه الله المقصود والمنى، فليتبع السنة، وليكن الفقر والذل أحب إليه من العز والغنى، وقد قيَّدنا الفقر باتباع السنة وبالذل؛ ليرتقي المؤمن إلى منازل السعداء، فإن لم يتبع الفقير السنة، ويكون ذليلًا مسكينًا بين يدي خالقه؛ ضل واعتدى، وتاه في ميادين الغفلة والقطيعة وما اهتدى. قال المولى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. فحينئذٍ يجتمع على هذا الفقير الضالِّ فقرُ الدنيا وعذاب الآخرة؛ لكبره، ولخروجه عن السنة المباركة الطاهرة، قال رسول الله ﷺ: «الدِّين ديني، والسنة سنتي، من ابتدع بدعة فعليه لعنة الله» (^١).
والمتكبر هو من أثقل الجماعة الخارجين عن سنة صاحب المعجزات والشفاعة، وما قلنا إنه من أكبر المبتدعين إلا لقوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وفي الحديث النبوي: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: أمير مُسلَّط، وذُو ثروة من المال لا يؤدي الزكاة، وفقير فخور» (^٢).
ويكفي لمن بلاه الله بهذه المصائب والتعكيس ما جرى للَّعين إبليس، فالمتواضع محبوب عند الله تعالى وعند العباد، والمتكبر يبغضه الله تعالى ومن في السموات والأرض، وهو في قطيعة وبعاد، وهو مريض لا يعاد،
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٢٥ (٩٤٩٢)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٤٤٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٢٤٩) عن أبي هريرة ﵁، ولفظه: «عرض عليَّ أول ثلة يدخلون الجنة وأول ثلة يدخلون النار، فأما أول ثلة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال. وأما أول ثلة يدخلون النار: فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فخور». وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٧٠٣): ضعيف جدًّا. وأخرج مسلم في «الصحيح» (١٧٢) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذَّاب، وعائل مستكبرٌ». والعائل هو الفقير.
[ ٦٨٣ ]
فمعصية يصحبها الذل والانكسار، خيرٌ من طاعةٍ يصحبها العجب والاستكبار. فانظر ماذا في الطاعات من المهالك والآفات، لا يحتاج الفاعل معها لشيء من السيئات، فإذا كان السيد عظيمًا عزيزًا، فينبغي للعبد أن يكون حقيرًا ذليلًا. قال بعضهم:
إذا رمت عز الوصل ذل لمن تهوى … فكم عزة قد نالها المرء بالذل
إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكن … ذليلًا له فاقرَا السلام على الوصل
وأنشد بعضهم مخبرًا عن حاله:
حبيب أرتجيه وإن جفاني … ويعلم ما لقيت من الصدود
ويظهر في الهوى عز المعالي (^١) … فيلزمني له ذل العبيد
ويكفي من الأدلة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فإذا دعوت الله تعالى أيها المؤمن! بأن يطيِّب عيشك في الدنيا، ويرزقك العزَّ والجاه والغنى، ولم تجد ذلك فلا تحزن؛ لأن عيش الدنيا ليس بطيب؛ فإنَّ آخره الموت، فإذا متَّ زالت الدنيا، ومات عزُّك وجاهك، فإن أخَّر الله تعالى دعوتك إلى الآخرة ووَسَّعها عليك فقد أسبغ نعمه عليك، ونظر بعين كرمه إليك، وأقامك في مقام الأحباب، وأمَّنك (^٢) من شدة الحساب، وجعل لك أسوة بنبيه وحبيبه ﷺ، وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وكان ذلك مقدَّرًا عليك في أم الكتاب، فلا تقل: دعوت الله تعالى وما رأيت الإجابة، فقد جاء في الحديث: «كل داعٍ يجاب ولكن لا تشعرون» (^٣).
_________________
(١) في (خ): الموالي.
(٢) في (خ، ب): وحرسك.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولفظه المشهور من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي». أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٩٧)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٩٦ (٩١٤٨)، والبخاري في «صحيحه» (٦٣٤٠)، وفي «الأدب المفرد» (٦٥٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٧٣٥)، وأبو داود في «سننه» (١٤٨٤)، وابن ماجه في «سننه» (٣٨٥٣)، والترمذي في «جامعه» (٣٣٨٧).
[ ٦٨٤ ]
أَتَدعُو أيها المؤمن! كريمًا ولا يجيبك؟! وترفع يديك لغني لا يخشى الفاقة ويردك خائبًا؟! لا تظنَّ في الله تعالى ذلك، ولو كنت عاصيًا والخلل في أحوالك؛ لأنَّ الله ﷾ قد أجاب دعوة إبليس مع تمرده، وما كان فيه من المخالفة والتعكيس، فاسمع قوله تعالى: ﴿﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [الأعراف: ١٤ - ١٥] (^١).
كان يحيى بن معاذ الرازي يقول: إلهي كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟! وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟! (^٢) فالمؤمن الموفق إذا طلب من الله سبحانه شيئًا من الدنيا ولم يعطه ترك مراده لمراد الله تعالى، ورأى المنع عطاءً، ويقول: عسى أن يكون في التأخير مصلحة؛ لأنَّ (^٣) السيد أعلم بمصلحة عبده.
وقد تؤخر الإجابة (^٤) لمصلحة يعلمها الله في التأخير، ويجاب أو يُدفع عن الداعي بلاءً، أو يدَّخر له عند الله سبحانه، فيكون قد طلب شيئًا فانيًا فيعطى شيئًا باقيًا فلا يقول الإنسان: دعوت وما رأيت الإجابة. لا تظنَّ بالله
_________________
(١) وأحسن من هذا مثلًا أن الله تعالى يستجيب دعوة المشركين إذا أخلصوا له في الدعاء، وتوجَّهوا إليه وحده بالاستغاثة والنداء، قال ربنا سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال ﷿: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].
(٢) ذكره النووي في «الأذكار» (ص ٣٩٦).
(٣) في (ط): فإن.
(٤) في (خ): الدعاء.
[ ٦٨٥ ]
ذلك فتلقي نفسك بسوء ظنها في البدعة والمهالك، ولا تتعرض وكن من جملة العبيد، وسلِّم لربوبيته، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد، فإذا فعلتَ ذلك أتاك من الله الخير والمزيد، ولو أعطى الحق سبحانه لكل أحدٍ ما طلب لهلكوا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال الحق سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وقد يزوي الإنسان عن مريضه ما يطلبه وإن كان شيئًا يسيرًا مع محبَّتِه له، فما فعل ذلك بخلًا عليه؛ ولكن خوفًا من ضرر يصل إليه.
قال ضرارُ بن ضَمُرة: إنَّ عليًّا ﵁ كان غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما خَشُن، (ومن الطعام ما جَشُنَ) (^١)؛ يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل (^٢) وظلمته، وأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه (^٣)، وغارتْ نجومه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتمثل تمثل السليب، ويبكي بكاء الحزين، وكأنِّي أسمعه، وهو يقول: يا دنيا، يا دنيا، إليَّ تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهاتَ هيهاتَ، غُرِّي غيري، قد طلقتك ثلاثًا، لا رجعة لي فيك، فعُمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آهٍ من قِلَّةِ الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق. قال الراوي: فذَرَفَتْ عينا معاويةَ على لحيته فَمَا تَمَلَّكَها، وقد اختنق القومُ بالبكاء (^٤).
_________________
(١) ليست في (ق). والجَشَن: الغليظ عن كراع زاد غيره أَوْ ما هو في معناه. «لسان العرب»: جشن.
(٢) في (خ، ب): من الليل.
(٣) السَّجْفُ والسِّجْفُ: السِّتْر.
(٤) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٤/ ٤٠١ في ترجمة (ضرار بن ضمرة الكتاني)، وقال: وفد على معاوية، ثم ساق بسنده إلى محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح قال: دخل ضرار ابن ضمرة الكتاني على معاوية، فقال له: صف لي عليًّا؟ فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك. قال له: إذ لا بدَّ فإنه والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجَّر العلم من جوانبه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، يستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة .. فذكره بنحوه، وفي آخره: فقال معاوية: هكذا كان أبو الحسن ﵀، فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذبح أو حدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا يسكن حرها. ثم قام فخرج. ثم ساقه ابن عساكر من طريق: عمر بن شبَّة النمري، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المدائني، عن محمد بن غسان الكندي، قال: دخل ضرار بن ضمرة النهشليُّ على معاوية، فذكره بنحوه.
[ ٦٨٦ ]
يُحكَى عن السيد شرف الدين الكليمي: أَنَّهُ رأى عليَّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في منامه، فسأله عن حقيقة الفقر، فقال ﵁: قد سألني عن ذلك عبد العزيز المنُوفيُّ! قال الشريف: فما قلتَ له يا أمير المؤمنين؟ قال: قطع الأمل، قطع الأمل، قطع الأمل. قال الشريف: فلما استيقظت جئت إلى عند الشيخ عبد العزيز وقلت له: رأيتَ الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه قَطُّ؟ قال: نعم. قال: قلت: فما سألته؟ قال لي: يا بُطَيْطيلُ! جئت لتقول لي منامك، إذا خرجوا هؤلاء من عندي. وكان عنده جماعة من الجند، فلما خرجوا من عنده جئت إليه فقال: أنت لا تقدر على قطع الأمل ولا أنا، هذا مما لا يُقدر عليه (^١).
_________________
(١) لم أجده. والكليميُّ، صوابُه: (الكُلِينيُّ) نسبة إلى كُلِين من قرى العراق ولم أجد له ترجمة سوى ما ذكره ابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» ٧/ ٣٣٧، وابن حجر في «تبصير المنتبه» ٣/ ١٢١٩ فقالا: القاضي شرف الدين إبراهيم بن عثمان الكليني، سمع مع أبي العلاء الفرضي على الكمال هبة الله السامري جزءَ البانياسيِّ. وترجم ابن حجر في «الدرر الكامنة» ٦/ ١٠٤ لأبي العلاء، فقال: محمود بن أبي بكر بن أبي العلاء محمد السنجاري الكلاباذي، أبو العلاء الفرضي الصوفي الحنفي، مولده سنة (٦٤٤) ببخارى، وتفقه بها، وسمع بها الحديث، وقدم دمشق سنة (٦٨٤)، فسمع بها، ثم دخل مصر فسمع بها، سمع من سبع مئة وخمسين شيخًا، وحدَّث، سمع منه المزي وأبو حيان والقطب الحلبي والبرزالي والذهبي وابن سيد الناس وابن المهندس وآخرون، وكتب بخطه الحسن كثيرًا، وقرأ بنفسه، وعني بالطلب، وكان إمامًا فقيهًا ديِّنًا، خيرًا بارعًا في الفرائض، ومات في ربيع الأول سنة سبع مئة، بماردين، ﵀. والمنوفيُّ هو الشيخ الصوفي أبو فارس عبد العزيز بن عبد الغني بن سرور بن سلامة، قال ابن حجر في «الدرر الكامنة» ٣/ ١٧٠: هو المنوفيُّ الحسنيُّ، أصلُه من الينبع، وانتقل سلفه إلى الإسكندرية، وسكن الصعيد مدة، وتعانى التصوف، =
[ ٦٨٧ ]
قال المؤلف عفا الله عنه: قِصَر الأمل: ترك الدنيا، والاجتهاد في اتباع السنَّة، مع إصلاح العمل. فاغسل قلبك بماء الندم على حبِّ الدنيا، وعلى ما فاتك من الحبيب، واستدرك ما بقي؛ فكل آتٍ قريب، فيا حسرة
_________________
(١) = فتقدَّم فيه، وروى عن المشايخ الذين لقيهم، وأخذ عن أبي الحجاج الأقصري، ومحي الدين ابن العربي، والشيخ فتح الواسطي، وغيرهم. ونقل عن عبد الغفار كرامات كثيرة جدًّا، ولم يزل على طريقته حاضر الحسن، سليم الحواس، حتى مات. قال الجزري في «تاريخه»: ذكر لي أن له أسمعة كثيرة، وله ديوان شعر، نقلت منه نحو أربعين قصيدة، وقرأت عليه منه شيئًا، وأجاز لي. قال: ورأيت في ديوانه ما ملخصه: أن الأقطاب سبعة والأبدال والأعين وهم النجباء كذلك، والأديان أربعة، والغوث يجمعهم، وهو مقيم بمكة، والخضر يجول، ولا حكم له إلا على أربعة أشياء: إغاثة ملهوف، أو إرشاد ضال، أو بسط سجادة شيخ، أو تولية الغوث إذا مات، والغوث يحكم على الأقطاب، والأقطاب على الأبدال، والأبدال على الأوتاد، فإذا مات الغوث ولَّى الخضر من يكون قطبًا بمكة غوثًا، وجعل بدل مكة قطبًا، وعين مكة بدلًا، وبدل مكة رشيدًا، وهكذا أبدًا، فإن مات الخضر صلى الغوث في حجر إسماعيل تحت الميزاب، فتسقط عليه ورقة باسمه، فيصير خضرًا، ويصير قطب مكة غوثًا، وهكذا. قال: والخضر في هذا الزمان هو حسن بن يوسف الزَّبيدي من أهل زبيد اليمن. وقد أكثر عنه عبد الغفار بن نوح القوصي النقلَ في كتابه «الوحيد في سلوك أهل التوحيد»!، ولازمه كثيرًا، وبالغ في تعظيمه. وأما أبو حيان فنقل عن الرضى الشاطبيِّ: أن عبد العزيز هذا كان من أتباع ابن عربي، وأنشد عنه أبو حيان: أنه أنشده لنفسه بجامع عمرو في رجب سنة (٦٨٠): وجدت بقائي عند فقد وجودي … فلم يبق حد جامع لحدودي وألفيتُ سري عن ضميري ملوحًا … برمز إشاراتي وفك قيودي فأصبحت منِّي دانيًا بمعارفي … وقد كنت عنِّي نائيًا لجمودي وهذا نفسُ الاتحادية لا شكَّ فيه. وله قصيدة تسمَّى اليعسوبة، طويلة جدًّا، مات في ليلة الاثنين خامس عشر ذي الحجة سنة (٧٠٣)، وقد وجدتُ أن مولده سنة (٦٠٧)، فيكون عاش ستًّا وتسعين سنة فقط. انتهى كلام ابن حجر ﵀ باختصارٍ. وترجم له الصفدي في «أعيان العصر» ٣/ ١٠٠، وفي «الوافي بالوفيات» ١٨/ ٣٢٢. قلتُ: فيتبيَّن من هذا أن هذا الشيخ المنوفي كان من غلاة الصوفية، وما نقلوا عنه من السخف والباطل عن الخضر والأقطاب كافٍ للدلالة على جهله وفساد طريقته. (ت)
[ ٦٨٨ ]
من هو عالم بقلة الإقامة، وقد لعبت به الدنيا وأذهلته عن أهوال يوم القيامة. قال صلوات الله عليه وسلامه: «نجا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» (^١). (حديث صحيح.
قال المؤلف لهذا الكلام عفا الله عنه، وعن جميع المسلمين، وأدخلنا الجنة بسلام -) (^٢): آهٍ على خلوِّ القلب من الآمال، وخلوِّ النفس من المكر والرياء والغدر والمحال، وخلوِّ اللسان من كلامٍ يسخط الملك الديان، ومن كلام الدنيا، ومن القيل والقال، وخلوِّ اليد من المال، والرضَى عن الله ﷾ في كل حال، وليس ذلك بعزيز على الكبير المتعال، (فرحم الله من دعا لنا بذلك ورزقه هذه الخصال) (^٣).
قال الربيع بن خثيم: من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن طال أمله ساء عمله (^٤).
فقد تبين لك أن أعظم الطاعات لمن لم يزل الإخلاص في العمل والزهد وقصر الأمل، نسأل الله التوفيق لذلك، وحسن الخاتمة عند فروغ الأجل، وما قلنا إنَّ الزهد وقصر الأمل هما أفضل الأعمال، وبهما وصل العمال، إلا لأن الله ﷾ خصَّ نبيه وحبيبه محمدًا ﷺ بهما، كما تقدم أنه اختار الفقر على الغنى (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (٢٠)، وذكره الديلمي في «مسند الفردوس» (٦٨٥٣)، والغزالي في «الإحياء» ٤/ ٤٥٤ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. قال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٣٤٠): حسن لغيره.
(٢) ليست في (ق). ومراد المؤلف ﵀ التأوُّه لوجود ما ذكره من الصفات في القلب والنفس واللسان واليد، لا لعدم وجودها، إلا الرضى عن الله في كلِّ حال، ثم دعا الله تعالى على ثبوت صفة الرضى، وانتفاء تلك الصفات المذمومة. ويستدرك عليه أن عدم خلوِّ اليد من المال؛ من فضل الله تعالى وإحسانه، وقد كان رسول الله ﷺ يسأل الله تعالى الغنى، ويستعيذ به من الفقر ومن الجوع.
(٣) ليست في (ق).
(٤) ذكره الثعالبي في «الجواهر الحسان» ٢/ ٢٧٦.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٦٨٩ ]
وقال ابن عباس ﵁: كان ﷺ إذا أهريق الماء يتيمم بالتراب فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «لعلي لا أدركه» (^١)، وباع زيدٌ جملًا له إلى شهر فقال ﷺ: «ما أطول أمل زيد، والله ما وضعت قدمًا إلا وظننت أني لا أضع الآخر» (^٢).
وروي أنه ﷺ نام على شريط فأثر الشريط في جنبه، فبكى عمر ﵁، فقال له: «ما يبكيك؟» قال: تذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه، وأنت رسول الله وقد أثر هذا الشريط في جنبك. قال: «ثكلتك أمك يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة! ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة فسار وتركها» (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» ١/ ٦، والطبراني في «مسند الشاميين» (١٥٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٩١، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٥٦٤) من حديث أبي سعيد قال: اشترى أسامة بن زيدٍ من زيد بن ثابت وليدة بمئة دينارٍ إلى شهرٍ، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا تعجبون من أسامة يشتري إلى شهر، إنَّ أُسامة طويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي فظننت أن شفراهما يلتقيان حتى أقبض، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة فظننت أني أسيغها حتى أغص فيها من الموت»، ثم قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فافدوا أنفسكم من الموت، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين». قال الألباني في «الضعيفة» (٤٩٧٧): ضعيف.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٣٩ (١٢٤١٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٦٣)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢٧٨٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٣٦٢) من حديث أنس ﵁ قال: دخلتُ على رسولِ الله ﷺ وهو على سريرٍ مضطجع مرمل بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر فانحرف رسول الله ﷺ انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبًا وقد أثَّرَ الشريط بجنب رسول الله ﷺ؛ فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ: «ما يبكيك يا عمر؟» قال: والله ما أبكي إلا أن أكون أعلم أنَّك أكرم على الله ﷿ من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت يا رسول الله بالمكان الذي أرى. فقال النبي ﷺ: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» قال عمر: بلى. قال: «فإنه كذاك». وأخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٠١ (٢٧٤٤)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣١٠، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٤٥٠) من حديث ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أَثَّر في جنبه، فقال: يا نبيَّ الله، لو اتَّخذت فراشًا أَوثَرَ من هذا! فقال: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقد ورد من حديث ابن مسعود ﵁، قال الألباني في «الصحيحة» (٤٣٩): صحيح.
[ ٦٩٠ ]
قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة. فالفرض: الزهد في الحرام. والفضل: الزهد في الحلال. والسلامة: الزهد في الشبهات (^١).
ثم اعلم رحمك الله أنَّ الزهد هو أفضل الأعمال؛ لأنه طريق النبيِّ ﷺ، ووَصَّى به لبعض أصحابه بقوله ﷺ: «ازهد في الدنيا يحبك الله» (^٢).
ثم اعلم أنَّ الزُّهد هو الذي ينوِّر قلب المؤمن، ويورثه قصر الأمل، ويطرد عنه التهاون في الطاعات والكسل، ويرزقه الله تعالى القوة على الطاعة والإخلاص في العمل، ويقل عليه هموم الدنيا لكثرة هموم الآخرة، وقد ملأ قلبه الرضا، لا يحزن على فقد الدنيا، ولا يحزن على مكروهٍ أصابه، ولا يتأسف على ما مضى، ما همه إلا التجهز للقاء الحبيب؛ لعلمه أنه يموت
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الزهد» (٣٠)، و«شعب الإيمان» (١٠٧٧٧)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٢٩.
(٢) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٤١٠٢)، والطبراني في «المعجم الكبير» ٦/ ١٩٣ (٥٩٧٢)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣١٣، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٦٤٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٥٢٣) من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله، دلَّني على عمل إذا أنا عملته أحبَّنِي الله وأَحَبَّنِي الناس. فقال رسول الله ﷺ: «ازهد في الدنيا؛ يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس؛ يحبوك». قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الصحيحة» (٩٤٤): صحيح.
[ ٦٩١ ]
عن قريب، فلا تراه قط معرِضًا. والحريص بعكس ذلك كله: قد نسي الآخرة، وأظلم قلبه من قوة (^١) حرصه، فلا تراه قط أبيضًا.
قال المؤلف لهذا الكتاب: كان عندي رجل من أولياء الله تعالى، وكان إذا صلى ورده في الليل ثم فرغ ينشد (هذه الأبيات ويبكي، وهي هذه الكلمات) (^٢):
إلى كم يراك الله يا عبدُ عاصيًا … حريصًا على الدنيا وللموت ناسيًا
ودمعك لا يجري وقلبك قاسيًا … (ما ذاك إلا من عصيان نفسك) (^٣) قاسيًا
مَرَّ عيسى ابن مريم ﵇ برجل نائم تحت ظل شجرة، فوكزه برجله وقال له: يا هذا، قم فاعبد الله. فقال: يا نبي الله، قد عبدت الله بأفضل العبادات. قال: وما هي (^٤)؟ قال: تركت الدنيا لأهلها. قال له: إذَنْ فنَمْ (^٥).
وفي الخبر أيضًا: أنًّ عيسى ﵇ رأى الدنيا على صورة عجوز شمطاء، (بياض شعرها يخالطه سواده) (^٦)، فسألها فقالت: أنا الدنيا. فقال لها: فأين أبناؤك؟ قالت: قتلتُ البعضَ، وأنا آخذة في قتل الآخرين (^٧).
_________________
(١) في (ق): لشدة.
(٢) ليست في (ق).
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (ق): بماذا.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٤٠٦، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ١٩٥، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٩/ ٩ بألفاظ متقاربة.
(٦) من (ب).
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الزهد» (٢٧)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٢١٤ - ٢١٥، والمناوي في «فيض القدير» ٢/ ٦٩١: أن عيسى ابن مريم ﵇ رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء، عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت. قال: فقال عيسى ﵇: بؤسًا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم واحدًا واحدًا، ولا يكونون منك على حذر؟!
[ ٦٩٢ ]
ومر عيسى ﵇ بثلاث نفر وهم موتى، وعندهم طوبتان من ذهب، فقال عيسى لأصحابه: قتلتهم الدنيا، هؤلاء الثلاثة وجدوا هاتين الطوبتين (فدخلوا ليقتسموهما، فخرج) (^١) أحدهم ليأتي بطعام فسولت له نفسه فجعل في الطعام سمًّا ليأخذ الذهب وحده، وهما أيضًا اتفقا على قتله ليأخذ كل واحدٍ طوبة، فلما أقبل بالطعام قتلاه، ثم أكلا من الطعام فماتا (^٢).
كان بعضهم ينشد هذه الأبيات:
قل لمن فاخر بالدنيا وحامى … قتلتْ قبلك سامًا ثم حاما
ندفن الخل وما في دفننا … بعده شك ولكن نتعامى
إن قدامك يومًا لو بهِ … هُدْدت شمس الضحى صارت (^٣) ظلاما
فانتبه من رقدة النوم وقم … وانف عن عيني تماديك المناما
فالعظيم القدر لو شاهدته … لم تجد في قبره إلا عظاما
قال بعض (علماء المحققين) (^٤): حقيقة الزهد ترك ما سوى الله تعالى (^٥).
وأنشد لبعضهم (^٦):
لأخلعن (^٧) عذاري في محبتكم … بحولكم لا بحولي لا ولا حيلي
_________________
(١) في (ق): فأخذوا يقتسموها وذهب.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٤٥، وفيه قصة.
(٣) في (ق): عادت.
(٤) في (خ، ط): العلماء.
(٥) ذكره القشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ٥٦، والغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢١٧، ٢٢٧، ٢٢٩.
(٦) في (خ): قال قائلهم.
(٧) في (ط): لأخلصن.
[ ٦٩٣ ]
(وأترك الكون حيًّا لبغيتكم) (^١) … (أَنَّى أريد لذاك) (^٢) الترك من قبلي
الخلق خلقكم والأمر أمركم … فأي شيء أنا لا كنت من ظُلل
الحق قلتم وما في الكون غيركم (^٣) … أعوذ بالله من علمي ومن عملي (^٤)
قال المؤلف في استعاذة هذا الرجل من علمه وعمله: أي أعوذ بالله أن أُثبتَ لنفسي علمًا أو عملًا (^٥)؛ لأنَّ الذي جهله الآدمي أكثر مما علمه. قال المولى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فقد ذكر الحقُّ سبحانه أنَّ جميع من في السماوات ومن في الأرض ما أُعطوا من العلم إلا شيئًا يسيرًا، فماذا أخذتَ أنت وحدك يا من يدَّعي العلم؟! وأما العمل: فلو عاش المسلم ألف سنة يصوم النهار ويقوم الليل ما يساوي مكثَه في الجنة ساعة مع النبيين، ونظرةً لرب العالمين. قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» (^٦). هذا وقد قام رسول الله ﷺ في خدمة مولاه حتى
_________________
(١) في (خ): وأترك الكون لا أراه ولا أرى.
(٢) في (خ): إن أترك.
(٣) في (خ): (في الدار غيركم).
(٤) وهذه الأبيات فيها نفس الاتحادية الذين يدَّعون أن وجود الخالق ووجود المخلوق حقيقة واحدة. ولا أظنُّ أن المؤلف ﵀ قصد هذا المعنى أو أراده، وذكر ابن عجيبة في «إيقاظ الهمم شرح الحكم» (ص ٧٦) في شرح قول ابن عطاء الله السكندري: «مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس بموجود معه»: قال الششتريُّ: الخلق خلقكم والأمر أمركم … فأي شيء أنا لكنت في ظلل ما للحجاب مكان في وجودكم … إلا بسرِّ حروف انظر إلى الجبل أنتم دلَلْتُم عليكم منكم ولكم … ديمومة عبَّرتْ عن غامض الأزل وقد عرفتُ بكم هذا الخبيرَ بكم … أنتم هم يا حياةَ القلب يا أملي
(٥) في (ق): واستعادة هذا الرجل من علمه وعمله أنه لم يثبت لنفسه علمًا ولا عملًا. وفي (ب): واستعادة هذا الرجل من علمه وعمله: أي أعوذ بالله أنه يثبت لنفسه علمًا أو عملًا.
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٦٤ (٧٥٨٧)، والبخاري في «صحيحه» (٥٦٧٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦٩٤ ]
تورَّمت قدماه (^١). وجاهد في سبيل الله تعالى وما بخلت قط يداه (^٢).
قال أبو سليمان الداراني: سمعت الرَّبيع يقول: كنت مقيمًا ببيت المقدس أجمع المباحات من الجبال، وكان لي أخوان بالرملة أزورهما في كل عام مرتين، فلما كان في بعض السنين خرجت لزيارتهما، فلمَّا صرت بين الجبال والأودية على ثلاثة أميال من بيت المقدس سمعت صوتًا محزونًا، وهو يقول: ما أبعدَ الطريق على من لم تكن أنت دليله، وأوحشها على من لم تكن أنت أنيسه. فقفوت الصوت واتبعت أثره، وإذا أنا بجارية وعليها خمار من صوف ومدرعة من شعر، وفي رجليها نعل من ليف، فقلت: سبحان الله، مثلك في هذا المكان بغير مَحرم! فقالت: ما أحب من يشغلني عن طاعة ربي. قال: فَرقَّ لها قَلبِي، وكان معي دريهمات فقسمتها شطرين وناولتها أحدهما، فلما رأت لمعان الدراهم تبسمت، وقالت: يا أبا الربيع، من أين لك هذه الدراهم؟ فقلت لها: إني أجمع المباحات من جبال بيت المقدس وأبيعها في المدينة. فقالت: كسب حلال لرجل ضعيف. فقلت لها: كيف تصفيني بالضعف وأنا قوي البدن؟ فقالت: أنت ضعيف اليقين لا ضعيف البدن. فقلت: فكيف السبيل إلى القوة؟ فقالت: تضع موازين القسط على جوارحك حتى يخرج كل شيء كان لغير الله، ويبقى القلب صافيًا، فيطَّلع الحق عليه فلا يرى فيه مذكورًا ولا محبوبًا سواه؛ وإذا كنت كذلك نوديت: قف بالباب، فقد كتبناك من الأحباب، وأمرنا الخزان أن لا يعصوا لك أمرًا. قلت: فما بيان ذلك؟ فقبضت كفها في الهوى، وفتحتها ووضعت في كفي دنانير. فقلت: سبحان الله ما أحسنه من كفٍّ! فسمعت قائلًا يقول:
_________________
(١) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٧٥٩)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٥١ (١٨١٩٨)، والبخاري في «صحيحه» (١١٣٠)، ومسلم في صحيحه (٢٨١٩)، وابن ماجه في «سننه» (١٤١٩)، والترمذي في «جامعه» (٤١٢)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٢١٩ (١٦٤٤)، وفي «الكبرى» (١٣٢٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١١٨٣).
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٣١٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٥٠٢) من حديث أنس: أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه؛ فأتى قومه فقال: أي قوم، أسلموا فوالله إنَّ محمدًا ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر.
[ ٦٩٥ ]
من أطاع الله مولاه أعطاه ما تمناه (^١).
وقد جاء في الأخبار: يقول الله ﷿: من أطاعني في كل شيء أطعته في كلِّ شيء (^٢).
قال أحمد بن أبي الحواري: حدثتني امرأتي رابعة فقالت: دخلت على أخت لي عاتقٍ بالموصل يقال لها: راهبة. فقالت: هل تدرين ما قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]؟ قلت: لا. قالت: القلب السليم الذي يلقى الله تعالى وليس فيه شيء غير الله تعالى. قالت: فحدثت به أبا سلمان، فقال: ليس هذا كلام راهبة، هذا كلام الأنبياء ﵈ (^٣).
عن محمد بن الحسين قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: كانت عزيزة امرأة أبي علي تقول: كيف لا أرغب في تحصيل ما عندك، وإليك مرجعي؟! وكيف لا أحبك وما لقيت خيرًا إلا منك؟! وكيف لا أشتاق إليك وقد شوقتني إليك؟! وحكي عنها أنها قالت: لا ينتفع العبد بشيء من أفعاله كطلب قوته من حلال (^٤).
_________________
(١) لم نقف عليه، وذكر ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٧٨٥) عن أبي سليمان الداراني قال: حدثني سعيد الإفريقي قال: كنت ببيت المقدس مع أصحاب لي في المسجد، فإذا أنا بجارية عليها درع شعر، وخمار من صوف، فإذا هي تقول: إلهي وسيدي! ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله! وأوحش خلوة من لم تكن أنيسه! فقلت: يا جارية ما قطع الخلق عن الله ﷿؟ قالت: حب الدنيا، إلا أن لله ﷿ عبادًا أسقاهم من نخبه شربة، فولهت قلوبهم، فلم يحبوا مع الله ﷿ غيره. ثم قالت تنشد: تزود قرينًا من فعالك إنما … قرين الفتى في القبر ما كان يعمل ألا إنما الإنسان ضيف لأهله … يقيم قليلًا عندهم ثم يرحل
(٢) ذكره ابن عجيبة الإدريسي في «البحر المديد» ٦/ ٤٠٧، وهو من أباطيل الصوفية.
(٣) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٧٠/ ٢٧٨، وذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٧٣١). وأبو سليمان هو الداراني.
(٤) ذكره الأزدي في «طبقات الصوفية» ١/ ٤١٠.
[ ٦٩٦ ]
قال سعيد المقدسي وكان من الأولياء -: خرجت من المسجد الأقصى طالبًا السياحة، فلما صرت بين الجبال رأيت امرأةً عليها ثوب من شعر وخمار من صوف، فظننت أنها راهبة، فقلت لها: أنت مسلمة؟ فقالت: يا سعيد ما هذا الكلام؟ فقلت لها: ما الذي أخرجك إلى هذا المكان؟ قالت: خوف القطيعة والأحزان. ثم رفعت طرفها إلى السماء، وقالت منشدة:
يا سروري إذا عدمت سروري … أنت في سر خاطري وضميري
أنت أنت الرجاء جُد لي بعفوٍ … وأجرني من حر نار السعير
ثم قالت: لا اعتراض عليك، اللَّهم إن كان عذابي من رضاك فعذِّب، وإن كان العفو أحب إليك فاعف. قال: فسألتها عن مسكنها رغبةً في زيارتها. فقالت: ما لي على الأرض دار، ولا لي فيها قرار. ولو وجدت سبيلًا إلى الخروج منها ما أقمت فيها فلا خير في دار لا تدوم لذتها. فقلت لها: أوصيني بشيء أنتفع به. فقالت: يا سعيد، إن أمكنك أن تخطو إلى الآخرة خطوة فافعل، وإن نالك في ذلك مشقة، فما تُنال الدرجات إلا بالصبر على المشقات. يا سعيد، ورد في الخبر أن نبينا محمدًا ﷺ دخل على فاطمة ﵂، فوجدها تطحن، فلما رأته بكت، فقال لها: يا فاطمة ما يُنال ما عند الله إلا بالصبر على المكاره (^١). ثم قالت: يا سعيد، لو باشرت الآخرة بقلبك لهان عليك ما ترى من أمور الدنيا، يا سعيد، عليك بمحبة الله والخوف من قطيعته. ثم ولت وهي تقول:
يا من به وبفضله … طاب النعيم لأهله
_________________
(١) أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (٤٤٥)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٣٣، والسيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٥٤٣ من حديث جابر قال: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من أجلة الإبل، فلما نظر إليها بكى وقال: «يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة». قال العراقي في «تخريج الإحياء»: أخرجه أبو بكر ابن لال في «مكارم الأخلاق» بإسناد ضعيف.
[ ٦٩٧ ]
كل الوصال محرمٌ … إلا إرادة وصله
إن سرني فبفضله … أو ساءني فبعدله
ما شاء يفعل إنني … أرضى بسائر فعله
قالت رابعة بنت إسماعيل الشامية: إن العبد إذا عمل بطاعة الله ﷿ أطلعه الجبار على مساوئ عمله، فتشاغل به دون خلقه (^١).
قال أحمد بن أبي الحواري زوج رابعة: جلست لآكل، فجعلت تذكِّرني فقلت لها: دعينا، يهنينا طعامنا. فقالت: ليس أنا وأنت ممن ينغص عليه الطعام عند ذكر الآخرة (^٢).
وقال أحمد: كان لرابعة أحوال شتى، فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرة يغلب عليها الخوف، فسمعتها تقول في حال الحب:
حبيبٌ غاب عن بصري وشخصي … ولكن عن فؤادي ما يغيب
وسمعتها في حال الأنس تقول:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانسي … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي (^٣)
وسمعتها في حال الخوف تقول:
وزادي قليلٌ ما أراه مبلغي … أللزاد أبكي أم لطول مسافتي
أتحرقني بالنار يا غاية المنى … فأين رجائي فيك أين محبتي (^٤)
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٨٢٣).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ط): جليسي.
(٤) ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٦٩/ ١١٧، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٨٢٣).
[ ٦٩٨ ]
انظر رحمك الله! إلى أحوال هؤلاء النسوة، كيف آنسهم الحق به فاستوحشوا من غيره، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقد تعطى المرأة ويحرم الرجل، وقد يصيب العبد ويخطئ السيد.
خرج بعضهم من الإسكندرية وعبده خلفه، فجلس السيد على مصطبة وأمر عبده بأن يأتي بحاجة نسيها، وكان قد كشف لبعض الأولياء، فرأى علمًا من نور فوق رأس السيد وعبده ولم يعلم لمن هو، فلما ولى العبد ذهب النور معه (^١).
قال المولى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]. وقال المولى الغفور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقد يناله الصغير ويحرم الكبير.
كان أمير البلدة على باب حاتم الأصم، فطلب ماءً فجاؤوا له بماء بارد، فرمى لهم شيئًا من الدنيا، فوافقه أصحابه، ففرح من في البيت، وكان لحاتم ابنة فبكت، فقيل لها: ما بالك تبكي؟ فقالت: هذا مخلوق أقبل علينا فاستغنينا به، فكيف لو أقبل الخالق علينا (^٢).
وقالت رابعة يومًا: من يدلنا على محبوبنا؟ فقالت جاريتها: هو معنا، لكن حَجَبَنا عنه حب الدنيا (^٣).
وقد قلت ما اتفق لهؤلاء النسوة والجواري والأطفال؛ ليعلم الجاهل أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء، وتوبيخًا لكثير من الرجال، ولمن يدعي الأهلية وقد شغل بالدنيا والأماني والمحال، ولم يخف من شديد المحال، فمن تفرغ من حب الدنيا وهمومها؛ أقامه الحق بين يديه، ونظر بعين كرمه إليه. قال بعض المحبين:
قلبٌ أحب سواك لا نال المنى … وجنت عليه يد الصدود بما جنى
_________________
(١) لم أجده.
(٢) ذكره ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (١٠٢٨).
(٣) لم أجده.
[ ٦٩٩ ]
كيف التعوض عن هواك بغيره … وبنا إليك الفقر لا عنك الغنى
يا من تجلى في الوجود لناظري … فرأيته من كل شيء أحسنا
سل عاشقًا هجر الكرى وجفا ال … ورى ورأى المحبة دينه فتدينا
كان الشبلي ينشد على سور عسقلان:
اطلبوا لأنفسكم … مثل ما وجدت (^١) أنا
قد وجدت لي سكنًا … ليس يشبه السكنا
إن دنوت قربني … وإن بعدت عنه دنا
وكان بعضهم ينشد مخبرًا عن حاله:
وحقكم ليس لي في غيركم غرض … لأنني لم أجد لي عنكم عوض
فحبكم جوهر في القلب مسكنه … وكل شيء سوى حبي لكم عرض
ومن جنوني بكم قالوا به مرض … فقلت لا زال عني ذلك المرض
وقال بعض المحبين شعرًا:
قلبي يراك على بعد من الدار … وأنت في الحب في ذكري وتذكاري
إن غاب شخصك عن عيني فلم أره … فإن حبك معقود بإضماري
فإن تكلمت لم ألفظ بغيركم … وإن سكتُّ فأنتم عقد إضماري
ولقد أحسن من قال:
رسول أتاني مخبرًا برضاكم … عليّ وقلبي آمنٌ من جفاكم
فأوجد روحي راحةً ومسرةً … وقد كان قلبي خائفًا من سطاكم
أسأنا وأحسنتم إلينا تكرمًا … وخنَّا وما خنتم وبان وفاكم
وما زال حسن العفو منكم سجية … يجازى به من بالذنوب أتاكم
_________________
(١) في (ق): طلبت.
[ ٧٠٠ ]
إذا نحن خفناكم لجأنا إليكم … وليس لنا من نرتجيه سواكم
لقد خاب من يسعى إلى باب غيركم … وفاز الذي والاكم واصطفاكم
وما راق لي إلا بديع جمالكم … ولا هزني إلا نسيم هواكم
وإن كان جسمي غائبًا عن خيامكم (^١) … فإن فؤادي حاضرٌ في حماكم
عليكم سلام الله إني لبعدكم … سقيم وما أُشفَى بغير لقاكم
مر الشبلي بصغار يضربون رجلًا بالأحجار، فنهاهم، فقالوا: دعنا يا شيخ نقتله فإنه كافر بالله تعالى يزعم أنه يرى الله ويتكلم معه. فجاءه الشبلي فرآه يمسح الدم عن وجهه ويطرق، ثم يرفع طرفه نحو السماء ويقول: هذا جميل منك؛ تسلط عليَّ هؤلاء الصغار! (فقلت في نفسي: هو مجنون. فقلت له: ماذا يقول عنك الصغار؟) (^٢)، فنظر إلى الشبلي وقال: ما يقولون يا شبلي؟ فلما افترسني (^٣) قلت: هو والله وليُّ الله تعالى. فقلت: يقولون عنك أنك تقول: إنك ترى الله وتخاطبه (^٤). فقال: والله يا شبليُّ لو احتجب عنِّي طرفة عينٍ لتقطعت من ألم البين، ثم ولَّى وهو يقول:
خيالك في وهمي وذكرك في فمي … وحبك في قلبي فكيف (^٥) تغيب (^٦)
وكان بعض المحبين لا يزال يقول: الله! الله! فوقع سهم شجَّ جبينه، فجرى الدمُ فكتب على الأرض: الله! الله! (^٧).
_________________
(١) في (خ): عتابكم.
(٢) ليست في (ق).
(٣) يعني: تَفَرَّس فِيَّ وأنعم النظر.
(٤) في (خ): وتتكلم عنه.
(٥) في (ق): فأين.
(٦) لم أجده، وقد ظهر من شِعْر ذَلك الرجُل أنَّه لا يعني أنه يرى الله ويخاطبه عيانًا، وإنما بحضور القلب والحب والذكر. على أنَّ إطلاق الرؤية والكلام على هذا منكرٌ، وهو من أباطيل الصوفية التي يتدرجون بها إلى وحدة الوجود، وأشدُّ نكارة من ذلك قوله: (خيالك في وهمي)، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. (ت)
(٧) أخرجه القشيري في «الرسالة القشيرية» ٢/ ٣٧٩ عن جعفر بن نصير يقول: سمعت=
[ ٧٠١ ]
قال المؤلف: رأيت رجلًا قد وَلِهَ (^١) بحب الله تعالى، لا يزال يقول: لا إله إلا الله. ملء رأسه، ولا كان يسعه إلا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل (^٢) وصلى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل (^٣) ﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين
_________________
(١) = الجريري يقول: كان بين أَصحابنا رجلٌ يُكثر أَنْ يقول: الله! الله! فوقع يومًا عَلَى رأسه جذع، فانشج رأسه، وسقط الدم، فاكتتب على الأَرض: الله! الله! قلتُ: وذكر الله تعالى بالاسم المفرد: (الله)، طريقة مبتدعة لا أصل لها في الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، فالواجب ذكر الله ﷿ بالدعاء والاستغاثة والتسبيح والحمد والشكر والثناء الجميل ونحو ذلك من المعاني التي دلت عليها الأدعية المأثورة. (ت)
(٢) الوَلَهُ: الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدَّة الوجد. انظر «لسان العرب»: وله.
(٣) يريد المسجد الذي ينسب إلى إبراهيم ﵊ ويُعرف بالحرم الإبراهيمي وما هو بحرمٍ، إذا لا حرم إلا حرمُ مكة وحرم المدينة وهو أقدم مساجد مدينة الخليل في فلسطين، وقد جرى فيه المسلمون على سننن من قبلهم من اليهود والنصارى في اعتقادهم أنَّ في ذلك الموضع قبرُ إبراهيم ﷺ.
(٤) السِّماطُ: ما يمدُّ ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها. وتدل النصوص التاريخية على أن بعض المسلمين ابتدعوا في الخليل إطعامًا منتظمًا للفقراء، وجعلوا ذلك باسم سماط إبراهيم الخليل ﷺ. قال ابن الحاج في «المدخل» ٤/ ٢٤٦ وقد ذكر زيارة الخليل، ولم يوفَّق إلى إنكارها!: وليحذر مما يقوله بعضهم عن العدس الذي يفرقونه فيه هذه: ضيافة الخليل ﵊! فيفردونه بالذكر، فقد يوهم ذلك أن ضيافته ﵊ كانت بالعدس، ليس إلا، وكانت ضيافته ﵇ بذبح البقر، وهذا لفظ ينبغي أن ينهى عنه قائله، وقد شاع هذا في غير ذلك الموضع من البلاد، تسمعهم ينادون على العدس المطبوخ في الأسواق: عدس الخليل! عدس الخليل! قال الله ﷿ في كتابه العزيز: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]، وإذا فعل ذلك في حق نفسه فيتعيَّن عليه أن ينصح إخوانه المسلمين، ممن يعلم أنه يقبل منه نصيحته، وإلا فليعتزلهم، وإلا فعليه بخاصة نفسه. وقال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٣١٦ في سياق كلامه عن العدس: وأما ما يظنه الجهال أنه كان سماط الخليل الذي يقدمه لأضيافه؛ فكذب مفترى، وإنما حكى الله عنه الضيافة بالشواء، وهو العجل الحنيذ. =
[ ٧٠٢ ]
يأخذهما من سماط الخليل، فشكاه الناسُ (^١) لشيخ حَرَمِ الخليل ﵇ ويُعرف بالجَعْبَري (^٢)، وقالوا: هذا الفقير يؤذينا من قوة ذكره. (قال الشيخ: لا تعطوه الخبز) (^٣). فمرَّ به المفرِّقُ ولم (يدفع له خبزه، فقال الفقير) (^٤): لم لا تعطوني العَلَفَ؟ قالوا: الشيخ أمرنا بذلك. قال: ولم أمركم بهذا؟ قالوا: لأنك (تذكر الله وتصرخ) (^٥). قال: أعطوني خبزي وأنا من اليوم أذكر الله تعالى ولا أصرخ! ثم قال: والله أنا كنت أذكر الله تعالى في القدس أقوى من هذا الذِّكر ولم ينهوني عن ذلك. ثم جاء ثاني ليلة فمسك نفسه فلم يقدر وقال: لا إله إلا الله. رافعًا صوته، ثم أيس من الرغيفين، وقال لهم: أنتم في حِلٍّ من الرغيفين! فمن الناس من بكى لكلامه، ومنهم من ضحك.
فمن عمل ذلك عامدًا يكون خارجًا عن السنة مبتدعًا، ومن غلب عليه الحال يعذَرُ، (لا يكون خارجًا عن السنة) (^٦)، فصدِّق أحوالَ الرِّجال، ودع
_________________
(١) = وقد ذكر عبد الرحمن بن محمد العليمي (ت: ٩٢٨) وصف السماط وما تعلق به من حوادث في مواضع متفرقة من كتابه: «الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل»، فيراجعه من شاء.
(٢) في (خ): فشكوه.
(٣) هو الشيخ الإمام العالم المقرئ شيخ القرَّاء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري، ثم الخليلي الشافعي، صاحب المصنفات الكثيرة في القراءات وغيرها، ولد سنة (٦٤٠) بقلعة جعبر، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة يقرئ الناس، وشرح الشاطبية، وسمع الحديث، وكانت له إجازة من يوسف بن خليل الحافظ، وصنَّف بالعربية والعروض والقراءات نظمًا ونثرًا، وكان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرياسة والخير والديانة، والعفَّة والصيانة، توفي يوم الأحد خامس شهر رمضان سنة (٧٣٢)، ودفن ببلد الخليل تحت الزيتونة، وله ثنتان وتسعون سنة ﵀. قاله ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٤/ ١٨٤.
(٤) في (ق): فمنع خبزه.
(٥) في (ق): يعطه شيئًا فقال.
(٦) في (ق): تؤذي الناس بصراخك.
(٧) ليست في (ق).
[ ٧٠٣ ]
عنك المراء والجدال (^١).
قال المؤلف: جاءني بعضُ الأصحاب وكان من المشايخ، ومعه إجازةٌ بالقراءات السَّبع، فقال لي: (سكنتُ مرةً بجانب الجامع الحاكمي بالقاهرة المعزِّية) (^٢) وأنا صبيٌّ (دون البلوغ) (^٣)، فانتبهت في الليل، فسمعت صوتًا يقول: الله! الله! ويمدُّ صوته، فقلت في نفسي: هذا صوت مريض أو محب. فلما جاء (^٤) الصبح طرقتُ الباب الذي سمعت منه الصوت، فدخلت فإذا هو شيخ صالح فقلت له: يا سيدي لمَّا سمعتُك البارحة تقول: الله! الله! قلت في نفسي: هذا صوت مريض أو محب (^٥). فصرخ الشيخ، وقال: يا بني، أنا مريض ومحب. فبينما الشيخ جالس، وإذا برسول القاضي وقد جاء وقال: يا شيخ قم كلِّم القاضي. فقد عقد لك مجلسًا؛ (لأنه بلغه أنك قلت: أنك ترى الله. فخرج) (^٦) فسمع قائلًا يقول: يا شيخُ! إذا قيل لك: هل رأيت الله؟ فقل لهم: الأعمى هو الذي لا يرى الظاهر. فإن قالوا: فكيف رأيته؟ فقل لهم: الأحمق هو الذي يكيف. فلما دخل (^٧) الشيخ أجلسه القاضي إلى جانبه وقال له: يا شيخ، أنت رأيت الله؟ قال الشيخ: الأعمى
_________________
(١) يريد المؤلف ﵀ أن ما حصل من ذلك الصوفي من الصراخ بذكر الله مخالف للسنة، وهو مبتدع إن تعمده، لكنه معذور إن غلبته الحال، وهذا صحيح، فيكون بمنزلة المجانين والمعتوهين، فهذه الحال شيطانية قد تكون من تلبِّس الجنِّ به، أو من ضعف عقله، ومرض نفسه، نسأل الله العفو والعافية.
(٢) في (خ): (سكنَّا مرة بجانب الجامع بالقاهرة يُعرف بجامع الحاكم). وهو جامع الحاكم بأمر الله، بُني عام (٣٨٠) في عهد العزيز بالله العبيدي الباطني، وأتمه ابنه الحاكم بأمر الله (٤٠٣) لذا نسب إليه. راجع خبره في «المواعظ والاعتبار» للمقريزي ٤/ ٥٨.
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (ق): كان.
(٥) في (ق): محب أو ضعيف.
(٦) في (خ): وهو يفكر ماذا يكون جوابه للفقهاء، وكان الناس قد بلغوا القاضي أن الشيخ قال لهم إنه رأى الله تعالى.
(٧) في (ق): وصل.
[ ٧٠٤ ]
هو الذي لا يرى الظاهر. فسكت القاضي، فقال رجل من الفقهاء: كيف رأيته؟ قال الشيخ: الأحمق هو الذي يكيِّفُ. فقام القاضي وقبَّل يدَ الشَّيخ وشيَّعه (^١).
وقد جاء في الحديث الصحيح: «الإحسانُ أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك» (^٢).
_________________
(١) لم نقف على هذه القصة، وهي من الحكايات التي وقعت للمؤلف سماعًا، وما حصل لهذا الشيخ الصوفي إنما كان من تلبيس إبليس، فقد ألقى إليه أولًا أنه يرى الله ﷿، ثم ألقى إليه ثانيًا ما يجيب به القاضي. وقد قالت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم (٢٨٧): «من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفريةَ، أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]، أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]. فكيف بمن أثبت هذا لغير النبي الكريم ﷺ؟!
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٨ (١٨٤)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (٢٦)، ومسلم في «صحيحه» (١)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٩٥)، وابن ماجه في «سننه» (٦٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٦١٠)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ٩٧ (٤٩٩٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٥٠٤) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان. وأخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٣) من حديث أبي هريرة ﵁. قلتُ: وليس في هذا الحديث ما يمكن أن يستشهد به للقصة السابقة، فإنه ﷺ قال: «كأنك تراه»، ولم يقل: «تراه» أو: «ستراه» أو: «لتراه»، ثم بيَّن انتفاء الرؤية بقوله: «فإن لم تكن تراه»، وهذا هو الواقع، فصار المراد من الكلام تقريب المعنى وتأكيده، قال النووي ﵀: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ، لأنا لو قدَّرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها؛ إلا أتى به، فقال ﷺ: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنَّما كان لعلم العبد باطلاع الله ﷾ عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال، للطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام: الحثُّ على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع، والخضوع،=
[ ٧٠٥ ]
وقال شيخُنا ﵀ مرةً شيئًا غريبًا حتى أطرَب السامعين، وأخرق عقولَهم، ولقد رأيتُ في مجلسه من حُمِلَ (في كساءٍ) (^١) إلى بيته، فلمَّا تكلم وفرغ، قال بعض الفقراء: يا سيدي! هذا الكلام الذي قلتَه لم أسمعه منك، بل من الله تعالى! فقال الشيخ عن نفسه: اذهب بهذه القفَّة (^٢) العظام من الوسط، فالمتكلم هو الله تعالى جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه! وكان ﵁ يقول:
لقد ظهرتَ فلا تخفى على أحدٍ … إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا
ثم استترتَ عن الأبصار يا صمدُ … فكيف يعرف من بالعزَّة استترا (^٣)
_________________
(١) = وغير ذلك. وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم، واستحياء منهم؛ فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعًا عليه في سره وعلانيته؟!
(٢) من (خ).
(٣) قال في «المصباح المنير»: القفة القرعة اليابسة، والقفة ما يتخذ من خوص كهيئة القرعة، تضع فيه المرأة القطن ونحوه، وجمعها قفف، مثل: غرفة وغرف، والقف ما ارتفع من الأرض وغلظ، وهو دون الجبل، والجمع قفاف. قلتُ: الظاهر أنه أراد إسقاط الواسطة، وهو نفسه، فادعى أن المتكلم هو الله ﷿، تعالى الله عن قوله علوًّا كبيرًا.
(٤) ذكر ابن الملقِّن في «طبقات الأولياء» ٥١٧: الشيخ داود بن عمر بن ماخلا الكهاري السكندري المالكي، صحب تاج الدين ابن عطاء الله وشرح «حزب البحر»، فكان يتمثَّل بقوله: .. فذكر البيتين، وعنده: (وكيف يظهر). وقال الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٤/ ٣٢٢: فالناس في طلبهم معرفة الله كالمدهوش الذي يضرب به المثل إذا كان راكبًا لحماره وهو يطلب حماره، والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة، فهذا سرُّ هذا الأمر فليحقق، ولذلك قيل: فقد ظهرتَ فما تخفى على أحدٍ إلا على أكمه لا يعرف القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبًا فكيف يعرف من بالعرف قد سترا قلتُ: يتبيَّن لنا من نقل ابن الملقِّن أن داود بن عمر كان يتمثَّل بقول شيخه ابن عطاء الله، وهذا عمَّن قبله من الصوفية، فابن عطاء هو صاحب القصة التي ذكرها المؤلف، ووصفه بقوله: (شيخنا)، وقد تبيَّن لنا في غير ما موضع أنه إذا قال هذه الكلمة فمراده شيخه ابن عطاء الله الصوفي. (ت)
[ ٧٠٦ ]
وقال بعض العارفين: لو كُلِّفت أن أرى غير الله تعالى لما استطعت (^١).
وقال ﵁: من ذاق شيئًا من خالص حب الله تعالى؛ ألهاه ذلك عن ما سواه (^٢). قال رسول الله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا» (^٣).
قال المؤلف: من رضي بالله ربًّا؛ وحَّده في الأفعال والأقوال، قال المولى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ثم يتوكل في جميع أموره عليه ولا ينظر إلا إليه.
سُئل أبو يزيد ﵁ عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: هي سنة من سنن رسول الله ﷺ؛ ولكن اجتهد أن ترفع قلبك إلى الله تعالى فهو أولى (^٤).
فسبحان من رفع قلوب أوليائه إليه، ورزقهم حسن الأدب بين يديه، فهم له طالبون، وفي جناته (^٥) راغبون، وعن ما سواه راحلون، وعلى باب
_________________
(١) ذكره ابن عطاء الله السكندري في «التنوير لإسقاط التدبير» في (حكم الادخار)، فقال: وقال بعضهم: لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع، لأنه لا غير معه حتى أشهد معه! وهذا حال أقوام تولتهم الرعاية، واكتنفتهم العناية، فأي تدبير بهؤلاء؟ أم كيف يمكن هؤلاء أن يكونوا من المدخرين وهم في حضرة رب العالمين؟ وإن ادخروا لم يكونوا على ما ادخروه معتمدين، أم كيف يمكنهم أن يكونوا إلى سواه مستندين، وهم لوجود الأحدية مشاهدون؟ قلتُ: هذا من دعاوى الصوفية، يقصدون بذلك أن للوجود حقيقة واحدة، فالخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، فكيف يرى غيره وليس في الوجود سواه؟ تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، ويظهر لي أن المؤلف تجاوز الله عنا وعنه لم يكن على علم بمعاني كلامهم، ومقاصد إشاراتهم. (ت)
(٢) ذكره ابن عطاء الله في: «التنوير» ونسبه لبعضهم ولم يسمِّه. (ت)
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٠٨ (١٧٧٨)، ومسلم في «صحيحه» (٣٤)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٢٣) من حديث العباس ﵁.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) في (خ): جنابه.
[ ٧٠٧ ]
خدمته واقفون، فهم في الشدة صابرون، وفي النعمة شاكرون، وفي الصلاة خاشعون، وعن اللغو معرضون، ومن خشيته مشفقون، ومن هيبته مطرقون، ولعظيم كبريائه متواضعون إلى الله سبحانه افتقارهم، وبه افتخارهم، وعليه اعتمادهم، فلما أعرضوا عن غيره؛ أقبل عليهم وجعلهم للعبودية أهلًا، فهو وليهم، وسيدهم، وناصرهم وعزهم، وذخرهم وفخرهم، ومعبودهم ومقصودهم، ومعلومهم ومدبرهم، وما خاب عبد كان الله له مدبرًا، ولا خذل قطُّ من كان له منتصرًا ما عرف الله سبحانه من لم يفوض أمره إليه، ولقد جهله من لم يتوكل (في جميع أموره) (^١) عليه، لا تجتمع عبودية واختيار (^٢)، ولا ظلم وأنوار، ولا توجه العبد لله وتوجهه للآثار، فإما الله لك، أو أنت لنفسك، فاختر على بيان، ولا تستبدل (^٣) الهدى بالخسران.
العجب كل العجب لمن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء معه؛ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ولا ترحل من كون إلى كون، فمن رحل والمُضِرُّ معه ما رحل، فتكون كحمار الرحى يسير؛ والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، ولكن ارحل من الكون إلى المكون، وإلى ربك المنتهى، واسمع قوله ﷺ: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٤)» افهم قوله ﷺ: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». وتأمل هذا الأمر إن كنت من ذوي الأفهام، واعمل على الرجوع إلى الملك العلام، فإن فاتك مقام السابقين فعسى
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) في (خ): ولا اختيار.
(٣) في (ق): تستند إلى.
(٤) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٢٨)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٢٥ (١٦٨)، والبخاري في «صحيحه» (١)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٠٧)، وأبو داود في «سننه» (٢٢٠١)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٢٧)، والترمذي في «جامعه» (١٦٤٧)، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٥٨ (٧٥)، وفي «الكبرى» (٧٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٧٠٨ ]
أن تكون من اللاحقين، وإلا فكن في آخر الركب، أو اتبع الأثر، ولا تكن من المنقطعين فتخالف الآية والخبر، فإن منَّ عليك بالوصلة كان، وإلا فمُتْ في الطلب فتحشر مع الطالبين، وفي زمرة المشتاقين، فتكون داخلًا في قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. فإن لم تصلح لشيء من ذلك فاقعد على الباب، فإن طردوك فاقعد قبالته.
سمع ثلاثةٌ قائلًا يقول: يا زَعتَر، بَرِّي. فتواجدوا على ذلك، فأما أحدهم فكان من الواصلين، والآخر متوسط وقد طالت عليه الطريق، والآخر مبتدئ فأسمعَ الله تعالى كل واحد شيئًا ترويحًا لقلبه: فأما الواصل فسمع: ما أوسعَ بِرِّي. وسمع المتوسط: السَّعَةَ ترَى بِرِّي. وسمع المبتدئ: اسْعَ ترَى بِرِّي. فكان ذلك ترويحًا لقلوبهم، وسمعوا على قدر مشروبهم (^١).
كان بعض الصالحين يقول:
والله ما جئتكم زائرًا إلا … وجدت الأرض تطوى لي
ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي
_________________
(١) أخرج القشيري في «رسالته» ٢/ ٥١٦: عن يحيى بن الرضى العلوي، قال: سمع أبو سلمان الدمشقي طوافًا ينادي: يا سعتر بري. فسقط مغشيًّا عليه، فلما أفاق سئل، فقال: حسبته يقول: اسع تر برِّي! وقال الغزَّالي في «إحياء علوم الدين» ٢/ ٢٨٢: واجتازَ بعضُهم في السوق فسمع قائلًا يقول: يا سعتر بري. فغلبه الوجد، فقيل له: على ماذا كان وجدك؟ فقال: سمعته كأنه يقول: اسع ترى برِّي. وقال الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين» ٦/ ٥٠٩: رأيتُ في كتاب «المُرْقِي في مناقب سيدي محمد الشَّرْقي» تأليف: عبد الخالق بن محمد بن أحمد بن عبد القادر ابن سيدي محمد الشرقي، ما نصُّه: كان رجل في زقاق مصر يبيع ويقول: يا سعتر بَرِّي! ففهم منه ثلاثة من العبَّاد، الأول من أهل البداية: اسع ترَ برِّي. أي اجتهد في طاعتي ترى مواهب كرامتي. والثاني متوسط، ففهم: يا سعةَ برِّي. أي: ما أوسع معروفي وإحساني لمن أحبني وأطاعني. والثالث: من أهل النهاية، ففهم: الساعةَ ترى برِّي. أي الفتح جاء آياته، فتواجدوا جميعًا. انتهى.
[ ٧٠٩ ]
من لقيته عواصف الشوق أسرعت به إلى منازل الحبيب، ومن عرف الحق سبحانه شاهده في كل شيء، ومن فنى به غاب عن كل شيء، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئًا، إنما حجب الحق سبحانه عنك شدة قربه منك، فاحتجب لشدة ظهوره، واحتجب عن الأبصار لعظيم نوره.
كان بعض الصالحين ينشد:
ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون سار
فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار
فإذا أردت أيها المؤمن! أن تعرف قدرك عند الله سبحانه، فانظر (ماذا يقيمك فيه) (^١)، فإن رزقك الطاعة والغنى به عنها؛ فقد أسبغ نعمه عليكَ،
وليس العارفُ من إذا أشار وجد الحقَّ أقرب من إشارته؛ بل العارف من لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده، وانطوائه في شهوده (^٢).
والحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار، والرجاء ما قاربه عمل، وإلا فهو أمنية، ويخاف على من يقول: إني لأرجو الله سبحانه وأخافه، وأظن به خيرًا. وهو لا يجتهد في الأعمال الصالحات (^٣)، (ونفسه غادية في جهلها ورائحة) (^٤)، فيقال له: كذبت، لو كنت صادقًا فيما ادعيت، لجرَّك ذلك إلى أعمال الصالحين: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣].
ومثل هذا كمثل من يدعي المحبة؛ وهو على الدوام يخالف ربه، وقد
_________________
(١) في (خ): في ماذا يقيمك.
(٢) في (ق): وجوده. وراجع تحقيق القول في مسألة الفناء كتاب: «الرد على الشاذلي في حزبَيْه، وما صنَّفه في آداب الطريق» لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية ﵀.
(٣) في (خ): الصالحة.
(٤) ليست في (ق).
[ ٧١٠ ]
استولى عليه الشح فلا تراه يسمح (^١) بحبه، قال أبو الليث رحمة الله عليه (^٢):
تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا محال في الفعال بديع
لو كنت فيه صادقًا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع
فمن عمل بالكتاب والسنة، فهو محب صادق خائف، قد أحسن بالله ظنه، واستوجب محبة الله والجنة. ومن لم يعمل بالكتاب والسنة خُذِل، ونُكِب، وفاته ما تقدم ذكره من الخيرات والمنة؛ لأن الكتاب والسنة من مفاتيح الجنة، فمن عمل بهما وهو خائف حزين فالجنة مقامه، وهو عند الله من الآمنين، قال الصادق الأمين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين: «إن الله يحبُّ كلَّ قلبٍ حزينٍ» (^٣).
فقد أخبر الله سبحانه عن أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. وقال الحي القيوم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٧]. سمعتْ عائشة ﵂ قارئًا يقرأ هذه الآية فبكتْ، وقالتْ: ربِّ مُنَّ عليَّ وقني عذاب السَّموم (^٤).
ثم اعلم أنَّ الخالقَ سبحانه ما خوَّف عباده الصالحين إلا ليجمعهم عليه، وليؤمنهم يوم الوقوف بين يديه.
كان مالك بن دينار إذا صلى ورده في الليل يقول: اللَّهم خلقت
_________________
(١) في (خ): يسخ.
(٢) سبق ذكر البيتين، ونبهنا هناك أنهما ليسا لأبي الليث السمرقندي، وإنما من نقله.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤٠٤٨)، وأحمد في «الزهد» ١/ ١٦٤، وابن راهويه في «مسنده» ٢/ ٤١، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٤٨ عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂: أنها كانت إذا قرأت: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٧]، قالت: اللَّهمَّ مُنَّ عليَّ، وقني عذابَ السموم.
[ ٧١١ ]
دارين، وخلقت لكل دارٍ أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرم شيبة مالك على النار (^١).
قال الفضيل: بكى ابني عليٌّ، فقلت: يا علي، ما يبكيك؟ قال: يا أبتي، أخاف أن لا تجمعنا القيامة (^٢).
وقال العلماء: لما اجتمع يعقوب بيوسف عليهما الصلاة والسلام، قال يوسف: يا أبت، بلغني أنك بكيت على فراقي حتى عميت، أما علمت أن الله تعالى يجمعنا يوم القيامة! قال يعقوب: يا بني خفت أن تموت على غير ملة آبائك فلا أجتمع بك في الدنيا ولا في الآخرة. فحينئذٍ قال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (^٣).
ثم اعلم بأن الخوف على قدر إيمان العبد، ومعرفته بالله ﷿؛ ولذلك كان النبي ﷺ أعرف الناس بالله تعالى، وأكثرهم خوفًا منه، فقد روي أنه ما ضحك قهقهةً قط، بل كان ضحكه تبسمًا (^٤)، وكان إذا بكى يبل الأرض من دموعه (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «الزهد» ١/ ٣٢٥، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٦١، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٥٢٢)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٦/ ٣١٤.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٩٧، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢١٩)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢١/ ٩٨.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الهم والحزن» (١١٥)، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٤/ ٢٨٨، والألوسي في «روح المعاني» ١٣/ ٥٧.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٦٢٠) بإسناد صحيح عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا. فقال: أقول يا أمَّه كما قال الأول: زر غبًّا تزدد حبًّا. قال: فقالت: دعونا من رطانتكم هذه. قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ، قال: فسكتتْ، ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: «يا عائشة! ذريني أتعبد الليلة لربي»، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آيةٌ ويل لمن قرأها، ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]» الآية كلها.
[ ٧١٢ ]
قال عبد الله بن عمر: من بكى من خشية الله غفر الله له، ومن تباكى ولم يبك أعطاه الله أجر المصاب الحزين (^١).
وقال ﷺ: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» (^٢)، أمرهم بالتشبُّه؛ لأن من تشبَّه بقوم فهو منهم، وفي الحديث: «من تشبه بغيرنا فليس منَّا» (^٣). ليس كل أحدٍ يقدر على البكاء؛ لقساوة قلبه، ولكن يقدر على التشبه، قال المولى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقال ﷺ: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خشية الله، حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، حرمت النار على عين غضت عن محارم الله» (^٤).
ورُوي: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص يصلِّي وهو يبكي، وقد شبَّ القمر، إذ مرَّ به العلاء بن طارق، فوقف يسمع، فقال: ما يوقفك يا ابن أخي؟ أتعجب منِّي أن أبكي؟ فو الله إن هذا القمر يبكي من خشية الله، أما والله لو تعلمون علم اليقين، لبكى أحدكم حتى ينقطع صوته، وسجد حتى ينقطع صلبه (^٥).
قال كعب: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله ملكًا فيمسح كبده، فإذا مسح كبده بكى (^٦).
وقال الفضيل بن عياض: والله ما فاضت عينا عبد قط حتى يضع الله
_________________
(١) زاد في (ق): (الصلاة والهدى والرحمة). والأثر لم نقف عليه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه وكيع في «الزهد» (٢٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣٦٢٧)، وابن عساكر في «تاريخه» ٣١/ ٢٦٧، واللفظ لابن عساكر.
(٦) ذكره إسماعيل حقي في «روح البيان» ٣/ ٣٦١.
[ ٧١٣ ]
يده على قلبه، وما بكت عيناه إلا من فضل رحمة الله (^١).
قال جارٌ لمسعر بن كدام (^٢): بكى مسعر فبكت أمُّه، فقال: ما يبكيك يا أماه؟ قالت: يا بني، رأيتك تبكي فبكيت. قال: يا أماه، لمثل ما نهجم عليه غدًا فليَطُل البكاء. قالت: وما ذاك؟ فانتحب وقال: القيامة وما فيها. ثم غلب عليه البكاء فبكى، فكان إذا دخل بكى، وإذا خرج بكى، وإن صلى بكى (^٣).
قال مصعب بن المقداد: رأيت النبي ﷺ في المنام، وسفيان الثوري آخذٌ بيده، وهما يطوفان، فقال الثوري: يا رسول الله، مات مسعر بن كدام؟ قال: نعم، واستبشرت به أهل السماء (^٤).
ولما احتضر سفيان الثوري صار يجود بنفسه ويبكي فقيل له: ما يبكيك؟ عليك بالرجاء. قال له: كأني أبكي على الذنوب، والله لو علمت أني أموت على الإسلام ما باليت ما ألقاه من الذنوب (^٥).
قال عبد الرحمن بن مهدي: توضأ سفيان ليلة موته ستين مرة، فلما كان وجه السحر قال لي: يا ابن مهدي، ضع خدي على الأرض؛ فإني ميت يا ابن مهدي، ما أشدُّ كُرَب الموت. قال: خرجت لأُعْلِمَ حماد بن زيد وأصحابه، وإذا هم قد استقبلوني وقالوا: آجرك الله. فقلت: ومن
_________________
(١) أخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٢٩٨١، ٣١٣٥).
(٢) زاد في (ط): بن سعدة. وهي زيادة مقحمة، وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري (١٩٧١)، و«الثقات» لابن حبان ٧/ ٥٠٧، و«تهذيب الكمال» للمزي (٥٩٠٦).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٤٩)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤٤١).
(٤) أخرجه أحمد بن حنبل في «الورع» ١/ ٩٠، وابن المقرئ في «المعجم» (١٠٢٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٧/ ٢١٠، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤٤١)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٦٨ بلفظه.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ١٢، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ١٧٢، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤٤٣) بألفاظ متقاربة.
[ ٧١٤ ]
أعلمكم؟ فقالوا: ما منا من أحدٍ إلا أُتي البارحة في منامه وقيل له: ألا إن سفيان الثوري قد مات (^١).
عن محمد بن يوسف قال: تأملت سفيان ليلة بكى حتى أصبح، فقلت له: أبكاؤك على الذنوب؟ قال: لا، بل خوفًا أن أسلب الإيمان (^٢).
قال كعب الأحبار: من بكى خوفًا من الله من ذنب غفر الله له ذلك الذنب، ومن بكى اشتياقًا إلى الله تعالى أباحه النظر إليه متى شاء (^٣).
قال بعض المحبين:
سهر العيون لغير وجهك باطل … وبكاؤهن لغير هجرك ضائع
وقال قائلهم:
إذا غاب عن عيني يومًا حبيبها … جعلت البكاء يا قوم مني (^٤) نصيبها
وأحرمتها طيب المنام وهكذا … جزاء كل عين غاب عنها حبيبها
يا من يريد الوصول إلينا، أين بكاؤك علينا، أتريد أن تقبل بقلبك علينا، وما هو (^٥) مشتاق إلينا، أتريد نزول الأنوار بغير أذكار، هل رأيت مطرًا بغير سحاب، ولو شاء لفعل ذلك رب الأرباب، لكن هكذا اقتضت حكمته، أن جعل لكل شيء سببًا، قال بعضهم:
تقول رجال الحي تطمع أن ترى … محاسن ليلى مت بداء المطامع
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤٤٣) بلفظه.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ١٢، وذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤٤٣) من حديث عبد الرحمن بن مهدي بلفظ: مات سفيان الثوري عندي، فلما اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، أراك كثير الذنوب. فرفع شيئًا من الأرض فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٠)، وذكره الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ٢/ ٢٠٠.
(٤) في (ق): صاحبي من.
(٥) في (ق): وهو غير.
[ ٧١٥ ]
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها … سواها وما طهرتها بالمدامع
(وتطمع منها بالحديث وقد جرى
حديث سواها في خروق المسامع) (^١)
ثم اعلم بأن عمَّال الله تعالى على قسمين: منهم من وصل، ومنهم من هو في الطريق؛ فالواصل يبكي (خوفًا أن يصدر منه شيء) (^٢) يكون بسببه من المنقطعين، والمنقطع يبكي رجاء (^٣) أن يكون من جملة الواصلين. وفي الجملة: إن البكاء من خشية الله هو من طرق الأنبياء، ومن صفات الأولياء، ومن تشبه بهم في الدنيا حشر معهم في الآخرة، والضحك مع التخليط هو طريق الأشقياء، قال بعضهم:
ليس من لوح بالوصل له … كالذي سير به حتى وصل
لا ولا الواصل عندي كالذي … قرع الباب وفي الدار حصل
لا ولا الحاصل عندي كالذي … سارروه فهو للمسير (^٤) محل
لا ولا من سارروه كالذي … صار إياهم فدع عنك العلل
أخذوه منه عنه فامتحى … واثبتوه فإذا هو لم يزل
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «إن الله ﵎ قال: من آذى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى (أحبه، فإذا) (^٥) أحببته كنت (^٦) سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن (قبض نفس عبدي
_________________
(١) ليست في (خ).
(٢) في (خ): لكي لا يبرز منه شيئًا.
(٣) في (خ): عسى.
(٤) في (خ): للسر.
(٥) ليست في (خ، ط).
(٦) في (خ، ط): فكنت.
[ ٧١٦ ]
المؤمن) (^١)، يكره الموت وأنا أكره مساءته». رواه البخاري في صحيحه (^٢).
وفي «صحيح مسلم»: قال صلوات الله عليه وسلامه: «يقول الله ﷿: ما تقرب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع وبي يبصر» (^٣).
وفي حديث آخر: «كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا» (^٤). (هذا أيضًا حديث نبوي صحيح) (^٥).
فانظر رحمك الله! ماذا قد منَّ الله به على عبده المؤمن المطيع حتى صار لهذه المرتبة أهلًا، ومما يدلك على عظيم قدر المؤمن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله سبحانه فيما يحكيه عنه رسوله ﷺ: «لا تسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (^٦).
وكان بعض الصالحين ينشد:
إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاج إلى سُرُج (^٧)
ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس (^٨) بالحجج
قال بعض العارفين (^٩): إن لله عبادًا كلما اشتدت ظلمة الوقت؛
_________________
(١) في (خ): نفس المؤمن.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ليس في «صحيح مسلم»، وذكره كذلك القشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ٤١، وإسماعيل حقي في «روح البيان» ١/ ٣٥٤. وراجع في تخريج هذا الحديث باستيفاء: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني (١٦٤٠).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) ليست في (ق).
(٦) سبق تخريجه، وهو باطل، لا أصل له.
(٧) في (خ): السرج.
(٨) في (ق): الله.
(٩) في (ق): الصالحين.
[ ٧١٧ ]
كلما (^١) قويت أنوار قلوبهم، فهم كمثل الكواكب كلما قوي ظلمة الليل قوي إشراقها، وأين أنوار الكواكب من أنوار قلوب أوليائه (^٢)؟! أنوار الكواكب تتكدر، وأنوار قلوب الأولياء لا انكدار لها، وأنوار الكواكب تهدي في الدنيا، وأنوار قلوب الأولياء تهدي إلى الله تعالى (^٣).
قال رسول الله ﷺ: «يا عليُّ، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس». وفي حديث آخر: «خير لك من الدنيا وما فيها». وفي حديث آخر: «خير لك من حمر النعم» (^٤).
قال صوفي يومًا بحضرة فقيه: إن لله عبادًا هم في أوقات المحن، والمحن لا تضرهم. فقال ذلك الفقيه: هذا ما لا أفهمه. فقال الصوفي: أنا أريك مثال ذلك: الملائكة الموكلون بالنار (^٥) هم في النار، والنار لا تضرهم قال تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكأن من آمن بالله تعالى بصدْقٍ: جاء لعند إبراهيم (^٦) ﷺ، ولم (^٧) تضرَّه النار، ومن كان كاذبًا احترق (^٨).
ورُوي (^٩) عن المسافرين أنهم رأوا طيرًا له ريش أبيض من الثلج، وأنعم من الحرير، وهو يبيض في النار، ويخرج الفرخ فيها، والنار تقد دائمًا في بعض الجزائر بقدرة الله تعالى (بغير شيء يهيجها) (^١٠)، فهذه بهيمة حرسها الله تعالى من المحن وهي في المحن، (فالحق سبحانه حفظ بهيمة؛
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) في (ق): أولياء الله تعالى.
(٣) لم أجده.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) في (خ، ب): في النار.
(٦) في (ق): يجيء لإبراهيم.
(٧) في (ق): لا.
(٨) لم أجده.
(٩) في (خ): وصح.
(١٠) ليست في (ق).
[ ٧١٨ ]
أفما يحفظ وليه؟!) (^١). وفي الحديث النبوي: «يا معاذ، احفظ الله يحفظك» (^٢).
والأولياء ﵈ حفظوا الله تعالى فيما استودعه إياهم وفرضه عليهم؛ فحفظهم، أي حفظ قلوبهم من البدع والأغيار، ومن الركون إلى هذه الدار، وفي الآخرة من عذاب النار، وأما البدن فقد يبتلى وقد لا يبتلى، وقد فوض القوم أمرهم إلى الله تعالى؛ إن أعطاهم شكروا، وإن ابتلاهم صبروا. قال رسول الله ﷺ: «من عُوفي فشَكَر، وابتلي فصبَرَ، فقد استكمل الإيمان» (^٣).
ولقد ابتليت هذه الطائفة بأذى الخلق لهم خصوصًا أهل العلم الظاهر، فقلَّ أن تجد منهم من شرح الله صدره بالتصديق لوليٍّ معيَّنٍ؛ بل يقولون: نَعَمْ الأولياءُ هم موجودون، ولكن أين هم؟ (^٤).
_________________
(١) في (ق): فكيف لا يحفظ أوليائه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٩٣ (٢٦٦٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٥١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢٥٥٦) من حديث ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢): صحيح.
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٣٢ (١٨٩٣٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٩٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٨٩٦) من حديث صهيب ﵁، بلفظ: «عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له».
(٤) يجري المؤلف هنا على طريقة الصوفية في وصف أهل العلم بالكتاب والسنة، الذين هم فقهاء الشريعة، وورثة الأنبياء؛ بأهل العلم الظاهر. لأن الصوفية يدعون أن علومهم التي هي بدع وضلالات إنما هي (العلم الباطن)، وأن لا حجة لأهل العلم الظاهر عليهم، وغلاتهم لا يرون أنفسهم مخاطبين بالظاهر، لهذا ينسلخون من الشريعة، ويستخفون بأحكامها، فلا يقومون بأوامرها، ولا ينتهون عن نواهيها. راجع مبحث (الظاهر والباطن) في كتاب: «التصوف: المنشأ والمصادر» للعلامة إحسان إلهي ظهير ﵀.
[ ٧١٩ ]
ولقد قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا. قال (^١) له: فأنت مشتاق إليهم؟ قال: لا. (قال فقلت) (^٢) له: فأنت لا صالح ولا مشتاق، فكيف تراهم؟ ثم قلت له: قال شيخنا رحمة الله عليه: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائسَ المجرمون (^٣).
قال بعض العلماء: نخاف على من أنكر وجود الأولياء من سوء الخاتمة (^٤).
_________________
(١) في (خ، ب): قلت.
(٢) في (خ، ب): قلت.
(٣) هذه الكلمة قديمة عند الصوفية، فقد أخرجها القشيري في «رسالته» ٢/ ٤١٨ عن أبي يزيد البسطامي قال: أولياء الله عرائس الله تعالى، ولا يرى العرائس إلا المَحْرَمون [يعني: من كان محرمًا لهم]، فهم مخدَّرون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا، ولا في الآخرة. ويظهر أن مشايخ الصوفية في عصر المؤلف كانوا يرددون هذه الكلمة، ومنهم ابن عطاء الله السكندري، فقد ذكره في «لطائف المنن» ص ٦٨، وصدره بقوله: (فإذا كان أهل الزمن معرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله، لا تنجع فيهم الموعظة، ولا تميلهم إلى الله التذكرة؛ لم يكونوا أهلًا لظهور أولياء الله فيهم، ولذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمونَ). وبهذا يتبيَّن أنه يعني بقوله: (قال شيخنا ﵀؛ ابنَ عطاء الله السكندري.
(٤) بل من ينكر وجودهم فليس بمسلم، لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، فأثبت ربنا سبحانه وجود الأولياء، ثم بيَّن صفتهم بأنهم أهل الإيمان والتقوى، ولا يصحُّ إسلامُ أحدٍ إلا بتحقق أصل الإيمان والتقوى فيه، وبهذا يُعلم أن جميع المسلمين في كل زمان ومكان هم أولياء الله ﷿، ثم تتفاوت مراتبهم في منازل الوَلاية ودرجاتها بقدر علمهم وإخلاصهم ونيتهم وقولهم وعملهم، فالإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. لكن الصوفية يريدون أن يخصوا بوصف (الوَلاية) من كان على طريقتهم ومذهبهم المبتدع في الاعتقادات والسلوك، ولا شكَّ أن في ذلك نفيًا لوصف الولاية عمن سواهم من المؤمنين المتقين، كما فيه تفريقًا للأمة=
[ ٧٢٠ ]
قال مؤلف الكتاب: صليت الجمعة بجامع الأزهر بالقاهرة، فقال رجل لفقيه: إن رجلًا دخل على شيخه، انفتح له الحائط فدخل منه، وسلم على الشيخ، فلما خرج عاد الحائط إلى ما كان عليه. فقال الفقيه: آه، الله ينفعنا بالشيخ. فقلت له: كيف ينفعك الله به وأنت تهزأ به؟! أنا أقول لك مسألة في الفقه: ألست (^١) تؤمن أن الله ﷾ يشق الحائط للشيطان، ويجري من ابن آدم مجرى الدم؟ قال: نعم. قلت: أفتؤمن بهذا (^٢) في عدو من أعداء الله، وتستنكره (^٣) في حبيبٍ من أحبابه، وتقول بكرامات الأولياء بلسانك، فإذا سمعتها أذنك أنكرها قلبك (^٤).
وسئل بعض العارفين عن أولياء العدد (^٥) أينقصون في زمن؟ قال: لو
_________________
(١) = وانخزالًا عنها بفرقة تدعي لنفسها تحقق الولاية في رؤوسها وأتباعها، هذا إن سلموا مما يقدح في ولايتهم أو ينقضها من الانحرافات في مسائل العلم والعمل. وراجع في هذه المسألة كتاب: «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
(٢) في (خ): أنت ما.
(٣) في (خ): تستقل هذا.
(٤) في (خ): وتستكثره.
(٥) لم يكن المؤلف ﵀ موفقًا في هذه المحاججة، فخفة الجن في التنقل وقدرتهم على مسِّ الآدمي والدخول في جسده ثابت بالخبر الصحيح عن المعصوم ﷺ، أما كرامات الأولياء فلا بدَّ من النظر فيها من جهة ثبوتها بالخبر المعتمد من الثقات، ثم من جهة صدورها ممن حاله تدل على الإيمان والتقوى والاستقامة ولزوم السنة، فهذا هو الميزان في إثبات الكرامات، وإلا فكم من كرامة مختلقة مكذوبة يتناقلها العوام دون تثبت، وكم من خوارق وأحوال شيطانية تظهر على أدعياء التدين من ضلال الصوفية والسحرة والدجالين، وقد ذكر المؤلف فيما سبق الخوارق التي تظهر على مخالفي السنة، وسماها بالاستدراج، وحذر منها، فأصاب وأحسن. وقد تلقف المؤلف هذه الفكرة من شيخه ابن عطاء الله السكندري، الذي كان يستخدم ما يصح تسميته بالإرهاب الفكري ضد كل من ينكر خزعبلاتهم، فيدَّعي: (أن جحد الكرامة في الولي جحد لقدرة الله العزيز القدير، فكل كرامة لولي هي معجزة لذلك النبي الذي يتبعه هذا الولي، فلا تنظر إلى التابع، ولكن انظر إلى قدرة المتبوع) كما في كتابه «لطائف المنن».
(٦) كذا في النسخ، وفي «لطائف المنن»: «المدَد».
[ ٧٢١ ]
نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها (^١). قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥٠]. فلولا الصالحون لهلك الطالحون، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمْدَادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله سبحانه وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، فإذا كان أهل الزمن معرضين عن الله تعالى، لا تنفعهم الموعظة، ولا توقظهم (^٢) التذكرة، ولم يكونوا أهلًا لظهور أولياء الله فيهم. وكذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون. وقد قال ﷺ: «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (^٣)، فإذا كان الحق سبحانه وصّانا على لسان رسوله ﷺ أن لا نؤتي الحكمة غير أهلها، فهو أولى بهذا الخلق الجميل منا.
قال صلوات الله عليه وسلامه: «إذا رأيت هوىً مطاعًا، وشحًّا متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك» (^٤).
_________________
(١) يقول ابن عطاء الله في «لطائف المنن» ص ٦٨: وقد سئل بعضُ العارفين عن أولياء المدَدِ: أينقصون في زمن واحدًا؟ فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم.
(٢) في (خ): ولا توعظهم.
(٣) أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» ٤٧/ ٤٥٨ من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عيسى ابن مريم قام في بني إسرائيل قال: يا معشر الحواريين، لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها، والأمور ثلاثة: بَيِّنٌ رُشْدٌ فاتبعوه، وأمر تبين لكم غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله تعالى». وإسناده غريب كما قال ابن كثير في «البداية والنهاية»، وهو منكر مرفوعًا، والصواب أنه من كلام المسيح ﵊، مما أخذه المسلمون عن الإسرائليات.
(٤) أخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (١٥٥)، وابن ماجه في «سننه» (٤٥١٤)، وأبو داود في «سننه» (٤٣٤١)، والترمذي في «جامعه» (٣٠٥٨) من حديث أبي ثعلبة ﵁ بلفظه. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٠٢٥): ضعيف.
[ ٧٢٢ ]
فسمعوا وصية رسول الله ﷺ فآثروا الخفاء، بل آثر الله لهم ذلك؛ مع أنه لا بد أن يكون منهم في الوقت أئمة ظاهرون (قائمون بالحجة) (^١)؛ لقوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم إلى قيام الساعة» (^٢).
وروى سهل بن سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالًا ونساءً يدخلون الجنة بغير حساب، ثم تلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٣ - ٤]» (^٣). وفي حديث آخر: «في كل قرنٍ طائفة من أمتي سابقون» (^٤).
نرجع إلى ما كنا عليه من عظيم قدر المؤمن عند الله سبحانه:
قال بعض العلماء: لو كشف لك عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فما بالك بنور المؤمن الطائع (^٥).
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٧٨ (٢٢٤٠٣)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٢٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٢٥٢)، والترمذي في «جامعه» (٢٢٢٩) من حديث ثوبان، وله شواهد من حديث جابر، والمغيرة بن شعبة، وزيد بن أرقم، وأبي أمامة، وعمران بن حصين ﵃.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٨٨٩١)، والطبرانى في «الكبير» ٦/ ٢٠١ (٦٠٠٥)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٠٩) من حديث سهل بن سعد. قال الهيثمى ١٠/ ٤٠٨: إسناده جيد. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٣٠٩): صحيح.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٨، وذكره الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ١/ ٣٦٩، والديلمي في «مسند الفردوس» (٤٣٧٥) من حديث عبد الله بن عمرو، قال الألباني في «الصحيحة» (٢٠٠١): هذا إسناد جيد، رجاله ثقات معروفون من رجال «التهذيب».
(٥) ذكره الثعالبي في «الجواهر الحسان» في تفسير سورة فاطر (٣٢)، وفي الطور (٢١)، قال: قال الشيخ أبو الحسنِ الشاذليُّ: أَكرم المؤمنين وإن كانوا عصاةً فاسقينَ، وَأَمْرُهُمْ بالمعروف، وانههم عن المنكر، واهجرهم رحمة بهم لا تعزُّزًا عليهم، فلو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي لَطَبَّقَ السماء والأرض، فما ظنّك بنور المؤمن المطيع. والمؤلف نقل هذا بواسطة شيخه ابن عطاء الله.
[ ٧٢٣ ]
وإشارة الشيخ بنور العاصي والله أعلم هو نور لا إله إلا الله.
(عن محمد بن علي الترمذي (^١) قال: يأتي العبد يوم القيامة فلا يجد لا إله إلا الله) (^٢) في ميزانه فيقول: لِمَ لا أجدها في ميزاني؟ فيقال له: إن الميزان لا يسعُها، ولا تسعها السماواتُ ولا الأرض (^٣). بدليل قوله ﷺ: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض». لأنه قال: «والحمد لله تملأ الميزان» (^٤). فإذا امتلأ بالحمد لله لم يسع ما بعدها. وهي المخمِّدة لنار جهنم؛ لقوله ﷺ: «أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله» (^٥). وهي
_________________
(١) هو المعروف بالحكيم الترمذي، توفي نحو (٣٢٠ هـ)، من مؤلفاته: «ختم الولاية»، و«نوادر الأصول في أحاديث الرسول».
(٢) ليست في (خ).
(٣) لم نجده، وهو بيِّن البطلان، فقد ورد في الحديث الصحيح أن كلمة التوحيد توضع في الميزان، فأخرج الترمذي في «الجامع» (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الله سيخلِّص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: أفلك عذرٌ؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنةً، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتُخرَج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم». قال: «فتوضع السجلات في كِفَّة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء». وراجع تخريجه في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٣٥). (ت)
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٤٣ (٢٢٩٠٨)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢٣)، والترمذي في «جامعه» (٣٥١٧) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٧٣ (١٢٧٧٢)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١١٧٢)، والترمذي في «جامعه» (٢٥٩٣)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٧٠ من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٥٩٣): صحيح.
[ ٧٢٤ ]
أيضًا توجب لقائلها الجنة، قال ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١).
يا من يدَّخر الفصوصَ، ومعه الكنز الأعظمُ، ولم يعرف قدْرَه، وهي: «لا إله إلا الله» التي تجدها أمامك في الشدائد عند سؤال منكرٍ ونكيرٍ، وعند اللقاء، وعند الميزان، وعند تطاير الصحف، وعند الصراط. فإذا طالبتك نفسك بما يبعدك من الله سبحانه فأكثر من قول: «لا إله إلا الله»، فمن قالها في موطنها ألبسه الله تعالى لباسًا يقيه من معصيته؛ لأنك قد استجرت بالله، ومن استجار بالله أجاره الله، وهو الذي يجير ولا يجار عليه. وقد جاء في الخبر: أن المهدي يأتي إلى القسطنطينية العظمى ولا شك فيه فيقول: لا إله إلا الله. فينشقُّ سورها، فيدخلها ويأخذها (^٢).
فلا كانت الذنوب ولا ساعاتها، فماذا فيك أيها المؤمن! من الأسرار والودائع وأنت غافل؟ فلو أراد الحق ﷾ استخراج ما فيك من الأنوار والأسرار لانكسف لها نور الشمس والقمر. قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. ولو استخرج ما فيك من
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٣٣ (٢٢٣٨٤)، وأبو داود في «سننه» (٣١١٦)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٩٩ من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٦٤٧٩): صحيح.
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٩٢٠)، والحاكم في «المستدرك» من حديث أبي هريرة بلفظ: أن النبي ﷺ قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جانبيها» - قال ثور: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر - «ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج. فيتركون كل شيء ويرجعون». يقال إن هذه المدينة هي القسطنطينية.
[ ٧٢٥ ]
الكمائن (^١) لاندرج في ذلك ظلمة الليل، فجعلك صندوقًا لا يعرف ما فيك، ولا فائدة في ملء الصندوق وهو مغلوق.
قال بعض المريدين لشيخه: أجد بابًا يفتح في قلبي أسمع حسه، كما يسمع (باب قلعة عظيم) (^٢) إذا فتح، ويدخل عليَّ منه ملَكٌ ويقول لي كذا وكذا (^٣).
وتصديق ذلك قوله ﷺ: «إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا جعل له واعظًا من قلبه» (^٤). فلو فتح باب قلبك لرأيت العجائب والمدائن والحصون، قال الله ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وكُشف لبعض الأولياء فرأى شيطانًا دخل على الفقراء فخرج من صدر فقيرٍ منهم سهم من نور فأحرق الشيطان، وقد قال ﷺ: «ما سلك عمر فجًّا إلا أخذ الشيطان فجًّا آخر» (^٥).
وللسُّهْرَوَرْدِيِّ ﵀ (^٦):
_________________
(١) في (خ، ب): الكائن.
(٢) في (خ): (لباب زويلة). وباب زُويلة من أبواب القاهرة القديمة، ويرتبط به بعض المعتقدات الصوفية.
(٣) لم أجده.
(٤) أخرجه أبو منصور الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أم سلمة ﵂، وإسناده جيِّد. كذا قال العراقي في «تخريج الإحياء». أخرجه أحمد في «الزهد» ١/ ٣٠٦، وهناد في «الزهد» (٥٠٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٢٦٤ عن محمد بن سيرين من قوله.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٧١ (١٤٧٢)، والبخاري في «صحيحه» (٣٢٩٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٦) هو الشيخ العالم الزاهد شهاب الدين، أبو حفص، وأبو عبد الله عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله وهو عمويه بن سعد بن حسين بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله ابن فقيه المدينة وابن فقيهها عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق القرشي، التيمي، البكري، السهروردي، الصوفي، ثم البغدادي السُّهْرَوَرْدي (٥٣٩ - ٦٣٢ هـ) فقيه شافعيٌّ، مفسِّر، واعظٌ، من كبار الصوفية. مولده في سهرورد، ووفاته ببغداد، كان شيخ الشيوخ ببغداد، وأوفده الخليفة إلى عدة جهات رسولًا، وأقعد في آخر عمره، فكان يحمل إلى الجامع في محفة، له كتب، أشهرها: «عوارف المعارف»، و«جذب القلوب إلى مواصلة المحبوب». مترجم في «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٣٧٣ (٢٣٩)، وهذا غير الشِّهاب السُّهْرَوَرْدي (٥٤٩ - ٥٨٧ هـ) الفيلسوف صاحب كتاب «حكمة الإشراق»، المقتول على الزندقة في مدينة حلب، بفتوى علمائها.
[ ٧٢٦ ]
دواؤك فيك وما (^١) تشعر … وداؤك منك وتستكثر
وتزعم أنك جزء لطيف … وفيك انطوى العالم الأكبر
ولا (^٢) حاجة لك في خارج … وفهمك منك هو المظهر
وأنت الكتاب المبين الذي … بآياته ينطق المضمر (^٣)
ولعبد القادر الكيلاني رحمة الله عليه (^٤):
انظر إلى سر أسراري تجدني فيك … واستغن عن كل شيء إنني أكفيك
ترى عجائب جميع الكون أجمع فيك … أنت الحجاب فلولا أنت لم يخفيك
قال المؤلف: مراد الشيخ والله أعلم في قوله: «أنت الحجاب» أي:
_________________
(١) في (ب): ولا.
(٢) في (ب): وما.
(٣) هذه الأبيات تنسب أيضًا إلى علي بن أبي طالب ﵁، والله أعلم بصحة نسبتها إليها، وقد ذكرها العاملي في «الكشكول» بهذا اللفظ: دواؤك فيك وما تشعر … وداؤك منك وتستنكر وتحسب أنك جِرْم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر وأنت الكتاب المبين الذي … بأحرفه يظهر المضمَر فهذه الأبيات ليست للسهُّروردي، ولكنه يكون نقلها في كتابه «عوارف المعارف»، وليس تحت يدنا الآن، فليراجع.
(٤) هو الشيخ الإمام عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني، أبو محمد، محيي الدين الجيلاني، أو الكيلاني، أو الجيلي (٤٧١ - ٥٦١ هـ): من كبار الزهاد والعبَّاد، وإليه تنتسب الطريقة القادرية، مع أن الشيخ نفسه كان على السنة ومعتقد السلف الصالح حنبليَّ المذهب. من كتبه: «الغنية لطالب طريق الحق»، و«الفتح الرباني». مترجم في «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٤٣٩ (٢٨٦).
[ ٧٢٧ ]
لو أخلصت عملك ومحوت نفسك لأثبتك رب الأرباب، ولأذهب عنك هذا الحجاب.
وقد جاء في الحديث: «من أخلَصَ لله أربعين صباحًا تفجَّرت ينابيعُ الحكمة من قلبه فأجراها الله على لسانه» (^١)، فسمع هذا الحديث بعض الناس فقال في نفسه: أنا أعبدُ الله أربعين صباحًا وأخلص في عبادتي لكي أصير حكيمًا. فأخلص في العبادة ولم يعط هذه السعادة، فقال في نفسه: يكون هذا الحديث غير صحيح. فرأى النبي ﷺ في منامه وقال له: الحديث صحيح وأنا قلته. انظر إلى لفظ الحديث: من أخلص لله، وأنت ما أخلصت لله، بل أخلصت لتكون (^٢) حكيمًا (^٣).
قال المؤلف: لو جعل التقصير من نفسه بأنها هي الكاذبة فلو صلحت لذلك لفتح عليها وصار حكيمًا، فإن الله ﷾ لا يحب أحدًا يثبت لنفسه علمًا ولا عملًا، فخير الناس من جاء إلى الله سبحانه بالذل
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٠١٤)، وهناد في «الزهد» (٦٧٨)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٤٦٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ١٨٩، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ ١٤٤. قال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» ٢/ ٢٧٦: لا يصح. وقال الألباني في «الضعيفة» (٣٨): ضعيف.
(٢) في (ق): لكي تكون.
(٣) لعل تلك الرؤيا كانت من حديث النفس، لأنه بات مهمومًا، فالحديث ضعيف، ولا يمكن الاعتماد في الحكم على الأحاديث على المنامات، ومراد المؤلف ﵀ أن نية ذاك الرجل كانت مغشوشة، حيث كان قصده أن يكون حكيمًا، وهذا حال أكثر الصوفية، يجهدون أنفسهم العبادات من أجل نيل الكرامات، وذلك من حظوظ النفس، حتى قال قائلهم: الناس يعبدون الله، والصوفية يعبدون أنفسهم! (ت)
[ ٧٢٨ ]
والإفلاس.
وفي الخبر أنه كان في زمن بني إسرائيل من عبد الله تعالى وأخلص في عبادته أربعين سنة ظللته الغمامة (^١)، فعبد رجل منهم أربعين سنة فلم (تظلله الغمامة) (^٢)، فرجع يلوم نفسه بقوله: لو علم الله فيك خيرًا لظللتك الغمامة. فخرج في حاجته فظللته الغمامة، وأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لهذا العابد: توبيخه لنفسه هذه الساعة خير من عبادة أربعين سنة (^٣).
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: كنت أنا وصاحب لي آوينا إلى مغارةٍ نطلب الوصول إلى الله تعالى، فكنا نقول: غدًا يفتح لنا، بعد غدٍ يفتح لنا، فدخل علينا رجلٌ له هيبة فقلنا له: من أنت؟ قال: فقال: عبد الملك. فعلمنا أنه من أولياء الله تعالى، فقلنا له: كيف حالك؟ فقال: (كيف حالك؟ كيف حالك؟) (^٤)، كيف حال من يقول: غدًا يفتح لي؟ بعد غدٍ يفتح لي؟ فلا وَلاية ولا فلاح يا نفس، لِمَ لا تعبدين الله لله؟ قال: فتفطَّنا من أين دخل علينا، فتبنا واستغفرنا الله تعالى ففتح لنا.
وقال أيضًا: سمعت الحديث المروي عن رسول الله ﷺ: «من سكن خوفُ الفقر قلبَه قلَّ ما يُرفع له عمل» (^٥)، فمكثت سنةً أظن أنه لا يرفع عملي أقول: ومَن يسلم من هذا؟ فرأيت الرسول ﷺ في المنام وهو يقول: يا مبارك، أهلكت نفسك، فرقٌ بين سكن وخطر.
نرجع إلى ما كنا عليه من أحوال الصالحين، وما أعد الله سبحانه في الآخرة للبكائين:
قال صلوات الله عليه وسلامه: «سبعةٌ يظلهم الله في ظله …» وذكر من جملتهم: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (^٦).
وعن عقبة بن عامر الجهني قال: فيم النجاة يا رسول الله؟ قال:
_________________
(١) في (ق): غمامة.
(٢) في (ق): يظلله شيء.
(٣) لم أجده.
(٤) ليست في (ق).
(٥) لم أجده.
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٣٩ (٩٦٦٥)، والبخاري في «صحيحه» (٦٦٠)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٣١)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٩١)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ٢٢٢ (٥٣٨٠)، وفي «الكبرى» (٥٩٢١)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٧٢٩ ]
«أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيتك» (^١).
وعن عبد ربه القيسي وكان قرابةً لرياحٍ القيسيِّ، قال: كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي، وأدخل عليه بيته وهو يبكي، ورأيته في الجنازة وهو يبكي، فقلت له يومًا: أنت دهرك في مأتم؟ قال: فبكى ثم قال: يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا (^٢).
قال حمزة الأعمى: ذهبت بي أمي إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد، ابني هذا أحببت أن يلزمك لعل الله أن ينفعه بك. قال: فكنت أختلف إليه فقال لي يومًا: يا بُني، أَدِمِ الحُزْنَ على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، وابك في ساعات (^٣) الخلوةَ لعل مولاك يطلع عليك؛ فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين. قال: فكنت أدخل عليه منزله وهو يبكي، وآتيه مع الناس وهو يبكي، وربما جئت وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه. قال: فقلت له يومًا: يا أبا سعيد، إنك لتكثر من البكاء. قال: فبكى ثم قال: يا بني، ما يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني، إن البكاء داعٍ إلى الرحمة، فإن استطعت أن لا
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٥٩ (٢٢٢٣٥)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٠٦)، والطبراني في «الكبير» ١٧/ ٢٧٠ (٧٤١) من حديث عقبة بن عامر ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني في «الصحيحة» (٨٩٠): صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (٩٢)، وفي «الرقة والبكاء» (١٧٣)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٥٥٨). قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ١١/ ١٢٤: رياح بن عمرو القيسي البصري الزاهد، أبو المهاصر. كان خاشعًا خائفًا بكاء. روى عن: مالك بن دينار، وواصل بن السائب. وقيل: إنه لقي الحسن البصري. روى عنه: سيار بن حاتم، وموسى بن داود، ويزيد بن هارون، وعمرو بن عون، وروح ابن عبد المؤمن، وطائفة. قال أبو زرعة: صدوق. وذكره أبو داود السجستاني فوهَّاه، وقال: رجل سوء. قال علي بن الحسن بن أبي مريم: قال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت الله لكل ذنب مئة ألف مرة. وقال سيار: حدثنا رياح قال: قال لي عتبة الغلام: من لم يكن معنا فهو علينا. وكان رياح بن عمرو يسمع منه الموعظة ويغشى عليه.
(٣) في (ق): ساعة.
[ ٧٣٠ ]
تكون عمرك إلا باكيًا فافعل؛ لعله يراك على حالتك فيرحمك بها فإذا أنت قد نجوتَ من النار (^١).
وعن الربيع بن صبيح قال: ما دخلت على الحسن إلا وجدته مستلقيًا يبكي (^٢).
وعن عبد الواحد بن زيد: لو رأيت الحسن إذا أقبل لبكيت لرؤيته من قبل أن يتكلم، ومن ذا الذي كان يقدر يملك نفسه عن البكاء عند رؤيته؟ ثم بكى عبد الواحد بكاءً شديدًا (^٣).
وعن أبي مودود قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز قرأ ذات يوم: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس: ٦١]. فبكى بكاءً شديدًا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء عبد الملك ودخل عليهم وهم على تلك الحالة يبكون، فقال: يا أبت ما يبكيك؟ قال: خيرًا يا بني، ودَّ أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار (^٤).
وعن فضيل بن عبد الوهاب قال: حدثتني أختي وكانت أكبر من محمد قالت: كان لمحمد بن عبد الوهاب صديق من بني تميم، فربما زاره بكرة فيأخذان في البكاء حتى ينادى لصلاة الظهر. قالت: ربما قلت لمحمد: يزورك أخوك فتبكيان (فلا يسمع أحد منكما حديث الآخر) (^٥). فيقول: ويحك اسكتي، ليست الدنيا دار سرور ولا متعة تدوم، إنما خيرها لمن اتخذها بلغةً إلى الآخرة، والله لولا البكاء فإنه راحة للقلوب لظننت أن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٣٨)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٦/ ١١٥.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٣١).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٤٠).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٩١).
(٥) في (خ): (فلا يسمع أحد منكما بحديث ولا تذاكر)، في «مصدري التخريج»: (فلا يستمتع أحدكما من صاحبه بحديث ولا مذاكرة). وهذا أجود.
[ ٧٣١ ]
قلبي سينشق في دار الدنيا من طول غمي من كثرة التفريط. قالت: فأبكاني والله (^١).
وعن أبي زياد قال: اعتمَّ يحيى بن أبي مسلم البَكَّاء بعمامة وأدارها على حلقه وجعل لها طرفين، فكان يبكي وينتحب حتى يبل هذا الطرف، ثم يبكي وينتحب حتى يبل الطرف الآخر، ثم يحلها من رأسه ويبكي حتى يبل العمامة بأسرها، ثم يبكي وينتحب حتى يبل أردانه (^٢).
وعن سفيان قال: كان سعيد بن السائب الطائفي لا تكاد تجف له دمعة طول دهره، فعاتبه رجل على ذلك، فبكى ثم قال: إنما ينبغي أن تعذلني وتعاتبني على التقصير والتفريط؛ فإنهما قد استوليا عليَّ. فانصرف الرجل وتركه (^٣).
وعن ابن ذكوان قال: كان يزيد الرقاشي إن دخل بيته بكى، وإن شهد جنازةً بكى، وإن جلس إليه (^٤) إخوانه بكى وأبكاهم. فقال ابنه يومًا: يا أبت، إلى كم تبكي؟ والله لو كانت النار خلقت لك وحدك ما زدت على هذا البكاء. فقال: ثكلتك أمك يا بني، وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن؟ أما تقرأ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ [الرحمن: ٣١]، أما تقرأ يا بني: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥]. قال: فجعل يبكي ويقرأ حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٤]. قال: فجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أم الفتى: يا بني، ما أردت بهذا من أبيك؟ قال:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٣٦)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٣٥.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٢٤)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٥٢٧).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٤٢)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢٤٢)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٥٩.
(٤) في (ق): معه.
[ ٧٣٢ ]
إني والله إنما أردت أن أهوِّن عليه، لم أرد أن يقتل نفسه (^١).
فانظر رحمك الله تعالى! ماذا أسكن الله تعالى في قلوب هؤلاء القوم (^٢) من عظمته ومخافته، ونحن نرجو أن نكون معهم في الجنة مع معصية الله تعالى ومخالفته، ومع محبة هذا القلب للدنيا وقساوته.
يقال إن إبراهيم بن الحارث ما رآه أحدٌ قط رافعًا بصره إلى السماء، ولا رآه أحدٌ يخوض في أمور الدنيا (^٣).
هؤلاء القوم صاروا من أبناء الآخرة، ما بقي لهم غرضٌ في الدنيا.
أما سمعت أن أبا حنيفة ﵀ كيف ضُرب وحُبس وأهين؟ (^٤) فجاءت أمه إليه وهو في الحبس والترسيم (^٥) فقالت: يا بني، ما كنا نريد هذا العلم. قال: يا أماه، عرضوا عليَّ الدنيا فأبيت. فلما (كسر كلام الخليفة في قوله للإمام: خذ القضاء. فأبى؛ فعزت نفسه وغضب، وسقاه سمًّا؛ فمات منه) (^٦)، ومن عادة الملوك إن أحبوك استخدموك، وإن كرهوك قتلوك، (وجعل الخليفة قبل موته في حلٍّ، وذهب إلى الله سبحانه وهو طاهر من تخاليط الدنيا) (^٧)، ومذهبه ﵁: من لا يأخذ ولا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٤٨)، وابن عساكر في «تاريخه» ٦٥/ ٨٦، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٥٩.
(٢) في (ق): هذه السادة.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢١٣، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤١٣) بلفظ: ما رأيت إبراهيم التيمي رافعًا رأسه في الصلاة ولا في غيرها، ولا سمعته يخوض في شيء من أمر الدنيا قط.
(٤) أخرجه القاضي أبو عبد الله الصيمري في «أخبار أبي حنيفة» ١/ ٦٧، وعبد القادر في «طبقات الحنفية» ٢/ ٥٠٥.
(٥) زاد في (خ): عليها. والترسيم - كما يفهم من كتب الفقه - هو: التضييق على الشخص، وتحديد حركته، بحيث لا يستطيع أن يذهب من مكان إلى آخر.
(٦) في (ب، ق): (خالف الخليفة في ذلك غضب، فسقاه سمًّا فقتله). والخبر عند القاضي أبو عبد الله الصيمري في «أخبار أبي حنيفة» ١/ ٩٢.
(٧) ليست في (ق).
[ ٧٣٣ ]
يعطي خيرٌ ممن أخذ وأعطى. وسئل بعض العلماء في رجل يجتهد في جمع المال لأفعال البر، قال: تركه أبرُّ (^١). قال ﷺ: «اللَّهم من أحبَّني فارزقه العفاف والكفاف» (^٢). وقال: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ كفافًا» (^٣).
(قال المؤلف: فترى) (^٤) أكثر المحبين فقراء، قد استجيبت فيهم دعوة (النبي ﷺ (^٥).
ولقد رأيت بعض المحبين سافر بتجارة إلى بلاد التتار، فسلَّط الله عليه بعض أمرائهم، فأخذ جميع ما معه وجعله أسيرًا، ثم خلَّصه الله تعالى منه، ودخل بيت المقدس (^٦)، وعبَد الله تعالى حتى مات بها. وكان إذا فضل من إقامة صورته شيئًا آثَرَ (^٧) به (خوفًا من فتنة المال، ومن تغير الحال) (^٨).
وكان للمؤلف أخٌ صادق في حب الله ورسوله، أخذ بعض التتار ماله، (وذلك كله في دولة الملك الظاهر ملك مصر والشام، فلما أخذ ماله) (^٩)
_________________
(١) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٢٧١.
(٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١٤٧٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤/ ١١٦ من حديث أبي هريرة ﵁. وفيه قصة. قال البيهقي: عبد الله بن سعيد غير قوي في الحديث.
(٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٠٥٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٣٤٣) من حديث أبي هريرة بلفظه. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٤٦ (٩٧٥٣)، والبخاري في «صحيحه» (٦٤٦٠)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٥٥)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٣٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٦١) من حديث أبي هريرة بلفظ: «اللَّهم اجعل رزق آل محمد قوتًا».
(٤) في (ق): ولذلك ترى.
(٥) في (خ، ط): سيد الأنبياء والأولياء والكبراء.
(٦) في (ق): القدس.
(٧) آثر: من الإيثار، وهو بذل المال للغير مع الحاجة إليه؛ يقول تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
(٨) ليست في (ق).
(٩) ليست في (ق). وهذا النص مهم للغاية لتحديد زمن هذه الحادثة، فالملك الظاهِر هو بَيْبَرْس العلائي البندقداري الصالحي (٦٢٥ - ٦٧٦ هـ) لُقِّب أيضًا بركن الدين، =
[ ٧٣٤ ]
وجعله راعيًا لخيله قال: فطلبت الهروب. قال: فخفت، فصرت أقول (في نفسي) (^١): غدًا أهرب، أو بعد غدٍ أهربُ. وإذا برجلٍ دخل عليَّ وسلم وجلس، وقال لي: إن أباك كان يحسن إليَّ، وأنا أريد أعمل معك خيرًا، لا تقل: غدًا أهرب ولا بعد غد. أي وقت هربت أخذوك، فاصبر إلى حيث آتيك. وذهب، ثم جاء بعد أيام وقال لي: إن هربت الساعة نجوت، فتح الله بالطريق. قال: فتركت الخيل في الدشار (^٢) وهربت. فكنت أسير في الليل، وأختبئ (^٣) بالنهار في المغاير وبين الشجر، (وهذه سنة الهارب عندهم. قال) (^٤): وابتليت بالجوع؛ فذهب بصري، وقلَّ سمعي، وارتخت مفاصلي وركبي. قال: فتوجهت نحو القبلة، وتشاهدت (^٥) وقلت (في نفسي) (^٦): ما بقي بعد هذا إلا الموت. فنمت ورأيت في منامي كأن باب السماء قد فتح،
_________________
(١) =وهو صاحب الفتوحات والأخبار والآثار، وكان عبدًا مملوكًا، اشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، وبقي عنده، فلما قبض عليه الملك الصالح (نجم الدين أيوب) أخذ بيبرس، فجعله في خاصة خدمه، ثم أعتقه. ولم تزل همته تصعد به حتى كان (أتابك) العساكر بمصر، في أيام الملك (المظفر) قُطُز، وقاتل معه التتار في فلسطين. ثم اتفق مع أمراء الجيش على قتل قطز، فقتلوه، وتولى (بيبرس) سلطنة مصر والشام سنة (٦٥٨ هـ)، وتلقَّب بالملك القاهر، أبي الفتوحات! ثم ترك هذا اللقب وتلقَّب بالملك الظاهر. وكان شجاعًا جبارًا، يباشر الحروب بنفسه. وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج الصليبيين، وله الفتوحات العظيمة، منها بلاد النوبة ودنقلة، ولم تفتح قبله مع كثرة غزو الخلفاء والسلاطين لها. وفي أيامه انتقلت الخلافة العباسية إلى الديار المصرية سنة (٦٥٩ هـ)، وآثاره وعمائره وأخباره كثيرة جدًّا. توفي في دمشق ومرقده فيها معروف، أقيمت حوله المكتبة الظاهرية. «الأعلام» للزركلي ٢/ ٧٩.
(٢) ليست في (ق).
(٣) أصلها: جشار، ويقال: دشار، تسهيلًا للنطق، وجشار: من الجشر، وجمعه: جشارات، ويقال: جشير أيضًا. وتدل على الخيل والبقر التي تلازم المرعى ولا ترجع إلى الحظيرة بالليل. «تكملة المعاجم العربية» لرينهارت دوزي ٢/ ٢١٥.
(٤) في (ق): أكمن.
(٥) ليست في (ق).
(٦) يعني: تشَهَّدْتُ.
(٧) ليست في (ق).
[ ٧٣٥ ]
ونزل منه قصعة تطماج (^١)، وهي تدور في الهواء وهي نازلة، وحطَّت بين يدي. قال: فجلست وأكلت حتى شبعت، ولم أر أطيب من ذلك الطعام، فانتبهت (ورأيت بطني ملآن من ذلك الطعام، وقويت ركبي، وانفتح عيني وسمعي) (^٢)، فشكرت الله تعالى (الذي جعل المنام يقظةً) (^٣)، ومشيت بقوة (^٤) ذلك الطعام سبعة أيام إلى أن دخلت حلب، (وأنا كل يوم أتجشأ من قوة الشبع) (^٥)، فدخلت مدرسة وفي المدرسة رجلٌ صالح وهو مدرسها، فاشتغلت عليه، فجاء الجابي له بمائتي درهم، فقال المدرس وكان غريبًا، قال: ما هذه الدراهم؟ قال (الصيرفي: هذه) (^٦) جامكية المدرس. فقال المدرس: هذه البلاد رخية، وأنا ما لي غير زوجة، اعزل لنا عشرة دراهم ورد الباقي إلى الناظر يصرفه في مصالح المدرسة. فعادى الشيخ بعض الناس، وأعطي لبعض الإسماعيلية دراهم لكي يقتل الشيخ، فجاء بعض المحبين وقال للشيخ: إن بعض الناس يريد قتلك. فقال: يا بني، أنا ما أخاف من القتل، (وإنما أخاف) (^٧) أن يقتلوا قاتلي، فيصير أولاده يتامى، أبصر لي بهيمة تحملني (^٨) إلى دمشق. وكان للإسماعيلي بهيمةً فجاء بها إلى الشيخ، (وأعطاه الشيخ) (^٩) أجرته (^١٠) وقال له: لا تصحب (^١١) معك شيئًا من الزاد، فإن معي كفايتك (^١٢).
_________________
(١) تطماج، بالتاء تسهيلًا وأصله: «ططماج» وهو نوع من الأطعمة يشبه الثريد. كما في «الموسوعة التيمورية» لأحمد تيمور ٥٣.
(٢) في (ق): شبعانًا قويًّا.
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (خ): على قوة.
(٥) ليست في (ق).
(٦) ليست في (ق).
(٧) ليست في (خ).
(٨) في (خ): نكريها.
(٩) في (ق): فأعطاه.
(١٠) في (خ): كراء.
(١١) في (خ): تجيب.
(١٢) في (خ): فأنا عملت ما يكفينا.
[ ٧٣٦ ]
فجاءه بحمار، وحمل عليه خُرجه وحوائجه، وركَّب زوجته، ومشى هو والإسماعيلي، فجاؤوا لمكان خالٍ من الناس وبعيد من البلدان، فنوى الإسماعيلي قتل الشيخ، فقال: يا سيدي، ما ننزل هاهنا نأكل شيئًا وتشرب الدابة من هذا الماء؟ فطلبه الشيخ وقال: يا بني، ما هذا موضع القتل، هذا قفل كبير جَيْ (^١)، ومع التاجر مماليك بقسي ونشاب يروا قتيلًا فيقتلوك. فبهت الإسماعيلي، فبعد ساعة (أقبل القفل) (^٢) كما أخبر الشيخ، فبكى الإسماعيلي (وقال للشيخ: اعرض عليَّ الإسلام) (^٣). فجدد إسلامه (وأتى بالشهادتين، وعلمه الشيخ) (^٤) الوضوء والصلاة، وغيَّر الله ذلك الحال ببركات الرجال، فلما دخلوا دمشق قال له الشيخ: (امض إلى) (^٥) أهلك. فقال: يا سيدي أكفرٌ بعد إيمان؟! (إذا رحت لهناك أفعل ما يفعلون، وقد عاهدت الله تعالى وقت أسلمت لا أفارقك إلى الموت) (^٦)، وصار خادمًا للشيخ (إلى أن مات رحمه الله تعالى) (^٧) (^٨)، (فلما مات الشيخ خدم قبره حتى مات، فدفن الإسماعيلي بجانب الشيخ رحمة الله عليهما.
وكان صاحب المؤلف يقرأ على هذا الشيخ، وانتفع عليه، وكان يقول خلاف الأربع أئمة، وحساب الفرائض على طرف لسانه، وإذا اشترى حوائج من السوق تعجم عليه حسابهم، وكان إذا تكلم بكلامٍ من كلام الدنيا لا يفهم الكثير من كلامه، وإذا تكلم في العلم يفهم كلامه كله، وابتلي في آخر عمره بالفقر وبالأمراض، حتى يبست أصابع يديه ورجليه، وكان مع
_________________
(١) قَفَلَ من سفره: رجع، والقفل هنا بمعنى: القافلة. و(جي) بالعامية، يعني: جاءٍ وقادم.
(٢) في (خ): طويلة والقفل أقبل.
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (ق): على يد الشيخ وتعلم.
(٥) في (خ): تمضي لعند.
(٦) في (ق): وامتنع من الذهاب.
(٧) ليست في (خ).
(٨) من هنا بداية سقط من (ق).
[ ٧٣٧ ]
ذلك كله صابرًا شاكرًا ذاكرًا، وهذه علامة المحبين: صبروا على ما قضى عليهم المحبوب، فأثبتهم في مقام المحبة، وبلغهم المطلوب) (^١).
وقد جاء في الحديث: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أحبك. (قال للرجل) (^٢): «فاعتدَّ للفقر» (^٣). وقال آخر: يا رسول الله، إنِّي أحبُّ الله. فقال له: «اعتدَّ للبلاء» (^٤). (^٥) (وكان قد ابتلى الله تعالى هذا الشيخ العالم ببلاءٍ آخر، وهو شيطانٌ من الجن رد على الشيخ في قراءته، فلعنه الشيخ وكذَّبه، فأخذ الشيخ في عين المعاداة، فكان الشيطان لعنه الله إذا دخل الليل يرجف قلوبهم ويرمي عليهم الأحجار، فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته، قال: يا بني، يرمي علينا كل يوم قفتين. قال له: فكان يكسر شيئًا من الأواني أو يصيبكم أنتم؟ قال: لا، ولكن مراده أن يرجفنا. ويرميهم بالأحجار في وسط الدار، وكان للشيخ سلم، وفيه مسمار كبير، فقومه (^٦) وأخرجه ورما به في وجوههم، قال الشيخ: وكان عندي صندوق مقفول وفيه كتب، ففتح الصندوق ورمى كل ما فيه في وجوهنا، وكان يأخذ الغزل من بين يدي الزوجة ويغيب، ثم يرمي به على وجوهنا.
قال المؤلف: فقلت له: أنا وفلان نجيء إلى بيت سيدي ونقرأ شيئًا
_________________
(١) إلى هنا نهاية سقط من (ق).
(٢) في (ق): فقال له: «المرء مع من أحب».
(٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٣٥٠)، والبغوي في «شرح السنة» ١٤/ ٢٦٨، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٩٥ واللفظ للغزالي. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «المشكاة» (٥٢٥٢): ضعيف.
(٤) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١٤٧٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤/ ١١٦ من حديث أبي هريرة، وفيه قصة، قال البيهقي: عبد الله بن سعيد غير قوي في الحديث.
(٥) من هنا بداية سقط من (ق).
(٦) أي الشيطان.
[ ٧٣٨ ]
من كتاب الله تعالى. فجئنا وقرأنا البقرة بكمالها، ثم دعونا الله سبحانه؛ فصدَّ الحقُّ الشيطانَ ببركة القرآن، وبعد ذلك ما قرب الدار) (^١).
وجاء في الحديث: «لو كان المؤمن بذروة جبل لقيَّض الله له شيطانًا يؤذيه» (^٢). فكيف من يكون بينهم؟!
ثم اعلم بأن تسلط الخلق على الأولياء في مبدأ طرقهم سنة الله في أحبابه، والدليل على ذلك من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقوله ﷿: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]. والآيات في هذا المعنى كثير.
وأما السنة فقوله ﷺ: «ما أُوذي نبيٌّ ما أوذيتُ، وقد جعل الله تعالى لكل نبيٍّ عدوًّا من المجرمين» (^٣).
فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشدُّ بلاءً من الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، فقومٌ لما ظلموا لم يلجؤوا إلى الله ﵎ في طلب الانتقام
_________________
(١) إلى هنا نهاية سقط من (ق).
(٢) ذكره ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ١٨/ ٣٧٥، وقال: ليس هذا معروفًا من كلام النبي ﷺ.
(٣) لم نقف عليه، ولم يذكره السيوطي في «الدر المنثور» في تفسير قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١]. وقال الفخر الرازي في تفسير: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ [السجدة: ٢٣]: وقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قيل: معناه فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، وقيل: بأنه رآه ليلة المعراج، وقيل: معناه فلا تكن في شك من لقاء الكتاب فإنك تلقاه كما لقي موسى الكتاب، ويحتمل أن تكون الآية واردة لا للتقرير بل لتسلية النبي ﵇، فإنه لما أتى بكل آية وذكر بها، وأعرض عنها قومه حزن عليهم، فقيل له: تذكر حال موسى ولا تحزن، فإنه لقي ما لقيت وأوذي كما أوذيت.
[ ٧٣٩ ]
ممن ظلمهم، ولكن فوَّضوا أمرهم إلى الله تعالى فكان هو المختار لهم، وقومٌ وهي الطبقة العليا وهم الذين إذا ظُلموا رحموا من ظلمهم، قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وقال ﷾: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
ومن ذلك ما اتفق لإبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أن جنديًّا سأله عن العمران، فدلَّه إبراهيم على المقابر، فظن الجندي أن إبراهيم يهزأ به، فضربه بالدبوس فشجه، فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصت الله. فقيل للجندي: هذا إبراهيم زاهد خراسان. فأقبل على رجليه يقبلها ويعتذر إليه، فقال له إبراهيم: والله ما رفعت يدك إليَّ لتضربني إلا وأنا أسأل الله لك المغفرة؛ لأني علمت أن الله يثيبني على ما فعلت بي، فاستحييت أن يكون حظي منك الخير، وحظك مني الشر (^١).
قال بعض الصالحين: آذاني إنسان مرة فضقت بذلك ذرعًا، فنمت، فرأيت قائلًا يقول لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها، ثم لا تبالي بهم (^٢).
فقد علم الله ﷾ ما يقال في الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين، فبدأ بنفسه فقضى على قوم بالإعراض عنهم، فنسبوا إليه الزوجة (^٣) والولد، وأضافوا لنبيه ﷺ الكذب والسحر والجنون، وأظهروا له العداوة والحسد، وقالوا في أزواجه الطاهرات ما قالوا، فكذَّبهم الواحد
_________________
(١) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٧٠، والقشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ١١١ بلفظ: أن إبراهيم بن أدهم خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي، فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فضرب رأسه وأوضحه، فلما جاوزه، قيل له: إنه إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان. فجاءه يعتذر إليه، قال: إنك لما ضربتني سألت الله تعالى لك الجنة. فقال: لم؟ فقال: علمت أني أؤجر عليه، فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير، ونصيبك مني الشر.
(٢) ذكره ابن عجيبة الإدريسي في «البحر المديد» ٢/ ٤١٤ عن أبي الحسن الشاذلي.
(٣) في (ق): الروحية. وصوابه هذا: الزوجيَّة.
[ ٧٤٠ ]
الأحد، فإن قيل في وليٍّ شيئًا من ذلك فضاق منه؛ يقال له: الذي قيل فيك هو وصفك، لولا (^١) حلم الله ﷿ وفضله عليك. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وقد قال الخلق في الخالق ما لا يستحقه جلاله.
ونرجع إلى مسألة من يجمع المال لأفعال البر:
قال بعض العلماء: تركه أبرُّ. فالأول هو خير، والثاني هو أفضل وخير (^٢).
قال المؤلف: لأن الأول ممدوح بلسان الشرع هو ودنياه، وهو قريب من سيده ومولاه. قال ﷺ: «السخيُّ قريبٌ من الله، قريبٌ من الناس، قريبٌ من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس، بعيد من الجنة، قريبٌ من النار» (^٣). لأن الكرم هو صفة من صفات الله تعالى، من اتصف بها قربه الله إليه، وأسبغ نعمه عليه، والبخل ليس هو من صفات الأخيار، ولذلك بَعُدَ صاحبه من الله تعالى ومن الناس، وقَرُبَ من النار.
واعلم أنه قد جاء في الحديث أن الصدقة تدفع عن صاحبها سبعين بابًا من السوء (^٤). تنوِّر قبره في الدنيا، وتكون نورًا يسعى بين يديه يوم
_________________
(١) في (خ): أولًا.
(٢) في (خ): وأخير.
(٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» (١٩٦١)، والطبري في «تهذيب الآثار» (١٦٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٨٥١) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد. وقال العقيلي في «الضعفاء» (٥٩١): ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى ولا من حديث غيره. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٥٤): ضعيف جدًّا.
(٤) أخرجه الطبراني في «الكبير» ٤/ ٢٧٤ (٤٤٠٢)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٦٨، وذكره الديلمي في «مسند الفردوس» (٣٨٣٥)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١٢٩٨) من حديث رافع بن خديج بلفظ: «الصدقة تسد سبعين بابًا من السوء». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٢٨٣: فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف. وقال الألباني في «الضعيفة» (٣٧٩٧): ضعيف.
[ ٧٤١ ]
القيامة. وتثقل الميزان، وتكون ظلًّا لصاحبها يوم الطامة (^١). وتكفر الذنوب (^٢)، وتطفئ غضب علَّام الغيوب (^٣)، وهي أفضل الأعمال (^٤)، وبها نجا العُمَّال. وكان الحبيب ﷺ إذا تكلم في فضائل الأعمال يقول: «والصدقة شيء عجيب» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» ١٧/ ٢٨٦ (٧٨٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٣٤٧) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «إن الصدقة لتطفئ على أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته».
(٢) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٣٩٧٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٦١٦)، والنسائي في «الكبرى» (١١٣٩٤) من حديث معاذ بن جبل بلفظ: «… والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار …». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم في «المستدرك»: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الإرواء» (٤١٣): صحيح.
(٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٦٦٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٣٠٩) من حديث أنس بلفظ: «الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال الألباني في «الإرواء» (٨٨٥): ضعيف.
(٤) ذكره الغزالي في «الإحياء» ١/ ٢٢٦ بلفظ: قال عمر بن الخطاب ﵁: إن الأعمال تباهت، فقالت الصدقة: أنا أفضلكن.
(٥) أخرجه البزار في «مسنده» (٤٠٧٨) من طريق: العوام بن جويرية، عن الحسن، عن أبي ذر، ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الصلاة؟ قال: «تمام العمل»، قلت: يا رسول الله، أسألك عن الصدقة، قال: «الصدقة شيء عَجَبٌ» قلت: يا رسول الله، تركت أفضل عمل في نفسي أو خيره. قال: «ما هو؟» قلت: الصوم، قال: «خير وليس هناك» قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ وذكر كلمة، قلت: فإن لم أفعل أو أقدر، قال: «بفضل طعامك»، قلت: فإن لم أفعل، قال: «بشق تمرة» قلت: فإن لم أفعل، قال: «فبكلمة طيبة» قلت: فإن لم أفعل، قال: «دع الناس من الشر، فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك». قلت: فإن لم أفعل، قال: «فأمط الأذى» قلت: فإن لم أفعل، قال: «تريد أن لا تدع فيك من الخير شيئًا». وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أبي ذر بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٨٣: فيه العوام بن جويرية وهو ضعيف. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٥٢٠).
[ ٧٤٢ ]
قال المؤلف: ما صارت الصدقة من أفضل الأعمال إلا لكونها نفع متعدي (^١)، وتدخل السرور على قلوب الفقراء والمساكين، وهي من أخلاق الصالحين.
ومما يدلك على عظيم قدر الصدقة أن الله سبحانه أفرد بابًا في الجنة يدخل منه المتصدقون يعرف بباب الصدقة، وأهل الصلاة والصيام والذكر وغيره كثيرون، وأهل الصدقة قليلون (^٢)؛ لأنه إذا عظم الشيء قلَّ فاعله، والصلاة والصوم والذكر نفعه على فاعله فقط، والصدقة نفعها على فاعلها وعلى غيره.
والصدقة تأتي من الرحمة والشفقة، وقد جاء في الحديث: «الرحماء يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يَرحم لا يُرحم» (^٣).
وأهل الخير يطلبون من الله تعالى لإخوانهم الآخرة، فكيف يبخلون عليهم بهذه الدنيا الداثرة. يحكى عن بعض الصالحين (- وقد ذهب عني اسمه -) (^٤) أنه كان يعمل في صنعته كل يوم بدينار يتصدق به، ويُدَرْوِز (من بابين ثلاثة) (^٥) كسيرات (يتعشى بهم وينام) (^٦).
واعلم أن الأولياء لم يحبوا البقاء في الدنيا لأجل التمتع، بل لأجل التزود، فتزودوا بالصدقة والإيثار، (والطاعة والأذكار) (^٧)، والذلِّ والانكسار؛ شوقًا إلى الله ﷿، وخوفًا من عذاب النار، ومن شرِّ يومٍ تتقلب فيه القلوب والأبصار، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، فتمتعوا بالخلود في الجنة، وبالنظر إلى الله العزيز الغفار.
_________________
(١) كذا، وصوابه: (لكونها نفعًا متعديًا).
(٢) في (ق): قليل.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ليست في (ق).
(٥) ليست في (ق).
(٦) في (ق، ط): يتقوت بهم.
(٧) ليست في (ق).
[ ٧٤٣ ]
فمن عرف قدر هذه العطايا والامتنان؛ اجتهد في الطاعة والإحسان، وفارق الذنوب والعصيان، لكن ليس كل قلب يصلح لمعرفته، ولا كل بدن يليق لخدمته.
يا من ترمد عينه ثلاثة أيام، فيسعى في علاجها، وترمد بصيرته أربعين سنة، فما (^١) يعالجها، وما سبب ذلك إلا أنه ذاق لذة الدنيا، فيسرع في معالجة بصره، لكي لا يفوته النظر إلى مستحسناتها ومحرماتها، ولو ذاق طعم المعرفة ولذاتها وحلاوة النفوذ إلى الله تعالى لأسرع في معالجة بصيرته.
والقلوب على ثلاثة أقسام: قلب به رمد، ونسأل الله رب الأرض والسماء أن يسلمه من العمى؛ لأنه يخاف على من تمرَّد على الله تعالى بكثرة العصيان من ذهاب الإيمان، لما جاء في الحديث: «إنَّ المعاصي بريدُ الكفر» (^٢). وقلب قد قضى عليه سيد الحكماء بالقطيعة والعمى وهو قلب الكافر، وآخر قد منَّ عليه المولى الكريم، وجاء إلى الله بقلبٍ سليم هداه للإيمان، وسلمه من الكفر والفسوق والعصيان، قال في حقه المولى الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
فمن أحب الفوائد هجم على الشدائد، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن علم بقرب رحيله سعى في تحصيل الزاد؛ حياءً من الله تعالى، وخوفًا من مشقة الطريق، ومن الفضيحة يوم المعاد، ومثل الإيمان مع المؤمن العاصي كشمس مكسوفة منع نورها الكسوف، أو كسراج قد غُطِّي بصحفة، فإذا منَّ الله عليه بالعطاء زال هذا الغطاء، فلو عرف الإنسان قدر الإيمان لفارق العصيان، يا من إذا اطلع على خيانة وكيله عزله، وقد اطلعت على خيانة نفسك، فاجتهد في عزلها، وضيِّق عليها المسالك، إن أردت حسن الخاتمة والنجاة من الشدائد والمهالك.
_________________
(١) في (خ، ب): فلم.
(٢) ليس بحديثٍ، بل أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧٢٢٣) عن أبي حفص قال: المعاصي بريد الكفر، كما أن الحُمَّى بريد الموت.
[ ٧٤٤ ]
(مراد المؤلف من هذا الكلام: أي لا ترضى عن من سخط الله عليه) (^١).
قال العلماء: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود عاد نفسك وودني (^٢).
ورأى بعض الصالحين الحق سبحانه في منامه، فقال: يا رب بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال: دع نفسك وتعال (^٣).
فمثل من كان له نفس مخالفة خائنة وهو يشهيها في المأكل والملبس، كمثل رجل له زوجة وقد اطلع على ما تفعل من الخيانة والفجور، وهو يكرمها على ممر السنين والشهور، فحينئذٍ لا يكرمه الحق سبحانه ولا يسلمه من أهوال يوم النشور؛ لأن الملك يغضب على عبده إذا أكرم عدوه.
عدوك أيها المؤمن! معك، وجميع الأعداء يعملون على أذيتك، أو على ذهاب دنياك، والنفس تريد أن تقطعك عن سيدك ومولاك، فهي أولى بالمعاداة، فمن جعل له عدوًّا غير نفسه فهو أحمق، قال المولى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].
وبنوا آدم مع النفس على أربعة أقسام:
القسم الأول: من استولت عليه فهي تلسعه في ليله ونهاره، وهذا حال المطرودين عن باب الله تعالى؛ لأن الحق سبحانه انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، والنفس هي دهليز الشيطان.
القسم الثاني: أرباب المجاهدة، يكرون عليها وتكر عليهم، فتارةً يغلبونها، وتارةً تغلبهم.
القسم الثالث: قومٌ تمكنوا منها، فأمسكوا برأسها كما يمسك على
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ذكره إسماعيل حقي في «روح البيان» ١/ ١٠.
[ ٧٤٥ ]
خناق الحية، وهذا حال أهل المراقبة، ولكن يخافون أن يغفلوا عنها فتهلكهم.
الرابع: قومٌ مُنَّ عليهم فقتلوها، فلم يبق لها حركة، فلما مات عدوهم طاب عيشهم، قال المولى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. وأي حياة أطيب ممن قد مات عدوه، فمن قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيَى الله قلبه بالطاعة والمشاهدة.
والنفس لا تفارقك أبدًا، والشيطان يفارقك في رمضان؛ لأنه يُغلُّ في شهر رمضان، وقد رأينا من يسرق ويزني ويقتل في رمضان، فهذه المصائب من النفس؛ لأن الشيطان مغلول، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال ﷾: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠].
فمن تغرَّب عن الأوطان وساح في الأرض إلى بلاد الحجاز والسند والهند واليمن وديار مصر والمغرب والشام والروم وعراق العجم ونفسه معه ما رحل؛ لأن المضر معه، والراحل (^١) من رحل عن نفسه، يا لها من رحلة ما أبركها؛ توصلك إلى الحبيب، ورحلة النفس هي هجران أخلاقها المشئومة وعاداتها المذمومة.
واختلف أهل الطريق فيمن يخطر له الذنب، ويجاهد نفسه ولم يفعله؛ وآخر لم يخطر له الذنب أيهما أتم؟ قالوا: الأول أتم؛ لأنه جاهد نفسه فهو أكثر أجرًا، والآخر أكثر نورًا.
سئل أبو سليمان الداراني عن الفقير (المتجرد المتوكل، والفقير) (^٢) المتسبب أيهما أفضل؟ قال: المتوكل أكثر (^٣) نورًا، والمتسبب أكثر أجرًا (^٤). ففيهم الفاضل، وفيهم الأفضل، ونعم الله تعالى متفاوتة المراتب.
_________________
(١) في (خ): والرجل. وفي (ق): والرحل.
(٢) في (ق): و.
(٣) في (ط): أكبر.
(٤) لم أجده.
[ ٧٤٦ ]
والنفس موجودة، لكن منعنا من الشهود عدم وقوفنا على الحدود، وكثرة اشتغالنا بهذا الوجود؛ لأن العروس لا تجلى على فاجر، والأمر لا يخفى على قادر.
فمن تحققت ذلَّته وهب له الحق نصرته: فينصر القلب على النفس، والعقل على الهوى، والملك على الشيطان، والشرع على الطبع؛ لأن الدولة صارت للقلب، فانصلحت مدينة البدن: إذ تولاها ملك عادل، والناس على دين الملك.
وإذا أراد الله تعالى بعبدٍ خيرًا أصلح قلبه، وجعل الدولة له؛ قال رسول الله ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب» (^١). اللهم أصلح قلوبنا، واغفر ذنوبنا.
مثل الجوارح كالغنم، والطاعة والمعصية كالمراعي، والقلب كالراعي؛ فإذا أطلقها في الطاعة فقد جنبها المرعى الرديء؛ (فيكون ذلك سبب نجاتها، ومن أطلقها في المعصية فقد سيَّبها في المرعى الرديء) (^٢)، فما أسرع هلاكها إلا من رحم الله، ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣].
فمثل الجوارح كالجوارح التي يصطاد بها، فمن أطلق جارحة نفسه على معصية كان كمن أطلق كلبه على خنزير، أو كمن أطلق بازه على جيفة منتنة، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «كلكم راعٍ وكلكم (^٣) مسؤُول عن رعيته» (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ليست في (ق).
(٣) في (ق): كل راع.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ١١١ (٥٩٠١)، والبخاري في «صحيحه» (٧١٣٨)، ومسلم في صحيحه (١٨٢٩)، وأبو داود في «سننه» (٢٩٢٨)، والترمذي في «جامعه» (١٧٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٧٣) من حديث ابن عمر ﵁.
[ ٧٤٧ ]
لا تكن الدابة أفقه منك أيها الإنسان، يرجعها إلى مالكها الإحسان، وأنت لا تعرف ما فعل الله معك من الجود والامتنان، فترى الطير مع بهيميته يمسك الصيد، وينتظر مجيء صاحبه، ويرضى لنفسه بالضيق والقيد، فلو فهم قول من قال له: ما الذي أرجعك (إلى القيد) (^١)؟ لكان يقول: أرجعني إحسان سيدي. ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا، فلما تعلم هذا الإحسان أكل ما جرحه من الحيوان، وإن مات قبل أن يدركه الإنسان (^٢).
فمن الناس من رجع إلى الله تعالى شوقًا إلى دار القرار، ومنهم من يرجع إلى الله تعالى خوفًا من عذاب النار، ومنهم من أرجعه الإحسان؛ لأنه رأى نفسه لا تترك المخالفة والعصيان، والحق سبحانه لا يقطع عنه الخير والامتنان؛ فاستحيا من الكريم الوهاب، وفي التنزيل: إن من جاء ما غاب، وصار من جملة الأحباب. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
سمع بعض الصالحين قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، فاستعادها من القارئ وقال: كم أقول لها: ارجعي. فلا ترجع! وصرخ صرخةً، وخرَّ ميتًا.
متى وردت إلى العبد الموارد الإلهية هانت عليه الشدائد، وهدمت ما كان عليه من العوائد؛ لأن الوارد يأتي من حضرة قهار، فما وجد من الأكدار أدمغه وأخرجه من الدار، قال الله سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].
واعلم أن ورود الإِمْداد على حسب الاستعداد، وإذا أراد الحق أن يخرج عبده من القطيعة والحيرة عرَّفه كيف يخرج، نسأل الله العظيم أن
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) عبارة: (ومن وجد يدركه الإنسان) كذا تقرأ في النسخ، وفيها خلل ظاهر، ولعل مراده أن الإحسان قيد يقيِّد صاحبه، مثلما يقيِّد الحيوان المعلَّم عن أكل ما صاده وإن مات قبل أن يأتي صاحبه فيأخذه، والله أعلم.
[ ٧٤٨ ]
يخرجنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة، ويدخلنا في (^١) سنة صاحب المعجزات والشفاعة، وحكم الله تعالى قبل خلق السموات والأرض أن يعزَّ من أطاعه ويُذلَّ من عصاه، وإن خفق على رأسه البنود وسارت (^٢) حوله العساكر والجنود، وفي الخبر يقول الله ﷿ كل يوم: «أنا العزيز، من أراد عز الدارين فليطع العزيز» (^٣).
ويروى أيضًا: أنه ما من يوم يأتي إلا وهو يقول: ابن آدم، أنا يومٌ جديد، وأنا على ما تعمل شهيد (^٤). نسأل الله تعالى أن يجعله شاهدًا لنا لا علينا.
قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤]: أخبارها: شهادتها على بني آدم بما عملوا عليها (^٥).
_________________
(١) في (ق، ط): إلى.
(٢) في (خ، ط): سال.
(٣) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٦٠، وفي «المتفق والمفترق» (١٢٩٣)، وابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ١١٩، وذكره ابن حجر في «لسان الميزان» ٣/ ٤٨. قال الخطيب في «المتفق والمفترق»: عمار وداود مجهولان كلاهما. وقال ابن الجوزي في «الموضوعات»: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: داود كان يضع الحديث على أنس بن مالك. وقال ابن حجر في «اللسان»: لا نعرف لهذا المتن إسنادًا غير هذا. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٧٥٢): موضوع.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الزهد» (٤٠٨)، عن عبد الرحمن بن زبيد الإيامي مقطوعًا، و(٤٢٤) عن الحسن البصري مقطوعًا.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٧٤ (٨٨٦٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٢٩)، والنسائي في «الكبرى» (١١٦٩٣)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٥٧ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ «أتدرون ما أخبارها؟ فإن أخبارها: أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها؛ أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٨٣٤): ضعيف.
[ ٧٤٩ ]
وكذلك شهادة الملائكة وشهادة الأعضاء كلها، وكفى بالله شهيدًا، وما كثر (^١) الشهود إلا لكثرة (^٢) الجحود.
فإن (^٣) بعض من خذلهم الله تعالى: ينكرون الأعمال، ويكذبون الشهود، فحينئذٍ يختم على أفواههم؛ ويشهد عليهم أعضاؤهم؛ قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
فانظر رحمك الله! كيف انعكس الحال حتى غفل أحدنا عن هذه الأهوال، ومن أحبك نبَّهك، وإذا أبغضك قال: دعوه نائمًا. يا جبريل، أقم فلانًا، وأنم فلانًا … الحديث.
ولو لم ينل العصاة من العقاب سوى بعدهم من الله ﷾ لكفى، فكيف وقد فاتهم نعيم الجنة، ومرافقة النبي المصطفى، واختلاطهم في جهنم مع من سخط الله عليه! فخالف وجفا، واسمعوا قول رب العالمين: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهذه الآية خوفت قلوب الصالحين، فكلٌّ منهم باكٍ حزين، والغافل يعصي ويضحك ويزعم أنه من الآمنين.
وأعقل الناس محسن خائف، وأحمق الناس مسيء آمن، هل رأيت صاحب عَمْلة يأمن؟ فكم لك من عملةٍ؟ قال المولى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. وقال المولى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
والثكلى لا يحسن (^٤) لها الفرح، فالناس في أعيادهم وهي منطرحة في
_________________
(١) في (خ): أكثر.
(٢) في (خ): لقوة.
(٣) في (ق، ط): قال.
(٤) في (خ): يحق.
[ ٧٥٠ ]
المقابر، تبكي على فقد ولدها (^١).
رأى الشبلي امرأة خلف جنازة وهي تصيح: والله ما لي سواه. فصاح الشبلي: وامصيبتاه إن طردني من ليس لي سواه.
قال المؤلف: خرج بعض أصحابه إلى الجبانة فرأى جارية على قبر سيدتها تبكي، وتحثو التراب على رأسها، وتقول: واسيدتاه. فجلس هو الآخر يحثو التراب على رأسه ويبكي ويقول: واسيداه. لمَّا رآها تبكي على فقدها لمخلوق (^٢)؛ بكى هو لفقده للخالق.
ليس التائه من تاه في البرية، التائه من تاه عن سبيل الهدى، وخرج عن طريق خير البرية، وأعظم الناس مقتًا عند الله سبحانه: من جعل نعمه فيه وهو يمحقها في مخالفته ومعاصيه، فترى هؤلاء الفاقدين ما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، فلو أيقظ الله تعالى قلوبهم لكان أحدهم يراقب شمسه لكي لا تغيب، ولأسرع في الأعمال الصالحة التي ترضي الحبيب.
كان شيخنا ﵀ يقول: موت الولد المدبر نعمة من الله عليه، وراحة لأبويه.
ومن العناء أن يطول عمرك مع الجناية (^٣)، فلا الجناية (^٤) تفرغ ولا الموت يحجز، أتريد أيها المؤمن! أن تبيع نفسك برخيص، وثمنك الجنة؟! بل لم يكتف لك بالجنة، حتى زادك النظر إلى وجهه الكريم، فانظر إلى هذه المنة؛ قال الله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
قال ابن عباس ﵄: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم العظيم (^٥).
_________________
(١) في (ق): فقيدها.
(٢) في (ق): فقد مخلوق.
(٣) في (خ، ق): الخيانة.
(٤) في (خ): الخيانة. وفي (ق): الحياة.
(٥) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٣٥٨ من طريق ابن عباس ﵄. وللحديث شواهد كثيرة عن أنس، وأبي بكر، وكعب بن عجرة، وصهيب، وأبي بن كعب، وأبي موسى ﵃.
[ ٧٥١ ]
فلا تكن أيها المؤمن! كالفَرَاش؛ لا يزال يحوم حول النار، حتى يقع فيها، فلو أردت السير إلى الله تعالى لتركت (^١) المحارم، و(لغدوت على) (^٢) الأعمال الصالحة عازم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: ٤٦]، وأنشدوا:
رأيتك تسعى دائمًا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
إنما تعيش لتأكل، وتأكل لتعيش، فإن فعلت ذلك فمثلك على المذاود كثير، وأسبق الخيل ما ضمر، وما فجع الإنسان إلا لفقده صبر ساعة، ولخروجه عن طريق صاحب الحوض والشفاعة.
عمرك أيها المؤمن! كالنفس الواحد، فاحرص أن يكون لك لا عليك، ومن لم يُرد الله فلاحَه لن تنفعه الأقوال، قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. فلو كان أحدنا حيًّا لسمع، أما (^٣) جاء في التنزيل: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. وقال بعضهم:
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا … ولكن لا حياة لمن تنادي
فيا خيبة عبدٍ ينتخب لنفسه المآكل الطيبة؛ بل لا يرضى لدابته العلف الرديء، ولا ينتخب عملًا صالحًا لربه، (فيقلب عشرين بطيخة لتصلح له واحدة، لدهليز مرحاضه) (^٤)، ويعامل الله سبحانه بالمجازفة، (وربما جلس
_________________
(١) في (خ): أشددت.
(٢) ليست في (خ).
(٣) في (ط): أن.
(٤) ليست في (ق).
[ ٧٥٢ ]
متربعًا وطوَّل في أكله) (^١)، فإذا صلى نقرها نقرًا (وطواها طيًّا) (^٢) مع الغفلة والوسواس، (وإذا صام اغتاب ونظر لحريم الناس) (^٣)، فمثل من يمكِّن نفسه من كل شيء تشتهي (من المأكل والمشرب والملبس والمنكح) (^٤)، كمثل من في بيته حية لا يزال يسمِّنها حتى تلسعه فتقتله، أرأيت أحدًا يسمِّن عدوَّه؟ قال ﷺ: «إن الله يبغض الحبر السَّمين» (^٥).
ومن سوء عادة النفس إذا مكنتها من كل المباحات تجرُّك إلى الحرام، وتخرجك عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا رجعوا من الغزاة يقولون: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. يعني: جهاد النفس (^٦).
وقال ﷺ: «المجاهد من جاهد هواه» (^٧). فمن جاهد هواه كانت الجنة
_________________
(١) في (ق): ويجلس متربعًا ليأكل ويطول.
(٢) ليست في (ق).
(٣) ليست في (ق).
(٤) ليست في (ق).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) ذكره هكذا الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٤٤، وأخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٥٢٣، والبيهقي في «الزهد» (٣٧٣) من حديث جابر ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم غزاة، فقال ﷺ: «قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدة العبد هواه». قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف. قال الألباني في «الضعيفة» (٢٤٦٠): منكر.
(٧) ذكره هكذا الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٧٠، والذهبي في «السير» ١٩/ ٣٣٨، وأخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٢١ (٢٣٩٥٨)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ١١، والبيهقي في «الشعب» (١١١٢٣) من حديث فضالة بن عبيد بلفظ: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن، من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب». قال الحاكم: على شرط مسلم. وقال الألباني في «الصحيحة» (٥٤٩): هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
[ ٧٥٣ ]
مأواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، واسمع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ولأن الجهاد مؤقت، وجهاد النفس على الدوام، فإسراع الرجل في صلاته هو من شهوات النفس لكي تتفرغ لحظوظها، ويدل ذلك على قلة المحبة، وهل يطول مجلس إلا مع الحبيب؟
فلو كنت أيها المؤمن! كيِّسًا فطنًا لكانت حقوق الله سبحانه عندك أحظى من (حظوظ نفسك) (^١)، ولتركت مرادك لمراد سيدك، فمن أعطى نفسه حظها من المآكل والمشارب حتى يبقى (^٢) بيت خلاء، ثم يريد أن يطلع على الأسرار (كيف له بذلك؟) (^٣) لا يطلع على الأسرار إلا أمين، هب أنك لم تفعل شيئًا من ذلك، بل أحببت الدنيا ومن أحبها فقد خان؛ ومن خان لا يطلعه الملك على أسراره (^٤).
قال ﷺ: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» (^٥). وفي حديث آخر: «الدنيا سجن المؤمن» (^٦). ولم يقل: سجن ابن آدم. فترى المؤمن قد سجن نفسه، واستأنس بربه، وانجمع عليه لا يمشي إلا لحاجة ضرورية أو لصلاة جماعة، أو لشيء يقرِّبه الحق إليه (^٧).
_________________
(١) في (خ، ط): حظوظك.
(٢) في (خ): يتقي.
(٣) ليست في (خ).
(٤) هذا من كلام الصوفية، حيث يدعون أن ثمرة الاستقامة الاطلاع على الأسرار، ويعنون بذلك المكاشفات والكرامات ومعرفة الغيب، وكل ذلك من تلبيس إبليس.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الزهد» (٩)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٢٠٢ عن الحسن مرسلًا، قال الألباني في «الضعيفة» (١٢٢٦): موضوع.
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٢٣ (٨٢٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٥٦)، وابن ماجه في «سننه» (٤١١٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) وتمام الحديث: «وجنة الكافر»، قال النووي ﵀: معناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا، مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد.
[ ٧٥٤ ]
وقوله ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (^١). فقال: جوف ابن آدم. ولم يقل: جوف المؤمن؛ لأن الغالب على بني آدم حب (التكاثر من) (^٢) الدنيا؛ فخرج الحديث على الغالب، وأما جوف المؤمن فقد ملئ بحب الله تعالى، فما بقي فيه وسع لغيره. افهم يا من دُهي في عمره وعقله، وقد أنذره الشيب، وصافحته المنايا، وهو لا يترك اللعب والذنوب والخطايا. أما تستحيي ممن يستحيي منك؟ فقد جاء في الحديث عن خير الأنام: «إن الله يستحيي ممن شاب شيبة في الإسلام» (^٣).
ما أقبح انتقاش العجوز، ولعب الشيخ؛ لأنهما صارا بذلك مضحكة للشيطان؛ لأنه جاء في الحديث الصَّحيح: «إن للموسوسَيْن شيطانًا يضحك بهم، يقالُ له: الوَلْهان» (^٤). فالشيطان يضحك بأهل الوسوسة، أفما يضحك بأهل (^٥) المعصية طالما تمرَّغت في مواطن المحن؟ فتمرغ في محابِّ الله، لا تكن كالمرأة المجنونة؛ الذي قد مات ولدها وهي تضحك، وهذا صفة من نكب في طاعة الله ﷿، ويبست أعضاؤه عن فعل الخير وهو لا يتألم، وما ذاك إلا أن الغفلة قد أماتت قلبه؛ لأن الحي يؤلمه نَغْزُ إبرةٍ، ولو قطع الميت بالسيوف لا يتألم.
فعليك أيها المؤمن! بالتوبة ومجالس الحكمة، فإن وسوس لك
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٢٢ (١٢٢٢٨)، والدارمي في «سننه» (٢٧٧٨)، ومسلم في صحيحه (١٠٤٨)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٣٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٢٣٦)؛ من حديث أنس ﵁، بألفاظ متقاربة.
(٢) ليست في (ق).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه. وهو ضعيف.
(٥) في (خ): على أهل.
[ ٧٥٥ ]
الشيطان: ما فائدة توبتك وأنت تنقضها؟ وتسمع كلام الحكمة، ولا تعمل بها؟ فقل: قد (^١) أتوب ولا أنقض، قد (^٢) أتوب وأموت، على الرامي أن (^٣) يرمي، إن لم يصب اليوم أصاب في غد، وأنشد بعضهم:
وكم من بعيد الدار نال مراده … وآخر جار (^٤) الدار وهو بعيد
ولو لم يكن في سماع الحكمة إلا الندم لكفى، ومن عصى وفرح فهو أشد مقتًا ممن عصى وندم، قال موسى ﵇: يا رب، إذا كان البلاء منك والشفاء منك، فما فائدة الطبيب؟ قال: يا موسى، يأكلون أرزاقهم، ويطيبون قلوب عبادي (^٥).
يا من إذا سمع كلام من يحبه، أو سمع منادي الملك: يا معشر الناس. ألقى إليه سمعه، وربما بطَّل شغله، ويسمع كلام الله تعالى، ولا يلقي له بالًا، ثم يدعي محبة الله هذا المنكوب! ولو كان محبًّا صادقًا لأطربه كلام المحبوب.
لو أسمعك الله حقائق (^٦) كلامه لتعطلت عن زوجتك ومأكلك ومشربك، ولكن أراد الحق ﷾ أن يوفي هذه الدار حقها، ويعطيها قسطها، أما سمعت أخبار المتيمين كمجنون ليلى، وجميل بثينة في قوله:
لو يسمعون كما سمعت كلامها … لخروا لعزته ركعًا وسجودًا
وقال الآخر وهو صاحب ليلى:
وأفرح من ليلى بما لا أناله … ألا كل ما قرت به العين صالح
_________________
(١) في (خ، ب): أو.
(٢) في (خ، ب): أو.
(٣) في (خ، ب): ما.
(٤) في (خ): نائي.
(٥) لم أجده.
(٦) في (خ): متع.
[ ٧٥٦ ]
إذا كان هؤلاء يتحسرون على ما فاتهم (من النصيب) (^١) من محبوب مخلوق، أفما تتحسر أيها المؤمن! على ما فاتك من الخالق؟! فهم لو علموا لبكوا على ما فاتهم من النصيب الوافر، ولكن صغرت عقولهم.
أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، اغسل لي وجهك ويديك وقلبك. فقال: يا رب، قد علمت بما أغسل يدي ووجهي، فبماذا أغسل قلبي؟ فقال: بالبكاء على ما فاتك مني ويفوتك. يعني (^٢): أن تعطى مقام النبي المصطفى ﷺ (^٣).
وفي الخبر (^٤): أن موسى ﷺ بكى ليلة الإسراء بكاء غبطة لا بكاء حسد (^٥). كيف يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ أكثر من أمته؟ كيف جاؤوا بعدهم ثم سبقوهم إلى الجنة؟ لأن الله تعالى حرَّم الجنة على جميع الأمم حتى يدخلها النبي ﷺ هو وأمته، فقد عظم قدر هذه الأمة لرفعة قدر نبيها (^٦).
دخل رجل من أهل الإسكندرية يعرف بالمكين الأسمر (^٧) وكان من
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) زاد هنا في (خ): فإنك.
(٣) ليست في (ق)، ولم أجده.
(٤) في (ق): الحديث.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٢٠٨ (١٧٨٣٥)، والبخاري في «صحيحه» (٣٢٠٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٤)، والترمذي في «جامعه» (٣٣٤٦)، والنسائي في «المجتبى» ١/ ٢١٧ (٤٤٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣٠١) من حديث مالك بن صعصعة الطويل بلفظ: «فأتيت على موسى ﵇ فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما جاوزته بكى فنودي ما يبكيك؟ قال: رب هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي».
(٦) في (خ): متبوعها.
(٧) قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٥٢/ ١٥٧: الإمام مكين الدين أبو محمد عبد الله بن منصور بن علي اللخمي الإسكندراني المقرئ، المعروف بالمكين الأسمر مقرئ الإسكندرية. قرأ القراءات على أبي القاسم الصفراوي، وغيره. وطال عمره وأقرأ جماعة وحدث عن أصحاب السلفي. ولما مات شيخنا الفاضلي، وتوجعتُ لموته وصف لي هذا الشيخ، وأنه قرأ على الصفرواي، فبقيت أتلهف على لقيه، ولم يكن أبي يمكنني من السفر. وكان شيخًا صالحًا، عابدًا، عارفًا بالقراءات. توفي في غرة ذي القعدة سنة (٦٩٢ هـ) عن سنِّ عالية، ﵀.
[ ٧٥٧ ]
الأولياء إلى زيارة دانيال النبيِّ ﵇، فكُشِف له، فرأى النبي وهو واقف يصلي، فقال المكين: أصلي مأمومًا. والنبي تأخر وقال: يا مكين الدين (^١) أنتم من أمة نبي لا ينبغي لنا التقدم عليكم. قال المكين: فقلت له: فبحقه (^٢) عليك إلا ما صليت بي؟ قال: فلما قلت: فبحق (^٣) محمد عليك قرَّب فمه من فمي حتى يدخل هواء اسم النبي ﷺ (^٤) في فمه (^٥).
وقد يرفع قدر العبد لرفعة قدر سيده، ومن أكرم عبدًا فكأنما أكرم سيده، ولذلك قال ﷺ: «من أكرم مؤمنًا أكرمه الله» (^٦)، بشرط أن يكون قد
_________________
(١) ليست في (خ).
(٢) في (ق): بحقه.
(٣) في (ق): بحق.
(٤) في (ق): محمد.
(٥) ذكر هذه الحكاية ابن عطاء الله السكندري في «لطائف المنن» ١٦٨، قال: ولقد أخبرني مكين الدين هذا، قال: دخلت مسجد النبي دانيال بالإسكندرية بالديماس، فوجدت النبي المدفون هناك قائمًا يصلي، عليه عباءة مخططة، فقال لي: تقدم فصلِّ. فقلت له: تقدم أنت وصل. قال: تقدم أنت وصلِّ، فإنكم من أمة نبي لا ينبغي لنا التقدم عليه. قال: فقلتُ له: بحقِّ هذا النبي إلا ما تقدمت فصليت. قال: فأنا أقول «بحق هذا النبيِّ» إلا وهو قد وضع فمه على فمي إجلالًا للفظة النبي، كيلا يبرز في الهواء، قال: فتقدَّمتُ فصليت. قلتُ: إن صحَّت هذه الحكاية فهي من تلبيس إبليس على العُبَّاد الصالحين، وقبر دانيال لا يُعرف موضعه، ففي قلعة مدينة كركوك في العراق مسجد ينسب إليه أيضًا ويدَّعون أن فيه قبره، وأشهر الأخبار في ذلك أنه وُجد في عهد عمر ﵁ في تُستر من بلاد فارس فأمر عمر بدفنه سرًّا وإخفاء موضعه. ثم إن الحلف بحقِّ النبي ﷺ لا يجوز. (ت)
(٦) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (٢١٢٧)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٣/ ٥٦، وفي «أخبار أصبهان» ٢/ ٢٦٤ من طريق: محمد بن إسحاق العكاشي، قال: حدثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، قال: سمعت قبيصة بن ذؤيب، يقول: سمعت أبا بكر الصديق، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أكرم مؤمنًا أكرمه الله، ومن عظَّم مؤمنًا عظمه الله، ومن ستر مؤمنًا ستره الله». قال أبو نُعيم: غريبٌ من حديث الأوزاعي، عن هارون لم نكتبه إلا من حديث العكاشي. قلتُ: العكاشيُّ هذا كذَّاب يضع الحديث، لهذا قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» وقد ساق حديثه هذا: فهذا كذِبٌ بيِّنٌ. (ت)
[ ٧٥٨ ]
أكرمه لأجل الدين، لا لأجل شيء آخر؛ ولا لأجل دنياه، ولكل امرئ ما (كمن في نفسه ونواه) (^١)، وما فعله دانيال ﵇ مع المكين الأسمر هو من آداب الأولياء عليهم الصلاة والسلام، وإلا فالنبي الواحد أفضل من جميع الصحابة ﵈ ومن التابعين ومن جميع المسلمين؛ وإن لم يكن النبي مرسلًا، ولا نزل عليه جبريل ﵇، فانظر إلى هذه السعادة والتفضيل.
قال ﷺ: «أدَّبني ربي فأحسن تأديبي» (^٢). فالعاقل المصيب من يبكي على نفسه من قبل أن يبكى عليه، ويتحسر على ما فاته من الحبيب، فكل أحد يبكي على ما فاته (منك، وأنت أيضًا) (^٣) فابك على ما فاتك من الله تعالى، فقد (^٤) عاملك بالوفاء وعاملته بالجفاء، وأمرك بالاتباع فخرجت عن طريق النبي المصطفى، قال بعضهم:
ولدتك أمك باكيًا مستوحشًا (^٥) … والناس حولك يضحكون سرورًا
فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا
هب أن الله تعالى قد غفر لك، أما فاتك ثواب المحسنين؟ وثواب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟ وثواب المصلين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ وثواب الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ وثواب
_________________
(١) في (ق): نوى.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (خ، ط): الذي.
(٥) ليست في (خ).
[ ٧٥٩ ]
قوم يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، ويخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار؟
ثم اعلم بأن الخوف على قدر المعرفة، ولذلك كان ﷺ متواصل الحزن، طويل الفكرة، ولم ير ضاحكًا قط، بل كان ضحكه تبسمًا (^١).
قال أبو حفص: الخوف سراج القلب، يبصر به ما فيه من الخير والشر (^٢).
قيل للفضيل: ما لنا لا نرى خائفًا؟ فقال للقائل: لو كنت خائفًا لرأيت الخائفين، إن الخائف لا يراه إلا الخائفون، وإن الثكلى هي التي تحب أن ترى الثكلى (^٣).
قال شاه الكرماني: علامة الخوف الحزن الدائم (^٤).
قال الصادق الأمين: «إن الله يحب كل قلبٍ حزين» (^٥).
وكان رسول الله ﷺ يقول قول الشاعر:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا … -ويأتيك بالأخبار من (^٦) لم تزود (^٧)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه القشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ٥٩.
(٣) أخرجه القشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ٥٩.
(٤) أخرجه القشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ٥٩.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الهم والحزن» (٢)، والبزار في «مسنده» (٤١٥٠)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١٤٨٠)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣١٥ من حديث أبي الدرداء ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٨٣): ضعيف.
(٦) في (ق): ما.
(٧) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٣١ (٢٤٠٢٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨٦٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٨٤٨)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٨٣٣) من حديث عائشة ﵂، بألفاظ متقاربة، وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «الصحيحة» (٢٠٥٧): صحيح.
[ ٧٦٠ ]
وكان أبو علي الدقَّاق ينشد كثيرًا هذه الأبيات:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر
قيل: لما ظهر على إبليس ما (^١) ظهر؛ طفق جبريل وميكائيل ﵉ (زمانًا طويلًا) (^٢) يبكيان، فأوحى الله تعالى إليهما: ما بالكما تبكيان كل هذا البكاء؟ فقالا: يا رب، لا نأمن مكرك. قال الله تعالى: لا تأمنا مكري، ثم كونا هكذا (^٣).
وفي الخبر: إذا احتضر ابن آدم شخصت له ملائكة السماء بماذا يختم له، فإذا ختم له بخير فتحت لروحه باب السماء، فتقول الملائكة: عجيب لهذه الروح، كيف سلمت في دار هلك فيها خيارنا؟ يعنون هاروت وماروت (^٤).
فكن أيها المؤمن! على حذر، واسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، ولا تغتر بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات، ولا تغتر أيضًا بموضع صالح، ولا مكان أصلح من الجنة، وقد لقي آدم ﵊ فيها ما لقي. ولا مكان أفضل من مكة المشرفة، وفي الخبر: + أن رجلًا وامرأة زنيا في الكعبة ومُسخا صنمين، فجعلوا أحدهما على الصفا، والآخرة على المروة؛ ليعتبر بهما (^٥).
_________________
(١) في (خ، ط): بما.
(٢) ليست في (ق).
(٣) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ١٨١، والقشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ٦١، والذهبي في «الكبائر» ١/ ٢٢٧.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ١٧٨ بلفظ: إذا صعدت الملائكة بروح العبد المؤمن وقد مات على الخير والإسلام تعجبت الملائكة منه، وقالوا: كيف نجا هذا من دنيا فسد فيها خيارنا.
(٥) هذا من أخبار الجاهلية التي تناقلها أهل التاريخ، ولا يعرف له أصل في السنة الصحيحة، =
[ ٧٦١ ]
ولا تغتر بكثرة العبادة؛ فإن إبليس لعنه الله مع طول عبادته لقي ما لقي، ولا بكثرة علم؛ فإن بلعام كان يحسن الاسم الأعظم، ويرى من الفرش إلى العرش، فانظر ماذا لقي؟ فأما إبليس فإنه صار بعد الملكية (^١) شيطانًا ملعونًا آيسًا من رحمة الله تعالى، وأما بلعام فإنه بعد أن كان سيدًا عظيمًا من أولي الألباب، أصبح وقد سُلب العلوم والإيمان، وشُبِّه بالكلاب.
ولا تغتر أيضًا برؤية الصالحين، فلا شخص أعظم من المصطفى ﵊، ولم ينتفع به أقاربه، ولا أعداؤه، وبعضهم صحبه ثم مات على غير دين الإسلام، وسبب ذلك كله من المعاصي والآثام، فلا كانت المعاصي ولا ساعتها. فمن أطاع الله تعالى واجتهد في ترك المخالفة والأوزار، ثم أوقعه الشيطان في ذنب؛ رجع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار؛ أدخله الله الجنة، ووقاه عذاب النار.
قال المؤلف: من علامة خوف الله تعالى أن يكون العبد على حذر، فإن أوقعه الشيطان رجع إلى الله تعالى بالتوبة واعتذر، فعفا الله عنه وغفر، وقد قلنا شيئًا من صفات الخائفين عسى أن نتخلق بشيء من صفاتهم، ونغتم على ما فاتنا من مقاماتهم.
رافق بعض الفقراء قافلة، فخرج عليهم قطاع الطريق، وأخذوا
_________________
(١) =وقد أخرج البزار في «المسند» (٢٩٤) قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما زلنا نسمع إساف ونائلة رجل وامرأة من جرهم زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن عائشة ﵂ بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع»: وفيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي، وهو ضعيف. وذكر محمد بن إسحاق في «السيرة»: أن إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدَا، ثم حوِّلا إلى الصفا والمروة، فنُصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما. وذكر الأزرقي في «أخبار مكة» آثارًا في هذا المعنى، لا يصح منها شيء.
(٢) في (خ): المليكة.
[ ٧٦٢ ]
متاعهم، وفتحوا جرابًا فوجدوا فيه من المأكل، فجلسوا يأكلون إلا كبيرهم، قال: فقلت له: لم لا تأكل؟ قال: أنا صائم. فقلت له: تصوم وأنت على هذا الحال؟ فقال: نسد الطاقات جميعًا، ما نخلي بيننا وبين الله طويقة. قال الفقير: ثم سافرت بعد (ذلك بمدة) (^١) إلى مكة المعظمة، فوجدت ذلك الحرامي وقد تغير حاله وجاور بمكة؟ فقلت له: ألست فلان كبير القوم؟ قال: نعم. توسعت تلك الطويقة ودخلنا منها.
وكذلك أنت أيها المؤمن! إذا كنت عاصيًا نادمًا باكيًا عسى أن يراك مولاك فيرحمك، وإن كنت عاصيًا ضاحكًا، يخاف عليك أن يراك الله سبحانه على تلك الحالة، فيغلق أبواب الرحمة دونك (^٢)، ويمقتك، فمن عصى الله تعالى وبكى (^٣) يرجى له الخير، وهو أخف ذنبًا ممن عصى وضحك، ومن عصى واستتر أخفُّ ذنبًا ممن عصى وجهر، وهذا أخف ذنبًا ممن عصى وافتخر، وليس شيء أنحس من هذا العبد إلا عبدٌ أشرك وكفر، ومنهم من حفظه الله تعالى، وهوَّن عليه العبادة، فأطاع ربه سبحانه وشكر.
والمحفوظون على طبقات: محفوظ عن الشرك والكفر بالهداية؛ ومحفوظ عن الكبائر والصغائر بالعناية، ومحفوظ عن الخطرات والغفلات بالرعاية.
قال الشيخ أبو مدين (^٤): اطرح الدنيا على من أقبل عليها، وأقبل على
_________________
(١) في (خ، ط): مدة.
(٢) في (خ): عن وجهك.
(٣) في (ق): وهو يبكي.
(٤) أبو مدين شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني (ت: ٥٩٤ هـ)، صوفي، من مشاهيرهم، أصله من الأندلس، أقام بفاس، وسكن بجاية، وكثر أتباعه حتى خافه السلطان يعقوب المنصور. وتوفي بتلمسان، وقد قارب الثمانين أو تجاوزها. له: «مفاتيح الغيب لإزالة الريب وستر العيب». وليس هو بأبي مدين شعيب بن عبد الله بن سعد بن عبد الكافي، المعروف بالحريفيش (ت: ٨١٠ هـ): متصوف مصري من أهل القاهرة جاور بمكة، له كتاب «الروض الفائق في المواعظ والرقائق» مطبوع في مصر قديمًا. ترجمتهما في «الأعلام» للزركلي ٣/ ١٦٦ و١٦٧.
[ ٧٦٣ ]
مولاك، (من تفرغ من أشغال الدنيا أقامه الحق في خدمته، من لم يخلع العذار، لم ترفع له الأستار.
قال المؤلف في قول الشيخ: «اطرح الدنيا على من أقبل عليها، وأقبل على مولاك») (^١) لأن العبد إذا أقبل على مولاه حصل له كل شيء، وحرسه وتولاه، فإذا أقبل على الدنيا أعرض عن خالقه، فحرم خير الدنيا والآخرة، وخسرت يداه؛ لأن القلب له جهة واحدة، متى توجه لشيء حجب عن سواه، وصفة هذا المخذول هو الذي شغل بها عن فرائض الله تعالى، وخرج عن طريق الرسول، قال الله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. فهؤلاء عبيد الدنيا، قال النبي المختار: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار» (^٢). قال العلماء: عبد الدرهم والدينار هو مانع الزكاة، وقالوا أيضًا: إن قارون كان قرابة لموسى ﵇، وكان أعلم الناس بعلم التوراة من بعد موسى وهارون، فمنع الزكاة وأقبل على دنياه، فأعرض الله عنه، وخسف به وبماله وبجداره، وجعل النار مأواه (^٣).
فمن هذا القبيل زهد الأولياء في الدنيا؛ لكي لا تفسد قلوبهم، ويصيبهم ما أصاب هؤلاء الأشقياء. فمن علم أن الله تعالى قد أصلح نفسه، والدنيا في يده لا في قلبه، وهو يعمل على زيادتها، ولا يفتخر بها، ولا يتكبر على خلق الله تعالى، (ولا يتهجم على محارمه، ويخرج حق الله تعالى) (^٤)، ويتصدق على الفقراء والمساكين، ولا يتخلف عن الصلاة في جماعة المسلمين، ومع هذا الاحتياط العظيم يقول: ربِّ سلِّمْ، ربِّ سلِّم!
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٢٥٠٤)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٧١٥٦)، والطبري في «تفسيره» ١٩/ ٦٢٩ من حديث ابن عباس ﵄، وفيه قصة طويلة.
(٤) ليست في (ق).
[ ٧٦٤ ]
لكي لا تغره الدنيا كما غرت غيره فيكون من الهالكين. قال ﷺ: «هلك الأكثرون، إلا من قال في عباد الله هكذا وهكذا، وقليلٌ ما هم» (^١). وجاء في حديثٍ آخر: «إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب» (^٢).
وكان في الصحابة الأغنياء، وكانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، فتعطَّفوا بها على إخوانهم ونفقوها في سبيل الله، فأخذ الله بأيديهم؛ فسلموا من عثراتها، وبلغهم إلى مطلوبهم.
وبعضهم غرق في بحر الدنيا؛ لقلة عومه، فبعد أن كان عبدًا لله وهو من الصحابة الموافقين، أصبح وقد أبعده الله من نبيه وحبيبه وصحابته، وصار من جماعة المنافقين.
والدنيا كالبحر العميق، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فمن وسَّع الله عليه الدنيا، ورزقه الكرم والاتباع لخير الأمم، فقد أحسن الله إليه، وأسبغ عليه النعم، الذي جعل فيه صفة من صفاته، وخصصه بالاتباع لخير المخلوقات والأمم. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «أن السخي
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٥٤٧)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٥٢٧)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٠٩ (٨٠٨٥)، والنسائي في «الكبرى» (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة وأبي ذر بألفاظ متقاربة.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٦٨٧)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٧ (٣٦٧٢)، والبزار في «مسنده» (٢٠٢٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٥٢٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، بلفظ: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب …». قال الدارقطني في «العلل» ٥/ ٢٦٩ بعد أن ذكر طرقه: الصحيح الموقوف. وقال الألباني في «الصحيحة» (٢٧١٤): يظهر من هذا التخريج أن الأصح في إسناد الحديث أنه موقوف، لكن لا يخفى أنه في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي. قلتُ: بل الأشبه أنَّه موقوف، استنبطه ابن مسعود ﵁ من دلائل الكتاب والسنة على هذا المعنى، والله أعلم. (ت)
[ ٧٦٥ ]
قريبٌ من الله» (^١). وفي حديث آخر: «نعم المال الصالح مع الرجل الصالح» (^٢).
وفي حديث آخر: «الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشرِّ» (^٣).
فما أحب الصالحون الدنيا إلا لفعل الخيرات والطاعة، والعمل بسنة صاحب المعجزات والشفاعة، فتزودوا بهذه البضاعة، فوصلوا لمواطنهم، وسلموا من قُطَّاع الطريق، ونجوا من أهوال يوم الساعة.
فإن كنتَ أيها الغنيُّ! على هذه الصفات المباركة، فهي دنيا مباركة عليك التي بسببها وصل خير الآخرة إليك فالزم، واشكر الله تعالى لكي يزيدك من فضله، ويجعل هذه الخيرات نورًا يسعى بين يديك، وإياك أن يغرك الشيطان بقوله.
اعمل بما جاء في الحديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله» (^٤). واعمل
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» (١٩٦١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٨٥١)، والطبري في «تهذيب الآثار» (١٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وله شاهد عن عائشة ﵂. قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢٣٥٤): هذا حديث منكر. وفي (٢٣٥٢) قال: هذا حديث باطل، وسعيد ضعيف الحديث، أخاف أن يكون أدخل له. وقال الدارقطني في «العلل» ١٤/ ٣٦٨ بعد أن ذكر طرقه: لا يثبت منها شيء على وجه. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٥٤): ضعيف جدًّا.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٩٧ (١٧٧٦٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٩٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٢١٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. صححه الألباني في «الأدب المفرد» ١/ ١٢٧، وقال في «السلسلة الضعيفة» ٥/ ٦٢: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) أخرجه الشاشي في «مسنده» (٣٦٣)، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٣٠٩ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، بلفظ: «لا تسبوا الدنيا؛ فنعم مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر». قال الألباني في «الضعيفة» (٥٤٢٠): موضوع.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٧٦٦ ]
على التجريد يهوِّن الله عليك الأمور، ويبلغك إلى ما تريد، وتكون موافقًا (^١) لسيد الموالي والعبيد صلى الله عليه صلاة دائمة إلى يوم القيامة، يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، فيكون قد طاب وقت هذا العبد لمعاملته لله، ولشفقته على خلق الله، فيترك الدنيا بنفسه، فحينئذٍ يتغير حاله فكان يعطي صار يستعطي، وكان همه الرازق، صار همه طلب الرزق، فينتحس الحال لأجل الطلب من الناس ولذل (^٢) السؤال؛ لأنه قام بنفسه، ومن قام بنفسه سقط، ومن أقامه الحق ثبت.
وهذه الأشياء وما يقاربها من تلبيس إبليس، ثم يدخل يوسوس هذا الشيطان المريد على رجل قد انصلح حاله في الزهد والتجريد، وفي خدمة المولى المجيد فيقول: ليس الرجل من ينتظر من يطعمه، الرجل من يعمل ويأكل ويطعم، ويروي له ما كان على ذهن الرجل من الأحاديث كقوله ﷺ: «أحل ما أكل المرء من كسب يمينه، وإن داود نبيَّ الله كان يأكل من كسب يمينه» (^٣)، وما جاء عن المشايخ المتسببين كإبراهيم بن أدهم، وسري السقطي، وإبراهيم الخواص، وغيرهم، فيترك التجريد، واعتزال الخلق، ثم يدخل في أسباب الدنيا، ويختلط بأهلها، فيتكدر عليه وقته بعد أن كان صافيًا، فإنه جاء في الحديث الصحيح، يقول الله تعالى: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك» (^٤).
_________________
(١) في (ط): مرافقًا.
(٢) في (ق): لذلك.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ١٥ من حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل، فقال: يا محمد! ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى، ولو أفقرته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر، ولو أغنيته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالسقم، ولو أصححته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالصحة، ولو أسقمته لكفر». قال الألباني في «الضعيفة» (١٧٧٤): ضعيف. وأخرجه ابن أبي الدنيا في «الأولياء» (١)، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٣١٨، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٧/ ٩٥ من حديث أنس ﵁ مطولًا. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٧٧٥): ضعيف جدًّا.
[ ٧٦٧ ]
وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: والله أنا ممن لا يصلحني إلا الغنى (^١).
كان خلقه جميل، وعطاؤه جزيل (^٢)، كريم الشمائل، يكرم الضيف، ولا يرد السائل. رُوي أنه نزل به ضيف، فأمر عبده أن يذبح رأسًا من الغنم، ويأتي به مشويًّا لضيفه، ففعل، وأخذ العبد الرأس مشويًّا على طبلية (^٣) وحمله على رأسه، فعثر العبد من على السلم، ولعبد الله ولد يلعب تحت السلم، فوقع العبد (^٤) والطبلية على رأسه، فمات، فخرج عبد الله ورأى العبد قد اصفرَّ من الخوف، وولده قد مات والخروف قد تمعر في التراب فلم يغضب، وقال لعبده: لا بأس عليك هذا قضاء الله، وأنت حرٌّ لوجه الله. فأعتق عبده، وأكرم ضيفه، ولم يخبر أحدًا حتى ذهب الضيف لكي يهنأ له طعامه (^٥).
فمن كان صحابي الهمة فالدنيا في يده لا في قلبه، لا يفرح لوجودها، ولا يحزن لفقدها؛ بل ينفقها كما جاء في الحديث المتقدم (فإن فعل) (^٦) نجا، وإن لم يفعل هلك، وكثر همه وغمه.
ومراد المؤلف بهذا الهم: همُّ الدنيا، وهو في الشرع مذموم، وفاعله من خير الآخرة محروم، وأما همُّ الآخرة والحزن عليها فمحمود،
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) كذا، وصوابه: جميلًا … جزيلًا.
(٣) قال في «تاج العروس»: الطبلة: شيء من خشب، تتخذه النساء. والطبل: الربعة للطيب. وأيضًا: سلة الطعام، وهو كالخِوان، يقال أيضًا: الطبلية، والجمع الطبالي.
(٤) في (خ): الرأس.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ليست في (خ).
[ ٧٦٨ ]
ويقرب للمولى الودود؛ وقال سيد المرسلين: «إن الله يحب كل قلب حزين» (^١).
وفي التوراة: إذا أحب الله عبدًا نصب في قلبه نائحة، وإذا أبغض عبدًا جعل في قلبه مزمارًا (^٢).
واعلموا أهل الإيمان! أن نبيكم ﷺ كان مع وجود العبادة وكثرة (^٣) الإحسان دائم الفكرة، متواصل (^٤) الأحزان، فيجب على المؤمن أن يكون صاحب خوف ووجل؛ فبسببها حصل لأهل الجنة ما حصل، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤].
فما فات السالك (^٥) الوصول إلا لتضييعه الأصول، وهو طاعة الله سبحانه، واتباع الرسول؛ قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١] فلو كان المريد في ابتداء أمره متبعًا لصار صدِّيقًا، ولحصل له ما يريد.
فاعلم أيها المملوك! أن ليس كل أحد يصلح لمجالسة الملوك، وإياك أيها المؤمن! أن تخرج من هذه الدار وما ذقت أطيب شيء فيها، وهو حلاوة حب الله ورسوله، وليس حلاوة حبهما في المأكل
_________________
(١) أخرجه البزار في «مسنده» (٤١٥٠)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣١٥، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٩٠. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبى قائلًا: مع ضعف أبي بكر منقطع. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٧٢٣).
(٢) ذكره ابن القيم في «مدارج السالكين» ١/ ٥٠٧، وقال: أثر إسرائيلي قيل: إنه في التوراة وله معنى صحيح، فإن المؤمن حزين على ذنوبه، والفاجر لاهٍ لاعب مترنم فرح.
(٣) في (خ): كرة.
(٤) في (ق): و.
(٥) في (ق، ط): السائل.
[ ٧٦٩ ]
والمشرب (^١)، الذي يشارك فيهما الأنعام والدواب، أرأيت آدميًّا يرضى لنفسه أن يكون هو والدابة سواء؟! فمن علامة المحبين طاعة الله سبحانه، والجمع عليه، واتباع النبي ﷺ والشوق إليه، وكثرة الصلاة عليه.
وهذه الأشياء لا يشارك المؤمن فيها إلا النبيون والصالحون والملائكة المقربون، ولو فتح لك أيها المؤمن! باب التودد، لرأيت العجائب؛ لكن الحق سبحانه انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، قال ﷺ: «ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقره الله في صدره» (^٢).
وقال بعض الصالحين: والله لا أبكي لأجل المعصية، إني لا أصلح لها، ولكن أبكي (الذي كان هذا) (^٣) حظي من الله تعالى.
وقيل لبعض الصالحين عند النزع: ما تشتهي؟ قال: قطعة كبد مشوية (^٤). ليس المراد أن يأكلها، لكنه يشتهي قلبًا محترقًا على ما ضيعه في عمره.
وكذلك كانوا يوَرُّون في إشاراتهم بسُعْدَى، ولُبْنَى، والرَّباب، وزينب، وليلى. والمراد أنهم كانوا يصونون ذكر حبيبهم ويذكرون غيره (^٥)، كما قيل
_________________
(١) في (خ، ط): الشراب.
(٢) قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٠، ١٠٥): رواه الترمذي الحكيم في «النوادر» من قول بكر بن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعًا. وأقره الحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٩٧٠)، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٩٦٢): لا أصل له مرفوعًا.
(٣) في (خ): التي كانت.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) هذا من قبائح الصوفية، وذلك أنهم يذكرون قصائد العشق في وصف النساء، ويزعمون أنهم يقصدون بذلك ربِّ الأرباب ﷾، وما الذي دعاهم إلى (التورية)، هل هم في بلاد المشركين إذا ذكروا الله ﷿ عذِّبوا وأوذوا؟ وإنما قصدهم بذلك الدندنة حول اعتقادهم بوحدة الوجود، فلا فرق عندهم بين الربِّ وامرأة. قال ابن الجوزي في بيان تلبيس إبليس عليهم: ومن ذلك أنهم تلمحوا ما =
[ ٧٧٠ ]
عن بعض الخلفاء أنه لما رأى مكة شرَّفها الله تعالى ترجَّل عن جواده، وخرَّ لله ساجدًا على التراب، وأنشد:
_________________
(١) = يزعج النفوس، ويطرب القلوب، فنوَّعوا فيه الكلام فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق، ولبس عليهم إبليس بأننا نقصد الإثارة إلى محبة الله ﷿، ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى، فيضل القاصُّ ويُضِلُّ. قال الصوفي الشهير ابن الفارض في «ديوانه» يذكر النساء ويورِّي في إشارته إلى ربِّه: فلا تك مفتونًا بحسك معجبًا … بنفسك موقوفًا على لبس غرةِ وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج … هدى فرقة بالاتحاد تحدتِ فكل مليح حسنه من جمالها … معار له، أو حسن كل مليحة بها قيس لُبْنَى هام، بل كل عاشق … كمجنون ليلى، أو كُثيِّر عزَّة فكلٌّ صبا منهم إلى وصف لبسها … لصورة حسن لاح في حسن صورة وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر … فظنوا سواها، وهي فيها تجلت بدت باحتجاب، واختفت بمظاهر … على صبغ التلوين في كل برزة ففي النشأة الأولى تراءت لآدم … بمظهر حوا قبل حكم الأمومة فهام بها كيما يصير بها أبا … ويظهر بالزوجين حكم النبوة وما برحت تبدو وتخفى لعلة … على حسب الأوقات في كل حقبة وتظهر للعشاق في كل مظهر … من اللبس في أشكال حسن بديعة ففي مرة لُبْنى، وأخرى بثينة … وآونة تدعي بعزة عزت ولسن سواها، لا. ولا كن غيرها … وما إن لها في حسنها من شريكة كذاك بحكم الاتحاد بحسنها … كمالي بدت في غيرها، وتزيت بدوت لها في كل صب متيم … بأي بديع حسنه، وبأيَّتِ ذكر هذه الأبيات البقاعي ﵀ في «تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي» المطبوع باسم: «مصرع التصوف»، فعلَّق عليه محقِّقه العلامة عبد الرحمن الوكيل ﵀ بقوله (ص: ١٠١): يفتري سلطان الزنادقة ابن الفارض أن الذات الإلهية تتجلَّى أتم وأجمل مما تتجلى في صور النساء الجميلات، ويفتري أنها تجلت في صور ليلى وبثينة وعزة، وقد رمز بهن عن كل امرأة جميلة عاشقة معشوقة، ولما كان من طبيعة هذا الرب الصوفي العشق، كان لا بد له من التجلي في صور عشاق، ليعشق، ويعشق، فتجلى في صور قيس وجميل وكثير عشاق أولئك الغانيات. وقد رمز بهم عن كل فتى اختبله الحب وتيمته الصبابة، ثم يفتري أيضًا الزعم بأن العاشق ليس غير العشيقة بل هو هي، فالرب الصوفي عشق وعاشق وعشيقة، فليلى وقيس مثلًا عند ابن =
[ ٧٧١ ]
ونحن ملوك الأرض شرقًا ومغربًا … وعند حمى (^١) ليلى أقل عبيدها
فسجود هذا السيد مع جلالة قدره وتعفير وجهه على التراب، هو تعظيم لرب الأرباب، والوجه هو من أعز (^٢) الأعضاء وأشرفها، وقد أهانه (^٣) في الدنيا، عسى أن يكرمه (الله تعالى) (^٤) في الآخرة، ويجعله من قوم قال في حقهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ثم اعلم بأن السجود يقرب إلى الرب المعبود لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، ولقوله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا (^٥) من الدعاء» (^٦).
يا هذا، إذا فتح أهل الدنيا أكياسهم، وأنفقوا في سبيل الرحمن؛ افتح أنت أيضًا (هميانَ قراءةِ القرآن، وكثرة التضرع إلى الرحمن، وأَكْثِرْ) (^٧) من ذكر الملك المعبود، وأطل الركوع والسجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة، فمن ذكر الله ذكره وبلَّغه المقصود.
_________________
(١) =الفارض هما الرب، تعينت ذاته في صورة امرأة تعشق هي ليلى، وفي صورة رجل يعشق ويعشق هو قيس. وليتأمل القارئ معي: فابن الفارض حين يتحدث عن الذات الإلهية باعتبارها حقًّا يحكم بأنها تظهر في صور نساء، وإذا تحدث عنها باعتبار تعينها فيه يحكم بأنها تظهر في صور رجال، يريد بهذا أن يفضل الرب المتعين فيه على الرب المتعين في غيره، أو بتعبير أبين صراحة: يفضل نفسه على الرب الذي يظهر في صورة امرأة، ويجعل من نفسه قيمًا عليه، فالرجال كما لا يخفى قوامون على النساء.
(٢) في (ط): حب.
(٣) في (ق): أجل.
(٤) زاد في (ق) لفظ الجلالة: الله.
(٥) ليست في (ق).
(٦) في (ق): فأكثر في سجودك.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) في (خ): (الهميانَ، وأكثِرْ من قراءة القرآن، فإن لم تحفظه فأكثِرْ). والهيمانُ: كيسٌ للنفقة يشدُّ في الوسط.
[ ٧٧٢ ]
فمن أراد أن يعرف حاله عند الله تعالى، فلينظر إلى صلاته: إن أسرع إليها وواظب عليها، ودخل فيها بخشوع، واطمأن (^١)، وأتم السجود والركوع، فإذا فرغ من صلاته انتهى عن جميع سيئاته (^٢)، فهذه الصلاة تقرب المؤمن من خالقه ومولاه؛ لأن من جلس إلى صاحب مسك عبق عليه من ريحه. والصلاة هي مجالسة المؤمن لله تعالى، فمن جالس ربه ولم يحصل له ما تقدم ذكره من الجمع في صلاته، والتدبر في قراءته، والترك لسيئاته، وأتم الركوع والسجود، واطمأن في القيام والقعود، ولم يسبق الإمام ليست بصلاة؛ لما خالطها من الغفلة والخروج عن السُّنَّة والآثام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ فإن لم تنه (^٣) صاحبها عن ذلك فليست بصلاة، فترى الغافل إذا دخل في الصلاة أخذه الوسواس، وإذا صام اغتاب الناس، فيدرج القراءة، ولا يطمئن في قيامه، ولا في ركوعه وسجوده، ويعبث بثوبه وببدنه، فيدخل الخلل في صلاته، ويخرج عن طريق خير الناس.
ومن البدع: نظر المصلي إلى ثيابه وأعطافه، ولم ينظر إلى قدرة الله تعالى وألطافه، وكذلك نظر المصلي إلى اليمين واليسار، وهو واقف بين يدي الله تعالى؛ يخاف عليه أن يحول وجهه وجه حمار. وهذه الألفاظ مأخوذة مما صح في الأخبار (^٤).
_________________
(١) في (ط): واطمئنان.
(٢) في (ط): سباته.
(٣) في (ط): ينته.
(٤) أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (٣٧٥١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧٢٢٤)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٦٠ (٧٥٣٤)، والدارمي في «سننه» (١٣١٦)، والبخاري في «صحيحه» (٦٩١)، ومسلم في «صحيحه» (٤٢٧)، وابن ماجه في «سننه» (٩٦١)، وأبو داود في «سننه» (٦٢٣)، والترمذي في «جامعه» (٥٨٢)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ٩٦ (٨٢٨)، وفي «السنن الكبرى» (٩٠٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٦٠٠) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أما يخشى أحدكم، أو لا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام؛ أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار».
[ ٧٧٣ ]
فلا تبخل على نفسك أيها العبد الشحيح بالعمل بالحديث الصحيح، فأبخل البخلاء من سرق من صلاته وخالف ربه، ولم يعمل على مرضاته.
عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة ﵁ رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود، فقال له: ما صليت، ولو مُتَّ؛ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ (^١).
فمن صلى ولم يطمئن في ركوعه وسجوده، ويعتدل في قيامه؛ تُكره صلاته عند جماعةٍ من العلماء، وتبطل عند آخرين (^٢).
ويكره العبث في الصلاة (عند جماعة) (^٣) وإن (^٤) قلَّ، وإن كثر العبث بطلت صلاته عند جماعة، وتكره عند آخرين (^٥).
فإن اضطر المصلي إلى النظر فلينظر بمُؤَقِ (^٦) عينيه من غير أن يلتفت ويقتفي الآثار، ولا يخرج عن سنة النبي المختار، والمؤمنين الأخيار.
فيا أيها المملوك، ما (^٧) هكذا يتأدب بين يدي الملوك، كان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا وقف في الصلاة تغير لونه، ولا يتغير (^٨) عند ملاقاة الأبطال، فقيل له في ذلك، فقال: أما تعلمون بين يدي من
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٨٤ (٢٣٢٥٨)، والبخاري في «صحيحه» (٧٩١)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٥٨ (١٣١٢)، وفي «السنن الكبرى» (٦٠٨).
(٢) تكره عند الأحناف، وتبطل عند الشافعية والحنابلة، انظر: «حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح» (ص ١٦٧)، «الحاوي» ٢/ ١١٩، «المغني» ١/ ٥٧٧.
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (خ): إذا.
(٥) انظر «المغني» ١/ ٦٩٦.
(٦) مؤق العين بهمزة ساكنة ويجوز التخفيف: مؤخرها، والماق لغة فيه، وقيل: المؤق المؤخر، والماق بالألف المقدَّم، وقال الأزهري: أجمع أهل اللغة أن الموق والماق لغتان بمعنى المؤخر. «المصباح المنير» (مادة: موق).
(٧) في (خ): أما.
(٨) في (خ): ولم تتغير.
[ ٧٧٤ ]
أقوم؟! (^١)، فمن لم يتأدب بين يدي خالقه، ويعظم شعائره فهو عبد محروم، وبالبدعة والغفلة موسوم.
رأى النبي ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه» (^٢).
فشهد عليه الصادق الأمين أنه (^٣) من الغافلين، نسأل الله تعالى اليقظة (وحسن العاقبة) (^٤) والخاتمة، وأن يوفقنا لطريق السعداء، ويجنبنا البدعة والردى.
ومن البدعة سبق المأموم إمامه؛ لقوله ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا» (^٥).
والفاء في هذا الحديث كله للتعقيب، فاسمع وأجب إن كنت محبًّا صادقًا لقول الحبيب، ولا تخالفه حياءً من المولى الرقيب، الذي هو معك حيث كنت وأين كنت، حاضرٌ لا يغيب، قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقال
_________________
(١) لم أقف عليه عن علي بن أبي طالب، وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٢١٦، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤١/ ٣٧٨ عن علي بن الحسين ﵁.
(٢) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ٣/ ٢١٠، وقال الحافظ العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ١/ ١٥٠: ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب ﵀. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١١٠): موضوع.
(٣) في (خ): أن الرجل.
(٤) ليست في (خ).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٠٤) بنحوه، والحميدي في «مسنده» (١١٨٩)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ١٦٢ (١٢٦٥٦)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١١٦١)، والدارمي في «سننه» (١٢٥٦)، والبخاري في «صحيحه» (٦٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (٤١١)، وابن ماجه في «سننه» (٨٧٦)، وأبو داود في «سننه» (٦٠١)، والترمذي في «جامعه» (٣٦١)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ٨٣ (٧٩٤)، وفي «السنن الكبرى» (٩٠٦).
[ ٧٧٥ ]
تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. فمن لقيته عواصف الشوق أسرع إلى منازل الحبيب، قال قائلهم في المعنى:
والله ما جئتكم زائرًا … إلا وجدتُ الأرض تطوى لي
ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي
فطاعة الحبيب تخفف الأثقال، فابك على نفسك إذا جررت رجليك إلى الصلاة جرًّا، وهي صفة من صفات المنافقين، قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢].
فترى الغافل إذا فرغ (^١) من صلاته أسرع في خروجه كأنه كان في حبس، قد طال فيه مكثه، فيبطئ في دخوله إلى المسجد، ويسرع في خروجه، فيخرج ومناجاة الحق في أذنيه، وهي قوله ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، ومناجاة الرسول ﷺ، وهو قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
فمن قال هذا فقد سلم على النبي ﷺ وعلى كل ولي لله تعالى في السموات والأرض (^٢)، ثم يخرج بعد هذه النعم إلى الخروج عن طريق خير
_________________
(١) في (ق): أسرع.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٢ (٣٦٢٢)، والدارمي في «سننه» (١٣٤٠)، والبخاري في «صحيحه» (٨٣١)، وفي «الأدب المفرد» (٩٩٠)، ومسلم في «صحيحه» (٤٠٢)، وابن ماجه في «سننه» (٨٩٩)، وأبو داود في «سننه» (٩٦٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٧٠٣) من حديث ابن مسعود ﵁: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان. فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: «إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
[ ٧٧٦ ]
الأمم، فيجلس على رأس الحارات والدروب، ويكثر من الخطايا والذنوب، ويطلق نظره لمعصية علام الغيوب.
خرج رجلٌ في زمن مالك بن أنس ﵁ ليصلي في المسجد مع الجماعة، فرأى محرَّمًا، فدعا على نفسه بالعمى، فعمي، فكان ولده يقوده إلى المسجد، فشغل يومًا الصبي باللعب، وأخذ الرجل بطنه فخاف الفضيحة، فدعا الله تعالى يرد بصره؛ (فردَّه الله تعالى عليه) (^١)، قال الإمام مالك: رأيته بصيرًا ثم أعمى ثم بصيرًا (^٢).
اعلم رحمك الله تعالى أن الجماعة ربحٌ؛ ولذلك قال المولى الغفور: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. والربح لا يكون إلا بسلامة رأس المال.
كان بعضهم يبيع الثلج، فذاب الثلج، فجلس يبكي، ويقول: ارحموا من ذاب رأس ماله (^٣). وقد ذهب رأس عُمُرِ الغافل وهو يضحك، وضحك هذا المفتون مع هذه المصائب نوع من الجنون، فمثله كمثل المرأة المجنونة الذي مات ولدها، وهي تضحك.
(كان بعض الصالحين لا يزال باكيًا فقيل له: أنت طول دهرك باكيًا؟ قال: فبكى وقال: يحق لأهل المصائب أن يكونوا هكذا) (^٤).
فإياك أيها المؤمن! أن تتهاون في النظر، واسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، وإياك أن يهونه الشيطان عليك ليصل شؤمه ووباله إليك بقوله: هو ذنب صغير؛ فإن الصغير بالمداومة يصير كبيرًا، ولا تنظر الذنب،
_________________
(١) في (ق): عليه.
(٢) أخرجه أبو بكر بن المقرئ في «معجمه» (٦٤)، واللالكائي في «كرامات الأولياء» (١٢٨). وذكره المؤلف ﵀ في موضع سابق.
(٣) لم أقف على هذه الحكاية.
(٤) ليست في (ق). ولم أقف على هذه الحكاية، وقوله: (دهرك باكيًا) صوابه: (باكٍ).
[ ٧٧٧ ]
بل انظر لمن عصيت (^١)، وجاء في الحديث: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (^٢).
اعلم أنه يشق على النفس ترك المألوف، وإن كان ذلك لا يرضي المولى الرؤوف، ومن سوء عادة النفس إذا مكنت من الذنب الصغير تجر إلى الذنب الكبير: أمارة بالسوء؛ ولا ينبئك مثل خبير، لا تسمع منها إذا قالت: اسع في زيارة الإخوان فتؤجر! وتروي لك الأخبار: لا تلقي نفسك في النار! ما هذا زمن اجتماع، قلَّ أن يجلس الرجل مجلسًا لا يعصي الله فيه، هذا زمانُ: اخف مكانك، واحفظ لسانك، وابك على خطيتك.
ولا تغبط من يكون معه من العبادة الظاهرة: كالعلم والزهد، وكثرة الصلاة، والصوم، والذكر وغيره؛ وعوائد (^٣) الجلوس في الطرق والأسواق؛ لخروجه عن السنة، وعن طريق كل عبد صالح ومشتاق؛ لأن هذه الأشياء لا تغني المؤمن ولا يحتاج إليها.
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (^٤)، فلو حسن إسلام المرء ما تعرض للمحن، ولا خرج عن السنن، وقد صح في الحديث: «إن الأسواق مجالس الشياطين» (^٥)، فلذلك كرهها الله تعالى لعباده الصالحين.
_________________
(١) كذا في النسخ: (ولا تنظر الذنب)، والصواب: (.. إلى الذنب). وهذا من كلام السلف، فقد أخرج الخطيب في «تاريخ بغداد» ١/ ٣٢١ عن التابعي العابد الفاضل بلال بن سعد ﵀ قال: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر من عصيت.
(٢) أخرجه الشهاب القضاعي في «مسنده» (٨٥٣) من حديث ابن عباس ﵄، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٨١٠): منكر.
(٣) في (خ): وعادة. ومراد المصنف أن المشار إليه وهو صاحب عبادة ظاهرة قد ابتلي بعادة الجلوس في الطرق والأسواق.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج مسلم في «صحيحه» (٦٧١) (٢٨٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٢٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها».
[ ٧٧٨ ]
ثم اعلم بأن الخير كله في جمع القلب على الله تعالى، والشرَّ كله في التفرقة عنه، والجلوس بغير حاجة في أبواب الحارات والأسواق أو الطرق والدروب؛ ففي ذلك تفرقة للقلوب، ولا ترضي علام الغيوب.
وقد أفتى الشيخُ محيي الدين النَّواويُّ (^١) لسائل سأله: هل الانقطاع في برية أو قرية أفضل، أم الإقامة في المدن لأجل حضور الجماعة والجمعة، وأعياد المسلمين وشعائرهم، وحلق ذكرهم أفضل؟ فقال ﵁: أي مكان رأيت نفسك انجمعت فيه على الله تعالى، فالإقامة فيه أفضل: (في البرية أو القرية أو المدينة) (^٢). فإن خاف الضرر على دينه في المدينة لا يسكنها، فإن أمن فسكنى المدينة أفضل؛ (لشهود ما تقدم ذكرهم، وحينئذٍ) (^٣) لا يجالس من يخاف منه ضررًا في دينه لبدعته، أو لترغيبه في الدينا وشهواتها، أو يغتاب عنده مسلمًا أو (^٤) غير ذلك من المفاسد: كمجالسته من تتحلى النفس بمجالسته، لعلو مرتبته أو لحسن صورته، وذلك من أنحس المقاصد.
فقد تبين لك أن (الجمع هو الأصل في العبادات) (^٥)، فما فات السالك الوصول إلا لتضييعه الأصول، فمتى حصلت العبادة، ولم يحصل معها الجمع، فإنما هو من عدم صدق، أو مرض في القلب، أو بدعة، أو عدم أدب، أو عجب ورياء، أو كبر. قال المولى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فاعتبروا يا أولي الألباب بإبليس: كيف صيَّره الله سبحانه عدوًّا لأجل تكبره، وصرفه عن درجة
_________________
(١) هو العلامة الفقيه المحدِّث أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوراني النووي الشافعيُّ (٦٣١ - ٦٧٦ هـ) ﵀، مولده ووفاته في نوا من قرى حوران، بسورية وإليها نسبته. من مؤلفاته الشهيرة: «رياض الصالحين»، و«شرح صحيح مسلم»، و«الأذكار».
(٢) ليست في (ق).
(٣) في (ق): و.
(٤) في (خ): و.
(٥) في (خ): الأصل في العبادات هو الجمع.
[ ٧٧٩ ]
الأحباب، كان ملكًا عظيمًا، فصار شيطانًا رجيمًا (^١)، فإن عوَّق المسلم عن الصلاة بالكلية، فقد ابتلي بمعصية عظيمة وبلية، وخالف الحق سبحانه، وخرج عن طريق خير البرية، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]، وقال ﷺ: «بين أمتي والشرك والكفر ترك الصلاة» (^٢). وقد صحَّ أيضًا في الخبر: «من ترك الصلاة عامدًا
متعمدًا فقد كفر» (^٣).
فانظر رحمك الله! إلى هذا التهديد والتوكيد الشديد، ومع ذلك كله لا ينتفع الغافل به؛ لأن القلوب بيد الله تعالى، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد.
قال بعضهم:
قل لمن أعرض عنَّا … إن إعراضك منَّا
لو أردناك لأضحى … كلُّ ما فيك يردنا
ولهذا الترك سبب: وهي ذنوب سبقت؛ لأن المعاصي تسود القلب،
_________________
(١) لم يكن إبليسُ قطُّ من الملائكة، بل كان من الجنِّ بصريح القرآن، لكنه كان صالحًا مقرَّبًا ففسق عن أمر ربِّه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٧٠ (١٤٩٧٩)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٠٢٢) بنحوه، ومسلم في «صحيحه» (٨٢)، والترمذي في «جامعه» (٢٦١٨، ٢٦١٩) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، ولفظه عن النبي ﷺ قال: «بين العبد وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة». وفي بعض الألفاظ: «بين الكفر والإيمان ترك الصلاة». وقد ورد من غير حديث جابر ﵁.
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣٣٤٨)، ورجح الدارقطني إرساله، انظر «العلل» ١٢/ ٨٢، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ٢٦: رجاله موثقون إلا محمد بن أبي داود فإني لم أجد من ترجمه، وقد ذكر ابن حبان في «الثقات»: محمد بن أبي داود البغدادي فلا أدري هو هذا أم لا. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٥٠٨).
[ ٧٨٠ ]
وتيبس الأعضاء، وتعوقها عن الطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من ترك الصلاة، والمخالفة لله تعالى، ومن تفرُّقِ العبد عن سيده وخالقه ومولاه.
ويجب على المسلم المواظبة على الجمعة والجماعة، ليهوِّن الله عليه أهوال يوم الساعة، ويحشره مع صاحب المعجزات والشفاعة.
اعلموا أهل الإيمان! أنَّ الجمعة والجماعة هي طريق رسول الله ﷺ، وطريق الصحابة، والتابعين لهم بإحسان.
سئل ابن عباس ﵁ عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل؛ إلا أنه لا يأتي الجماعة ولا الجمعة، فقال: هو في النار (^١).
عن ميمون بن [أَبي] شبيبٍ قال: تهيأت للذهاب إلى الجمعة زمن الحجاج، فقلت: أين أذهب، أصلي خلف هذا؟ فقلت مرة: أذهب، ومرة: لا أذهب، فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من زاوية البيت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، قال: وجلست مرةً أكتب كتابًا، فعرض لي شيء، إن أنا كتبته زيَّن كتابي؛ وقد كنت كذبت، وإن أنا لم أكتبه، كان في كتابي بعض القبح؛ وقد كنت صدقت، فقلت مرة: أكتب، ومرة: لا أكتب. فأجمع رأيي على تركه، فتركته فناداني منادٍ من زاوية البيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (^٢).
ولا ينبغي للمؤمن أن يتهاون بالصلاة في الجماعة؛ لأجل العيال، ويحيلهم على الكبير المتعال، لكي لا يدخل الخلل في كسبه؛ ويخرج عن
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «سننه» (٢١٨)، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» (١٦٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٥٤٤٥)، وأحمد في «الزهد» (ص ٣٥١) عن ميمون بن أبي شبيب، وهو تابعي فاضل قتل في وقعة دير الجماجم سنة (٨٣) رحمه الله تعالى.
[ ٧٨١ ]
سنة نبيه فينعكس الحال، ولا يعول همهم، ويكون همه الآخرة (^١)، فيكفيه (^٢) الحق سبحانه هم الدنيا والآخرة، كما جاء في الأخبار المتواترة: يا عبد الله، إذا كان المخلوق أبخل البخلاء، وإذا استخدم أحدًا أطعمه، أفتخدم مولاك (وهو خالق الكرم) (^٣) ويتركك؟! أيشبع الكافر وتجوع؟! أتكون في دار الضيافة وتضيع؟! الدنيا داره وأنت فيها كالضيف الراحل عن أيام قلائل، وقد وصانا الحق سبحانه بإكرام الضيف. والمولى الجليل هو أولى بهذا الخلق الجميل، وكان بعضهم يقول: اللهم إن كنت أعول همًّا غير هَمِّ الآخرة، فلا تؤمنِّي منه (^٤).
أين ذهب عقل من شُغل بهمِّ الدنيا عن هموم الآخرة؟ شغله همُّ ما يفنى، عن همِّ ما يبقى، فمثله كمثل من جاءه أسد ليفترسه، فشغل عنه بضرب (^٥) هرٍّ.
فالعاقل المصيب همُّه ما فاته من الحبيب، لكي لا يعامله (^٦) الله تعالى بالوفاء ويعامله هو بالمخالفة والجفاء، فعجبٌ لمن يعصى حبيبًا محسنًا بعد معرفته بأياديه وإحسانه، ويطيع عدوًّا لعينًا بعد معرفته بعداوته وطغيانه.
اعلم رحمك الله! أن لله ﷾ عبادًا غيرك لا يعلمهم إلا الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] وأنت ليس لك رب غيره، وهو يربيك كأنه ليس له عبد سواك، وأنت تعرض عنه، كأن لك ربًّا غيره يحرسك في ليلك ونهارك من الجن، والشياطين، والحشرات، ومن جميع
_________________
(١) في (خ): فلا تقول همهم فيكون همك الآخرة.
(٢) في (خ): فيكفيك.
(٣) ليست في (خ، ط).
(٤) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٢/ ١٢٢ - ١٢٣ من كلام عمر بن عبد العزيز ولفظه: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره.
(٥) في (خ): بصوت.
(٦) في (خ): عامله الحق.
[ ٧٨٢ ]
البلايا والآفات، بعد معرفته بارتكابك أنواع المعاصي والسيئات. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] فلولا الحراسة من رب العالمين، لاختطف الآدميَّ الجنُّ والشياطينُ، قال الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
عن ذي النون المصري قال: حصل لي همٌّ، فخرجت إلى شاطئ النيل، فرأيت عقربًا ركبت (^١) ضفدعًا، فتبعتها إلى الشاطئ (^٢) الآخر فنزل العقرب يمشي، وإذا شاب نائم تحت شجرة وأفعى تقصده؛ فلدغت العقرب الأفعى، والأفعى العقرب؛ فماتا جميعًا، وسلم الشاب، وكان سكرانًا، فأيقظه ذو النون، وعرفه بالقضية، فبكى، وقال: إلهي، هذا فعلك بمن عصاك، فكيف بمن أطاعك؟ فكان ذلك سبب توبة الشاب (^٣).
(عجب مِنْ ربٍّ (^٤) يُقبِل، ويتحبب لعبده بنعمته، ومن عبد يدبر، ويتبغض إلى الله لمخالفته) (^٥)، فمن رزقه الله تعالى إيمانًا وعقلًا، ثم صرف ذلك في موافقة الطبع ومخالفته الشرع؛ لا الإيمان يعقله، ولا العقل (^٦) يعقله، فالمجنون أحسن حالًا من هذا؛ لأن المجنون من أهل الجنة، والقلم مرفوع عنه، ويثاب، وهذا العاقل يعاقب ويعاب فليته كان مجنونًا، ولم يكن عاقلًا مفتونًا، وهذه العقول أكادها (^٧) باريها، فلو كمل عقل ابن آدم؛ لكان يراعي شمسه لكي لا تغيب؛ ولأسرع في دوام الشكر، وفيما يرضي الحبيب؛ لأن الله تعالى قد أسبغ عليه النعم: حفظ قلبه من الكفر، وصان وجهه عن السجود للصنم، وأكرمه بالاتباع لسيد الأمم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، أهل الجود والدين والشجاعة والكرم، قال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ
_________________
(١) في (ق): حملت.
(٢) في (خ): الشط.
(٣) أخرجه ابن قدامة في «التوابين» (٨٧).
(٤) في الأصل: (عبد)، وكأنه سبق قلم على الناسخ، وما أثبتاه يقتضيه السياق.
(٥) ليست في (ق).
(٦) في (ق): الشرع.
(٧) في (ق): كادها.
[ ٧٨٣ ]
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال بعض اليهود لعمر بن الخطاب ﵁: لو أنزلت هذه الآية علينا؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت (فيه هذه الآية) (^١) على رسول الله ﷺ: عشية عرفة في يوم جمعة، فاجتمع في ذلك اليوم عيدان (^٢).
فاشكر الله أيها المؤمن! الذي مَنَّ عليك بذلك، وجعلك من خير الأمم، ولا تكثر المعاصي خوفًا من زوال هذه الخيرات والنعم؛ لأن الشكر هو العمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. ولما عوتب صلوات الله عليه وسلامه على كثرة اجتهاده وبكائه؛ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» (^٣).
وقال الله سبحانه في حقِّ نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] قال المفسرون: كان يشكر الله على (^٤) كل حال من نفع أو ضرٍّ (^٥).
وقال ﷺ: «ينادى يوم القيامة: ليقم الحمادون، فتقوم زمرة، فينصب لهم لواء ويدخلون الجنة». وقيل: وما الحمادون؟ قال: «الذين يحمدون الله على كل حال» (^٦).
_________________
(١) ليست في (خ، ب).
(٢) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٣١)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٢٨ (١٨٨)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٣٠)، والبخاري في «صحيحه» (٤٥)، ومسلم في «صحيحه» (٣٠١٧)، والترمذي في «جامعه» (٣٠٤٣)، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ٢٥١ (٣٠٠٢)، وفي «السنن الكبرى» (٣٩٩٧).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ق): في.
(٥) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (١٣٥٥٦).
(٦) طَرَف من حديث أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (١٥٨١) من حديث أسماء بنت يزيد، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٦/ ٦٢ مطولًا من حديث عقبة بن عامر. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦٠١٤).
[ ٧٨٤ ]
فالعاصي لا يعد من الشاكرين وإن أكثر من قول الحمد لله رب العالمين، قال المولى جل وعلا: ئي اتى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وكذلك حال من أكثر من الذكر وقراءة القرآن؛ وقلبه مُصر على المخالفة والعصيان، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من أطاع الله فقد ذكر الله؛ وإن قلَّت صلاتُه وصيامُه، وتلاوتُه القرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاتُه وصيامُه وتلاوته القرآن» (^١).
ثم اعلم بأن مثل الشيطان كالكلب الجائع: متى نهرته اندفع، فإذا كان عندك لحم هجم، ولم يندفع، فالشهوة إذا غلبت على القلب، استقر الشيطان فيه. واندفع الذكر إلى جوانبه وحواشيه، فلا يطمعن طامع باندفاع الشيطان عنه بمجرد الذكر، كما اندفع عن عمر بن الخطاب، فمن ظنَّ ذلك فقد أخطأ في ظنه وما أصاب. قال ﷺ: «ما سلك عمر فجًّا، إلا سلك الشيطان فجًّا غيره» (^٢). وذلك لأنهم طهروا قلوبهم من الغِلِّ، والحسد، والكبر، وحب الدنيا، والخيانة، والرئاسة، والبخل، والحرص، ومن جميع الأغيار؛ فحينئذٍ صلحت لنزول الأنوار، فلمَّا تقربوا إلى الله تعالى بهذه العبودية؛ أبعد الله عنهم الشيطان.
قال الله ﷿: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، والأصل في ذلك كله: تقوى الله ﷿، فما فات السالك الوصول، إلا لتضييعه الأصول.
_________________
(١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (٧٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٨٧)، والواحدي في «الوسيط» ١/ ٢٣٤ من حديث التابعي خالد بن أبي عمران مرسلًا. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٥٥٣).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٧١ (١٤٧٢)، والبخاري في «صحيحه» (٣٢٩٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣٩٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨١٣٠) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ٧٨٥ ]
والتقوى حِمْيَةٌ تجْلي القلب من الشهوات الفاسدة، فإذا انجلى القلب، تمكن الذكر منه، فإذا تمكن منه ذكر الحبيب، لم يبق للشيطان فيه نصيب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فقلوب المتقين يطرقها الشيطان، إذا غفلوا عن ذكر الرحمن، فإذا ذكروا خنس، ولا يندفع بمجرد الذكر عن من استحوذ عليه الشيطان؛ لغفلته عن عزة الربوبية، وذلة العبودية.
قال أبو هريرة ﵁: التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر، فإذا شيطان الكافر سمين دهين، وإذا شيطان المؤمن (مهزول أشعث عارٍ) (^١)، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن: ما لك؟ قال: أنا مع رجل إذا أكل سمى؛ فأظل جائعًا، وإذا شرب سمى؛ فأظل عطشانًا، وإذا ادهن سمى؛ فأظل شعثًا، وإذا لبس سمى؛ فأظل عريانًا. فقال شيطان الكافر: إني مع رجل لا يفعل شيئًا مما ذكرت؛ فأنا أشاركه في شرابه، وطعامه، ولباسه (^٢).
فانظر إلى بركة أسماء الله تعالى إذا ذكرت على شيء بورك (في ذلك الشيء) (^٣)؛ ولم يكن للشيطان فيه نصيب؛ لعظمة اسم الحبيب.
وفي الخبر: أن اسم الله تعالى يصير حجابًا لذاكره من الجن، إذا دخل الخلاء والأماكن المخيفة (^٤). فسبحان مَنْ مَنَّ على عباده بهذه الخيرات اللطيفة، فانظر إلى بركة الأسماء كيف صارت حجابًا بين المؤمن وبين
_________________
(١) في (ق): هزيل.
(٢) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٣/ ٣٧.
(٣) في (ق): فيه.
(٤) معنى حديث أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢٩٧)، والترمذي في «جامعه» (٦٠٦) من حديث علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء؛ أن يقول: بسم الله». قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب، لا نعرفُه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بذاك القوِي. وصححه الألباني في «إرواء الغليل» ١/ ٨٧.
[ ٧٨٦ ]
أعدائه في هذه الدار. وتصير إن شاء الله حجابًا في الآخرة بينه وبين النار، وقد نجَّى الله تعالى نوحًا وقومه بنصف البسملة، فكيف لا ينجِّي المؤمن بكلها؟! وكان إذا قال: بسم الله. جَرَت، وإذا قال: بسم الله. رَسَت، قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].
واعلم أن أبناء الدنيا يجعلون أسماء ملوكهم وكبرائهم على الأشياء؛ لكي لا يطمع فيها العدو، فكان الحق سبحانه يقول: عبدي إذا شرعت في عمل، فاجعل عليه اسمي، وقل: بسم الله الرحمن الرحيم، لكي تقع بركة اسمي عليك؛ فلا يصل عدوك إليك.
وفي الحديث: «من رفع قرطاسًا من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالًا لله تعالى، كتبه الله تعالى من الصديقين، وخفف عن والديه، وإن كانا مشركين» (^١).
وكان سبب توبة بشر بن الحارث الحافي (^٢)، أنه مر بقرطاس في الطريق تطؤه الأقدام فرفعه، وإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، فمسحه وقبَّله، وكان معه درهمان لا يملك غيرهما، فاشترى بهما غالية، وطيب بها (^٣) القرطاس، فرأى تلك الليلة قائلًا يقول في منامه: يا بشر، رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته؛ لأطيبن (^٤) اسمك في الدنيا والآخرة (^٥).
ومعنى قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم: أي بدأت بعون الله، وبركته، وتوفيقه، وهو تعليم من الله تعالى لعبيده.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «الورع» (ص ٩١)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٢/ ٢٤١. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٦٨): موضوع.
(٢) هو العابد الزاهد بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي (١٥٠ - ٢٢٧ هـ) المعروف بالحافي: من كبار الصالحين، له في الزهد والورع أخبار، وهو من ثقات رجال الحديث، من أهل (مرو) سكن بغداد وتوفي بها.
(٣) في (خ): ومسحه في.
(٤) في (ق): لنطيبن.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ٣٣٦، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٠/ ١٨١ به.
[ ٧٨٧ ]
وقوله: الحمد لله، معناه: أي كل حمدٍ أتى به أحد من الحامدين، أو لم يأت به؛ فهو لله سبحانه، فيدخل فيه جميع المحامد المذكورة على لسان النبيين والملائكة والخلائق أجمعين إلى أبد الآبدين، فكأنه ﷾ يقول: الحمد لله طاعة غير متناهية، (فلا بد من مقابلتها بنعمة غير متناهية) (^١)، فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي، والخير الدائم السرمدي، إذا راعى حقوقها، ولم يتشبه بكل عبد متمرد ردي، فمن لم يراع حقوقها؛ امتنع الفضل (^٢) اللائق بها، وينبغي أيضًا رعاية موضعها، فلا يقولها إذا أكل، أو شرب، أو لبس، أو فعل شيئًا حرامًا لا يسمي الله تعالى في أوله، ولا يحمده في آخره، فإن سمى الله تعالى وحمده في شيء من الحرام والعصيان يأثم، ويشاركه الشيطان.
عن سري السقطي قال: لي ثلاثون سنة أستغفر الله من قولي مرة: الحمد لله. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: وقع الحريق ببغداد واحترق الدكاكين والدور، فأخبروني أن دكاني لم يحترق. فقلت: الحمد لله. فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة (^٣).
فانظر؛ لمَّا فرح بشيء لا يليق في الشرع، وقال: الحمد لله. في غير موطنه، ورثه ذلك حزن ثلاثين سنة، فلا ينبغي لأحدٍ إذا فعل شيئًا محرمًا أن يسمي الله في أوله، ولا يحمده في آخره؛ إجلالًا لله تعالى أن يذكر على فعل محرم، فمن فعل ذلك شاركه الشيطان؛ وجزاؤه جهنم.
فقد ذكرنا ما اتفق لبعض الأحباب، عسى تتأدب النفس بشيء من هذه الآداب، فتحشر معهم، ومع النبي ﷺ وعلى الآل والأصحاب.
ثم اعلم بأن الله تعالى قصَّ علينا قصص الأنبياء والأحباب (^٤)، فكأنه يقول: هكذا فكونوا، لأحبكم (^٥) كما أحببتهم، وأكرمكم كما أكرمتهم.
_________________
(١) ليست في (خ).
(٢) في (خ): الحمد.
(٣) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ١٨٨، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٠/ ١٧٥.
(٤) في (خ): أنبيائه وأحبابه.
(٥) في (خ، ب): فأحبكم.
[ ٧٨٨ ]
وقصَّ علينا أخبار أعدائه: كفرعون، وهامان، وقارون، وإبليس. وكأنه يقول: هكذا فلا تكونوا؛ فأبغضكم كما أبغضتهم، وأبعدكم كما أبعدتهم.
قال الله تعالى إخبارًا عن يونس ﵇: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وهذه وليمة عقدت ليونس ﵇ ولم نشهدها، ولكن الله تعالى جعل لنا نصيبًا فيها؛ لأنه هو المخبر بقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قوله: فنادى في الظلمات، يعني: في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ولم يكن ذلك نقصًا لمرتبته السنية.
وأنت أيها المؤمن! متى غلبت عليك النفس، ورأيتها تجور، وتكثر من المعاصي والفجور، فنادي في ظلمة النفس، وظلمة الطبع، وظلمة الهوى، ففرق بينك وبينه.
ثم اعلم بأن قول يونس ﵇: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ تنزيه، وتسبيح، واعتراف. ومن أثنى على عزيز، فقد تعرض للطلب منه، وإن لم يطلب، ولذلك أجابه (^١) الحق ﷾ بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨]. قال قائلهم:
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء
كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء
ومعنى الآية: أي من اضطر إلينا أجبناه، ومن أقبل علينا قبلناه.
فاضطر أيها العبد المملوك! لمولاك، وتوكل عليه، حتى يكون الغالب على ذكرك، فإن الخلائق لن يغنوا عنك من الله شيئًا، فمن أقبل بقلبه على الله تعالى؛ أقبل الله ﷿ بقلوب العباد عليه، ونظر بعين كرمه ومعرفته إليه.
_________________
(١) في (ق): طلبه.
[ ٧٨٩ ]
قال المؤلف عفا الله عنه: أردت أن يكون هذا الكتاب جميعه في ذكر من خرج عن الشرع وابتدع، فجعل الله سبحانه بعضه في ذكر من اتبع لنبيه وحبيبه، وذلَّ لعظمته وخضع، وليس لأحد مشيئة (^١) ولا اختيار، وربنا يخلق ما يشاء ويختار، وقد ذكرت أوصاف القوم، موعظة لنفسي أولًا، ولغيري ثانيًا؛ فإن ذكرهم يطرب القلوب، ورؤياهم تذكر بالله علام الغيوب، وقلت: عسى أن تتخلق النفس بشيء من أخلاقهم في الدنيا؛ فتحشر معهم في الآخرة، وإلى الآن ما شممت لذلك رائحة؛ ونفسي في جهلها وغيها غادية ورائحة. قال قائلهم:
أسفي أموت وليس لي … عمل به نفسي تطيب
والغبن أني راحل ما … لي من التقوى نصيب
فرحم الله من قرأ هذا الكتاب، ودعا لهذا العبد المفتون باليقظة وحسن الخاتمة، وما ذلك بعزيز على من يقول للشيء: «كُنْ» فيكون.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعوة المسلم لأخيه: «مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير؛ قال الملك الموكل به: آمين، ولك مثله» (^٢). رواية مسلم. وفي حديث آخر: «أسرع الإجابة دعوة غائب لغائب» (^٣) رواية الترمذي.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: «لا تنسانا يا أخي من دعائك». فقال: كلمة ما
_________________
(١) في (خ): إشاءة.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٩٥ (٢١٧٠٧)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٢٠١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٢٥)، ومسلم في «صحيحه» (٢٧٣٢)، وابن ماجه في «سننه» (٢٨٩٥) من حديث أبي الدرداء ﵁.
(٣) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (٣٢٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٢٣)، وأبو داود في «سننه» (١٥٣٥)، والترمذي في «جامعه» (١٩٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٠٦٥).
[ ٧٩٠ ]
يسرني أن لي بها الدنيا (^١)، وفي رواية: «أشركنا يا أخي في دعائك». قال الترمذي: حديث صحيح (^٢).
والدعاء بظهر الغيب هو من صفة الأنبياء وحلية الأولياء، قال الله تعالى إخبارًا عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وعن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقال سبحانه في حق المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
فإذا مات العبد مسلمًا جمع الله تعالى له أدعية النبيين والصالحين، ومن دعا بخير كان له نصيب في ذلك الخير، ويجعل الكل في ميزانه، وذلك من فضل الله وامتنانه، وكذلك استغفار الملائكة، وإيمان العبد بالغيوب؛ الكل يوضع في الميزان زيادة على ما صنعه من الطاعة، وتكفير السيئات والذنوب. ولذلك (^٣) طلبنا من إخواننا أن يتصدقوا علينا بإيصال إحسانهم ودعائهم إلينا، فدعاء الأخ لأخيه المسلم مقبول، والأعمال ما ندري هل تقبل أم لا؟ لحب الدنيا ولخروجنا عن طريق الرسول.
اعلم رحمك الله! أن جميع ما غاب عن المؤمن وآمن به يكون في ميزانه يوم القيامة (^٤):
كإيمانه بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، وبشهادته
_________________
(١) زاد في (ق): وما فيها.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٢٩ (١٩٥)، وابن ماجه في «سننه» (٢٨٩٤)، وأبو داود في «سننه» (١٤٩٨)، والترمذي في «جامعه» (٣٥٦٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٧٨).
(٣) في (خ): وكذلك.
(٤) هنا يبدأ المؤلف ﵀ بختم كتابه بنبذة في أصول الإيمان ومسائل الاعتقاد، وأكثرها منقول بتقديم وتأخير، وتصرف وزيادة يسيرة من «العقيدة الطحاوية» للإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١) ﵀، فليرجع إليها من شاء.
[ ٧٩١ ]
أنهم كانوا على الحق المبين، وبإيمانه بوجود الجن والشياطين، وبالعرش والكرسي وبالكرام الكاتبين، وأن الحق سبحانه جعلهم علينا حافظين.
ونؤمن بالصراط ودقته، والميزان وخفته؛ لأن بين كفتي الميزان خمس مئة سنة (^١)، وكذلك طول اللسان، ومع ذلك ترجحه الذرة من الإحسان، وتنقصه الذرة من الذنوب والعصيان، ويدرك العبد ببصره كفتي الميزان، ويرى ما رجح من إحسانه، وكذلك النقصان، فمن رجحت حسناته سعد سعادة لم يشق بعدها أبدًا، ومن خفَّت موازينه شقي، ووقع في الخيبة والخسران، ومن تساوت حسناته وسيئاته جعل على الأعراف، وهو مكان مرتفع بين الجنة والنيران، فمن أراد من أهل الجنة أن يكون في وقت واحد ناظرًا إلى ربه مجتمعًا بنبيه وأهله وأقاربه، وبجميع المعارف والإخوان، كان له ذلك بقدرة الواحد الديان.
والقبر روضة من رياض الجنة لكل عبد شكور، وحفرة من حفر النار لكل عبد كفور، ولو جُعِلا في قبر واحد فانتبه من رقدتك أيها المغرور! وسؤال منكر ونكير ولو مئة ألف في لحظة واحدة، وذلك عليهما يسير، وكذلك ملك الموت يأخذ أرواح العباد في جميع أقطار الأرض، ولو ألف ألف في ساعة واحدة، والله على كل شيء قدير.
_________________
(١) لم نقف على تعيين ما بين كفتي الميزان بمسافة خمس مئة عام، ولم يذكره الطحاوي في «عقيدته»، ولا شارحه ابنُ أبي العزِّ الحنفي، والميزان ثابت في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. قال: وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؛ يحتمل أن يكون ثَمَّ موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم. والذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان. (ت)
[ ٧٩٢ ]
ونؤمن أيضًا بالبعث بعد الموت، وبموت من في السموات والأرض إلا من شاء الله بنفخة إسرافيل في السور، وبنفخته الثانية يقوم من في السموات ومن في الأرض، ويبعث الله سبحانه من في القبور.
ونؤمن بإخراج أهل الكبائر من النار بشفاعة النبيِّ المختار، وبدوام العذاب على الزنادقة المعطلين والكفار، وبالخلود في الجنة لأهلها من الأنبياء والأولياء الأخيار، وزادهم الحق سبحانه النظر إلى وجهه الكريم؛ زيادةً على ما أعد لهم فيها من النعيم المقيم، صح ذلك في الأخبار.
والمعراج حقٌّ، وقد أسري بشخص النبي ﷺ في اليقظة إلى السماء إلى حيث شاء الله من العُلى، وأكرمه بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، وأكرمه بالحوض المورود، غياثًا لأمته من العطش الأكبر، وأنطق له الجامدات، وانشق له القمر، وكلمه الذئب والبعير والشاة المسمومة، ونزل بدعائه في الحر الشديد الغيثَ والمطر، وتفل في الماء المالح فكثر بعد قلته وصار عذبًا، صحَّ ذلك في الأخبار (^١).
ونؤمن بأخذ الإنسان كتابه من وراء ظهره، وبيمينه، وفي اليسار؛ هذا في وقت العرض.
ونؤمن أيضًا بتبديل السموات والأرض، وأن الله على كل شيء قدير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، غني عن جميع الكائنات، وكل شيء إليه فقير، استوى على العرش غير محتاجٍ إليه، فمن قال غير هذا القول فقد افترى عليه، ولا يفنى ولا يبيد، ولا يكون أبدًا إلا ما يريد.
ومن وصف الحق سبحانه بمعنى من معاني البشر فقد أخطأ وكفر، واحدٌ لا شريك له، لا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا تشبهه الأنام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، باعث بلا مشقة، يقرب من يشاء يشاء
_________________
(١) تقدم تخريج ذلك.
[ ٧٩٣ ]
بفضله، ويبعد من بعدله، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره.
والقرآن العظيم أنزله على نبيه وحبيبه ﷺ، وصدَّقه المؤمنون، وتحققوا أنه منزل غير مخلوق، فمن زعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد أوعدَ الله تعالى سقَر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، فمن بصَّره الله اعتبر، ومن مثَّل هذا القول انزجر.
والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية.
سئل أبو حنيفة ومالك رحمة الله عليهما: كيف استوى الله سبحانه على العرش؟ قالا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (^١).
والرؤية حقٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ولما صحَّ في الأخبار المتواترة، وما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا، ولا متوهِّمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿، ولرسوله ﷺ.
ونؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ، فتأويل الرؤية والاستواء والنزول والكلام وكل معنى يضاف إلى الربوبية؛ ترك التأويل ولزوم التسليم على ذلك دين المرسلين وعباد الله الصالحين، فنعتقد أن الله سبحانه اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا.
وأهل الإيمان هم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وهو العامل بالسنة والقرآن، ومن خرج عن حكمهما فهو أشقاهم، قد غلب عليه الشقاء والخذلان.
فطوبى لعبد قدَّر الله تعالى على يده الخير والتقى والإحسان، والويل
_________________
(١) تقدم.
[ ٧٩٤ ]
ثم الويل لمن قدِّر عليه الشرَّ والبدع والعصيان، ويلقى الله تعالى وهو عليه غضبان.
ثم اعلم بأن الله سبحانه خلق الجنة والنار، لا تبيدان ولا تفنيان، وخلق لهما أهلًا لا يزيدان، ولا ينقصان، فترى كل أحد يعمل لما خُلِق له، وما قدر عليه في الأزل.
والخير والشرُّ مقدران، كتب الله سبحانه مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض حتى الكيس والمهان، والأعمال بالخواتيم.
وما من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النيران، فالسعيد سعيد، والشقي شقي، وهم من أصلاب آبائهم، وقد جفَّ القلم بما هو كائن وما كان، فمن كان من أهل السعادة فَسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشر والطغيان، لا يكون شيئًا بغير قضاء الله.
وأن العبد غير زائل عن (^١) قضاء الواحد الديان (^٢)، لا حول ولا قوة إلا بالله تفسيرها: لا حول، ولا حيلة، ولا حركة، ولا تحوُّل لأحدٍ عن معاصي الله إلا بمعونة الله تعالى، ولا قوة ولا طاقة لأحد على طاعة الله إلا بالله. ولا يثبت عليها إلا بتوفيق الله سبحانه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، غلبت مشيئته المشيئات، وغلب قضاؤه الحيل، والحذر لا يرد القضاء والقدر.
ونسمِّي أهل القبلة مؤمنين، ما داموا على ما جاء به رسول الله ﷺ معترفين مصدقين بكل ما قاله، وأخبر به، لا نكفر أحدًا منهم بذنب، ما لم يستحله (^٣)، ونرجو لمحسنهم، ونخاف على مسيئهم، ولا نؤمِّن أحدًا من أهل الطاعة، ولا نقنط أحدًا من أهل المعصية.
_________________
(١) في (خ): من.
(٢) في (خ): المنان.
(٣) في (ط): يستعمله.
[ ٧٩٥ ]
ولا نخوض في الله ﷿، ولا نماري في الدين، ولا نجادل في القرآن، ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين محمد ﷺ، وعلى جميع النبيين، وعباد الله الصالحين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين وأئمة الموحدين.
ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة.
ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، ولا نُفْرِط في حبِّ أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، محبتهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم نفاق وذنوب وطغيان، ونشهد لمن أدركته المنية وشهد له النبي ﷺ بالجنة، فمن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وفي أزواجه وذرياته برئ من النفاق.
وعلماء السلف ومن بعدهم من أهل الدين والأثر، والفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو مطرود عن باب الله، وهو على غير السبيل.
وسُئل أبو حنيفة ومالك ﵄: مَنْ أهل السنة والجماعة؟ قالا: من قدَّم أبا بكر وعمر، وأحب عليًّا وعثمان، وأحب الحسنين، ورأى المسح على الخفين، ولم يكفر أحدًا بذنب، ولم ينطق في الله بشيء (^١).
ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء.
ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم.
ونؤمن بما جاء أن الله سبحانه يعجب ويغضب، ويرضى ويفرح،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «الاعتقاد» ١٣٠، وفي «القضاء والقدر» (٥٠٠) عن إبراهيم بن رستم، قال: سمعت أبا عصمة نوح بن أبي مريم يقول: سألت أبا حنيفة: من أهل الجماعة؟ قال: «من فضل أبا بكر وعمر وأحب عليًّا وعثمان، وآمن بالقدر خيره وشره من الله، ومسح على الخفين، ولم يكفِّر مؤمنًا بذنب، ولم يتكلَّم في الله بشيء». ولم أجده عن الإمام مالك بن أنس ﵀.
[ ٧٩٦ ]
ويضحك، لا كأحدٍ من الورى، بل كما يليق بعظمته وجلاله، بلا مثل ولا كيف.
ونؤمن بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء، وبطلوع الشمس من مغربها، وبخروج دابة الأرض (من موضعها) (^١). ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا، ولا من يدعي شيئًا بخلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا، ودين الله في السماء والأرض واحد وهو دين الإسلام، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ونسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، وعلى الوقوف بين يديه، ويرزقنا عملًا يرضى به عنا، ويوصلنا إليه، ويحرسنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرَّدية: كالرافضة، والمشبهة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، والمبتدعة (^٢)، الذين ضلَّ سعيهم لمخالفتهم لخير البرية، كرماة البندق، وما شرعه كبراؤهم من الأفعال والأقوال الرَّدية، وكفتيان هذا الزمان، الذين أضافوا القبائح لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ونبرئه مما رمته به هذه الطائفة الخبيثة من المعاصي والأفعال المهوية، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا وإياهم للطريقة المحمدية (^٣).
ونسأله السلام من جميع البدع، ومما تفعله الطائفة القرندلية، ومن طرق أهل الزيغ والبدع الموافقين لسنة (^٤) أشياخهم، الخارجين عن السنة المضيئة الموصلة إلى حضرة الصمدية، فمنه التوفيق، ومنه التعويق لهذه القضية.
_________________
(١) ليست في (ق)، وهي في «الطحاوية».
(٢) هذا آخر ما نقله المؤلف ﵀ من «العقيدة الطحاوية» بتصرف وزيادة يسيرة.
(٣) في (خ، ط): الحميدية.
(٤) في (ق): لسنن.
[ ٧٩٧ ]
إلهي، أنت الذي تفضلت بالإحسان من قبل توجه (^١) العابدين، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين.
إلهي، اطلبني (^٢) برحمتك حتى أصل إليك، واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك، يا من احتجب في سرادقات عرشه (^٣) عن أن تدركه الأبصار، يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته، الأسرار كيف تخفى وأنت الظاهر؟ أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟
إلهي، بروزي في الآثار يوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة، توصلني إليك.
إلهي، ذلي قد ظهر بين يديك، وحالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدل عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك.
إلهي، عميت عينٌ لا تراك عليها رقيبًا، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له (من حبك) (^٤) نصيبًا.
إلهي، أمرت بالرجوع إلى الآثار، فارجعني إليها بكسوة الأنوار، وهدى الاستبصار حتى أرجع إليك منها، كما دخلت منك إليها: مصون
_________________
(١) في (ب): توبة.
(٢) في (ب): أظلني.
(٣) يرِدُ ذكر سرادقات العرش في أثر منكر جدًّا، ضعيف الإسناد، أخرجه الدارمي في «النقض على المريسي» (١١٤)، وأبو داود في «الزهد» (١٦٨)، والطبراني في «الكبير» (٨٨٨٦) عن ابن مسعود ﵁ قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار، اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع فيها على ما يكره، فيغيظه ذلك، فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم، فيسبحه الذين يحملون العرش، وسرادقات العرش، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة.
(٤) في (ق): منك.
[ ٧٩٨ ]
السِّر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير.
اللَّهم، الطف بنا في قضائك، وأوزعنا شكر نعمائك، وصبرنا على بلائك، واجعلنا من أحبابك.
اللَّهم، أقبل بقلوبنا عليك، واجعلنا من المستسلمين لإلهيتك، ومن الدائمين بين يديك، وأرحنا من كل تدبير لنا (^١) معك أو عليك، وأخرج ظلمات التدبير من قلوبنا، وأشرق نور التفويض في أسرارنا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا، ولا نعطى إلا ما قسمت لنا، وأشهدنا حسن اختيارك لنا حتى يكون ما تقضيه فينا، وتختاره لنا، أحب إلينا من اختيارنا لأنفسنا.
اللَّهم، إنك دعوتنا إلى الانقياد إليك، وإلى الدوام بين يديك، وإنا عن ذلك عاجزون إلا أن تُقدِّرنا، وضعفاء إلا أن تقوِّينا، فوفقنا إلى ما به أمرتنا، وأعنا على الانكفاف عما عنه نهيتنا.
اللَّهم، إنك قدرت كلَّ شيء (قبل وجود كلِّ شيء) (^٢)، وقد علمنا أنه لا يكون إلا ما تريد، وليس هذا العلم نافعًا لنا إلا أن تريد، فزدنا بعنايتك، واجعلنا من أهل ولايتك، يا خير الموالي دعاك بئس العبيد.
اللَّهم، اسلك بنا مسالك أولي الألباب، ورقنا إلى درجة (^٣) الأحباب، واحفظ قلوبنا من الركون إلى غيرك، واحرسها من الزيغ والارتياب، وثبِّتها على طاعتك وسنة رسولك ﷺ تسليمًا كثيرًا وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وعلى التابعين ممن أطاع ربه وعمل بسنة نبيه وحبيبه ثم أناب.
واعلم أيها المؤمن! أن الله ﷾ أمرك بخدمته، وضمن لك ما قدَّره لك من قسمته، فأهملت ما أمرك به من طاعته، وشككت فيما
_________________
(١) في (خ): تدبيرنا.
(٢) ليست في (ق).
(٣) في (ق): درجات.
[ ٧٩٩ ]
ضمن لك من قسمته، ولم يكتف لك بالضمان حتى أقسم، وما اكتفى بالقسم حتى مثَّل، وخاطب عبادًا يفهمون بقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣].
وقد اكتفى بوصفه العارفون، واحتال على كرمه الموقنون، ولو لم يكن قسَمٌ ولا ضمان لوثق القوم بوجود الإحسان، والحقُّ ﷾ قد رزق أهل الجحود والكفر والطغيان، فكيف لا يرزق من أطاعه من أهل الخير والإيمان.
الغارس للشجرة هو ساقيها، والممد للخليقة هو باريها، ويكفيها أنه ﷿ كافيها، أيخرجك إلى وُجُودِه، ويمنعك من جُودِه؟ أتكون في دار الضيافة وتضيع؟ الدنيا داره، وأنت فيها كالضيف الراحل عن أيام قلائل، اجعل مكان همِّك برزقه همَّك به، فهو يكفيك، وما كان لك سوف (^١) يأتيك، فالحق ﷾ ما اكتفى لعبده المؤمن بالدنيا حتى ادَّخر له مكانًا رفيعًا في الجنة، واستقل ذلك عليه، فزاده التمتع برؤيته، وبالنظر إليه، فإذا كان أيها المؤمن! هذا من بعض أفعاله فكيف تشك في أفضاله؟!
ولقد ظهرت الطريق لأهل التحقيق، وتبين معالم الهدى لأهل التوفيق، فأذعنوا لربوبيته مسلمين، وطرحوا أنفسهم بين يديه مفوِّضين، فعوَّضهم عوض ذلك راحةً في نفوسهم، ونورًا في قلوبهم، وتحقيقًا في أسرارهم.
أفرغ قلبك من الأغيار؛ يملأ بالمعارف والأنوار، ليس للقلب إلا وجهة واحدة، متى توجه (إليها حُجب عن غيرها) (^٢)، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].
_________________
(١) في (ق): فهو.
(٢) في (ق): إلى غيرها حجب عنها.
[ ٨٠٠ ]
لا تستنبط من الله سبحانه الجود والنوال، ولكن استنبط من نفسك وجود الطاعة والإقبال، مَنْ لم يعرف قدر النِّعم في وجدانها، عرفها بوجود فقدانها، لا يدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكر (^١) الله تعالى، فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك.
تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العظيم، لا يغسل الشهوة من القلب إلا خوف مزعج، أو شوق مقلق، كما أن الله ﷾ لا يحب العمل المشترك، كذلك لا يحب القلب المشترك، من أخلص عمله لله تعالى قبله، ومن أخلص قلبه أقبل عليه (^٢).
بوجود الإخلاص زكت الأعمال، ووصل العُمَّال، قال المولى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. متى حصل في القلب الإخلاص، وذهب منه البدع والأكدار، بُدِّل ليل فاعله بنهار، أي بدل ليل المعصية بنهار الطاعة، كان بعضهم يقول:
ليلي بوجهك مشرق … وظلامه (^٣) في الكون ساري
فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار
والأنوار على أقسام: نور أُذن له في الوصول، ونور أُذن له في الدخول (^٤)، وربما وردت الأنوار، فوجدت القلب قد امتلأ بصور الآثار، فارتحلت من حيث نزلت، فالنور الذي أذن له بالدخول إن وجد القلب خاليًا، وإلا أزال (ما فيه من) (^٥) الكدر ثم نزل؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. يا عبد الله، طهِّر المنزِل
_________________
(١) في (ق): ذكر.
(٢) في «الحكم العطائية»: «لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق»، «كما لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يُقبل عليه».
(٣) في (ق): وكلامه.
(٤) في «الحكم العطائية»: «أنوار أذن لها في الوصول وأنوار أذن لها في الدخول».
(٥) في (ق): منه.
[ ٨٠١ ]
حتى ينزِل، يقول الله ﷿: «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (^١)، ما أحببت شيئًا وانجمعت عليه إلا كنت (^٢) عبدًا له، والحق ﷾ لا يرضى أن تكون عبدًا لغيره، وصول العبد إلى الله تعالى أي إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربنا أن يتصل إليه شيء، قربك منه هو أن تكون شاهدًا لقربه؛ وإلا فمن أنت ووجود قربه؟ الحقائق تَرِد في حين التَّجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، متى وَرَدَتْ الموارد الإلهية إليك، هدمت العوائد عليك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤] الآية (^٣).
فإن قال قائل: نسلم أن الملك الكافر إذا دخل قرية أفسدها بعمارة الكنائس، وخراب المساجد، ويعصى الحبيب، ويظهر دين الصليب، فأما الملك المؤمن إذا دخل قرية أو مدينة سعى في العدل، وعمارة المساجد وخراب الكنائس، وأطاع المولى الرقيب، وأظهر دين الحبيب، فيقال للسائل: وهذا أيضًا فساد عند أهل الكفر والعناد: خراب الكنائس والبيع، وعمارة المساجد للصلوات الخمس والأعياد والجمع.
ومثل القلب كالملك العادل: متى تحكَّم في مدينة وُجُودِ المسلم، انصلح الحال، وذهب الباطل والمحال؛ لأنه يسعى في خراب كنائس الهوى وهلاك خنازير المخالفة، فتصبح أهل المدينة مطيعة لله تعالى، وهي من سطوته خائفة، ومتى تحكمت النفس في هذه المدينة يكثر فيها الظلم والفساد، فيغضب عليها الحقُّ سبحانه، ويستوجب البُعد والعذاب.
_________________
(١) تقدم تخريجه، وأنه لا أصل له.
(٢) في (خ): كُتِبتَ.
(٣) في «الحكم العطائية»: «وصولك إليه وصولك إلى العلم به، وإلا فجلَّ ربنا أن يتصل به شيء، أو يتصل هو بشيء»، «قربك منه أن تكون مشاهدًا لقربه، وإلا فمن أين أنت ووجود قربه؟»، «الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان: ﴿فإذا قرأنآه فاتبع قرءانه (١٨) ثم إن علينا بيانه (١٩)﴾» [القيامة: ١٨، ١٩]، «متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾».
[ ٨٠٢ ]
فمن وافق نفسه مُحِي من ديوان أهل الطاعة، ومن شُغِل بها غفل عن أهوال يوم الساعة، ومن كانت هذه بضاعته فبئس والله البضاعة، ألم تسمع قول الواحد القهار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. فمن سوء عادتها ونحس قاعدتها تعصي الواحد الأحد، وتبيع شهوة ساعة بنعيم الأبد؛ لأن عمر ابن آدم كساعة، ولذلك جعله الولي طاعة، فمن مَنَّ اللهُ عليه، أصلح نفسه، فتجهز للقاء ربه وسارع إليه.
ثم اعلم بأن الناس في وُرُودِ المنن على ثلاثة أقسام: فَرِحٌ بالمنن لا من حيث مهديها، ولكن لوجود متعة فيها، فهذا من الغافلين يصدق عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]، وفَرِحٌ بالمنن من حيث أنه شهدها منة ممن أرسلها، أو نعمة ممن وصَّلها، يصدق عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. وفَرِحٌ بالله سبحانه لم يشغله ظاهر متعتها، ولا باطن منتها؛ بل شغله النظر إلى الله تعالى عما سواه، والجمع عليه، فلا يشهد إلا إياه، ويصدق عليه قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، قل للصديقين: بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا. نسأل الله العظيم أن يجعل فرحنا به، وأن لا يجعلنا من الغافلين، وأن يسلك بنا مسالك المتقين، وأن يرزقنا ما رزقهم من الدين القيم والرضَى واليقين، وأن يفعل ذلك بجميع المسلمين؛ إنه (^١) على كل شيء قدير (^٢).
ثم اعلم بأن الحضرة الإلهية هي مأوى قلوب المتقين، إليها يأوون، وفيها يسكنون، فإن ينزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، فبالإذن والتمكين، والرسوخ في (^٣) اليقين، فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب، والغفلة، ولا إلى الحظوظ بالشهوة، والمتعة، بل دخلوا في ذلك كله بالله،
_________________
(١) في (خ): وهو.
(٢) هذه الفقرة في ورود المنن والأثر الإسرائيلي بتمامها من «الحكم العطائية».
(٣) في (ق): و.
[ ٨٠٣ ]
ولله، ومن الله، وإلى الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ [الإسراء: ٨٠]. ينصرني على شهود نفسي، ويُغَيِّ بُني (^١) على دائرة حسي؛ لأنه ما وصل إلى صريح الحرية مَنْ عليه من نفسه بقية.
ثم اعلم: إن كان عين القلب تنظر إلى الله تعالى أنه واحد في منته، فالشريعة تقتضي أن لا بد من شكر خليقته. والناس على أقسام ثلاثة: غافل منهمك في غفلته، قويت دائرة حسه، وانطمست حضرة قُدسه، فنَظَرَ الإحسانَ من المخلوقين، ولم يشهده من رب العالمين، إما اعتقادًا؛ فشِركُه جَلِيٌّ، وإما استنادًا؛ فشِركُه خفيٌّ. وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهوده الملك الحق، وفني عن الأسباب بشهوده مسبب الأسباب، هذا عبد مواجَهٌ بالحقيقة، ظهر عليه سَنَاها، سالك للطريقة، قد استولى على مداها؛ لكنه غريق الأنوار، مطموس الآثار، قد غلب سكره على صحوه، وجمعه على فرقه، وفناؤه على بقائه، وغيبته على حضوره. وأكمل من هذا عبدٌ شرب فازداد صحوًا، وغاب فازداد حضورًا، فلا جمع يحجبه عن فرقه، ولا فرق يحجبه عن جمعه، ولا فناء يحجبه (^٢) عن بقائه، ولا بقاء (^٣) يصده عن فنائه؛ يعطي لكل ذي قسط قسطه، ويوفي كل ذي حق حقه.
وقد قال أبو بكر الصديق لعائشة ﵁ لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول الله ﷺ: يا عائشة! قومي إلى رسول الله ﷺ. فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أشكر إلا الله تعالى (^٤).
_________________
(١) تقرأ في النسخ: (ويعينني)، وفي «الحكم العطائية»: (ويفنيني).
(٢) في (خ، ب): فناؤه يصرفه. وفي «الحكم»: (ولا فناؤه عن بقائه يصده).
(٣) في (خ، ب) و«الحكم»: بقاؤه.
(٤) طرف من حديث الإفك أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ١٩٤ (٢٥٦٢٣)، والبخاري في «صحيحه» (٤٧٥٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢٧٧٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٣٥) من حديث عائشة ﵂. وفيه أن القائل هو أمُّها، وسننقل لفظه قريبًا.
[ ٨٠٤ ]
دلَّها أبو بكر على المقام الأكمل المثبت للآثار (^١)، قال الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وقال رسول الله ﷺ: «لا يشكر الله (من لا) (^٢) يشكر الناس» (^٣). وكانت هي ﵂ في ذلك الوقت غائبة عن الآثار، لم تشهد غير الواحد القهار (^٤).
_________________
(١) في «الحكم»: (على مقام البقاء المقتضي لإثبات الآثار).
(٢) في (خ، ط): إلا من.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٥٨ (٧٥٠٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢١٨)، وأبو داود في «سننه» (٤٨١١)، والترمذي في «جامعه» (١٩٥٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٤٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٦٠١).
(٤) من قوله: (ثم اعلم …) إلى هنا منقول من «الحكم» لابن عطاء الله السكندري. وكلامه فيه على طريقة الصوفية في الدندنة حول معاني وحدة الوجود، وتأويله لطلب أبي بكرٍ كما ذكر، والصواب: أم عائشة وجواب ابنتها أم المؤمنين ﵃؛ هو من محض خياله وتكلفه وتقوِّله عليهم بغير علم، وإنَّا لنجزم أن مثل هذا الهراء لم يخطر علي بالهم، ولا عرفوا تقسيمات الصوفية المخترعة، وغاية ما هنالك أنَّ عائشة ﵂ وجَدَت في نفسها على رسول الله ﷺ لأنه لم يبادر إلى التكذيب الجازم لما تكلم به بعضهم من الإساءة إلى عرضه وفي فعله ﷺ حكمٌ عظيمة ستأتي الإشارة إليها في كلام ابن حجر، وقد بيَّنت عائشةُ ذلك في سياق حديثها في «الصحيحين»، فقالت وقد ذكرت حزنها وبكاءها: دخل رسول الله ﷺ فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيَّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهَّد ثم قال: «يا عائشةُ! فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئةً، فسيبرِّؤك الله، وإن كنت ألممتِ بذنبٍ، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه»، فلما قضَى رسولُ الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرةً، وقلت لأبي: أجبْ عنِّي رسول الله ﷺ! قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ! فقلت لأمي: أجيبي عنِّي رسول الله ﷺ فيما قال! قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ! قالت: وأنا جاريةٌ حديثة السِّنِّ، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إنِّي والله لقد علمتُ أنكم سمعتم ما يتحدَّث به الناس، ووَقَر في أنفسكم، وصدَّقتم به، ولئن قلتُ لكم: إني بريئة واللهُ يعلمُ أنِّي لبريئةٌ لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفتُ لكم بأمر والله يعلم أنِّي بريئة لتصدقنِّي! والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف: ١٨]. ثم تحوَّلت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرِّئني الله، ولكن والله ما ظننتُ أن يُنزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلَّم بالقرآن في=
[ ٨٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرِّئني الله، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدَّر منه مثل الجمان من العرق في يوم شاتٍ، فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها، أن قال لي: «يا عائشة! احمدي الله، فقد برَّأك الله». فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ! فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمَدُ إلا الله، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين جاءو بالإفك عصبة منكم﴾ الآيات. قال ابن حجر ﵀ في «فتح الباري»: ومعنى قوله: وصدَّقتم به. في رواية هشام بن عروة: لقد تكلمتم به، وأشربته قلوبكم. قالت هذا وإن لم يكن على حقيقته، على سبيل المقابلة، لما وقع من المبالغة في التنقيب عن ذلك، وهي كانت لما تحقَّقته من براءة نفسها ومنزلتها تعتقد أنه كان ينبغي لكلِّ من سمع عنها ذلك أن يقطع بكذبه، لكن العذر لهم عن ذلك أنهم أرادوا إقامة الحجة على من تكلم في ذلك، ولا يكفي فيها مجرد نفي ما قالوا، والسكوت عليه، بل تعيَّن التنقيب عليه، لقطع شبههم، أو مرادُها بمن صدق به أصحاب الإفك، لكن ضمت إليه من لمم يكذبهم تغليبًا. وقال ابن حجر أيضّا: وزاد في رواية الأسود عن عائشة: وأخذ رسول الله ﷺ بيدي، فانتزعتُ يدي منه، فنهرني أبو بكر. وعُذرها في إطلاق ذلك ما ذكرته من الذي خامرها من الغضب: من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال، مع تحققهم حسن طريقتها. قال ابن الجوزي: إنما قالت ذلك إدلالًا كما يدلُّ الحبيب على حبيبه. وقيل: أشارت إلى إفراد الله تعالى بقولها: فهو الذي أنزل براءتي؛ فناسب إفراده بالحمد في الحال، ولا يلزم منه ترك الحمد بعد ذلك، ويحتمل أن تكون مع ذلك تمسكت بظاهر قوله ﷺ لها: «احمدي الله» ففهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد، فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب. وروى الطبري وأبو عوانة من طريق أبي حصين عن مجاهد قال: قالت عائشةُ لما نزل عذرها فقبَّل أبو بكر رأسها: فقلتُ: ألا عذَرْتني؟ فقال: أيُّ سماء تظلني، وأي أرض تقلني؛ إذا قلت ما لا أعلم! وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» ٣/ ٢٣٦: ومن تأمَّل قول الصدِّيقة، وقد نزلت براءتها، فقال لها أبواها: قومي إلي رسول الله ﷺ، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله! علم معرفتها، وقوة إيمانها، وتوليتها النعمة لربها، وإفراده بالحمد في ذلك المقام، وتجريدها التوحيد، وقوه جأشها وإدلالها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، وثقتها بمحبة=
[ ٨٠٦ ]
فانظر رحمك الله! ماذا وهب الحقُّ سبحانه لهؤلاء العبيد، فسبحان المولى المجيد المعطي بغير حساب، الفعَّال لما يريد، فارض أيها المؤمن! بقضاء سيدك، وكن متبعًا للسنة شاكرًا لأنعمه، يأتيك من الله سبحانه الخير والمزيد، ولا تكن مبتدعًا متعرضًا، فيسخط الله عليك، يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وكان بعضهم يقول هذه الأبيات في المعنى:
كن عن همومك معرضًا … وكِل الأمور إلى القضا
وأبشر بخير عاجل … يمحى به ما قد مضى
فلرب خيرٍ في المضيق … ورب ضيق في الفضا
ولرب أمرٍ مسخط … لك في عواقبه الرضا
والله يحكم ما يريد … فلا تكن متعرضًا
غلب على بعض الصالحين الوله، فلم يشعر حتى دخل أرض العدو، فأسره بعض علوج النصارى، وجاء به لسوقهم، فبينما هم يتزايدون في ثمنه رُدَّ عقلُه إليه، فرمق بطرفه إلى السماء وقال: أوقعني حبك فيمن يزيد في موقف الذل وسوق العبيد، قد حضر البائع والمشتري، عبدك (^١) راضٍ فافعل (^٢) ما تريد (^٣).
فانظر أيدك الله تعالى! إلى أوصاف إخوانك، صار أحدهم كالميت
_________________
(١) = رسول الله ﷺ لها قالت ما قالت، إدلالًا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال، فوضعته موضعه، ولله ما كان أحبها إليه حين قالت: لا أحمد إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتي، ولله ذلك الثبات والرزانة منها، وهو أحب شيء إليها، ولا صبر لها عنه، وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرًا، ثم صادفت الرضى منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه، مع شدة محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة. (ت)
(٢) في (خ): عبيدك.
(٣) في (ق): فاحتكم.
(٤) لم أقف على هذه الحكاية.
[ ٨٠٧ ]
بين يدي غاسله (^١)، لا يختار معه شيئًا (^٢).
_________________
(١) في (ق): الغاسل.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قول بعضهم: ينبغي للمريد أن يكون بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل. هذا الكلام إذا أريد به في جانب الله أن يكون مفوِّضًا إليه أموره فيما يقدر عليه، مما ليس في ترك واجب ولا مستحب، فهذا معنى صحيح، لكن دلالة اللفظ عليه بعيدة، وظاهرُه يُعطي أنه لا يكون له من نفسه حركة قط حتى تُحرَّك تحريكًا جبريَّا، فهذا باطل ممتنع. ثم إن الممكن منه محرَّم في الدين على الإطلاق، وذلك أن الميت لا تقوم به حركةٌ ببدنه ولا إرادة تحريك بدنه، والحي ليس كذلك، فإن جسده يتحرك حركة اختيارية، وهذا أمر لا بدَّ منه، فلا بد من الحركة الاختيارية، ويمتنع أن يُحرِّكَ حركةً ينتفي حكمُ إرادته فيها، فالأمر فيه عكس الميت من وجهين: الوجود والعدم، فإن الميت لا يتحرك بدنه في العادة باختياره، وهو يُحرَّك دائمًا بغير اختياره، وقول المطلق احتراز على المقيد ونحوه ممن غسَّل، فذاك لا فعلَ له بحالٍ، فهذا بطلانُه وامتناعُه. وأما مخالفتُه للدين والشريعة، فإن الله لم يأمرنا بعدم الإرادة والحركة، ولا مراده في دينه منَّا أن نكون مسلوبي الاختيار والحركة والعمل، وإنما المراد منَّا أن نكون مطعين له ولرسوله، وأن تكون حركتُنا واختيارنا تبعًا لأمره الذي بعث به رسوله، فعلينا أن نختار ونعمل ما أوجب علينا عمله واختياره، وهو يحب لنا ويرضى أن نختار ونعمل ما يستحب لنا في دينه، ويعاقبنا على عدم الإرادة والعمل المستحب. وهنا قد تغلط طائفة من المتصوفة فيقولون: ما المراد؟ قد يستعملون ذلك فيما فيه ترك مستحبات، وقد يتعدَّون إلى ما فيه ترك واجبات، فيقال: ليس المراد منا الانقياد لكل حكم قاهر، ولا الاستسلام لكل ذي سلطان قادر، وإنما المطلوب منا الاستسلام لله، وإخلاص الدين له، وطاعة أمره ونهيه: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولائك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾، ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم﴾، فإن الدين: الإيمان والبر والتقوى وطاعة الله ورسوله والاحسان والعمل الصالح ونحو ذلك، هو المطلوب منا، والمراد بنا في دين الله تعالى وكتابه، فأما الحوادث التي تكون بغير أفعالنا فالأقسام فيها ثلاثة: تارةً نُؤمَر بدفعها بالباطن أو الظاهر، كما يُؤمَر بجهاد الأعداء عن الدين. وتارةً نُؤمَر بالصبر عليها، وهو ما قُضي من المصائب ولا فائدةَ في الجزع عليه، كالمصائب في الأنفس والأموال والأعراض، والرضى بهذه أعظم من الصبر. وهل هو واجب أو مستحب، على قولين أصحُّهما أنه مستحب. وتارة نُخيَّر بين الأمرين =
[ ٨٠٨ ]
وأنت أيضًا تقول: كل ما يفعله الله تعالى بعبده هو خير له، وتزعم أنك من جملة العبيد، وأنت تتلون على الله سبحانه، لك في كل يوم لون جديد، فقد خالف قولك فعلك، يا من تدعي العبودية والرضَى والتوحيد، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. كذلك قول بعض المخذولين في ظاهر الأمر: إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وهو صديقه في الباطن، فمثله كمثل من قال: إن العسل مسموم، ثم مدَّ يده ليأكل منه،
_________________
(١) =بين دفعِها وقبولها، وإن كان قد يترجَّح أحدُهما، كدفع الصائل عن المال، وكالتداوي أحيانًا ونحو ذلك. وكذلك الأمور التي ليست حاصلةً عندنا، منها ما نُؤمَر بطلبه واستعانة الله عليه، كأداء الواجبات، ومنها ما نُنهَى عن طلبه كالظلم، ومنها ما نُخيَّر بين الأمرين، فكيف يقال مع هذا: إن العبدَ ينبغي له أن يكون كالميِّت بين يدي الغاسل؟ هذا مع الله. وأما كونه كذلك مع الشيخ ففيه تنزيلُ الشيخ منزلةَ الرسول، وهذا على إطلاقه باطل، لكن فيه تفصيل ليس هذا موضعه. ومما يُغلَظ فيه ما يُذكَر عن الشيخ أبي يزيد ﵁ أنه قال في بعض مناجاته لما قيل له: ماذا تريد؟ فقال: أريد ألا أريدَ، لأني أنا المراد وأنت المريد. ويتحذلقُ بعضُهم على أبي يزيد، فيقول: فقد أراد بقوله: أريد! وهذا الاعتراض خطأ لوجهين: أحدهما: أنه من قيل له: ماذا تريد لم يُطلَب منه عدم الإرادة، وانما طُلِب منه تعيينُ المراد. الثاني: أن انتفاء الإرادة ممتنع، وهو محزَمٌ، بل عليه أن يريد ما أراده منه، ولا بدَّ له من ذلك. وأما قوله: أريد أن لا أريد، لأنِّي أنا المراد وأنت المريد؛ فلا ينبغي أن يفهم من قوله: أن لا أريد؛ أن لا تكون لي إرادة، فإن هذا باطل محرم، وإنما أراد أن لا يكون ابتداءُ الإرادة مني، بل إرادتي تابعة لك لأنك أنت مرادي، فأريد أن لا أريد إلا إياك. وهذا حقيقة الحنيفية والإخلاص، فإذا كنتُ لا أريد إلا إياك لم أحب ولا أفعل إلا ما أمرتني به، فكان حقيقة قوله: أريد أن لا أعبد إلا إياك، ولا أريد شيئًا قطُّ إلا وجهَك الكريم، وهذا عين ما أوجبه الله لكل عبد، وهي الإرادة الدينية الشرعية. وأيضًا فقد يقول: أريد ألاَّ تكون لي إرادة إلا ما أمرتَني أن أريده، وأردتَه لي إرادةَ محبةٍ ورضًى، لجهلي وعجزي. وأريد أن أكون عبدًا محضًا، فلا أريد إلا ما تريده أنت، بحيث يكون المرادُ المختار أمرًا دينيًّا وقضاءً كونيًّا لا يخالف الأمر الديني. فهذا الكلام يكون إخلاصًا وتفويضًا، وكلاهما إسلام وجهه لله. وأيضًا فإنه قد يقول هذا في مقام الفناء والاصطلام، إذا غلبَ على قلبه، حتى غاب به عن شهود نفسه وإرادته، فهو يُحب هذا الفناء، لأنه متى رجع إلى نفسه أرادت بهواها، فهو يريد أن يَفنَى عن نفسه حتى يكون الحق هو الذي يريد له وبه. ثم إنه مع الفناء في نوع من الإرادة لله التي هي أعظم الإرادات، لكنه غائبٌ كغيبته عن نفسه مع وجودها. وهذا كله حسن، وإن كان البقاء أفضل ما لم يُفْضِ الأمرُ إلى ترك مأمور به جريًا مع الكوني. (جامع المسائل: ٦/ ٩).
[ ٨٠٩ ]
فمن سبَّ الشيطان بلسانه ثم ساعده بعمله، ووافقه بما يهواه فهو عبد الشيطان لا عبد خالقه ومولاه؛ قال الله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال الواحد المنان: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠].
وما كثَّرنا الكلام إلا لأن طبع الآدمي ثقيل، محتاج إلى تزويق الكلام وإلى التطويل، ولو عمل بآية من كتاب الله تعالى وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. أو عمل بحديث من أحاديث رسول الله ﷺ ما كان يحتاج إلى غيره، وهو قوله ﷺ: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (^١)، فقد علمت أن النفس ثقيلة، ولذلك يعصي الله سبحانه ويخالف أوامره الجليلة.
قال أبو يزيد: لو أن زمامي بيد كلب، كان أحب إليَّ من أن يكون زمامي بيد نفسي (^٢).
وقال بعض العارفين: من ذاق طعم نفسه قلَّ فلاحه. نسأل الله العظيم الذي أذاقنا طعم أنفسنا أن يذيقنا حلاوة حبه. واعلم أنه لا يجد طعم حبِّ الواحد الخلاق إلا كل عبد تقي زاهد مشتاق.
تَمَّ كتاب اللمع في الحوادث والبدع (^٣).
غفر الله لمؤلفه ولقارئه ولسامعه، ولمن عمل بالسنة واتبع، ولمن أصلح شيئًا قاله المؤلف، فخرج بذلك الشيء عن السنة، وفي البدعة وقع وخالف أهل الدين والورع.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) لم أقف عليه وأبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي (١٨٨ - ٢٦١ هـ)، ويقال بايزيد، زاهد مشهور، له أخبار كثيرة. نسبته إلى بسطام بلدة بين خراسان والعراق أصله منها، ووفاته فيها.
(٣) هنا خاتمة النسخة المصرية (ق)، ونصُّها: (تمَّ كتاب اللمع بحمد الله تعالى ومنِّه غفر الله تعالى لمؤلفه وكاتبه والواقف عليه ولوالديهم ولجميع المسلمين آمين وصلى الله على محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا).
[ ٨١٠ ]
ووافق الفراغ من تأليفه في أشرف المكان، وأبرك الزمان (^١)، وذلك في مكة المعظمة، وفي شهر رمضان، في أوائل القرن الثامن من الهجرة المحمدية.
أعطانا الله تعالى خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وكفانا شرَّها وشرَّ أهلها وشرَّ ما فيها، وسلمنا من الأفعال والأقوال الخارجة الرَّدية.
وكان اختيار المؤلف أن يكون هذا الكتاب كله في حق من خرج عن السنة وابتدع، فجعل الله تعالى ذلك فيه، وشيئًا من التفسير، والأحاديث، والزهد، وأخبار أهل الشَّره والطمع، وكنت أريد أكتب شيئًا، فيذهب الله تعالى بذلك الشيء، ويلقى في بالي غيره، ويُسهِّل عليَّ ما سمعته من الفقهاء المرضية، ومن الفقراء المتبعين لخير البرية صلى الله عليه وعلى آله وأقاربه وأزواجه وذرياته أهل الدين، والورع والأخلاق الرضية، وعلى أصحابه: أهل الشجاعة والكرم المشبهين بالنجوم المضيئة.
الحمد لله الذي وفَّقني لجمعه، وأعانني عليه، وأسأله أن يجمع أمري على التقوى، ولا يجعله حجة عليَّ يوم أقف بين يديه، اللَّهم سهل لنا طريقًا توصلنا إليك، وارزقنا الراحة في قلوبنا بالتوكل عليك، مثبتين في (^٢) خدمتك، محققين بمعرفتك، متبعين لسنة رسولك، وارثين عنه، آخذين منه يا ربَّ العالمين، وافعل ذلك بالوالدين والأقربين، وبجميع الأصحاب والأحباب والمسلمين، والله على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين وصلواته ورحمته وبركاته على سيد المرسلين، وعلى جميع النبيين، وعباد الله الصالحين.
من قرأ في أول هذا الكتاب، عذر المؤلف، ولم يكثر العتاب. حيث قال المؤلف:
تمسَّك بحبل الله واتَّبع الهدى … ولا تكُ بدعيًّا لعلك تفلِحُ
_________________
(١) في (ب): المكان.
(٢) في (خ): على.
[ ٨١١ ]
ولُذْ بكتاب الله والسنن التي أتتْ … عن رسول الله تنجُو وتربحُ
وسافر بهذا الزَّاد تلقى سلامةً … وأمنًا وخيرًا حين تمسي وتصبحُ (^١)
غفر الله لكاتبه ورحمه برحمته الواسعة، وجعل القرآن الكريم أنيسه وشافعه ومالكه وقارئه، وسامعه، وجميع المسلمين (^٢).
_________________
(١) البيتان الأولان من القصيدة الحائية في العقيدة السلفية للإمام الحافظ أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٣١٦)، ابن صاحب «السنن» الإمام المعروف رحمهما الله. ترجمته ومصادرها في «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٢٣٢. والقصيدة مشهورة، وقد عُني بها المعاصرون بالشرح والتعليق. ولفظ البيتين مطابق لرواية «الحائية» إلا قوله: «ولُذْ»، ففيها: «ودِنْ». أما البيت الثالث فليس من أبيات «الحائية»، لكن فيها: إذا ما اعتقدتَ الدَّهر يا صاح هذه فأنتَ على خيرٍ تبيتُ وتصبحُ ولم أقف على اللفظ الذي ذكره المؤلف، فلعله من إنشائه كما ذكر، والله أعلم.
(٢) هذا آخر الكتاب في مخطوطة برلين (ب)، ومخطوطة قونية (خ)، وزاد الأخير: وذلك برسم السيد موسى الهندي بن عبد الله، وكان الفراغ من نسخه نهار السبت من شهور ذي الحجة سنة (٩٦٨)، وكاتبه: بو بكر بن الخطيب بقرية تيزر الشافعيُّ مذهبًا، غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ في هذا الكتاب ورأى فيه خللًا وسدَّه، آمين.
[ ٨١٢ ]
بسم الرحمن الرحيم