وما على الوصِيِّ التارك لها من الذنوب والخطيَّة وما له إن عمل بوصيته من الأجر والعطيَّة
فتأخيرها من غير عذر بدعة رَدِيَّة، ومصيبة في الدِّينِ وبلِيَّة، فلا تتهاون رحمك الله في هذه القَضِيَّة، فقد نصحتك غاية النصح، فاقبل مني هذه الهدية، فقد جاء في الحديث: «إن النصح من الإيمان» (^١). صحَّ ذلك عن خير البريَّة ﷺ وعلى آله وأصحابه المتشبهين بالنجوم المضيَّة، أهل الدين والكرم والشجاعة والأخلاق الرضيَّة.
ثم اعلم بأن الوصية رحمة من الله تعالى لصاحبها ولمنفذها، وهي نفع متعدِّي، وهي بالإجماع من أفضل الأعمال، وبسببها وصل إلى الله سبحانه الأولياء والعمال. والإجماع من أقوى الحجج؛ لأنَّ أمة محمد ﷺ لا تجتمع على بدعة ولا ضلال، بل تجتمع على الحق، وعلى ما يرضي الكبير المتعال، فينبغي إخراجها على الفور، ليرحم بها أصحابها، وينتفع بها الفقير وصاحب العيال.
ثم اعلم بأن للتأخير آفات، ولذلك قال المولى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨].
_________________
(١) تقدم تخريجه بلفظ: «الدين النصيحة».
[ ٦٢٦ ]
فرحم الله من عمل بما سمع من الأخبار والآيات، واجتهد في تحصيل الأجر والحسنات، واغتنم المهلة والصحة وهذه الأوقات، من قبل أن يقال: «لا رحم الله فلانًا فإنه قد مات»؛ وذلك لقلة أمانة الوَصِيِّ، ولتأخيره لهذه الخيرات، أو لظلمه وأكله هذا التراب، (وقَّع الله سبحانه المبْغَضَةَ في قلوب العباد فورث منهم هذا الميراث؛ لأن) (^١) الظالم مبغوضٌ عند أهل الأرض وسكان السماوات؛ لما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله سبحانه إذا أحب عبدًا يقول لجبريل ﵇: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، وناد في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، ثم توضع محبته في الأرض» (^٢). وإذا أبغض عبدًا يقول بعكس ذلك، والحديث مشهور، فمن عمل به نجا، ومن لم يعمل به فهو عبد مغرور.
ومما يناسبُ هذا الظلم ما يفعله بعضُ العباد المتشبهين بأهل الجور والظلم والعناد، الراضون لأنفسهم بسخط من لا يخلف الميعاد في مكة خير البلاد: من أكل الوقوفات بغير حقٍّ، وتعطيل المدارس وسكناها بالأهل والأولاد، يفعلون هذه المصائب ويزعمون أنَّهم على شيء، وأنَّهم من جملة الأولياء والعباد، فَمَنْ عمل المعصية والظلم في خير البقاع وأشرف الأراضي فالحقُّ سبحانه عنه ليس براضٍ، قال المولى الكريم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. هذا حال من همَّ بالظلم، فكيف يكون حال من ظلم؟
فاحذر الظلم أيها الطالب! لكي تبلغ المطالب والإرب، وعظِّم المكان لأجل صاحبه، ولا تكن قليل الأدب، فتلقي نفسك (للمهالك
_________________
(١) في (ق): و. وفي (ب): ولأن.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧١٠)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٩٦٧٣)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٦٧ (٧٦٢٥)، والبخاري في «صحيحه» (٧٤٨٥) مقتصرًا على ذكر المحبة، وفي «خلق أفعال العباد» (٣٥)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٣٧) (١٥٧)، والترمذي في «جامعه» (٣١٦١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٧٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦٢٧ ]
والعطب) (^١)، وتحشر يوم القيامة في زمرة من ظلم، فتستوجب من الله اللعنة والغضب، فقد ورد في الكتاب المكنون أن الظالم ملعون، فاسمعوا أيها المؤمنون قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
وهذا المكان الشريف وضع لحط الذنوب لا لحملها، وفعل الذنب بمكة شديد، وإثمه أكيد؛ لكونه في حضرة الله تعالى وفِنَاء بيته، وأي شيء أعظم من مبارزة الملك في (حرمته، ومخالفته في محل) (^٢) حضرته، لكن ما أسرع نفوس الغافلين إلى قبول البدعة، ونبذ السنة، وما أشد تفريطها فيما هي مكلفة به ومسئولة عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
وقد صحَّ عن جماعة من الصحابة ومن تابعهم من السادات أن السيئة تضاعف بمكة المشرفة كما تضاعف الحسنات (^٣).
وقد أجمع العلماء والعباد أن سبب سوء الخاتمة هو من ظلم العباد، وقالوا: ليس شيء بعد الإيمان أعظم أجرًا من نفع المسلمين، وليس شيء بعد الكفر أعظم ذنبًا من أذية المؤمنين (^٤).
فأفق من سكرتك أيها المسكين! قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقد ورد في الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الأخيار، أنه قال: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فليتبوَّأ مقْعَدَه من النار» (^٥).
_________________
(١) في (ق): للعطب.
(٢) ليست في (ق).
(٣) انظر «أخبار مكة» للفاكهي ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٨.
(٤) في (خ): المسلمين.
(٥) طرفُ حديث أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣٦٠٧) من حديث أنس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب؛ إذ جاء رجل تخطى رقاب الناس حتى جلس قريبًا من النبي ﷺ، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما منعك يا فلان أن تجمع؟» قال: يا رسول الله، قد حرصت أن أضع نفسي بالمكان الذي ترى، قال: «قد رَأيتك تَخَطَّى رِقابَ المسلمين وتؤذيهم، من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله». وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٣١٦).
[ ٦٢٨ ]
فمن أخَّر الوصية فقد آذى صاحبها؛ لأنه أخَّر الرحمة عنه، فحينئذٍ يخاف على هذا الوصي أن لا يُرحم، ولا يُحشر في زمرة كل صالح وولي؛ لتشبهه بكلِّ معتدٍ وظالمٍ وشقيٍّ.
وما أردنا بهذا التطويل إلا لكثافة الظالم، ولطبعه الثقيل، ألا تراه كيف يعمل على ذهاب دينه؟ فيخالف الرب الجليل، ويتجنب الحق، وإلى الظلم والباطل يميل.
ثم اعلم بأن الوصية أمانة، فمن أخَّرها بغير عذر أو طمع في شيء منها؛ خرج عن السنة، ووقع في البدعة والخيانة، ولم يتشبه بأهل الخير والديانة، فيخاف عليه أن لا يرزقه الله أمانه، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. والخيانة من صفة العبد المنافق، ولأجل ذلك تبرأ منها المؤمن الموافق خوفًا من بعده عن النبي ﷺ، ومن غضب الخالق، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^١)،
وفي حديث آخر: «من تشبَّه بقوم فهو منهم» (^٢)، وقال ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (^٣) رواه البخاري، وفي صحيح مسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (^٤)، فينبغي للمؤمن أن يعمل على سلامة إيمانه بطاعته لله ولرسوله، وبنصحه لإخوانه.
قال ﷺ: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا:
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) «صحيح مسلم» (٥٩).
[ ٦٢٩ ]
لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^١).
فمن علم أن الدين النصيحة وغشَّ؛ يقع الخلل في دينه، ويصير يوم القيامة في بلية وبعدٍ وفضيحة، قال ﷺ: «من غشَّنا فليس منا» (^٢).
فانظر رحمك الله! إلى شؤم حال الغاش المخذول، كيف حُرم الوصول، وتبرأ منه الرسول، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (^٣)، وفي حديث آخر: «من أصبح لهم غاشًّا لم يشمَّ رائحةَ الجنة» (^٤).
فيجب على المؤمن أن يكون ناصحًا لإخوانه المسلمين لحيِّهِمْ وميتهم (^٥)، يفرح لمحسنهم، ويستغفر لمسيئهم، ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويريد لهم ما يريد لنفسه، لا يظلمهم، ولا يخونهم، ولا يغشهم، ولا يغتابهم، ولا يحقرهم، ولا يخذلهم، ولا يسخر منهم، ولا يهزأ بهم، ولا يشمت بمصابهم، ولا يسبهم بغير حق، ولا يلعنهم لزللهم، ولا يكفِّر أحدًا منهم بذنب، ولا يحسدهم إلا على فعل الخير؛ ليكون شريكهم في الحسنات، وفي ارتفاع الدرجات، ويعود مرضاهم، ويشيع جنائزهم، ويصلي عليهم، ويحضر دفنهم، وإن غابوا حفظ منازلهم، وكذلك في الشهادة: إن أراد أن يموت مسلمًا وله في سكنى الجنة إرادة؛
_________________
(١) تقدم تخريجه، وهو عند مسلم، وهذا اللفظ لأبي داود (٤٩٤٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) عزاه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (١٨٦) للدارقطني في «الأفراد» بسند ضعيف جدًّا.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٥ (٢٠٢٨٩)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٤٠١)، والدارمي في «سننه» (٢٧٩٦)، والبخاري في «صحيحه» (٧١٥٠)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٢) من حديث معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة».
(٥) في (خ): ولموتاهم أجمعين.
[ ٦٣٠ ]
لما جاء في الحديث: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (^١) والبوائق: الغش والظلم، و«العائد يخوض في الرحمة» (^٢)، «المصلي على الميت له قيراط من الأجر، فإن حضر دفنه؛ فله قيراطان من الأجر أصغرهما كأحد» (^٣).
ثم اعلم أن عيادة المرضى، والصلاة على الموتى، وتشميت العاطس، ورد السلام، والجهاد، من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ونسأل الله سبحانه التوفيق والهداية.
فإن عجزت عن نفعهم فلا تضرهم بأكل أموالهم بغير حق، وبغشك وخيانتك لتأخير وصاياهم، وإن كان صاحب الوصية قد مات فعجل له الحسنات (^٤)؛ فإنه محتاج إلى ما وصى به من الخيرات، فقد انقطع عمله، وصار لأجل التفريط في ندمٍ وحسرات، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
فتعجيل الخير ليرحم به الميت هي حسنة عظيمة وخير؛ لأنه محتاج إليها، ولو أمكنه لترامى عليها، قال العلماء: إن مدار العلم كله شيئان: التعظيم لأمر الله، والشفقة والرحمة على خلقه. وجاء في الحديث: «الرحماء
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٧٢ (٨٨٥٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٢١)، ومسلم في «صحيحه» (٤٦) (٧)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٤٩٠) بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٠٩٣٩)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٣٠٤ (١٤٢٦٠) من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضًا لم يزل يخوض في الرحمة حتى يرجع، فإذا جلس اغتمس فيها». وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٢٩)، وانظر كلامه هناك فإنه هام.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٣٠ (٩٥٥١)، والبخاري في «صحيحه» (٤٧)، ومسلم في «صحيحه» (٩٤٥)، وأبو داود في «سننه» (٣١٦٨)، والترمذي في «جامعه» (١٠٤٠)، والنسائي في «سننه» ٨/ ١٢٠ (٥٠٣٢)، وفي «السنن الكبرى» (١١٧٦٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٠٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (خ): بالحسنات.
[ ٦٣١ ]
يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (^١)، «من لا يَرْحم لا يُرْحم» (^٢) هذا حديث صحيح.
فلو كان في قلب هذا المسلم شفقة وإحسان ما أخَّر وصية (^٣) الميت المحتاج، وابتدع وخان، ولا خرج عن طريق نبيه وحبيبه، وعن طريق أهل الخير والإيمان (^٤)، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
قال ﷺ: «بابان من الخير ليس فوقهما ثالث: الإيمان بالله تعالى، والإحسان إلى خلقه. وبابان من الشر ليس فوقهما ثالث: الإشراك بالله تعالى، والإساءة إلى خلقه» (^٥).
وقد نظر العلماء في الذنوب التي تذهب بإيمان العبد، فوجدوها في الاستخفاف بالدين، وفي أذيَّة المسلمين، نسأل الله تعالى السلامة وحسن الخاتمة، وقصر الأمل، واليقظة؛ لكي نستعد للموت قبل فروغ الأجل، فمن علم أن أذيَّة المسلمين مصيبة في الدين وعليها أقام فمثله كمثل من قال: ربي الله. وما (^٦) استقام، ونسأل الله سبحانه الاستقامة، والأمن من فزع يوم القيامة، وأن يدخلنا الجنة مع من ظلَّلته الغمامة ﷺ صلاة دائمة تكون نورًا بين يديه وأمامه.
وما طولنا الكلام والطريق بحمد الله بائنة إلا لعمى هذه النفس الكثيفة الخائنة، ونسأل الله تعالى رب الأرض والسماء أن يذهب عن قلوبنا الخيانة والغفلة والعمى، فالخروج عن الطريق يتولد من عمى القلب، ومن
_________________
(١) سبق تخريجه
(٢) سبق تخريجه
(٣) في (خ): الوصية عن.
(٤) في (ق): والإحسان.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) في (ق): ثم.
[ ٦٣٢ ]
عدم التوفيق، قال المولى الغفور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. قال ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^١).
ومن سلك الطريق فهو للأنبياء والأولياء رفيق؛ لأنَّ من شرط المرافقة الموافقة، فمن خرج عن طريقهم وصحب مبتدعًا ثقيلًا ندم ندمًا طويلًا، وصار بعد العز ذليلًا قائلًا: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]. فلا يقبل منه هذا القول، ويجاب بأن قد عمَّرناك عمرًا طويلًا، فخرجت عن طريق نبِيِّك ﷺ، وخالفت مولى جليلًا.
فإذا وفقك الله تعالى وعملت بوصية مخلوق مثلك فلا تنسى وصية الخالق، فيكون لك أجران: وهو تقوى الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فسَّرها ﷺ قال: «مخرجًا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، وأهوال يوم القيامة» (^٢).
وله باب في هذا الكتاب، ولا فائدة من إعادته، وفي هذا كفاية لمن رزقه الله تعالى التوفيق والهداية.
وإذا وصَّى الرجل أخاه بأن يحجَّ عنه إذا مات أو ابتلي بمرضٍ حابس فهو بمنزلة الموت، فيحج عنه على الفور؛ لكي يُرحم الميت؛ لأنه مرهون به؛ لقوله ﷺ: «الميْتُ مرهون بدَيْنه (^٣)، فكَّ الله رهانَ من فكَّ رهانَه» (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الواحدي في تفسيره «الوسيط» ٤/ ٣١٣، والثعلبي في تفسيره «الكشف والبيان» ٩/ ٣٣٦ من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ، مرفوعًا. وإسناده ضعيف جدًّا، والصواب في هذا ما أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٢/ ٣٤٠ من تفسير التابعي قتادة بن دعامة السدوسي ﵀، ولم يرفعه.
(٣) في النسخ: (بذنبه)، وهو تصحيف، والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) جزء من حديث أخرجه الدارقطني في «سننه» ٣/ ٤٦، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٦/ ٧٣ عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتِى بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل إلا أن يسأل عن دينه، فإن قيل: عليه دين. كفَّ عن الصلاة عليه، وإن قيل: ليس عليه دين. صلى عليه، فأُتي بجنازة فلما قام سأل أصحابه: «هل =
[ ٦٣٣ ]
وفي حديث آخر: «من مات ولم يحجَّ ولم يوصِ فليس منَّا» (^١).
فعند أبي حنيفة ﵀: يحج عنه من موطنه الذي مات فيه راكبًا (^٢)، فإن أوصى بألف درهم يدفعها الوصي لرجل لا يدفع لرجلين، وإن كفاهما النفقة، وكذلك إذا أوصى أن يشتري عبدًا بألف درهم ويعتق بعد موته، لا يشتري عبدين؛ لأنهما في الأجر سواء، وعملًا بالوصية، ورب الأرباب عالمٌ بالحساب. (ويدخل الذي يحج) (^٣) عن الميت بحجة مفردة، فإن دخل بعمرة تكون الحجة له (^٤)، والدراهم تصير في ذمته؛ لأن العمرة تكون (^٥) آفاقية والحجة مكية، فكأنه حجَّ عن الميت من مكة المشرفة، وهذا لا يسقط الحج عن الميت عند الحنفية، فإن فضل شيء من النفقة يردها لعيال الميت، ولا يرد شيئًا في مذهب الشافعي إن أوصى لرجل بعينه أو استأجر غيره، والإجارة في العبادات فيها خلاف للعلماء، ونسأل الله العظيم أن يذهب عن قلوبنا الغفلة والعمى.
_________________
(١) =على صاحبكم من دين؟» قالوا: عليه ديناران دَيْن، فعدل عنه رسول الله ﷺ فقال: «صلوا على صاحبكم». فقال علي بن أبي طالب ﵁: يا نبي الله، هما علَيَّ، بَرِئ منهما. فتقدم رسول الله ﷺ فصلى عليه، ثم قال: «يا علي، جزاك الله خيرًا، فكَّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، فمن فكَّ رهان ميت؛ فكَّ الله رهانه يوم القيامة». فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: «لا بل للمسلمين عامة». وفي إسناده عطاء بن عجلان، قال البيهقي: عطاء بن عجلان ضعيف. وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١١٣٤): ضعيف جدًّا. وقد ورد نحوه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «لا تزال نفس ابن آدم معلقة بدينه حتى يقضى عنه». أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٥٠٨ (١٠٦٠٧)، والدارمي في «سننه» (٢٥٩١)، وابن ماجه في «سننه» (٢٤١٣)، والترمذي في «جامعه» (١٠٧٩) وغيرهم. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٧٧٩).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) انظر «البحر الرائق» ٣/ ٧٢.
(٤) في (خ): فيدخل الذي حج. وفي (ب): ويدخل في الذي حج.
(٥) في (ب): صلة.
(٦) في (خ، ب): تصير.
[ ٦٣٤ ]
دليل ما تقدم ذكره: قال ﷺ: «تعجلوا الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» (^١). فتأخير الحج بغير عذرٍ شديدٌ وإثمه أكيدٌ؛ لقوله ﷺ: «من لم يمنعه من الحج حاجة، أو مرض حابس، أو سلطان جائر، فمات؛ فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا» (^٢).
في هذا الحديث إشارة لتشبه هذا المسلم بتركه للحج عامدًا باليهود والنصارى؛ لأنهم يتعبدون بالصوم والصلاة والزكاة والصدقات، ولا يتعبدون بالحج، ولا يهتمون له، ولا ينبغي للمسلمين أولي الألباب أن يتشبهوا بأهل الكتاب، ولا بكل فاسق مرتاب؛ لكي لا يحشرون (^٣) معهم، ويغضب عليهم رب الأرباب؛ لقوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٤)، و«من تشبه بقومٍ فهو منهم» (^٥)، صحَّ ذلك عن النبي ﷺ وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وعلى كل عبد اتبع القوم ثم أناب.
روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لقد هممت أن أكتب إلى نوابي في الأمصار: من وجب عليه الحج ولم يحج أن تضرب عليه الجزية، والله ما أراهم مسلمين. قالها ثلاثًا (^٦).
وعن إبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس أنهم قالوا: لو علمنا أن رجلًا وجب عليه الحج ومات ولم يحج ما صلينا عليه (^٧).
وسئل سعيد بن جبير عن رجل وجب عليه الحج، ومات ولم يحج، قال: هو في النار. كررها ثلاثًا (^٨).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣١٣ (٢٨٦٩)، وابن ماجه في «سننه» (٢٨٨٣)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٦٠٣١)، عن ابن عباس، عن الفضل، أو أحدهما عن الآخر قال: قال رسول الله ﷺ: «من أراد الحج، فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة». وحسَّنه الألباني في «إرواء الغليل» (٩٩٠).
(٢) أخرجه الدارمي في «سننه» (١٧٨٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٩٧٩) من حديث أبي أمامة ﵁، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٧٥٤).
(٣) كذا، وصوابه: (لا يحشروا).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (١٥٦٧) من طريق مطر الوراق عن عمر، وهذا منقطع، وعزاه الزيلعي في «نصب الراية» ٤/ ٤١١ لسنن سعيد بن منصور من طريق الحسن عن عمر، وهذا أيضًا منقطع.
(٧) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» ١/ ٢٤٥.
(٨) لم أقف عليه.
[ ٦٣٥ ]
وقال ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]، قال: هو في رجل وجب عليه الحج ومات ولم يحج، فيطلب الرجعة ليحج، فيقال له: كلا (^١).
فإذا أوصى الإنسان بوصية الحج وعمل الوصي بها؛ غفر الله له جميع الذنوب والأوزار؛ لأنه أدى الأمانة، وخلَّص أخاه المسلم من عذاب النار، ومن التوبيخ والعار.
قال ﷺ: «يغفر لثلاث: للحاج، والمحجوج عنه، وللوصي» (^٢)، صحَّ ذلك في الأخبار، وصحَّ في الحديث: «من فرَّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (^٣).
_________________
(١) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» ١/ ٢٤٥.
(٢) أخرجه الدارقطني كما في «اللآلئ المصنوعة» ٢/ ١١٠، والديلمي في «الفردوس» (٢٦٩٦) من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «حجة للميت ثلاث: حجة للمحجوج عنه، وحجة للحاج، وحجة للوصي». وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٩٧٩).
(٣) طرف حديث أَخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٩١ (٥٦٤٦)، والبخاري في «صحيحه» (٢٤٤٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٨٠) (٥٨)، وأبو داود في «سننه» (٤٨٩٣)، والترمذي في «جامعه» (١٤٢٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٢٩١) من حديث ابن عمر ﵄. وقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦٣٦ ]
اصْغ رحمك الله تعالى إلى قوله ﷺ: «من فرَّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا وهي كربة فانية فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». فما بالك بمن يسعى في خلاص مسلم من النَّار؛ فلا يعلم هذا الأجر إلا الواحد القهار.
ونختم هذا الباب بحديث نبينا وحبيبنا ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، ويُهَوِّنُ علينا ببركتهم العرض والحساب: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته: «أيها الناس، إن العبد لا يُكْتَبُ في المسلمين حتى يَسلم الناس من يده ولسانه، ولا ينال درجة المؤمنين حتى يأمن جاره بوائقه، ولا يُعد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس. أيها الناس، إنه من خاف المبيت أدلج، ومن أدلج في المسير وصل، وإنما تعرفون عواقب أعمالكم لو طويت صحائف آجالكم، أيها الناس، إن نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاسق شرٌّ من عمله» (^١).
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا الطول وهو ملفق من أحاديث. الأول: إن العبد لا يكتب في المسلمين … سبق تخريجه عند حديث: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». الثاني: ولا ينال درجة المؤمنين حتى يأمن جاره بوائقه، يعني حديث: «والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣١ (١٦٣٧٢)، والبخاري في «صحيحه» (٦٠١٦) من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁. وقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁. الثالث: «ولا يعد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به». أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (٤٨٤)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢١٥)، والترمذي في جامعه (٢٤٥١) من حديث عطية السعدي ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٣٢٠). الرابع: «إنه من خاف المبيت أدلج». أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (١٤٦٠)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٥٠) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». قال الترمذي: هذا حديث غريب. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٢٢٢). الخامس: «نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله». أخرجه الشهاب القضاعي في «مسنده» (١٤٨) من حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٧٨٩): موضوع.
[ ٦٣٧ ]