والبدعة أن يصحب الإنسان أهل الأهواء والمعاصي والفجور، ومن فيه أدنى بدعة، وكل عبد معتدٍ وكفور، ومتكبر وفخور؛ لأنه بصحبتهم يكون راضيًا بفعلهم وبدعتهم.
قال ﷺ: «من رضي بالفاحشة كمن فعلها» (^١)، وقال: «من كثَّر سواد قوم فهو منهم» (^٢)، وفي حديثٍ آخر: «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (^٣)، واسمع قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود في «سننه» (٤٣٤٥)، والطبراني في «الكبير» ١٧/ ١٣٩ (٣٤٥)، وابن قانع في «معرفة الصحابة» (١٣٣٨) من حديث العرس بن عميرة بلفظ: «إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها». وأخرجه البيهقي في «الكبرى» ٧/ ٢٦٦، وابن وضاح في «البدع» (٢٧١) موقوفًا على عبد الله بن مسعود قال: إذا عُمِل في الأرض خطيئة، فمن حضرها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها. قال الألباني في «صحيح الجامع» (٦٨٩)، و«المشكاة» (٥١٤١): حسن.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٥٧٥ ]
[الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. وقال ابن مسعود ﵁: لو قام رجل بين الركن والمقام وعَبَدَ الله سبعين سنة حشره (^١) الله يوم القيامة مع من أحب (^٢).
وقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤيد هذا، وهو قوله: «المرء مع من أحب» (^٣).
والمستحب أن يصحب الإنسان أهل الخير؛ ليكون معهم يوم القيامة، وينجو من الهموم والندامة، قال ﷺ: «إذا أراد الله بعبدٍ (^٤) خيرًا رزقه جليسًا صالحًا، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه» (^٥).
فالجليس الصالح خير من الوحدة؛ لأنه يعينك على مصلحة دينك ودنياك، ويحرضك على الأعمال الصالحة التي تقربك لسيدك ومولاك، والقرين السوء يزين لك القبيح حتى تراه حسنًا، فيعمل على ذهاب دنياك، وعلى إسقاط حرمتك عند خالقك ومولاك.
والجلساء على ثلاثة أقسام:
الأول: كالعافية لا يُستغنى عنها.
والثاني: كالدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت.
والقسم الثالث: كالداء، وقد يبتلى به الإنسان، كعبدٍ صالح عند سيد فاسق، أو كولد مقبل عند أب مدبر، فالسيد هذا والوالد، لا يستحييان من المولى الرؤوف، والولد والعبد لا يقدران على الأمر بالمعروف، فينكران عليهما بالقلوب، ويدعوان لهما بغفران الذنوب، ويشكران الله تعالى على ما أسبغ عليهما من نعمه، ويسألان تمام النعمة، وهي حسن الخاتمة من علام
_________________
(١) في (خ): يحشره. وفي (ب): ليحشره.
(٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ١٦٠.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ب): لعبد.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٥٧٦ ]
الغيوب؛ لما جاء في الحديث: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا (^١) الله العافية» (^٢).
فمن أراد العافية ودوام العافية فليتفقه في الدين، ويعتزل الناس في هذه الدار، ويدور مع الحق حيث (^٣) دار، وينوي في عزلته أن يسلم الناس من شره، فيسيء الظن بنفسه، ويحسن الظن بخلق الله تعالى، كما قيل لراهب: أراك قد اعتزلت الناس. قال: إن نفسي كلب عقور تعقر الناس فأخرجتها من بينهم.
فيجب على المسلم أن يشتغل قبل عزلته بما يحتاج إليه من العلم أولًا، ثم يعتزل عن نفسه ثانيًا، يترك محابها وشهواتها الفاسدة.
قال الشيخ علي بن الصباغ ﵁: العزلة مجانبة النفس وما تدعو إليه، والخلوة مراقبة القلب وما يرد عليه (^٤).
وأنشد بعضهم:
يا من يحاول عزلةً للناس … وفعاله فعل الجهول الناسي
لا تغفلن عن الحقائق جاهلًا … وانظر بعين (^٥) مجرب بقياس
إن كنت تطلب عزلة تحيا بها … وتقرر التقوى إذًا بأساس (^٦)
فابدأ بنفسك فاعتزلها واعتزل … مجموع ما تهوى من الأدناس
فهي التي لولا هواها لم يصل … أبدًا إليك وساوس الخناس
فإن اعتزلت النفس فاعمل بعد ذا … يا ذا البصيرة في اعتزال الناس
ثم اعلم بأن العزلة لها أصل في الشرع، وهو قوله ﷺ: «تفقهوا ثم
_________________
(١) في (ب): فاسألوا.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (ق): كيف.
(٤) لم أجده.
(٥) في (ب): بين.
(٦) في (خ): على الأساس.
[ ٥٧٧ ]
اعتزلوا» (^١)، وفي حديث آخر: «السلامة في العزلة» (^٢).
وقد خلقك الله تعالى وحدك وستموت وحدك، وتبعث يوم القيامة وحدك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، فعَلِّمْ نَفسك الوحدة، واعلم أن الله فرد يحب الفرد.
قال رجل لبعض الصالحين: أريد أن أصحبك. قال الشيخ: فإذا مات أحدنا [فمن] (^٣) يصحب الآخر؟ قال: الله. قال: فمن الآن (^٤).
وكان سفيان الثوري يقول: والله لقد حلت العزلة (^٥).
وقال الجنيد: إن كان قد حلت العزلة في زمانهم فقد وجبت في زماننا (^٦).
واعلم أن العزلة عند ظهور البدع والفتن واختلاف الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه من سنن الأنبياء؛ وهو طريق الأولياء، وقد اعتزل ﷺ
_________________
(١) أخرجه أحمد في «الزهد» ١/ ٣١٠ من كلام مطرف بلفظ: تفقهوا وتعبدوا ثم اعتزلوا. قال العجلوني في «كشف الخفاء» (١٠٠٣): قال النجم: ليس بحديث وإنما نقله في «الإحياء» عن النخعي، ورواه أبو نعيم الأصبهاني عن الربيع بن خثيم.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العزلة والانفراد» (٢٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ١٨٠ - ١٨١، والبيهقي في «الزهد» (١٢٥)، وابن حجر في «المطالب العالية» (٣٢٥٧) من كلام مكحول بلفظ: إن كان في الجماعة فضل؛ فإن السلامة في العزلة. قال الملا علي القاري في «المصنوع في معرفة الحديث الموضوع» ١/ ١١١: ليس بحديث. وقال السفاريني في «غذاء اللباب» ٢/ ٣٦٣: فهو وإن كان معناه صحيحًا فليس بحديث. وقال محمد خليل الطرابلسي في «اللؤلؤ المرصوع» ١/ ٩٧: كلام صحيح، وليس لمبناه أصل صريح.
(٣) في النسخ: لمن. والمثبت من مصادر التخريج، وهو أليق بالسياق.
(٤) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٣، والقشيري في «الرسالة القشيرية» ١/ ١٣٣ بلفظ: وقال رجل لسهل: أريد أن أصحبك. فقال: إذا مات أحدنا فمن يصحب الآخر؟ قال: الله. قال: فلتصحبه الآن.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٨٨، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٢، ٢٣٣.
(٦) لم أجده.
[ ٥٧٨ ]
قريشًا حين أخذوا في أذيته؛ فأعلى الله تعالى كلمته، وتولى إعزازه ونصرته، وقد أمر ﷺ أمته بأن يتفقهوا ويعتزلوا (^١).
وكان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: وددت أن أغلق عليَّ، (فلا يدخل علي بشر ولا) (^٢) أخرج إليه حتى ألحق بالله ﷿ (^٣).
وقيل للفضيل: إن ابنك عليًّا قال: ليتني في مكانٍ (أرى الناس ولا يروني. فقال ﵁: يا ويح علي، ليته لو قال: ليتني في مكان) (^٤) لا أراهم ولا يروني (^٥).
ودخل أمير البلدة على حاتم الأصم، وقال للشيخ: عسى لسيدي حاجة. قال الشيخ: حاجتي إليك أن لا تراني ولا أراك (^٦).
وقال الفضيل ﵀ لرجل: أقلل من معرفة الناس؛ فإنَّ معرفة الناس داء كبير (^٧).
وقال: من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه، فمن عامل الله بالصدق استوحش من الخلق (^٨).
وقال: لا أعلم أحدًا أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح (^٩).
_________________
(١) سبق بيان أن هذا ليس بحديث.
(٢) في (خ): فلم يدخل علي بشر ولم.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٩٤٨)، وهناد في «الزهد» (١٢٣٣) من كلام حذيفة ﵁.
(٤) ليست في (خ).
(٥) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٣.
(٦) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٣.
(٧) لم أجده من قول الفضيل، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٨٣، ٣٨٩، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٣٤ من قول سفيان الثوري بألفاظ متقاربة.
(٨) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٣.
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا في «التواضع والخمول» (٧٢)، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٣٤٣، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٢٧٦ من قول بشر بلفظ: ما أعرف رجلًا أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح. وقال أيضًا: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس.
[ ٥٧٩ ]
وقال أيضًا: من لم يستأنس بالقرآن لا آنس الله تعالى وحدته (^١).
وقال مالك بن دينار ﵀: من لم يأنس بمحادثة الله تعالى عن محادثة المخلوقين؛ فقد قلَّ علمه، وعمي قلبه، وضيع عمره (^٢).
وقال منصور بن إسماعيل (^٣):
الناس بحر عميق والبعد عنهم سفينة … وقد نصحتك فانظر لنفسك المسكينة
بينما أويس القرني جالس إذ جاءه هارون بن حيان، فقال له أويس: ما جاء بك؟ قال: جئت لآنس بك، فقال له أويس: ما كنت أرى أحدًا يعرف ربه ويأنس بغيره (^٤).
وقيل لبعض الصالحين: ما حملك على أن تعتزل الناس؟ فقال: خشيت أن أسلب ديني، ولا أشعر (^٥).
واسمع قوله تعالى لنبيه وحبيبه محمد ﷺ وهو في مكان العصمة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، وفي آية أخرى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وقال سعيد بن المسيب: العزلة عبادة (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العزلة والانفراد» (٥١).
(٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٧.
(٣) أخرجه البيهقي في «الزهد» (٢٢٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٠/ ١٣.
(٤) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٧.
(٥) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٢/ ٤٦٢، عن عبد الله بن لهيعة، عن بكر بن سوادة قال: كان رجل يعتزل الناس إنما هو وحده، فجاءه أبو الدرداء فقال: أنشدك الله ما يحملك على أن تعتزل الناس. فقال: إني أخشى أن أسلب ديني ولا أشعر. فقال: أترى في الجند مئة يخافون الله ما تخافه؟ قال: فلم يزل ينقص حتى بلغ عشرة. قال: فحدثت به رجلًا من أهل الشام، فقال: ذاك شرحبيل بن السمط. وشرحبيل بن السمط تابعي عابد فاضل.
(٦) أخرجه الخطيب في «المتفق والمفترق» (١٦٩١) من قول سعيد بن المسيب، وأخرجه ابن أبي الدنيا في «العزلة والانفراد» (١٤)، وابن حبان في «الثقات» ٧/ ٢٧٤، والغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٢٢، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٥٠٤) من قول ابن سيرين.
[ ٥٨٠ ]
وإياك والأمراء أن تدنو منهم، وتخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تُخدع (^١) فيقال لك: رجل تشفع فيه، فإنما ذلك خديعة إبليس اتخذها فخًّا (^٢).
وقال ابن عباس ﵁: يا معشر الفقراء، إياكم وأبواب الأمراء؛ فإنكم لا تأخذون من دنياهم شيئًا، إلا أخذوا من آخرتكم ما هو خير منه (^٣).
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: أوصاني أستاذي أن أهرب من خير الناس أكثر مما أهرب (^٤) من شرهم؛ قال: فإن شرهم يصيب بدنك، وخيرهم يصيب قلبك؛ ولأن تصاب في بدنك خير لك من أن تصاب في قلبك، ولعدو يرجع بك إلى مولاك خير لك من حبيب يشغلك عن مولاك (^٥).
قال عقبة بن عامر الجهني: فيم النجاة يا رسول الله؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» (^٦).
وقيل: من أنس بغير الله في الخلوة فهو أبدًا في وحشة (^٧).
كان بعضهم ينشد:
أنست بوحدتي فلزمت بيتي … فطاب الأنس لي ونما السرور
وأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا أُزار ولا أزور
_________________
(١) في (ب): تنخدع.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ٨٨.
(٣) لم أجده.
(٤) في (خ): تهرب.
(٥) ذكره ابن عجيبة في «البحر المديد» ٦/ ٣٣٨، وإسماعيل حقي في «روح البيان» ٥/ ١٤٦.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» ٥٤/ ٤٦.
[ ٥٨١ ]
ولست بسائل ما دمت حيًّا … أقام الشيخ أم ركب الأمير
قال مالك: كل جليس لا تستفيد منه خيرًا، فاجتنبه (^١).
وقال ابن عباس ﵁: قلنا لرسول الله ﷺ: لِمَنْ نجالس؟ قال: «لِمَنْ يزيدُ في علمكم منطقُه، ويرغِّبكم في الآخرة عملُه، ويزهِّدُكم في الدنيا فعلُه» (^٢).
قال المؤلف عفا الله عنه: والله إنَّ مثل هذا العبد الجليل في زماننا هذا لقليل! ولكن ينبغي للمؤمن أن يعمل بما تقدم من الأحاديث، وهو قوله ﷺ: «تفقهوا ثم اعتزلوا»، والحديث الآخر: «السلامة في العزلة» (^٣).
والصحبة لها حقوق كثيرة، والآدمي ضعيف لا يطيق حملها إلا بمعونة الله، فيخاف عليه أن يعجز عن أدائها فيأثم بلسان الشرع، ومن رزقه الله تعالى الأنس به لا يختار الأنس بغيره.
كما قيل: إن رجلًا دق الباب على معروف الكرخي، فقال الشيخ من داخل بيته: اللَّهم من جاء يشغلني عنك فاشغله بك عني. فاستجيبت دعوة معروف وشغل الرجل بالله (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في «الزهد» (٨٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٧٢.
(٢) عزاه الهندي في «كنز العمال» ٩/ ١٧٨ إلى ابن النجار، وقال: فيه مبارك بن حسان قال الأزدي: رمي بالكذب. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٥٥)، وأحمد في «الزهد» ١/ ٥٤، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٤٦، والبيهقي في «الشعب» (٩٤٤٥) من كلام عيسى بن مريم. قال البيهقي: قد روي هذا الكلام الأخير عن نبينا ﷺ بإسناد ضعيف.
(٣) سبق هذا والذي قبله، وليسا بحديث.
(٤) لم أجده، وذكره أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٣٦٦، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٧٦٨) عن علي بن عبد الحميد الغضائري يقول: دققت على أبي الحسن السري بن المغلس السقطي بابه، فسمعته يقول: اللَّهم من شغلني عنك فأشغله بك عني. فكان من بركة دعائه أني حججت من حلب ماشيًا على قدمي أربعين حجة، وكان يُعد من الأبدال.
[ ٥٨٢ ]
وقال رجل لسفيان الثوري: أوصني. فقال ﵁: هذا زمان السكوت ولزوم البيوت (^١).
وقال العنبري: اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض، فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي، ولحيته ترجف، وقال: عليكم بالقرآن، عليكم بالصلاة، ويحكم ليس هذا زمان حديث؛ إنما هذا زمان بكاء وتضرع ودعاء كدعاء الغريق، إنما هذا زمانُ احفظ لسانك، وأخْفِ مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر (^٢).
هذا هو قول هذا السيد في زمانه، وهو الصدر الأول؛ لأنه كان من التابعين الزاهدين، ومن العلماء الموحدين، فما بالك يا أخي بزماننا هذا الذي كثر فيه البدع وقل إنكارها، فترى أحدنا قد مُلِئ قلبه بحب الدنيا، فصار همه بطنه، ودينه هواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويقال إن العافية عشرة أجزاء: تسعة في الصمت، وواحدة في الهرب من الناس (^٣)، فجرِّبوها فوجدوا خير هذه الأجزاء الهرب من الناس.
قال سفيان بن عيينة: قال لي سفيان الثوري في اليقظة والمنام وفي حياته وبعد وفاته: أقلل من معرفة الناس؛ فإن التخلص منهم لشديد، ولا أحسب أنك رأيت ما تكره إلا ممن عرفت (^٤).
قال ﷺ: «سبَقَ المفَرِّدُونَ» (^٥)، رواه أبو هريرة ﵁.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العزلة والانفراد» (٩٤).
(٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ١٨٦، وابن الحاج في «المدخل» ٣/ ١٦٠.
(٣) ذكره الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» ٢/ ٤٧، والجرجاني في «تاريخ جرجان» (٤٠٤)، وابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» ٥/ ١٨٣ من قول دَاوُد بن سُرَيج ﵀.
(٤) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٣٤.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٢٣ (٨٢٩٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٧٦)، والترمذي في «جامعه» (٣٥٩٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٨٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمرَّ على جبلٍ يقال له: جُمْدان، فقال: «سيروا هذا جمدان، سبق المفَرِّدُون»، قالوا: وما المفَرِّدُون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا، والذاكرات». قال النووي في «شرح مسلم»: هكذا الرواية فيه: المفَرِّدون بفتح الفاء وكسر الراء المشددة، وهكذا نقله القاضي عن متقني شيوخهم، وذكر غيره أنه روي بتخفيفها وإسكان الفاء، يقال: فرَدَ الرجل وفرَّد بالتخفيف والتشديد، وأفرد، وقد فسرهم رسول الله ﷺ بالذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، تقديره: والذاكراته، فحذفت الهاء هنا كما حذفت في القرآن لمناسبة رؤوس الآي، ولأنه مفعول يجوز حذفه، وهذا التفسير هو مراد الحديث، قال ابن قتيبة وغيره: وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم، وانفردوا عنهم، فبقوا يذكرون الله تعالى. وجاء في رواية: هم الذين اهترُّوا في ذكر الله، أي لهجوا به. وقال ابن الأعرابي: يقال فرد الرجل إذا تفقه، واعتزل، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وقال ابن القيم في «الوابل الصيب»: وفي بعض ألفاظ الحديث: «المستهترون بذكر الله» ومعناه: الذين أولعوا به، يقال: استهتر فلان بكذا إذا ولع به. وفيه تفسير آخر: أنهم أهتروا في ذكر الله، أي كبروا، وهلك أقرانهم، وهم في ذكر الله تعالى. وقال في «مدارج السالكين»: والمفردون إما الموحِّدون، وإما الآحاد الفرادَى. قلتُ: على أي المعنيين كان فلا يدل على استشهاد المؤلف به على العزلة، فإن النبي ﷺ قد كفانا مؤنة تأويل الحديث، فبيَّن أن المفردون هم أهل الذكر الموحدون لربهم، وهم أيضًا الآحاد الفرادى لقلة الذاكرين الشاكرين في الناس.
[ ٥٨٣ ]
وقال ﷺ لأبي الدرداء: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من الموتى» (^١).
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «طلب الحق غربة» (^٢)، فطالب الحق غريب وإن كان بين أهله. وفي حديث آخر: «فطوبى للغرباء» (^٣).
ليست (^٤) الغربة مفارقة الأهل والأوطان، والسفر من مكانٍ إلى مكان، الغريب هو العامل بالسنة والقرآن، ولم يجد من يساعده على ذلك، فيصير بين الخلق غريبًا، ومن الله ورسوله قريبًا، فحينئذٍ يقول بلسان الحال: إذا كنت لي ما ضرني من عدمته (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (خ، ق): ليس.
(٥) في (ق): عرفته.
[ ٥٨٤ ]
أو كما قال بعضهم:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي … فلا زال غضبانًا عليّ لئامها
فعلم نفسك الوحدة، واعلم أن الله تعالى وترٌ يحب الوتر (^١)، فمن تجنب الخلق آنسه الحق، ومن اشتغل بالله ﷿ تولى الله سبحانه جميع شأنه، يقول الله ﷿: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (^٢).
دخل رجل على بعض المشايخ باكيًا، فقال الشيخ: ما بالك؟ فقال الرجل: يا سيدي أستاذي مات. فقال له الشيخ: أنت ظالم؛ لم خدمت من يموت؟ (^٣)
وكان بعضهم يقول: فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت.
وفي الخبر: «يقول الله ﷿ كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز» (^٤).
ثم اعلم رحمك الله أنه لا عيش إلا مع الله، ولا عِزَّ إلا بالتعلق بجناب الله، فمن تعلق بجناب مولاه كفاه جميع أمره، وسخر له الكون بأسره، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
قال بعضهم: مررت ببعض جبال الشام بعابد على رأس جبل، فلما
_________________
(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٩٨٠١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦٩٣٥)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٧٧ (٧٧٣١)، والدارمي في «سننه» (١٥٨٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٠٧١) من حديث أبي هريرة، وقد ورد عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة ﵃.
(٢) أخرجه البخاري في «أفعال العباد» (٦٩)، والبيهقي في «الشعب» (٥٧٢) عن عمر ﵁، وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥٧٣)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٥٨٤) من حديث جابر ﵁. قال الألباني في «الضعيفة» (٤٩٨٩): ضعيف.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) سبق تخريجه، وهو موضوع.
[ ٥٨٥ ]
رآني هرب مني، فقلت: رحمك الله، إنسيٌّ يهرب من إنسي؟ قال: وهل البلاء إلا معكم؟ التزين والرياء والتصنع، إني لفي هذا الجبل ما شاء الله، تمر بي السباع فلا أجد لها وحشةً في قلبي، وإني لأشد أُنْسًا بها من أنسي بكم، إنكم قوم مَلَأَتِ الدنيا قلوبكم؛ فمالت أبدانكم إليها، واستأنستم بها، فأنتم تستوحشون عند فَقْدِ أهلها، وأنتم مع انقطاعكم إليها لا يطيب لكم عيشٌ معها، إن دخلت عليكم أتعبتكم، وإن انصرفت عنكم أحزنتكم، فهلموا يا أبناء الشقاء وعبيد الدنيا إلى الراحة من رِقِّ الهوى، والتنعم بخدمة المولى (^١).
قيل لرابعة: بم نلتي هذه المنزلة؟ قالت: بتركي ما لا يعنيني، وبأنسي بمن لم يزل (^٢).
اللَّهم اجعلنا من المنقطعين إليك، ومن الدائمين بين يديك، ومن المستسلمين لقضائك، ولا تجعلنا من المتعرِّضين عليك.
اعلم رحمك الله أن الداخل مع الناس لا يسلم من إحدى وجهين: إما يخوض معهم إذا خاضوا في الباطل، أو يسكت (^٣) إذا رأى منهم منكرًا فيأثم، أو يمدحوه فيعينوا نفسه عليه، أو يغتابوا عنده أحدًا فيذهب الله بحسناته؛ لأن المستمع شريك القائل في خير سمعه منهم أو شر.
قال بعضهم: مررت بالفضيل بن عياض في بيت الله الحرام عند سارية وحده وكان صديقي فجلست وسلمت عليه، فقال: ما جاء بك؟ فقلت له: اغتممت لوحدتك. فقال: اخْتَرْ إما أقوم عنك أو تقوم عني. فقلت له: أوصني. فقال: أخْفِ مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر الله لذنبك (^٤).
وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله ﵁: اجتمع الخير كله
_________________
(١) لم أجده.
(٢) لم أجده.
(٣) في (خ، ب): سكت.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العزلة والإنفراد» (٧٢)، وفي «التواضع والخمول» (٦٨).
[ ٥٨٦ ]
في هذه الأربع خصال، وبها صارَ الأبدالُ أبدالًا: إخماص (^١) البطن، والصمت، وسهر الليل، واعتزال الخلق (^٢).
ودخل رجل على شعيب فقال له: ما جاء بك رحمك الله؟ قال: جئت أؤانسك. قال: تؤانسني ولي أعالج الوحدة أربعين سنة (^٣).
اعلم رحمك الله تعالى أنك خرجت إلى الدنيا وحدك، وستدخل القبر وحدك، وستقوم يوم القيامة وحدك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥].
فعلم نفسك الوحدة والانفراد، واعمل ليوم المعاد، قال الله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، فمن ضيَّق على نفسه في الدنيا؛ وَسَّعَ الله عليه في الآخرة.
قال أبو مسلم الخولاني: كان الناس ورقًا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه (^٤).
وقال الفضيل: إذا رأيت السبع فلا يهولك، وإذا رأيت ابن آدم ففر منه (^٥).
دخل رجل من أهل العزلة على أخٍ له، فوجد عنده جماعة قد اجتمعوا حوله، فوقف ولم يقعد، ثم نظر إلى أخيه المزار وقال له: صرت مناخًا للبطالين. ثم ذهب (^٦).
_________________
(١) إخماص البطن: إجاعتها. «لسان العرب» مادة: خمص.
(٢) ذكره التستري في «تفسيره» ١/ ٢١٨، وأبو طالب المكي في «قوت القلوب» ١/ ١٧٤.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العزلة والإنفراد» (٥٥)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٣٧٢).
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٢٣، ٣/ ١٦١، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٧/ ٢٢٨ عن أبي مسلم الخولاني. وأخرجه ابن أبي الدنيا في «مداراة الناس» (١٣)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ١٧٨، وأبو طالب في «قوت القلوب» ٢/ ٣١٩ عن أبي الدرداء.
(٥) أخرجه البيهقي في «الزهد» (١٥٢)، والخطابي في «العزلة» ١/ ١٤٦، وابن عساكر في «تاريخه» ٤٨/ ٤٠٩.
(٦) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ١١٨.
[ ٥٨٧ ]
قال بعض الحكماء: إذا ألف الزاهد أبناء الدنيا انقطعت عروته، فإن نال من دنياهم شيئًا انحلت عقدته، فإن تمتع بها ضلَّ (^١).
وكان بعضهم يقول: ارحموا فقيرًا أفسدت معدته طعام الأغنياء (^٢).
قال جعفر بن حميل: صحبت الناس خمسين سنة فلم أجد فيهم من ستر عورتي، ولا وصلني حين قطعته، ولا آمنه إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق (^٣).
قال المؤلف: من اشتغل بكريم فهو كريم، ومن اشتغل بمهان فهو مهان، وإذا أراد الله بعبد خيرًا شغله به، وإن لم يرد به خيرًا شغله بغيره.
وكان بعض الصالحين ينشد هذه الأبيات:
أتوب إلى الذي أضحى وأمسى … وقلبي يتقيه ويرتجيه
تشاغل كل مخلوق بشغل … وشغلي في محبته وفيه
قيل للحسن البصري: هنا رجل لم ير جالسًا قط مع الناس. ودلوه عليه، فقال له الحسن: يا عبد الله، أراك قد أحببت العزلة واجتناب الناس. قال: أمرٌ شغلني عنهم. (فقال له: فما يمنعك أن تأتي الحسن فتسمع منه؟ قال: أمر شغلني عنهم) (^٤). قال له الحسن: وما هو يرحمك الله؟ فقال: إني أصبح وأمسي في نعمة وذنب، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بشكر الله تعالى على النعمة والاستغفار من الذنب. فقال له: يا عبد الله، أنت عندي أفقه من الحسن، الزم ما أنت عليه (^٥).
وقيل: لما قدم ابن المبارك المصيصة سأل عن محمد بن يوسف فلم يعرف أحد مكانه، فبكى ابن المبارك وقال: هذا والله من فضله أن لا يعرف
_________________
(١) لم أجده.
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه الخطابي في «العزلة» (١٤٦).
(٤) ليست في (ق).
(٥) ذكره الغزالي في الإحياء ٢/ ٢٢٧.
[ ٥٨٨ ]
ببلد هو فيه (^١).
يحكى عن بعض الخلفاء قال لفقير: إني أحبك، وأقسم عليه أن يتردد في بعض الأوقات إليه. وأمر الخليفة البوابين أن لا يرد الشيخ أحدٌ، فدخل الشيخ يومًا فلما أحست سريَّة الخليفة به هربت، وتركت طبقًا فيه جواهر ولؤلؤ كانت تنظمهم، فجاء الطاووس فالتقطهم (^٢)، فلما ذهب الشيخ خرجت السرية فلم تجد في الطبق شيئًا، فتحيرت، إن قالت أخذهم (^٣) الشيخ لم تصدَّق، ولم يدخل أحدٌ غير الشيخ، فحملت على قلبها ومرضت، فقال لها الخليفة: ما سبب مرضك؟ قالت: لما كنت أنظم اللؤلؤ والجواهر والفصوص دخل الشيخ ففررت من بين يديه، وتركت الطبق، فلما ذهب الشيخ خرجت فلم أجد في الطبق شيئًا، فهذا سبب مرضي. فطلب الخليفة الطبيب، وقال: انظر إلى مرضها وإلى ما يوافقها. فقال الطبيب: مرضها في قلبها، اذبحوا لها طاووسًا واشووا قلبه وأطعموه لها تصيب العافية إن شاء الله تعالى. فأمر الخليفة بذبح الطاووس الذي التقط اللؤلؤ، فذبحوه، فخرج الجميع من حوصلته، فاستحيا الخليفة من الشيخ لما خالط قلبه من الشك.
وكان الشيخ قد علم أنهم شكوا، هل أخذ جواهرهم الشيخ أم لا؟ فطلب الخليفة الشيخ واعتذر، وقال: اجعلني في حلٍّ. فقال الشيخ: والله لا أحاللك حتى تحلف لي أن لا تخالفني في جميع ما آمرك به. فحلف له بالأيمان المغلظة أن مهما قاله الشيخ لا يخالفه. فقال الشيخ: ائتني بحمار، وأْمر المشاعلية بأن يركبوني عليه مقلوبًا، ويجعلوا على وجهي الدقيق،
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٢٦، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٦٦٤) عن عبد الله بن المبارك: قلت لابن إدريس: أريد الثغر فدلني على أفضل رجل به. فقال: عليك بمحمد بن يوسف الأصبهاني. فقلت: فأين يسكن؟ قال: المصيصة، ويأتي السواحل. فقدم عبد الله بن المبارك المصيصة فسأل عنه فلم يعرف، فقال ابن المبارك: من فضلك لا تعرف.
(٢) في (ط): فالتقطها.
(٣) في (ط): أخذها.
[ ٥٨٩ ]
ويدوروا بي في أسواق المدينة وأزقتها، ويضربوني بالدرة ويقولون: هذا جزاء فقير يصحب أبناء الدنيا. فأمر الخليفة بذلك وشقَّ عليه، ولولا الأيمان المغلظة ما فعل (^١).
وقيل لإبراهيم بن أدهم: لم لا تصحب الناس؟ قال: إن صحبت من هو دوني آذاني بجهله، وإن صحبت من هو فوقي تخيَّر (^٢) عليَّ، وإن صحبت من هو مثلي حسدني، فاشتغلت بمن لا في صحبته ملالة، ولا في أنسه وحشة، ولا في وصله انقطاع (^٣).
قال المؤلف عفا الله عنه وعن جميع المسلمين: إن في زيارة الصالحين، وصحبتهم، والاشتغال بخدمتهم خيرًا، فقد سمعت من بعض العلماء أنه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى، إذا رأيت لي طالبًا، فكن له خادمًا (^٤)، وسمعت من بعض الأولياء وكان قد بلغ من العمر أكثر من مئة وأربعين سنة أنه قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، من خدمني فله الجنة، ومن خدم أوليائي فله أنا (^٥).
فمن خدم خُدِم، ومن تهاون ندم، فقد علمت أن الاشتغال بخدمة الأولياء أجرٌ عظيم وخير جسيم، والاشتغال بالله وخدمته أفضل وأخير (^٦).
كان بعضهم ينشد هذه الأبيات:
أجللت قدرك إن خدمت جليلًا … ولك الجمال إذا طلبت جليلا
لا تغترر بغرور دنيا زخرفت … لخليلها حتى تراه قتيلا
إن الذين تيقظوا لمعادهم … صبروا على جد المسير قليلا
_________________
(١) لم أجده.
(٢) في (ط): تفضل بخير.
(٣) لم أجده.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ١٩٤، والبيهقي في «الشعب» (٩٩٥٥).
(٥) لم أجده.
(٦) في (ق، ب): خير.
[ ٥٩٠ ]
فتعجلوا عيشًا هنيئًا طيبًا … وتبوءوا دار السلام مقيلا
طرق الفضيل بن عياض الباب على داود الطائي، قال: من؟ قال: أخوك الفضيل جئت لزيارتك. فلم يفتح له الباب، وقال: تؤخر الزيارة للآخرة، طاعة الرحمن أحب إليّ من زيارة الإخوان، فصار داود يبكي من داخل، والفضيل يبكي من خارج (^١).
انظر رحمك الله! إلى أولياء الله تعالى كيف آنَسَهم به حتى استوحشوا من غيره، فمن انتسب إليهم أو إلى العلماء ثم أكثر التردد إلى الأغنياء والأمراء فقد رضي بالدنيا، وما نال منهم وطرًا.
صحب صوفيٌّ بعض الأمراء وانجمع عليه، فعرضت للصوفي حاجة ضرورية، فسأل الله أن يقضي حاجته، فسمع قائلًا يقول له: اطلب حاجتك من: ﴿إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] (^٢).
فمن انتسب إلى العلماء والأولياء، وعلى هذه الآفات أقام، كمن قال: ربي الله وما استقام. ونسأل الله تعالى الاستقامة والأمن من فزع يوم القيامة.
قال أميرٌ لفقير يعرفه: ما يمنعك من المجيء إليَّ؟ قال الفقير: أنتم دنياكم تمنعكم من المجيء إلينا، ونحن آخرتنا تمنعنا من الرواح إليكم.
والذي بلغنا عن ساداتنا أن أحدهم كان يفر من الملوك والأمراء كما يفر الرجل من الأسد، ولا ينظرون إليهم ولا لأبنيتهم، وربما صادف أحدهم أميرًا فيحول وجهه إلى الحائط؛ خوفًا على قلبه أن يتمتع بالنظر إليه فيبتلى بالعمى، وهؤلاء القوم كانت لهم قلوب منورة، خافوا عليها من العمى، ومن أعمى الله تعالى قلبه فمن أي شيء يخاف؟! وإذا دخل أحد من العلماء أو الفقراء على الأمير ولم ينهه عن كل بدعة رآها فقد خرج عن طريق سيد المرسلين، والخلفاء الراشدين، والعلماء الموحدين، فيدخل بدينه ويخرج
_________________
(١) لم أجده.
(٢) لم أجده.
[ ٥٩١ ]
بغير دين (^١)؛ لأنه ترك واجبًا، ورضي بالفاحشة، ومن رضي بالفاحشة كمن فعلها، ويقع سكوته تزكيةً لعملهم ولضلالتهم، وطلبًا لرضاهم، وتعظيمًا لدنياهم، ومن عظَّم حقيرًا فهو حقير عند الله تعالى.
قال الفضيل: لو أن رجلًا لا يأتي هؤلاء يعني السلطان ولا يزيد على الفرائض، هو أفضل من رجلٍ يخالط السلطان ويصوم النهار ويقوم الليل (^٢).
وفي الخبر: «العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان ويدخلوا في الدنيا، فإذا فعلوا ذلك ودخلوا في الدنيا فقد خانوا الرسل عند ذلك؛ فاعتزِلوهم واحذروهم» (^٣).
قال الشيخ أبو العبَّاس رحمة الله عليه: ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق (^٤).
فاعلم رحمك الله أن رفع الهمة عن الخلق هو ميزان الفقراء، وأحوال الرجال، وكما توزن الذوات كذلك توزن الأحوال والصفات: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] فيظهر الصادق بصدقه، والمدعي بكذبه ومَذْقه (^٥). ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقد ابتلى الله تعالى بحكمته الفقراء الذين ليسوا بصادقين، بإظهار ما أخفوا من الرغبة وأسرُّوا من الشهوة، فطرحوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم، موافقين لهم على
_________________
(١) في (ط): دينه.
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ٢٦٢، وذكره الديلمي في «مسند الفردوس» ٣/ ٧٥، والغزالي في «الإحياء» ٢/ ١٤٢، وإسماعيل حقي في «روح البيان» ٤/ ١٢٥ من حديث أنس، قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله. وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٦٧٠): ضعيف.
(٤) ذكره ابن عجيبة الإدريسي في البحر المديد ٨/ ٧٥، وإسماعيل حقي في روح البيان ٩/ ٣٧٤.
(٥) رجل مَذَّاقٌ: كَذُوب. «لسان العرب» مادة: مذق.
[ ٥٩٢ ]
مأربهم، مدفوعين على أبوابهم، فترى أحدهم يتزين كما تتزين العروس؛ يجتهدون في إصلاح ظواهرهم، وهم عن إصلاح بواطنهم (^١) غافلون، ولقد وسمهم الحق وسمةً كشف بها عوراتهم، وأظهر أخبارهم، فبعد أن كانت نسبته أن لو صدق مع الله تعالى أن يقال فيه: عبد المولى القدير. فأخرج عن هذه النسبة لعدم صدقه، فصار يقال له: شيخ الأمير. أولئك المبعدون عن باب الله، الصادون العباد عن صحبة أولياء الله بما يشهده العموم منهم، يظنون ذلك على كل منتسب إلى الله تعالى، فهم حجُب أهل التحقيق، وبعداء من الخير والتوفيق، ألسنتهم منطلقة بالدعوى، وقلوبهم خالية من التقوى، ألم يسمعوا قول المولى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] أترى إذا سأل الصادقين أيترك المدعين أو الكاذبين بغير سؤال؟! فقد أظهروا زي الأولياء والمقبلين، وأفعالهم أفعال المعرضين، فظواهرهم صالحة، ولم يشموا للخير (^٢) رائحة، وأنشد بعضهم (^٣):
أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها
لا والذي حجَّت قريش بيته … مستقبلين الركن من بطحائها
ما أبصرت عيني خيام قبيلةٍ … إلا بكيت أحبتي بفنائها (^٤)
ثم اعلم بأنك لا تقدر في هذا الزمان على الأمر بالمعروف وقيام الحق، ولا تهون نفسك عليك بالضرب أو السب أو الحبس، فلا تتهم نفسك على منزلة لا تقدر عليها.
فإن قيل: لا بد لنا من الاجتماع بالناس للبيع والشراء، وما يُحتاج إليه من الأسباب؛ نعم، لكن تدخل معهم مشمرًا عن ساعديك، كما تدخل في الوادي الكثير الحيات، وقل: ربِّ سلِّم، ربِّ سلِّم. واسمع قوله تعالى:
_________________
(١) في (خ): سرائرهم.
(٢) في (خ، ب): للفقر.
(٣) في (خ، ب): كما قيل.
(٤) هذه الفقرة من قوله: (فاعلم رحمك الله …) إلى هنا: نقلها المؤلف من «التنوير في إسقاط التدبير» لشيخه ابن عطاء الله.
[ ٥٩٣ ]
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله ﷺ: «إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوىً متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخويصة نفسك» (^١).
وقال الفضيل لرجل: لأعلمنك كلمة [هي] خير من الدنيا وما فيها، والله لئن علم الله منك إخراج الآدميين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره لم تسأله شيئًا إلا أعطاك (^٢).
وقال: ما يؤمِّنك أن تكون بارزت الله ﷿ بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة، وأنت تضحك، كيف ترى يكون حالك؟ (^٣)
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي فيما يحكيه عن أستاذه رحمة الله عليهما: الله، الله، والناس، الناس، نزَّه لسانك عن (^٤) ذكرهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح، وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عندك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تم ورعك، وقل: اللَّهم أرحني من ذكرهم، ومن العوارض من قبلهم، ونجني من شرهم، وأغنني بخيرك عن خيرهم، وتولني بالخصوصية من بينهم، إنك على كل شيء قدير.
وقال أيضًا: أوصاني حبيبي: لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبًا من معصية الله، ولا تجالس إلا من تستعين به على طاعة الله، ولا تصطفِ لنفسك إلا من تزداد به يقينًا بالله، وقليلٌ ما هم (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» ٤٨/ ٤٠٣، وذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٢/ ٢٤١.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٥٤، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢١٨)، و«ذم الهوى» ١/ ٢١١.
(٤) في (خ، ب): من.
(٥) ذكره ابن عجيبة في «إيقاظ الهمم» ٥٨.
[ ٥٩٤ ]
وقال ﵁: مَنْ لم يذق الأنس مع الله، إذا أعرض عنه من ينفع؛ أشد من ذوقه إذا أقبلوا عليه؛ فليس معه من الأنس بالله لا قليل ولا كثير.
ثم اعلم أن مَنْ علم قُرب رحيله سعى في تحصيل الزاد خوفًا من مشقة الطريق، ومن الفضيحة في يوم المعاد، فشغله ذلك عما تقدم ذكره، وعن العباد.
يا هذا، لو أحبك الحق سبحانه لجمعك عليه، ولحبب لك الطريق الذي (^١) يوصلك إليه؛ لأن الله تعالى لا يدع من يحبه لغيره، ألم تسمع قوله ﷺ: «يقول الله ﷿: يا جبريل أنم فلانًا وأقم فلانًا» (^٢). فمن أحبك نبهك، وإذا أبغضك قال: دعوه نائمًا.
ثم اعلم بأن الله تعالى انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، ومن لم تفتح له المنازل رضي بالمزابل.
وقف بعض الصالحين يصلي ورده بالليل، فلم يسمع حسَّ أحد، فقال: يا رب ما أقل الواقفين ببابك. فسمع قائلًا يقول: ليس ذلك من قلة الأحباب، ولكن ليس كل أحد يصلح للباب (^٣).
وقالوا في هذا المعنى:
قل لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا
لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا
_________________
(١) في (ق): التي.
(٢) لم أجده.
(٣) لم أجده.
[ ٥٩٥ ]