الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الأمين، بعثه رحمةً للعالمين، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجَّة البيضاء والحقِّ المبين، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذا كتاب «اللُّمع في الحوادث والبدع» لإدريسَ بنِ بَيْدَكِينَ التركمانيِّ: رجلٍ صادقٍ ناصحٍ، قد هداه الله تعالى إلى الحقِّ والهدى، وحبَّب إليه العلم الشريف، فتعلَّم اللغة العربية، وقرأ القرآن الكريم، وتفقَّه في السُّنن، وَجَدَّ في طلب العلم فحصَّل قدرًا صالحًا منه، وقرأ في سير الصالحين فتأثر بأخبارهم، وحرص على سلوك سننهم وآثارهم، فبادر إلى الأعمال الصالحة، وأعدَّ العُدَّة للدار الآخرة، ولازم الأشياخ من أهل العلم والتديُّن والصَّلاح فانتفع بصحبتهم، وسَمَتْ نفسُه الشريفةُ العالية إلى اللحاق بركبهم، فشارك في التعليم والدعوة، ونهض بما قدر عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وخلال سنوات طويلة من التنقل في الحواضر الإسلامية في بلاد الشام ومصر، والمجاورة في مكَّة المباركة؛ اطَّلع ابن بَيْدَكِينَ على الأحوال الدينية والاجتماعية، فآلمه ما وجد فيها من البدع والمنكرات والمخالفات في العبادة والمعاملة والسلوك، وأدرك
[ ٥ ]
الفارق الكبير بين ما كان عليه المجتمع الإسلامي في صدره الأول من الاستقامة على هدي الكتاب والسنة والاجتماع عليهما، وما آلتْ إليه حالُ الأمة من ظهور البدع والمعاصي وتفرُّق أهلها جماعات متنافرة متدابرة، مع فساد أهل السلطة والقوة، وسكوت كثيرٍ مِنْ أهل العلم والحجة، فانبرى بحماسة المتديِّن، وتجرُّد النَّاصح، وحُرقة المشفِق لتأليف هذا الكتاب في الدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة، والسير على نهج السابقين من السلف الصالح الطيِّب، ونبذ البدع والمعاصي والمنكرات، والإنكار على أهلها والداعين إليها، والتحذير من حالهم ومآلهم.
نحن بين يدي رجلٍ قد غلبتْ عليه الشَّفقةُ والرِّقَّةُ والرَّحمةُ والتواضعُ (^١). إنه عارفٌ بقدره، فليس هو من العلماء، لكنَّه طالبُ علمٍ، عاملٌ بعِلْمه، مستفيدٌ في نفسه، مفيدٌ لغيره خاصةً من طبقة العامة الذين لا يجدون من يرشدهم ويعلِّمهم، وإذا حضروا مجالس العلماء حضروها للبركة؛ لأنهم لا ينتفعون بأكثرها، فما يذكرونه من مصطلحات العلم والخلاف فيه ليس بالنسبة لهم إلا مغاليق غير مفهومة!
نجد التركمانيَّ قد أضاف إلى كتابه مقدمة قصيرة عبَّر فيها عمَّا أشرتُ إليه من حاله، مبيِّنًا سببَ التأليف، وغرضَه منه؛ فقال: «سألني بعض الأصحاب أنْ أذكر له شيئًا من البدع المحدَثة، الخارجة عن طريق المسلمين، المخالفة للسُّنة والكتاب، فأجبته إلى ذلك، وسألت الله تعالى الكريم الوهَّاب الذي يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب أنْ يهديني إلى الحق والرُّشد والصَّواب، وأنْ يجعله خالصًا لوجهه الكريم ليحصل به النَّفع والخير والثَّواب، وعليه توكلت وإليه المرجع والمآب، وسميتُه كتابَ: «اللُّمع في الحوادث والبدع». غفر الله تعالى لقارئه ولمؤلفه، ولمن نظر فيه، وللسامعين، ولمن سدَّ خللًا وُجِد فيه إن اطلع، وكشَط شيئًا قاله المؤلفُ فخرَجَ بقوله عن الكتاب والسنة ووقع؛ لأنَّ المؤلف قليل العلم، كثير الجهل، غافل عن أهوال يوم المُطَّلَع».
_________________
(١) وإن كان يقسو أحيانًا في بعض عباراته وأحكامه.
[ ٦ ]
ثم نجده يقول في مقدمته الثانية: «بدأت فيه وأنا نزيل مكة … وكنت وقت أن بدأت فيه ضعيفًا من جميع الجهات: من جهة البدن، ومن جهة العلم والعمل، والعربية، وبُعد الذهن، وقلة الكتب في هذا الفن، وما يرادفها من الأحاديث النبوية. وقد قلت بعض الأحاديث والحكايات بالمعنى، وقد جوَّز ذلك بعض العلماء، وفيه تيسير لمن قد حلَّ بقلبه الغفلة والعمى ..».
ومن هنا فلا عجب أن نجد في الكتاب خللًا في لغته الأدبية، وضعفًا في مادته العلمية، وأحاديث وأخبارًا لا تصحُّ، ومصطلحات صوفية منبوذة؛ فتلك هي منتهى علم ابن بَيْدَكِينَ، وهو محكوم فيه بالنشأة والبيئة والثقافة العامة لمجتمعه الذي غلب عليه أسلوب القصص والأخبار والترهيب والترغيب من غير تثبُّتٍ ولا تمحيصٍ، وحسب التركمانيِّ أنه بذل جهده ناصحًا مخلصًا، فبيَّن كثيرًا من البدع، وحذَّر من كثير من المعاصي والمنكرات، ورصد جانبًا كبيرًا من أحوال مجتمعه، ليسجلها بدقَّة وأمانة، أما ما كان في كتابه من جوانب النقص؛ فقد حرصنا على تقويمها من خلال تخريج الأحاديث وبيان مراتبها من الصحة والضعف، والتعليق على كثير من المسائل، فجاء الكتاب في صورة حسنةٍ؛ إن شاء الله تعالى، وبقيت أشياءُ للمستدرك والمتعقِّب، والتوفيق من الله تعالى وحده.
* * *
إنَّ هذا العمل العلميَّ ثمرةُ تعاون نبيلٍ في خدمة التراث الإسلامي، فقد كنتُ أحرص منذ سنوات على إخراج هذا الكتاب ويحول انشغالي بمشروع تحقيق تراث ابن حزم دون ذلك، فرأيتُ أن أُسند العملَ في تحقيقه إلى الإخوة الأفاضل في دار الكوثر للتراث بمصر المحروسة، فأنجزوا ما يلزم من مقابلة المخطوطات، وضبط النصِّ، وتخريج الأحاديث، ثم أجريتُ مراجعة دقيقة لعملهم فصحَّحتُ واستدركت وقوَّمتُ، وأضفتُ جملةً من التعليقات ختمتها بحرف (ت)، وكتبتُ مقدِّمةً في ترجمة المؤلف والتعريف بكتابه.
[ ٧ ]
ولعلَّ مثل هذا العمل يكون نموذجًا يقتدي به من استحكمتْ فيهم شهوةُ نشر الكتب من منتحلي صنعة التحقيق؛ فيتَّقون الله ﷿ فيمن تحتَ أيديهم من طلبة العلم الذين يعملون لهم في نسخ المخطوطات ومقابلتها وتخريجها وتوثيقها والتعليق عليها، فينسبُ أولئك كلَّ هذه الأعمال إلى أنفسهم، متشبِّعين بما لم يعطوا، وهم يقرؤون في تلك الكتب التي يخرجونها للنَّاس آياتِ ترهيبٍ وزجرٍ تنخلع منها القلوبُ الحيَّةُ؛ كقول الله ﷿: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦].
وبعد الانتهاء من عملنا في تصحيح الكتاب وفهرسته؛ وقفتُ على رسالة جامعية للدكتورة أسماء بنت داود العلواني في تحقيق قطعة من كتاب «اللمع» مع مقدمة دراسية، تقدَّمت بها إلى جامعة أم القرى بمكَّة المعظَّمة، سنة (١٤٣١)، وتقع الأطروحةُ في (٦٥٩) صفحة: (١٦٠) صفحة للدراسة، و(٣٢٤) صفحة للنصِّ المحقَّق، وهو من أول الكتاب إلى آخر فصل: (فيما يبتدع في المساجد والجوامع مما يفعله الكبراء …)، وهو إلى صفحة (٢٨٠) من طبعتنا هذه، وبعده (٦٩) صفحة ملحق دراسة الأسانيد (^١)، وبقية الصفحات للفهارس والمصادر.
لقد جوَّدت الباحثةُ الفاضلة عملها في الدراسة والتحقيق، وأحسنت في ضبط النصِّ والتعليق عليه، وبذلت في ذلك جهدًا ظاهرًا موفَّقًا مشكورًا جزاها الله خيرًا، وسدَّد قولها وعملها، وليتها أتمَّت تحقيق الكتاب بتلك الرتبة؛ إذن لقدَّمت خدمةً جليلةً لهذا الأثر النفيس. ولا يُنقص من عملها ما يَرِدُ عليه من النَّقد، فليس من شرط الباحث أن لا يخطأَ، ولكن من شرطه أن يُخلص ويتقن ويبذل غاية جهده في التحقيق والتدقيق، بخلاف من خان
_________________
(١) لا أدري كيف قبلت جهة الإشراف على البحث أن تقوم الطالبة بإفراد بعض أحاديث الكتاب بدراسة موسَّعة؛ رغم أنَّ ذلك خارج عن تخصُّصها وموضوع بحثها، كما أن الكتاب لا يحتوي على أحاديث مسندة أصلًا، وإنما أرادت بذلك تخريجها.
[ ٨ ]
أمانة العلم، مثل هدَّام السنة الذي أبلغتُ في التشنيع عليه في مقدمتي لكتاب: «حجة الوداع»؛ فهو يستحقُّ ذلك وزيادة.
جرت الباحثةُ على سنن من قبلها من طلاب الدراسات العليا في عالمنا العربي في كيل المديح والثناء على الكتاب الذي يحقِّقونه وعلى مؤلفه، والمهابة من إخضاعه للنقد والفحص والتحليل، ولعل البيئة التعليمية العامة هي التي تدفعهم إلى ذلك، فيتخرَّج طلاب ليس عندهم قلقٌ ولا وسوسةٌ علمية، لا يحسنون إيجاد المشكلات ولا معالجتها، لهذا فليس من عجبٍ أن نجد الباحثةَ تصف ابنَ بَيْدَكِينَ بالعالم، والعلامة، والإمام، ومن أعلام القرن الثامن الهجري. وكل هذه العبارات مبالغة ومجازفة، فصاحبنا لا يعدو أن يكون طالب علمٍ غير متعمِّق فيه، لكنْ تميِّزُه حماسةٌ دينيةٌ، وحرصٌ وجدٌّ واجتهادٌ مكَّنه من تأليف هذا الكتاب (^١). وقد سجَّلت الباحثةُ على استحياءٍ جملةً من ملاحظاتها النقدية على الكتاب، بما يتلخَّص في الأخطاء في بعض الأحاديث والآثار، وفي عزوها وتوثيقها، وبعض الأخطاء النحويَّة، والإكثار من استخدام الأسلوب الوعظي في ثنايا العرض والرد على البدع التي يسوقها المؤلف، وتقطيع سياق المسائل بالقصص والحكايات، وإطلاق عبارات كان الأولى بالمؤلف ﵀ استعمال غيرها، كقوله عن يوسف الصديق ﵊: «لما طمع في اللعب صار أمره إلى العبودية والبئر والسجن»، وتخصيص علي بن أبي طالب ﵁ بعبارة: «كرم الله وجهه»، وبعض الألفاظ والأحكام القاسية التي يطلقها على بعض العصاة والمبتدعة، كقوله عن رجل كتب على يده آية الكرسي: «إنه إذا مسَّ موضع الآية من يده وهو جنب فإنه يفسق ويكون ملعونًا»، وقوله عن الحائض إذا مكثت في المسجد إنها: «فاجرة، فإن استحلت ذلك كفرت وخسرت الدنيا والآخرة». ووجود عدد من الأحاديث الضعيفة أحيانًا، والموضوعة نادرًا، وأن المؤلف لم يلتزم باصطلاح
_________________
(١) وأعرفُ في زماننا هذا عاميًّا، لا يحسن قراءة سطرين على الجادَّة، قد ألف بعض الكتب بجمع مادَّتها من الرسائل الجامعية، وبذل في ذلك جهده سنين طويلة، وأفلح بعد إلحاح في استكتاب جماعة من العلماء لتقريظ كتبه، والجنون فنونٌ! ومثله لا يبلغ في العلم مدَّ ابن بيدكين ولا نصيفه.
[ ٩ ]
المحدثين في تصدير الأحاديث الضعيفة دون الصحيحة بألفاظ التمريض، وتكلُّفه السجع في بعض المواضع.
وذكرت الباحثةُ ملاحظةً أخرى مهمةً، لكنها لم تقف عندها، وهي: «إدخال عدد من المعاصي التي ليست ببدع في الكتاب، وتسميتها بدعًا». والحقيقة أن هذا خلل أساسيٌّ في منهجية التأليف، ولا يقف الأمرُ عند «عدد» ولا «بعض» التي أصرت الباحثة على استخدامها خلال الملاحظات السابقة، بل الأمر أعظم من ذلك، فالكتاب في عمومه في المعاصي والمنكرات، أما البدع بالمعيار الأصوليِّ الدقيق فقليلةٌ، والمؤلف لا يحقِّقُ الحدَّ بين البدعة والمعصية، ذلك لأنَّه يتناول المخالفات في المجتمع الإسلامي برؤية دينيةٍ، وعظيةٍ، إصلاحيةٍ، لهذا فهو يحكم على كل معصية ومنكر لم يكن ظاهرًا في المجتمع الإسلامي الأول، ولا هو من سلوك الصالحين الأتقياء البررة بأنَّها بدعةٌ. فمما ذكره التركمانيُّ بوصف البدعة: تعذيب الطير، وتخطي رقاب المصلين، والمرور بين يدي المصلي، ونقر الصلاة، والكلام في وقت الجمعة. وهذه أمثلة أشارت إليها الباحثةُ، وثمة أمثلة أخرى كثيرة جدًّا، منها: حلق اللحية، والوشْم والوصْل، ولطم الخدود وشق الجيوب، وثقب الأُذن والإحليل ولبس الحديد، ولعب الشطرنج، وقبول شهادة الكافر والفاسق ورد شهادة المؤمن، والشفاعة بغير حقٍّ، والظلم في الوصية، ومنكرات رماة البندق وأهل الصيد، والبيع في المسجد وتخطي رقاب المصلين، ومكث المرأة في المسجد الحرام، وترك النكاح مع القدرة، ومنكرات الأعراس والأفراح والولائم والموائد والمزح، والضحك في المقابر، وترك السلام والمصافحة، والشبع الزائد، وقطع الخبز بالسكين، والتكبُّر المذموم، ولبس الذهب والحرير، وعدم الغيرة والتبرج والاختلاط، وغير ذلك (^١).
_________________
(١) راجع في كتابنا هذا: ٣٥، ١٢٩، ١٣١، ١٧٠، ٢١١، ٢٥١، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٧٢، ٢٨٤، ٣٢١، ٣٢٨، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٤٠، ٣٧٤، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٨، ٣٩٠، ٤٦١، ٤٨٠، ٥٢٠، ٦١٨، ٦٢٦، ٦٨٣، ومواضع أخرى.
[ ١٠ ]
لقد ارتبط ابن بَيْدَكِينَ بصورة المجتمع الإسلامي في القرون الأولى التي شهد لها النبيُّ ﷺ بالخيرية، فوجد في سنة النبي ﷺ، ثم في سير أصحابه الكرام وأئمة الدين والصالحين من بعدهم؛ الأسوةَ والقدوةَ والنموذجَ الذي ينبغي الاقتداءُ به، وإحياءُ آثاره ومآثره، لكنَّه كلَّما التفتَ إلى واقع المجتمع من حوله أصيب بالصَّدمة والذُّهول والخيبة، فقد كثرت المنكراتُ، وظهرت المعاصي، وعمَّ الجهلُ والظلم؛ إلا ما شاء ربُّك، فلا غروَ إذن أن يحكم التركمانيُّ على تلك المعاصي والمنكرات بأنَّها: «بدع»، نعم؛ إنها «بدع» بمعنى أنها دخيلةٌ على أخلاقيات المجتمع المسلم وسلوكه، حادثةٌ فيه بعد أن لم تكن، فهي بدع بالمنظور الأخلاقي والتاريخي والاجتماعي، وإن لم تكن بدعًا وفق التأصيل الأصولي، والتخريج الفقهي.
لن نعدم في الآثار السلفية إطلاق لفظ «البدعة» على بعض المنكرات الطارئة على سلوك الجماعة المسلمة، فقد كتب الخليفةُ الصالح عمرُ بن عبد العزيز ﵀ إلى عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وكان لعَّابًا متنعِّمًا (^١) يُنكر عليه بعضَ فعاله، فكان ممَّا كتبه إليه قولُه: «وإظهارُك المعازفَ والمزمارَ: بدعةٌ في الإسلام» (^٢). ومهما يكن فإنَّ اطلاق لفظ «البدعة» على المنكرات والمعاصي بعد تدوين الفقه واستقرار المصطلحات أمر غير مستحسن، وهو في التصنيف خللٌ منهجيٌّ يؤدي إلى الخلط وسوء الفهم.
وصنعت الباحثةُ ترجمةً للمؤلِّف، وأجادت في جمع مادتها من كتابه، وفاتتها موادُّ كثيرة، كما أنها أخطأت في أشياء، منها: أنها لم تستطع التعرف على شيخ المؤلف الذي أكثر في النقل عنه، وهو ابن عطاء الله السكندري، ولم تحدِّد تاريخ تقريظ شيخ الإسلام ابن تيمية لرسالة «الفتوَّة»، وهو خلال المدَّة من شوال (٧٠٩) إلى شوال (٧١٢)، ولم تعرف المقتول
_________________
(١) قاله الذهبيُّ في «تاريخ الإسلام» ٣/ ١٣٣ (١٩٩).
(٢) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (٤٤٢١)، وفي «المجتبى» ٢/ ١٧٨، وصححه الألباني في «تحريم آلات الطرب» ١٢٠.
[ ١١ ]
على الزندقة في القاهرة، وهو ابن البققي. وتابعت الباحثةُ خطأ الباباني في «هدية العارفين» في نسبة كتاب «اللمع» إلى سميٍّ للتركماني متأخر، فدمجت بين اسمي الرجلين ونسبهما، وهو وهم نبَّهتُ عليه في صدر ترجمته.
وأفادتْ بترجمة ابن بيدكين في «الأثمار الجَنِيَّة في أسماء الحنفيَّة» لملا علي بن سلطان القاري (ت: ١٠١٤ هـ)، وهذا نصُّها: «إدريس بن عبد الله التركمانيُّ: له كتاب الفتوَّة قدر كرَّاسٍ ورقٍ صغير، وكتاب السَّماع المضرِّ قدر كرَّاس أيضًا، حرَّم فيه السماع وشدَّده وأطنب في التغليظ، وسمَّاه كتاب: الحجة والبرهان على فتيان هذا الزمان» (^١).
قلتُ: هذا وَهْمٌ من القاري ﵀، فرسالة الفتوَّة هي «الحجة والبرهان …»، واسمها دالٌّ على موضوعها، فليس هو في السَّماع. ولعلَّ القاري هو مصدر الوهم لحاجي خليفة والبغدادي كما سيأتي في ترجمة التركماني.
وأحسنت الباحثةُ في انتقاد الطبعة الأولى والوحيدة للكتاب التي حققها الدكتور صبحي لبيب، وصدر سنة (١٤٠٦ هـ) عن المعهد الألماني للآثار بالقاهرة، وفصَّلت القولَ بذلك بما لم أرَ التعرُّض له في مقدمتي هذه، وختمت انتقادها بمأخذ رأته في غاية الأهمية، وهو: «أن الهدف الذي سعى له كلٌّ من المحقِّق والمعهد الاستشراقي الذي تبنَّى العمل هو إخراج مرجع تاريخي يتحدث عن تاريخ مصر لحقبة من الزمان مضت، ويسلط الضوء على الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في تلك الحقبة، مما يخالف مراد المؤلف ﵀، ويهمِّش كثيرًا من فوائد الكتاب ويسلبها أهميتها، ويخرج بالكتاب عن موضوعه الأصلي الذي يعالج قضاياه، يجلي ذلك ما ورد عن هذا التحقيق في مبدأ تصديره حيث جاء فيه: «يصدر هذا المجلد عن البدع للتركماني ليصبح إضافة جديدة لسلسة: (مصادر تاريخ مصر الإسلامية) التي
_________________
(١) «الأثمار الجنية» الطبعة الهندية، ص: ١٦٦، الترجمة (١١٢)، وطبعة الوقف السني ببغداد (١٤٣٠ هـ)، ص: ٣٥٦، الترجمة: (١١٣)، وليس فيها كلمة «المضر»، و«الفتوة» تحرفت في الهندية إلى: «الفتوى».
[ ١٢ ]
يصدرها المعهد الألماني للآثار بالقاهرة، ومديره الأستاذ الدكتور فيرنر كايزر، ويشرف عليها الأستاذ الدكتور هانز رويمر … ويرجع اهتمام المحقق بموضوع البدع إلى عام (١٩٤٥ م) عندما بدأ بحوثه عن تاريخ الاقتصاد الإسلامي، إذ اتضح له أن دراسة كتب الحيل والعرف والبدع جزء لا يمكن إغفاله عند دراسة شؤون الاقتصاد والمجتمع الإسلاميَّيْن …». ويزيد الأمر توضيحًا ما ذكره مدير المعهد بعد ذلك في تصديره للكتاب حين قال: «حاول المحقق أن يقدِّم صورة واضحة المعالم عن قيمة (كتاب اللمع) كمصدر تاريخي هامٍّ [كذا، والصواب: مهمٍّ] …»، وقال بعد ذلك في ختام التصدير: «وبعد أن انتهت أعمال تحقيق اللمع اتصل بالمستشرق الأستاذ الدكتور رويمر راجيًا نشر التركماني في سلسلة مصادر تاريخ مصر …». ولا شكَّ أن عملًا هذا هدفه الذي بُني عليه ولأجله، ستكون الجهود المبذولة فيه، وبالتالي نتيجته في حدود الهدف وما يتفق معه، فالناحية التاريخية هي المحور الذي يهتمُّ به هذا المعهد، وللمحقق تحقيق آخر لكتاب تاريخي هو كتاب: «دول الإسلام الشريفة»، بالمشاركة مع المستشرق أولريش هارمان».
قال عبد الحق التركماني عفا الله عنه: ما ذكرته الدكتورة أسماء العلواني حقٌّ لا مرية فيه، فالمستشرقون ومن لفَّ لفَّهم، وسار على نهجهم ينظرون إلى الميراث الديني بأنه من نتاج الفكر الإنسانيِّ فحسب، لهذا لا يتدبَّرون ما فيها من الآيات والحجج، ولا تتأثر قلوبهم بما فيها من الحكمة والموعظة، وهَمُّهُم جمع المادة العلمية من مظانِّها وغير مظانِّها، لدراسة الأفكار والظواهر وتحليلها ورصد جوانبها التاريخية والحضارية والاجتماعية والاقتصادية، بعقليَّة مادية لا تقرُّ بالوحي، ولا تدرك آثار ربوبية الله تعالى وملكه وتصرفه وتدبيره في الكون والتاريخ والحياة بمقتضى علمه وحكمته وعدله ورحمته. فليس من عجبٍ أن يُفني المستشرقون أعمارهم في دراسة الإسلام عقيدةً وشريعةً وتاريخًا ثم لا يُسلِمُ أحدٌ منهم إلا القليل النادر جدًّا، ولله في خلقه شؤون.
على أنه إذا كان المستشرقون قد غلو في القراءة التاريخية للتراث
[ ١٣ ]
الديني، فعلينا أن لا نغلو في رفض تلك القراءة بإطلاق، فإنها مفيدة جدًّا في فهم سيرورة التاريخ الإسلامي، والتحولات الدينية والاجتماعية والأخلاقية التي طرأت على المجتمع المسلم، وارتباط ذلك بسنة الله ﷿ في الأمم والمجتمعات والأفراد، حيث كانت الأمة تنعم باجتماع الكلمة والعزِّ والتمكين وظهور الأمر؛ يوم كانت متمسِّكة بكتاب ربها ﷿ وسنة نبيها ﷺ، فلمَّا ضعفتْ صلتها بهذين الأصلين، وظهرت البدع في العقائد والعبادات، وشاعت المعاصي والمنكرات والمظالم في المعاملات والأخلاق؛ ابتلاها ربُّها بالفرقة والضعف وتسلُّط الأعداء وكثرة النوازل والفتن.
وهذه الجملة متقررة عند أهل العلم والإيمان؛ لكن ما أقلَّ الدراسات العلمية الجادة في هذا المجال، أما الكتب الفكرية التي تناولت هذه القضية في العصر الحديث فقد ظلَّت محكومة بنظرية الخلافة والحكم، وكأنَّها أساس لكلِّ خير وإصلاح في الأمة، والحقيقة أنها نتيجة وأثرٌ لإقامة الدين الحقِّ وتحقيق التوحيد والاتباع.
لهذا فنحن في حاجة ماسَّة إلى قراءة إيمانيَّة تاريخية في تراثنا الإسلامي لرصد المخالفات العَقْدِيَّة والشرعية والسلوكية في المجتمع الإسلامي، وربطها بما أحاطتْ به من نوازلَ وحوادثَ، وانتهت إليه من نتائج وأحوال. وإذا كانت مظنَّة المادة العلمية لهذه الدراسة هي كتب التاريخ والتراجم؛ فإنَّ كتبًا في فنون أخرى تحوي مادة أكثر أهمية، وأعمق دلالة، وأدنى إلى خفايا المجتمع الإسلامي، فمنها المصنفات في الحوادث والبدع، وكتب الآداب الشرعية، وكتب الرِّحْلات، وكتب الفتاوى والنوازل. ولكتاب ابن بَيْدَكِينَ أهمية خاصَّة بين هذه الكتب، لما أشرتُ إليه سابقًا من دوافع التأليف لديه، وصلته بمجتمع العامَّة.
يبدو أنَّ بإمكاني أن أجعل هذه الفكرة أكثر وضوحًا من خلال اقتباس نصٍّ قيِّم لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀، استخدم فيه المادةَ التاريخيةَ للعظة والاعتبار وفهم ما آلت إليه أحوالُ المسلمين، حيث قال في رسالته «الفرقان بين الحقٍّ والباطل»:
[ ١٤ ]
«وقد قيل: إن أول من عُرف أنه أظهر في الإسلام التعطيلَ الذي تضمنه قول فرعون هو الجعد بن درهم، فضحَّى به خالد بن عبد الله القَسْرِيُّ (^١)، وقال: أيها الناس! ضَحُّوا! تقبل الله ضحاياكم، إني مضحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عمَّا يقول الجعدُ علوًّا كبيرًا. ثم نزل فذبحه، وشكر له علماءُ المسلمين ما فعله كالحسن البصريِّ، وغيره. وهذا الجعد إليه يُنسب مروانُ بن محمد الجعديُّ، آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرتِ البدعُ التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل وانتصر لهم، ولهذا لما ظهرت الملاحدة الباطنية وملكوا الشام وغيرها ظهر فيها النفاق والزندقة الذي هو باطن أمرهم وهو حقيقة قول فرعون إنكارَ الصانع وإنكار عبادته، وخيار ما كانوا يتظاهرون به الرفضُ، فكان خيارهم وأقربهم إلى الإسلام الرافضةُ، وظهر بسببهم الرفض والإلحاد حتى كان من كان ينزل الشام مثل بني حمدان الغالية ونحوهم متشيِّعين، وكذلك من كان من بني بُوَيْه في المشرق. وكان ابن سينا وأهل بيته من أهل دعوتهم قال: وبسبب ذلك اشتغلتُ في الفلسفة. وكان مبدأ ظهورهم من حين تولِّي المقتدر، ولم يكن بَلَغَ بَعْدُ، وهو مبدأ انحلال الدولة العباسية، ولهذا سُمي حينئذ بأمير المؤمنين الأمويُّ الذي كان بالأندلس، وكان قبل ذلك لا يسمَّى بهذا الاسم ويقول: لا يكون للمسلمين خليفتان. فلمَّا وَلِيَ المقتدرُ، قال: هذا صبيٌّ لا تصحُّ ولايته. فسمِّي بهذا الاسم. وكان بنو عبيد الله القدَّاح الملاحدة يسمَّون بهذا الاسم، لكن هؤلاء كانوا في الباطن ملاحدة زنادقة منافقين، وكان نسبهم باطلًا كدينهم، بخلاف الأموي والعباسي، فإن كلاهما نسبه صحيح، وهم مسلمون كأمثالهم من خلفاء المسلمين.
_________________
(١) من عظماء الأمة وأفذاذها، كان سيفًا مصلَّتًا على الباطنية والشعوبية، ولي مكة سنة (٨٩) للخليفة الوليد بن عبد الملك ﵀، ثم ولاه هشام بن عبد الملك ﵀ العراقَيْن (الكوفة والبصرة) سنة (١٠٥)، فأقام بالكوفة، وطالت مدَّته إلى أن عزله هشام سنة (١٢٠)، قُتل في أيام الوليد بن يزيد سنة (ت: ١٢٦) في قصَّة عجيبةٍ تدلُّ على نبله وشرفه وسؤدده، رحمه الله تعالى.
[ ١٥ ]
فلما ظهر النفاقُ والبدعُ والفجورُ المخالف لدين الرسول سُلِّطتْ عليهم الأعداءُ، فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرةً بعد مرةٍ، وأخذوا الثغور الشامية شيئًا بعد شيءٍ، إلى أن أخذوا بيتَ المقدس في أواخر المئة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشقَ، وكان أهل الشام بأسوإِ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة، إلى أن تولَّى نور الدين الشهيد، وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره، والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوكُ مصر بنو عُبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة، إلى أن أخذت مصر من بني عبيد، أخذَها صلاح الدين يوسف بن شادي، وخطب بها لبني العباس، فمن حينئذٍ ظهر الإسلام بمصر، بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدِّين عن دين الإسلام مئتَي سنة.
فكان الإيمانُ بالرسول والجهاد عن دينه سببًا لخير الدنيا والآخرة، وبالعكس البدعُ والإلحادُ ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة. فلما ظهر في الشام ومصر والجزيرة الإلحادُ والبدعُ سُلِّط عليهم الكفار، ولما أقاموا ما أقاموه من الإسلام وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم الله على الكفار، تحقيقًا لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف].
وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالإسلام؛ كانوا منصورين على الكفار المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم، فلما ظهر منهم ما ظهر من البدع والإلحاد والفجور سُلِّط عليهم الكفار؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا
[ ١٦ ]
عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء]
وكان بعضُ المشايخ يقول: هولاكو ملكُ الترك التتار الذي قهر الخليفةَ بالعراق، وقتل ببغدادَ مقتلةً عظيمةً جدًّا، يقال: قتل منهم ألف ألف، وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذٍ، كان بعض الشيوخ يقول هو للمسلمين بمنزلة بُخْتُ نَصَّر لبني إسرائيل. وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهورُ الإلحاد والنفاق والبدع حتَّى أنَّه صنَّف الرازيُّ (^١) كتابًا في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه: «السِّرُّ المكتوم في السِّحْرِ ومخاطبة النُّجوم»، ويقال: إنه صنَّفه لأُمِّ السلطان علاء الدِّين محمد بن تِكِش بن جلال الدين خوارزم شاه (^٢)، وكان من أعظم ملوك الأرض، وكان للرازي به اتصال قويٌّ، حتَّى أنه وصَّى إليه على أولاده، وصنَّفَ له كتابًا سماه: «الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية». وهذه الاختياراتُ لأهل الضلال بَدَلَ الاستخارة التي علَّمها النبيُّ ﷺ المسلمين كما قال جابرٌ في الحديث الصحيح الذي رواه
_________________
(١) هو ابنُ خطيب الرَّي: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ)، أحد أئمة الأشاعرة، صاحب التفسير الشهير. وكتابه في السحر صحيح النسبة إليه، أثبته من ليس من أئمة السنة كالطبيب المؤرخ ابن أبي أُصَيْبِعَة (ت: ٦٦٨) في «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» ص ٤٦٩، وابن خِلِّكان (ت: ٦٨١) في «وَفَيات الأعيان» ٤/ ٢٤٨، لهذا قال ابن تيمية ﵀ في «نقض المنطق»: «صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته، ورغَّب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام». وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال»: «في كتاب الرازي «السر المكتوم» سحر صريح، فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى». قلتُ: أورد ابن أبي أُصيبعة في ترجمته وصيَّة الفخر الرازي، وهي دالة على ندمه وتوبته، والله تعالى يتجاوز عنَّا وعنه.
(٢) كذا، وفيه خطأ، صوابه: «علاء الدِّين محمد بن تِكِش»، وتكش يلقَّب أيضًا بعلاء الدِّين، أما جلال الدين فهو حفيد هذا، واسمه: مَنْكُوبْرِي بن مُحَمَّد بن تكش. وكان الفخر الرازي على صلة بمحمَّدٍ المتوفَّى سنة (٦١٧)، أما ابنه منكوبري فقُتل سنة (٦٢٨). انظر: «تاريخ الإسلام» للذهبي ١٣/ ٥١٥ (٤٧٨)، و١٣/ ٨٥٥ (٤٥٢).
[ ١٧ ]
البخاري وغيره: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارةَ في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خيرٌ لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري؛ فاقدره لي، ويسره، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري؛ فاصرفه عنِّي، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به».
وأهل النجوم لهم اختيارات إذا أراد أحدهم أن يفعل فعلًا أخذ طالعًا سعيدًا فعمل فيه ذلك العمل لينجح بزعمهم، وقد صنف الناس كتبًا في الرَّدِّ عليهم، وذكروا كثرة ما يقع من خلاف مقصودهم فيما يخبرون به، ويأمرون به، وكم يخبرون من خبر فيكون كذبًا، وكم يأمرون باختيار فيكون شرًّا. والرازي صنَّف الاختيارات لهذا الملك، وذكر فيه الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك، كما ذكر في «السر المكتوم» في عبادة الكواكب ودعوتها مع السجود لها، والشرك بها، ودعائها، مثل ما يدعو الموحدون ربهم، بل أعظم، والتقرب إليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر والفسوق والعصيان، فذكر أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الفواحش وشرب الخمر والغناء ونحو ذلك مما حرمه الله ورسوله. وهذا في نفس الأمر يقرِّب إلى الشياطين الذين يأمرونهم بذلك، ويقولون لهم: إن الكوكب نفسه يحب ذلك، وإلا فالكواكب مسخرات بأمر الله، مطيعة لله، لا تأمر بشرك ولا غيره من المعاصي، ولكن الشياطين هي التي تأمر بذلك، ويسمونها روحانية الكواكب، وقد يجعلونها ملائكة، وإنما هي شياطين.
فلمَّا ظهر بأرض المشرق بسبب مثل هذا الملك ونحوه، ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الإلحاد والبدع سَلَّط الله عليهم الترك المشركين الكفار، فأبادوا هذا الملك، وجرت له أمور فيها عبرة لمن يعتبر، ويعلم تحقيق ما أخبر الله به في كتابه حيث يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي
[ ١٨ ]
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أي: أن القرآن حقٌّ. وقال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وبسط هذا له موضع آخر» (^١).
بهذه الرؤية الإيمانية النافذة، والذَّوق الدِّينيِّ الحيِّ؛ يجبُ فهم سيرورة التاريخ الإسلامي وصيرورتها، والنَّظر إلى تقلُّباته، وتفسير ما عانى ويعانيه المسلمون من التفرق والضعف والجهل والتخلف وتسلط الأعداء، وبهذه القراءة لكتاب ابن بَيْدَكِينَ نستطيع أن ندرك ما كانت عليه حال الأمة في تلك الأزمان من ظهور البدع والمعاصي والمنكرات والمظالم، فكانت سنَّة ربانية أن تحيط بها الفتن والنوازل، لعل أفظعها سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية سنة (٦٥٦ هـ)، على أيدي التتار والمغول، وتتابع الحملات الصليبية على بلاد الشام ومصر التي بدأت منذ سنة (٤٩٠ هـ)، وذهاب سلطان الخلافة وهيبتها، وانتهاء أمرها إلى قُوَّاد الجيوش من المماليك وغيرهم.
أما المدينة الطاهرة المقدَّسة مكَّة المباركة؛ فلم تكن الأوضاع الدينية والاجتماعية والسياسية فيها بأحسن حالًا من الحواضر الإسلامية الأخرى، وإن كان الله تعالى صانها من الاعتداء الخارجي، لكن ظهرت فيها منكرات عظيمة بسبب قلة أهل العلم وضعفهم، وفساد ولاة الأمر وبُعدهم عن حقائق الإسلام وأحكامه ومقاصده السامية، فلا عجب أن نجد ابن بَيْدَكِينَ قد ضاق صدره، وعظم أسفه على ما رآه من المنكرات في بيت الله الحرام، من ذلك: ما تبتدعه النسوة من السماع في مكة خير البقاع من غناء ورقص وضرب صدر وكشف قناع (ص: ٢٠٦)، والرقص والنطُّ والغناء في مسجد الخيف من منى (٢١٠)، وما يفعله بعض العوام من نكاح المتعة في طريق الحجاز إلى انقضاء موسم الحج (٣٠٥)، وبثَّ مُرَّ الشَّكوى مما يفعله بعض المبتدعة تبعًا لأشياخهم فيحلقون ذقونهم، ويوصلون شعورهم، ويكوون أبدانَهم ويوشمونَها، فينقش عليها اسم المحبوب، ثم يدخل السقاية بهذا المكتوب، ويقول: ولقد رأيت فقيرًا بمكة قد وشم على ساعده آية الكرسي
_________________
(١) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ١٣/ ١٧٧ - ١٨٢.
[ ١٩ ]
بكمالها، .. وترى بعضهم يثقب أنفه، وآخر يثقب إحليله، ومنهم من يتكبَّل بالسلاسل والحديد (١٣١)، ويقول: ونعوذ بالله من كل البدع والطغيان، ومن أخوة النسوان، ومرافقة المردان، والاشتغال عن الذكر والقرآن، بشيء من اللهو والهذيان؛ كالرقص على ضرب الدف والكف والغناء والألحان (١٣٢)، وينكر ما يفعله بعض العباد المتشبهين بأهل الجور والظلم والعناد في مكة خير البلاد: من أكل الوقوفات بغير حقٍّ، وتعطيل المدارس وسكناها بالأهل والأولاد (٦٢٧)، ويذكر التركماني أن مكة المشرَّفة ليست بمعدن لما يريده الإنسان من الكتب (٤٩٦)، ولعل أكثر ما ذكره من المنكرات هو مما شاهده في مكة، فقد ألَّف كتابه فيها، وما ذكره ابن بَيْدَكِينَ فقليل من كثير، وغيض من فيض، وقد سجَّل شيخُه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية (٧٢٨ هـ) ﵀ وصفًا كليًّا جامعًا لحال الديار المقدسة في زمانهم، فقال:
«وأما سكان الحجاز: فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وإنما تكون القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد، فلو ذلت هذه الطائفة [يعني: أهل الشام في جهادهم ضد التتار] والعياذ بالله تعالى، لكان المؤمنون بالحجاز من أذل الناس، لا سيما وقد غلب فيهم الرفض ومُلْكُ هؤلاء التتار المحاربون لله ورسوله الآن مرفوض؛ فلو غلبوا لفسد الحجازُ بالكلية» (^١).
سنعلو على عصر ابن تيمية وتلميذه قرنًا من الزمان ونيِّفًا لنقرأ شهادة صادقة لرحالة أندلسي ذُهل بما رآه في مكة من فساد الأحوال. إنه الإمام الصالح الجليل محمد بن أحمد بن جُبَير الكناني البلنسيُّ (ت: ٦١٤) ﵀ (^٢)، فقد حضر موسم الحجِّ لسنة (٥٧٩)، وكتب يقول:
«وأكثر هذه الجهات الحجازية وسواها؛ فرقٌ وشِيَع، لا دين لهم، قد
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٢٨/ ٥٣٠.
(٢) هكذا وصفه الإمام الذهبي في «تاريخ الإسلام» ١٣/ ٤١٧ (٢٣٦).
[ ٢٠ ]
تفرَّقوا على مذاهب شتَّى. وهم يعتقدون في الحاج ما لا يُعتقَد في أهل الذمة، قد صيَّروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهابًا، ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابًا. فالحاجُّ معهم لا يزال في غرامة ومؤونة إلى أَنْ ييسر الله رجوعَه إلى وطنه. ولولا ما تلافَى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين؛ لكانوا من الظلم في أمرٍ لينادي وليده، ولا يلين شديده، فإنه رفع ضرائب المكوس عن الحاج، وجعل عوض ذلك مالًا وطعامًا، يأمر بتوصيلها «مُكْثِرٌ» (^١) أمير مكة، فمتى أبطأتْ عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأميرُ لترويع الحاجِّ، وإظهار تثقيفهم بسبب المكوس. واتَّفق لنا من ذلك أن وصلنا جُدَّة، فأُمسكنا بها خلال ما خوطب مُكثر الأمير المذكور. فورد أمره أن يضمَن الحاجُّ بعضهم بعضًا، ويدخلوا حرم الله، فإن ورد المال والطعام اللذان يرسمه من قبل صلاح الدِّين (^٢) وإلا فهو لا يترك ما له قبل الحاج. هذا لفظه، كأنَّ حَرَمَ الله ﷿ ميراثٌ بيده، محلَّل له اكتراؤه من الحاج، فسبحان مغيِّر السنن ومبدِّلها. والذي جعل له صلاح الدين بدلًا من مكس الحاج، ألفا دينار اثنان، وألفا أردب من القمح، وهو نحو الثمان مئة قفِّيز بالكيل الإشبيلي عندنا، حاشَى اقطاعات أقطعها بصعيد مصر، وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور. ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج؛ لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاجِّ. فأحقُّ بلاد الله بأن يطهِّرها السيفُ، ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله: هذه البلاد الحجازية، لما هم عليه من حَلِّ عُرى الإسلام، واستحلال أموال الحاجِّ ودمائهم. فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس إسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب، وبما يُصنع بالحاجِّ مما لا يرتضيه الله ﷿، فراكب هذا السبيل راكب خطر، ومعتسف غرر. والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال، فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام
_________________
(١) هو مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر الهاشمي الحسنيُّ، آخر أمراء مكة من بني فليتة.
(٢) هو المجاهد الكردي صلاح الدين الأيوبيُّ (ت: ٥٨٩) ﵀.
[ ٢١ ]
قد اتَّخذوه معيشة حرامٍ، وجعلوه سببًا إلى استلاب الأموال واستحقاقها من غير حِلٍّ، ومصادرة الحجاج عليها، وضرب الذلة والمسكنة الدنيَّة عليهم، تلافاها الله عن قريب بتطهير يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين، أنصار الدين، …» (^١).
ويذكر ابن جُبير تعدُّد المحاريب والأئمة في المسجد الحرام، فيقول: «وللحرم أربعة أئمة سنية، وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية، وأشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم، وهم يزيدون في الأذان: حي على خير العمل، إثر قول المؤذن: حي على الفلاح. وهم روافضُ سبَّابون، والله من وراء حسابهم وجزائهم، ولا يجمعون مع الناس إنما يصلون ظهرًا أربعًا، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها. فأول الأئمة السنية الشافعي، وإنما قدمنا ذكره لأنه المقدَّم من الإمام العباسي، وهو أول من يصلي، وصلاته خلف مقام إبراهيم، ﷺ وعلى نبينا الكريم، إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها، يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة، ثم يقيم مؤذنو سائر الأئمة، وربما دخل في هذه الصلاة على المصلين سهوٌ وغفلةٌ لاجتماع التكبير فيها من كل جهة، فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي، أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه. فترى كلَّ أُذُنٍ مُصِيخَةٌ لصوت إمامِها، أو صوت مؤذِّنه مخافةَ السهو. ومع هذا فيحدث السَّهوُ على كثير من الناس. ثم المالكيُّ وهو يصلي قبالة الركن اليماني، ثم الحنفيُّ وصلاته قبالة الميزاب تحت حطيم مصنوع له. ثم الحنبلي وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد، موضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني …» (^٢).
_________________
(١) «رحلة ابن جبير» ص: ٥٤، دار صادر، بيروت.
(٢) «رحلة ابن جبير» ٧٨. ويُراجع عن هذه البدعة وإنكار العلماء لها: رحلة القاسم بن يوسف التجيبي السَّبتي (ت: ٧٣٠ هـ): «مستفاد الرحلة والاغتراب»، و«إصلاح المساجد» للشيخ جمال الدين القاسمي، و«تاريخ عمارة المسجد الحرام» لحسين عبد الله باسلامة ﵀.
[ ٢٢ ]
وهذه بدعةٌ قبيحةٌ شنيعةٌ، مُبكيةٌ مضحكةٌ، قد عجزَ العلماء والقضاة والمفتون عن تغييرها قرونًا طويلةً، حتَّى حقَّق الله ذلك على يد الملك الصالح عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀، فأزال المحاريب الأربعة، وجمع المسلمين على إمام واحد، وذلك في سنة (١٣٤٥ هـ/ ١٩٢٦ م).
والمقصودُ أنَّ هذا الكتاب، وما هو من بابته من كتب البدع والآداب الشرعية، وكذلك كتب التاريخ والتراجم والرحلات؛ مظنَّة معلومات كثيرة مهمَّة عن أحوال العالم الإسلامي، وبجمع تلك المادة العلمية بدقة وأمانة؛ يمكن تكوين تصور صحيح عن ماضي المسلمين وحاضرهم، على هدى من سنن الله الكونية والشرعية، بعيدًا عن متاهات الفكر والعاطفة والتفسير السياسي والماديِّ لحقائق الدين وآثاره.
* * *
المكوِّن العلمي والديني لابن بَيْدَكِينَ مثير للاهتمام. نجد في شيوخه رجلان على طرفي النقيض في العقيدة والمنهج والدعوة، أولهما: ابن عطاء الله السكندري: صوفيٌّ جلدٌ، وثانيهما: أبو العباس ابن تيمية: إمام سلفيٌّ مصلحٌ. نستطيع أن نستنتج من خلال اقتباساته الكثيرة عن شيخه الأول، وتأثره بمواعظه، وصلته بمصادره والكتب التي كان يدرِّسها في مجالسه (^١)؛ أنَّه لازمه مدَّة طويلة، وانتفع به في التديُّن والسلوك. أما صلته بابن تيمية فمتأخرة ومحدودة، ولا ندري إن كان أخذ عنه في دمشق قبل انتقاله إلى مصر، لكن الذي ندريه ونحن منه على يقين أنه اتَّصل بابن تيمية خلال وجوده في مصر من سنة (٧٠٥) إلى سنة (٧١٢)، ومن المؤكَّد أن تلك الصلة بدأت بعد خروج ابن تيمية من السجن في شوال (٧٠٩)، أي بعد موت ابن عطاء الله بأشهر.
إذا كانت اقتباسات ابن بَيْدَكِينَ عن ابن عطاء الله ظاهرة بيِّنة، قد
_________________
(١) قارن بما ذكره د. عبد الحليم محمود في مقدمته لكتاب: «لطائف المنَن» لابن عطاء الله السكندري، دار المعارف، القاهرة، ط: ٢، ص: ١١.
[ ٢٣ ]
اهتدينا إليها في مصادرها؛ فإنَّنا لا نجد مثلها عن ابن تيمية، وربما يكون السبب في ذلك تأخر صلته به، وأفادت الباحثة أسماء العلواني أنَّ قول ابن بَيْدَكِينَ في النَّهي عن السَّماع (١٨٢ - ١٨٣): «فإن قال أحدهم: إن هذا السماع جعلناه شبكة نصطاد بها قلوب الغافلين … يقال له: شبكة مخرَّقة … إلخ»، يرد بعض عباراته في فتوى لابن تيمية في السماع (^١). وكذلك قوله: «وكذلك قول بعضهم: إن الملائكة والنبيين والصالحين تحضر هذا السماع …» إلى آخر حديث: «إنما نهيت عن صوتين فاجرين: …» بمقدار نصف صفحة، منقول بتصرف يسير من فتوى أخرى لابن تيمية (^٢). وربَّما أمكن اكتشاف أمثلة أخرى مع شدَّة التحرِّي، وهو ما لم نفعله، على أننا وجدنا عنده اهتمامًا بموضوعاتٍ اهتمَّ بها ابن تيمية ضمن جهوده الإصلاحية، مثل النهي عن السماع البدعي، والرد على القرندلية والمرازقة والفتوة وغيرهم.
في رسالة الفتوة وهي: «الحجة والبرهان على فتيان هذا الزمان» بعض الشواهد على تأثر ابن بَيْدَكِينَ بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمها الله تعالى، فقد استلَّها من كتابه «اللمع» حيث أفرد فيه فصلًا في الفتوة، فنجد في الرسالة المفردة التي قرَّضها ابن تيمية بعد التعديلات الدقيقة التي انتهى إليها ابن بَيْدَكِينَ إما بما استفاده من ملازمة ابن تيمية، وإما بتوجيه مباشر منه قبل أن يقرِّظ عليها، ونلاحظ أنه أول العلماء الأربعة في التقريظ.
نجد التركماني يقول في فصل الفتوة في «اللمع» (٢٢٩): «لأن النبي ﷺ نهى أن يحدَّ الرجلُ النظر إلى الغلام الأمرد، الحسن الوجه. ونهى أيضًا عن مجالسته، وأقام أمرد من بين يديه، وأجلسه خلفه. وقال سيد البشر: «كانت خطيئة داود النظرُ».». وهذا الحديث وما قبله لا يصحُّ، لهذا حاول تصحيح العبارة في الرسالة المفردة، فقال (٨١٧): «لأن الشعبي وغيره من مشايخ الأشياخ، كلٌّ منهم نهى أن يحدَّ الرجل …» فذكره ولم
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١١/ ٦٠١.
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١١/ ٦٤١ - ٦٤٢، وكتابنا هذا: ١٩٤.
[ ٢٤ ]
ينسب شيئًا منه إلى النبي ﷺ. ويترجح عندي أنَّه استفاد هذا من شيخ الإسلام، فقد قال: «وقد روى الشعبيُّ عن النبي ﷺ: أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، أجلسه خلف ظهره، وقال: «إنما كانت خطيئة داود ﵇ النظر». هذا وهو رسول الله ﷺ وهو مزوج بتسع نسوة، والوفد قوم صالحون، ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب، وقد روي عن المشايخ من التحذير عن صحبة الأحداث ما يطول وصفه»؛ على أن شيخ الإسلام بيَّن في مواضع نكارة هذا الحديث (^١).
ونجده في موضع آخر يقول في تفسير: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيما وأسيرا﴾ [الإنسان: ٨]: «نزلت في حقِّ علي بن أبي طالب ﵁، وهو الفتى الكبير، روي ذلك عن أهل التفسير»، هذا في «اللمع» (٢٣١)، أما في الرسالة المفردة فقد عمد إلى حذفه، فنقدِّرُ أنَّ ابن تيمية أشار عليه بذلك، فقد قال ﵀ في رسالة «فضل أبي بكر الصديق ﵁»: «وأما سورة ﴿هل أتى﴾، وقول من يقول: إنها نزلت لما تصدقوا على مسكين ويتيم وأسير. ويذكرون أن ذلك كان لما تصدقت فاطمة ﵂ بقوت الحسن والحسين. وهذا كذب؛ لأن سورة ﴿هل أتى﴾ مكيَّةٌ بالإجماع، والحسنين إنَّما وُلدا بالمدينة بعد غزوة بدر، باتِّفاق أهل العلم» (^٢).
ونجده بعد ذلك ينقل كلامًا طويلًا في الفتوة عن أبي العباس المرسي من كتاب «لطائف المنن» لشيخه ابن عطاء الله، ويذكر بعده وصفًا لعلي بن أبي طالب ﵁ فيه ما لا يصحُّ، ثم يذكر فتوَّة إبراهيم ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، وهو نصٌّ طويل في ثلاث صفحات (٢٣٢ - ٢٣٧)، وقد تخلَّص منه في الرسالة المفردة، وأعاد ربط الكلام في هذا الموضع بصياغة
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٢٨/ ٣٧٠، ٣٢/ ٢٤٨، ١٥/ ٣٧٧، وكتابنا هذا: ٢٢٩، ٨١٧.
(٢) «فضل أبي بكر الصديق ﵁»، منشور في «مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة» المجلد (١٣)، العدد (٢٢)، (١٤٢٢ هـ). وطبع مفردًا لدى دار الصحابة بمصر، (١٤١٢ هـ)، ص: ٥٤.
[ ٢٥ ]
حسنة (٨١٨ - ٨١٩). ونقدِّر أيضًا أن هذا الاختصار كان بتوجيه من ابن تيمية الذي لا يتسامح في ذكر روايات لا تصحُّ، خاصَّة عندما تُضعف الردَّ على المخالفين لاحتجاجهم بها بغير وجه حقٍّ (^١).
وزاد ابن بَيْدَكِينَ (٨٢٢) إشارة غير وافية إلى تاريخ حدوث هذه البدعة، وهو مما شرحه شيخ الإسلام في فتياه عن الفتوة (^٢).
إذا كان ابن عطاء الله أعظم تأثيرًا في التكوين المعرفي والثقافي لابن بَيْدَكِينَ، فقد كان ابن تيمية والدعاة من تلاميذه أعظم وأبلغ تأثيرًا فيه لسلوك منهج الاعتصام بالكتاب والسنة، ومنابذة البدع وأهلها، والغيرة على حرمات الشريعة، ومن المحال أن يخرج من مدرسة ابن عطاء الله وأمثاله من الصوفية الخرافية، المنحرفين عن السنة وأهلها مثل ابن بَيْدَكِينَ بغيرته الإيمانية، وحماسته الدينية، وحرصه على تجريد الاتباع للأسوة والقدوة ﷺ، كما يشهد به جميع صفحات كتابه، فمادته كما قال (١٤٦): «في هذا الكتاب البدع المستجدَّة مما شاهدناه»، وقال (٧٩٠): «أردتُ أن يكون هذا الكتاب جميعه في ذكر من خرج عن الشرع وابتدع، فجعل الله سبحانه بعضه في ذكر من اتَّبع لنبيِّه وحبيبه، وذلَّ وخضع»، ويبثُّ مرَّ الشكوى من: «كثرة البدع وغربة الإسلام» (١٣٨)، ومن: «شيوع البدع وقلَّة إنكارها» (١٧٠)، ويبيِّن أن قلَّة إنكارها هي السبب في انتشارها (١٣٤)، لهذا يحثُّ ولاة الأمر على القيام بواجبهم في إزالة البدع وزجر أهلها ومنعهم (٢٣٩، ٥٤٦، ٥٥٣)، كما يحثُّ قراء كتابه على إزالة البدع إن قدروا على ذلك (١٣٩)، ويهدم أهم أسس التصوف فيؤكِّد على أنَّه: «لا ينبغي للمسلم أن يطيع شيخه ويعصي ربَّه ونبيَّه» (٤٩٣).
أما عقيدة ابن بَيْدَكِينَ في أسماء الله تعالى وصفاته وغيرها؛ فهي عقيدة سلفية في الجملة، على طريقة أهل السنة والجماعة في إثبات أخبار الكتاب
_________________
(١) يُراجع: «مجموع الفتاوى» ٤/ ٤٩١ - ٤٩٣، و١٨/ ٣٥٥ - ٣٧١، و«منهاج السنة» ٥/ ٢٨ - ٣٨.
(٢) «مجموع الفتاوى» ١١/ ٨٢.
[ ٢٦ ]
والسنة من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف. وقد أحسن ابن بَيْدَكِينَ فختم كتابه بنبذة في العقيدة نقلها من عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي (ت: ٣٢١ هـ) المشهورة بالعقيدة الطحاوية (٧٩١ - ٧٩٧)، وفيها إثبات الاستواء، خلافًا لما وقع فيه من الخطإِ أثناء ردِّه على المرازقة (٥٠١ - ٥٠٦)، ومهما يكن؛ فهذه مسالك دقيقة لا يُحسِن ابن بَيْدَكِينَ الخوض فيها، وحسبه ما نقله من «العقيدة الطحاوية» ففيه الدلالة الكافية لصحَّة معتقده، وموافقته لأهل السنة والجماعة (^١).
أما في الفقه فهو حنفيُّ المذهب، وذلك بحكم البيئة والنشأة، وعامَّة التركمان حنفيَّة (^٢)، وفي علماء المذهب جماعة مشهورة منهم، كالعلامة عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني (٦٥٠ - ٧٣١ هـ)، وهو فقيه، من العارفين بالتفسير انتهت إليه رياسة الحنفية بالديار المصرية، وهو الذي قرَّظ لابن بَيْدَكِينَ على رسالته في «الفتوة»، وابناه: تاج الدين أحمد بن عثمان (٦٨١ - ٧٤٤ هـ)، قاضٍ وفقيهٍ، وعلاء الدين عليٌّ (٦٨٣ - ٧٥٠ هـ)، قاضٍ وفقيه ومحدِّث، له: «الجوهر النقي في الردِّ على البيهقي»، ويُعرفُ ثلاثتهم بابن التركمانيِّ رحمهم الله تعالى جميعًا.
إذن؛ فلا عجبَ أن نجد ابن بَيْدَكِينَ ينسب نفسه: «الحنفيَّ»، وينقل في مواضع من كتابه (٢٧٨، ٣١٣، ٥٠٨، ٥٤٢) عن الفقيه الحنفي الشهير
_________________
(١) ترى د. أسماء العلواني أنَّ التركماني تعمَّد إغفال مواضع من العقيدة الطحاوية، فلم يقتبسها لأنه رآها منتقدَةً، فلم يذكر فيها مثلًا ما جاء في الطحاوية: «ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه، والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان»، وكذلك ما جاء فيها: «والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء»، وكذلك لما جاء عند عبارة الطحاوية: «ولا نشهد لهم بالجنة ..»، استبدل بها ﵀ قوله: «ونشهد لمن … شهد له النبي ﷺ بالجنة». ونجده في موضع آخر يصرِّحُ بعقيدة أهل السنة بأن الإيمان يزيد وينقص.
(٢) وإن كان في أعلامهم من ليس على المذهب الحنفي، كالإمام مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي التركماني (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ)، فقد كان شافعيَّ المذهب رحمه الله تعالى.
[ ٢٧ ]
أبي اللَّيث السَّمرقنديِّ (ت: ٣٧٣ هـ) ﵀، غير أنَّه غير متعصِّب لمذهبه، بل نجده ينقل من كتب الحنابلة أيضًا، كالمغني لابن قدامة (٢٢٣)، والمنتقى من الأخبار في الأحكام للمجد ابن تيمية (٤٠٥) في مسألة منع النساء من زيارة القبور، وخالف في ذلك الأصحَّ في مذهبه، كما خالف مذهب الحنفية وعامة الفقهاء في مسألة قراءة القرآن عند القبور (٤٢٤)، ونقل عن النووي ﵀ (٧٧٩).
* * *
قد يظنُّ بعضُ الناس وبعضُ الظنِّ إثمٌ أنَّني عُنيت بتحقيق هذا الكتاب ونشره بدافعٍ قوميٍّ، لكون المؤلِّف تركمانيًّا؛ فقد ابتلي أكثر الناس في بلاد الإسلام بالنَّزعات والنَّعرات القومية والقبلية والوطنيَّة، وتغذِّي ذلك أحزاب سياسية ومخططاتُ أعداء الإسلام لتمزيق الأمة وتقطيع أوصالها، وجعلها قطعانًا يسهل تسييرها والتحكُّم فيها. ولا أحتاج إلى التكلُّف في دفع ذلك الظنِّ الفاسد فقد بيَّنت في مقدمتي الدراسية لكتاب: «الأحاديث النبوية في ذم العنصريَّة الجاهلية» للشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم رحمه الله تعالى؛ ما يجب على المسلم من البراءة من تلك النزعات والدعوات الجاهلية لمنافتها لحقيقة الرضا بالله ﷿ ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا ورسولًا. وفي تلك الدراسة وما في الكتاب نفسه من الأحاديث النبوية الزاجرة عن ذلك الاعتقاد والسلوك الجاهلي؛ حجة كافية، وموعظة بليغة لمن كان يبتغي وجه الله ﷿ والدارَ الآخرة، أمَّا من غفل عن الغاية التي خلق من أجلها، والمعنى الحقيقي لحياته ووجوده، وهو أن يعبد الله تعالى وحده لا يشرك به شيئًا، كما قال ربُّنا سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وغفل عن العاقبة والمصير والحياة الحقيقية الأبدية إما إلى الجنة وإما إلى النار: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، ويوم لا ينفع عرقٌ ولا قومية ولا لغة ولا لون ولا جنس: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
[ ٢٨ ]
بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٣]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، والناس فريقان لا ثالث لهما، فإمَّا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾، وهم أهل الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وإما: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٤ - ٤٢] نعوذ بالله من حالهم؛ فلا ينتفع ذلك الغافل بعلمٍ ولا موعظةٍ، أسأل الله تعالى أن يهدي قلوبنا، ويطهرها من الشرك والنفاق والرياء.
إنني أرى أنَّ اهتمامَ كلِّ قوم من الأقوام الإسلامية بلغتهم وميراثهم الإسلامي إن سلمت النيات والمقاصد أمرٌ حسنٌ، يُظهر عظمة هذا الدين الذي استوعب بسماحته وسعته ورحمته أقوامًا كثيرة مختلفة في ألسنتها وألوانها وأعراقها، فاجتمعوا على دين التوحيد أمةً واحدةً، وإخوةً مؤمنين، يتناصرون ويتراحمون ويتعاطفون، وتنعدم الفوارق بينهم كلَّما وقفوا بين يدي الله ﷿، متَّجهين إلى قبلةٍ واحدةٍ، يدعون ربًّا واحدًا، ويقرؤون بالعربية كلامه المجيد، يسألونه الهداية إلى سلوك طريق واحد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فلا يزيغهم عنه إلا ما يبتلون به من الجهل والغفلة أو يتلبَّسونَ به من أهواء النفس وشبهاتها وشهواتها.
نعم؛ فقد كان المجتمع الإسلامي مثالًا للتعددية القوميَّة والثَّقافيَّة، فلم يُمنَع أحدٌ من التحدُّث بلغته، ولا الالتزام بزيِّه وهيئته، ولا العيش على طريقة أسلافه؛ ما لم يكن في ذلك مخالفة لشريعة الله ﷿، فتحقَّق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، وصار معيار التميُّز إقامة العبودية لله ﷿: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]، فتسابقوا في خدمة عقيدتهم ودينهم، فكان منهم العلماء والأمراء والعبَّاد والزهَّاد والمجاهدون، بذلوا أموالهم وأنفسهم في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله ﷿، فلا تجدُ علمًا من العلوم الشرعية والعربية، ولا ميدانًا من ميادين الجهاد والعمل والتَّضحية إلا وهم شركاءُ فيه: عربهم وعجمهم، أحمرهم وأسودهم، مشرقيِّهم ومغربيِّهم. وبذلك بارك الله في آثارهم، وأعلى
[ ٢٩ ]
شأنهم، وأبقَى ذِكْرَهُم، فهذه كتب التاريخ والتراجم والرجال والأنساب تزخر بسيرهم العطرة، وأخبارهم الطيبة، وأعمالهم الجليلة، وهذه مصنفاتهم في مختلف العلوم والفنون قد حفظ الله بها دينه وحجَّته على خلقه، ولو أنهم عملوا لغايات عنصرية بغيضة، أو من أجل رقعة أرض؛ إذن لطمس الله ﷿ آثارهم، ولم يكتب النفع والقبول لأعمالهم.
* * *
أتممتُ كتابةَ هذه المقدِّمة الليلةَ الماضيةَ؛ فإذا بي أُفجَع بعدَ ظُهر هذا اليوم الأربعاء (٢٣) من شهر رجب (١٤٣٣ هـ)، الموافق (١٣/ ٦/ ٢٠١٢ م)؛ بوفاة والدي الشَّيخ ملا حقِّي بن عليِّ بن غنيٍّ التُّركمانيِّ، في محلِّ مولده ونشأته وحياته: مدينة كركوك في العراق، أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يغفر له ويرحمه، ويجعله من أهل الجنَّة والنَّعيم المقيم.
أَجِدُ بين والدي الشيخ ملا حقي والشيخ إدريس بن بيدكين رحمهما الله وغفر لهما شبهًا من وجوهٍ، منها: كونهما من التُّركمان، وطلبهما العلمَ على كبر، وعنايتهما بالقرآن الكريم، وتفقُّههما على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، وغلبة الفقر والتواضع والانكسار عليهما، وحبهما للسنة، وبعدهما عن البدعة، وسلامتهما من بدع التصوُّف وانحرافات الفِرَق، وما كتب الله ﷿ لهما من القبول والحظوة عند النَّاس؛ لما وجدوا فيهما من الخير والصلاح ومكارم الأخلاق. ولم تكن عندهما عنايةٌ بتقييد تاريخهما وأخبارهما، وكانا يميلان إلى الخمول والسلامة أعني ترك التكلف وعدم حب الظهور والتصدر ولابن أبي الدنيا كتاب «التواضع والخمول» وقيَّدا حصيلةَ علمهما في مواعظ إصلاحيَّة، فألَّف ابن بيدكين كتابه هذا، وجمع والدي مجموعةَ خطبٍ ومواعظَ؛ نسأل الله تعالى أن ييسِّر لنا طباعتها قريبًا.
كان مولدُ أَبي ﵀ في سنة (١٣٥١ هـ/ ١٩٣٢ م) في محلَّة المصَلَّى بمدينة كركوك، ونشأ في قلعة كركوك في أسرةٍ صالحةٍ متديِّنةٍ، فقيرةِ الحال، فقد كان والدُه ﵀ يعمل حلَّاقًا في السُّوق الكبير، ويضطر إلى العمل أحيانًا في البناء، لهذا بدأ أبناؤُه بالعمل في مقتبل عمُرِهم، فكان والدي يعمل في الخِبازَة، ويخرجُ بعد الفجر لتوزيع الخبز، فحُرِمَ الدراسةَ
[ ٣٠ ]
النظاميَّة المبكِّرة، لكن حبَّب الله تعالى إليه طلبَ العلم، فبدأ بختم القرآن الكريم في السادسة عشرة من عمره، وفي سنة (١٣٦٨ هـ/ ١٩٤٩ م) انتقل إلى بغدادَ، وبدأ بحفظ القرآن الكريم على المتصدِّر للإقراء في جامع المرادية الشيخ المؤذِّن ياسين (ولم يكن الوالدُ يتذكَّر تمام اسمه ونسبه ﵀. فكان يعمل نهارَه في الخِبازَة، يضع المصحفَ الشرَّيف على طَرَفِ التنُّور: يخبزُ ويحفظُ، فإذا جاءَ المساء انصرف إلى شيخه، يعرض عليه تلاوته وحفظه، حتَّى أتمَّ حفظ القرآن الكريم في سنتَيْن، وحصل على الإجازة منه، وعاد إلى كركوك سنة (١٩٥٤ م)، ولازم الشيخَ المقرئ ملا حَسُّون ﵀، فعرضَ عليه القرآنَ حفظًا وتجويدًا مرَّتين.
وقد كان أكثرُ النَّاس في تلك الأزمان في غفلةٍ وجهالةٍ بالغةٍ، وكانت البدعُ هي الغالبة على أحوالهم، فكانتْ قراءةُ القرآن الكريم صنعةً يتعلَّمُها القارئ ليقرأ في المآتم والموالد، فيطرب الناسُ لصوته من غير فهمٍ ولا تدبُّرٍ، وهكذا وجد الوالدُ نفسَه بعد تحصيله على الإجازة في التجويد والقراءات، لكن سمتْ نفسه إلى طلب العلم، والتفقُّه في الدِّين، فبدأ بالتَّعليم الدينيِّ في المساجد فدرس النحو والصرف والعقيدة والتفسير والحديث والسيرة والفقه الحنفي والفرائض وغيرها من العلوم والفنون على المشايخ المدرِّسين في مساجد المدينة، وأشهرهم: الشيخ ملا مجيد عريان، والشيخ العلامة ملا عبد المجيد القطب (ت: ١٤٠٦ هـ) وقد أدركْتُه، وزرتُه مرارًا صحبةَ والدي في جامع النُّعمان بالسُّوق الكبير، وكان والدي خلال تلك المدَّة يسافر إلى بغداد كلَّ أسبوعٍ للقراءة على الشيخ عبد القادر الخطيب (ت: ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م) ﵀، فأخذ عنه روايتَي حفصٍ وشعبةَ عن عاصمٍ، وأجازه الشيخُ ترتيلًا وحفظًا. فلمَّا تخرَّج على مشايخه، وأجازوه، عُيِّن إمامًا وخطيبًا، فبدأ بالانصراف عن القراءة في المآتم والموالد، حتَّى تركها كليًّا، رغم شدَّة لوم أقرانه وأصحابه له، واستغرابهم لاعتزاله بعدما نال من الشُّهرة والقبول لحسن صوته وجودة أدائه، ولأنَّ تلك الصَّنعةَ كانتْ مصدرَ كسب مالٍ وفيرٍ، لكنَّه كان صابرًا على حال الفقر والحاجة.
واظب الوالدُ الشيخُ ﵀ على الإمامة والخطابة في عدَّة مساجد في
[ ٣١ ]
المدينة العتيقة، إلى أن نقل سنة (١٩٦٠ م) إلى جامع الحاج إبراهيم بك التِّكريتيِّ، وفي التاسع عشر من شهر محرَّم الحرام سنة (١٣٨٧ هـ)، الموافق للتاسع والعشرين من شهر نيسان سنة (١٩٦٧ م) صدر المرسومُ الجمهوريُّ عن رئيس الجمهورية يومئذٍ الفريق عبد الرحمن محمد عارف؛ بتوجيه جهة الإمامة والخطابة في جامع كركوك الكبير إلى والدي ﵀. وما زلنا نحتفظ بالنسخة الأصلية لذلك المرسوم، وله أهميته ودلالته، فإنَّ منصب الإمامة والخطابة في مسجد المدينة الجامع نيابةٌ عن وليِّ الأمر، ورغمَ علمانيَّة الدولة؛ فإنَّ ذلك الإجراء بقي في هيكل الدَّولة، وهو ممَّا ورثه النظام الجمهوري عن النظام الملكي، وورثه الأخيرُ من تنظيمات الدولة في العهد العثمانيِّ. وفي سنة (١٩٨٠ م) انتقل الوالد إلى جامع اليرموك، حتَّى أحيل إلى التقاعد سنة (١٩٩٧ م)، واستمرَّ في الخطابة في مساجد المدينة؛ حتَّى أقعده المرضُ، رحمه الله تعالى وغفر له.
كان الوالدُ الشيخُ هادئ الطبع، كريم النفس، صبورًا عفيفًا، بعيدًا عن القيل والقال، لم نسمع منه في بيته أو مجلسه كلمةَ فحشٍ أو سبٍّ أو تنقُّص من أحدٍ، كان مسلمًا مسالمًا، قد سلم النَّاسُ من لسانه ويده، وأَمِنُوا بوائقَه، واطمئنُّوا إلى أخلاقه واستقامته، وأقرُّوا بفضله ونُبْله، وعلموا أنَّه غير منافسٍ لهم في دنياهم، ولا راغبٍ في جاههم، ولا ناظرٍ إلى أموالهم؛ فأحبُّوه واحترموه وأجلُّوه، ورأوا فيه القدوة الصالحة، ونموذج الشيخ الصادق؛ فهو كثير الصَّمت، عفيف اللسان، طاهر الأثواب، رفيع الأخلاق، مع تديُّنٍ وصلاحٍ، وثباتٍ على وجهةٍ واحدةٍ، رغم تقلُّب الأحوال وتتابع الابتلاءات والفتن، فقد ابتلي في نفسه بالأمراض الكثيرة منذ كهولته، وابتلي في أبنائه بمرض أربعةٍ منهم بمرض نزف الدَّم الوراثي (الهيموفيليا)، هذا مع قصر ذات اليد، وانتفاء أسباب العلاج والراحة، فكان يشكو حاله إلى الله ﷿، ولا ينزل حوائجه بالنَّاس.
أما خطبه يوم الجمعة فقد كانت مقصد المصلين من جميع فئات المجتمع، خاصة الشباب، فيمتلئ بهم المسجد الكبير وملحقاته، وكان يتقنُ إعداد خطبته، ويُحسن اختيار موضوعاتها، ويجوِّد إلقاءها، فكانت مدرسة
[ ٣٢ ]
تربويةً، مؤثرةً، نافذة إلى أعماق القلوب.
اشتدَّت الأمراضُ على الشيخ الوالد خلال العقد الأخير من حياته، فكان ملازمًا لبيته، لا تنقطع عنه زيارات الأقرباء والأصدقاء والطلاب والمحبين الكثيرة والمتتابعة، حتَّى كان مرضُه الأخير قبل نحو ثلاثة أسابيع، فدخل في الغيبوبة، إلا أنه كان يستمِعُ في أوقات متفرقة للقرآن الكريم، وربَّما أشار إلى خطإِ القارئ عليه في التِّلاوة، وفي حالات الإفاقة النَّادرة كان لسانُه يتحرَّكُ بذِكْرِ الله ﷿ وحَمْدِه، حتى أتاه الأجل المحتوم في التَّاريخ المذكور، ومع أنَّ المدَّة بين موته والصلاة عليه كانت أقلَّ من أربع ساعات؛ فقد اجتمع لتشييعه حشدٌ كبيرٌ من جميع فئات المجتمع وقومياته، ودخلت المدينةُ كلُّها في حزنٍ ظاهرٍ على الوجوه، وأهلُ العلم والتديُّن والخير والصلاح يشهدون له بالخير، ويذكرونه بالجميل، وتلهج ألسنتُهم بالدعاء له، جزاهم الله خيرًا، وتقبَّل دعواتهم، وغفر لوالدينا ووالديهم، ورزقنا وإياهم حسن الخاتمة.
وإنَّ من خير ما أنعم الله تعالى على والدنا ﵀ أنْ شرحَ صدره وهداه ووفَّقه إلى كتابة وصيةٍ موجزةٍ، عليها توقيعُه وختمُه، وقام أخي الحاج عبد الغني أثابه الله بقراءتها على الحضور بعد الدَّفن مباشرةً، فكانت بالغةَ التأثير فيهم، عظيمةَ النَّفع، إذ فيها الوصيةُ بتقوى الله ﷿، ولزوم السنة، ومجانبة البدعة، فمنها قوله ﵀:
«أُوصي أبنائي وإخواني وأقربائي وأصدقائي جميعًا أولًا بتقوى الله وطاعته، ولزوم أوامره، وكثرة مخافته، ثم أوصي وأقول: أنا إذا متُّ تكون الجنازةُ والتعزية شرعيَّةً، يعني لا أريد مجالسَ الفاتحة، ولا مقرئي القرآن، ولا السجائر والقهوة، ولا أريد الحفلات، ولا أريد الخميس، ولا الأربعين، ولا الخمسين، ولا رأس السنة، ولا يوم العيد للسنة الأولى … وإنِّي أُشهِدُ الله تعالى أنَّني بريءٌ من كلِّ فِعْلٍ يخالفُ هديَ رسولِ الله ﵌ من خروج النساء خلفَ الجنازة، والصِّياح، والعويل، والنِّياحة، وتشييد القبر بالرُّخام، والقفص الحديد، ولا أريدُ
[ ٣٣ ]
الذهابَ إلى المقابر صباحًا ثلاثًا، فأرجو منكم الدُّعاء فقط من الله تعالى أن يرحمني ويغفر ذنوبي، وأسأل الله تعالى أن يوفِّق كلَّ من ينفِّذ هذه الوصية كما هي، وبريء ممن يخالف وصيَّتي أمام الله تعالى يوم القيامة».
قلتُ: فكانت هذه الوصيَّة خاتمةً حسنةً له، وأثرًا طيبًا، وهو فيها قدوةٌ صالحةٌ لأهل المدينة، وقد صارتْ حديثَ مجالسهم، فدفع الله تعالى بها شرًّا عظيمًا، إذ لولاها لعجز أبناؤُه عن منع محبِّيه ومعزِّيه وهم بالآلاف أن يصنعوا بعض ما نهَى عنه في وصيَّته. وإنَّنا نقدِّر ونظنُّ فيه ولا نزكِّيه على الله تعالى فهو أعلمُ به أنَّ هذه الوصية كانت ثمرةَ إخلاصه وصدقه، وخشيته أنْ يدفنَ في مسجدٍ، أو يتَّخذ قبرُه عيدًا وضريحًا ومزارًا، كما يصنع بعض النَّاسِ بقبور الصالحين في كركوك وغيرها من بلاد المسلمين، والله المستعان.
هذا ما جرى به القلمُ في هذا الموطن، وقد تملَّكني الحُزْنُ على فقد الوالد، وقد قيل: موتُ الأب قاصمةُ الظَّهر. فكيف مع بُعد العهد باللقاء، واشتداد ألم مفارقة الأهل والوطن، واستحكام وحشة الاغتراب، لا جعلنا الله تعالى من الشاكِين إلا إليه، هو ملجؤنا وملاذنا، لا حول ولا قوة إلا به.
اللهم اغفر لعبدَيْكَ: إدريس بن بيدكين وحقِّي بن علي وارحمها، واجعل القرآن العظيم شفيعًا لهما، وقائدًا لهما إلى الجنَّة، واحشرهما في زمرة النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسُنَ أولئك رفيقًا. آمين. آمين. والحمد لله رب العالمين.
كتبه
عبد الحق التركماني
ليستر/ بريطانيا
[ ٣٤ ]