القراءة التحليلية للمعلومات الضئيلة التي نمتلكها عن ابن بيدكين تدلُّنا على أنَّه عاد إلى مصر بعد رحلة الحجِّ التي طالتْ، لأنَّه اختار المجاورة هناك لسنواتٍ يمكن تقديرها في ظنِّنا بما يزيد على ثلاث سنوات، حيث نلتقي به في مصر وقد استخرج من كتابه «اللمع» فصل الفتوَّة، وأفردها في رسالة صغيرة، أجرى القلم فيها بالحذف والتغيير والزيادة، ثم التمس من أشهر المفتين في المذاهب الأربعة التقريظ عليها، تأييدًا لمادتها، ونصرة
_________________
(١) «الدرر الكامنة» ٥/ ٤٢٥ (١٧٨٠)، و«العقد الثمين» ٢/ ٢٧١ (٣٨٥)، و«ذيل التقييد» ١/ ٢١٢ (٤٠٥).
(٢) «العقد الثمين» ١/ ٢٩٤ (٢٣)، و«ذيل التقييد» (٢٥)، وقد ماتا في سنةٍ واحدة، وهي سنة (٦٩٤)، لكن الابن مات بعد والده، رحمهما الله تعالى.
[ ١٧ ]
لمؤلفها في قيامه بين العامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقرَّظ له أربعة، هم: السنباطي الشافعي (٦٥٣ - ٧٢٢)، وابن تيمية الحنبلي (٦٦١ - ٧٢٨)، وابن التركماني المارديني الحنفي (٦٦٠ - ٧٣١)، والإخنائي المالكي (٦٥٨ - ٧٥٠)، وبهذا اكتسب ابن بيدكين «الشرعيَّة» في إنكاره بين العامة.
وهؤلاء العلماء كلهم مصريون، حاشى ابن تيمية، فإنه شاميٌّ، دخل مصر في تواريخ معلومة، وهذا ممَّا يعيننا على تحديد تاريخ تأليف الرسالة، ونتأكد من خلال ذلك أن ابن بيدكين قد عاد إلى القاهرة بعد رحلة الحجِّ:
لقد طُلب شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ إلى مصر في رمضان سنة (٧٠٥) بمكيدة من بعض خصومه من الصوفية والأشاعرة، فسجن في القاهرة حتى شهر صفر سنة (٧٠٧)، ثم أعيد إلى السجن في شوال من هذه السنة، ثم نفي إلى الإسكندرية في صفر (٧٠٩)، وبقي محبوسًا هناك حتى شوال (٧٠٩) إذ أفرج عنه، وأعيد إلى القاهرة، ومكث فيها إلى أن رجع إلى دمشق آخر شهر شوال سنة (٧١٢)، فكانت مدَّة إقامته في مصر سبع سنوات. ورغم أنَّه ﵀ قد واصل وهو في السجن نشاطه العلمي في التأليف والفتيا، فإنه لم يحضَ بالتقدير اللائق به إلا بعد إعادته من الإسكندرية بأمر الملك الناصر محمد بن قلاوون (٦٨٤ - ٧٤١)، الذي تغلَّب على مصر سنة (٧٠٩)، وكان محبًّا لابن تيمية، عارفًا بمكانته وفضله، لهذا عجَّل بالأمر بإخراجه من السجن، واستقبله باهتمام وتكريم كبير.
قال علم الدين البرزالي ﵀: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الإسكندرية معززًا مكرمًا مبجَّلًا، فوجَّه إليه في ثاني يوم من شوال، بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر. وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودِّعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة، فأكرمه، وتلقَّاه، ومشى إليه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن
[ ١٨ ]
بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة، منهم من يعتذر إليه، ويتنصَّل مما وقع منه، فقال: أنا حاللتُ كلَّ من آذاني.
وقال القاضي جمال الدين ابن القلانسي وكان حاضرًا في ذلك المجلس: إن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية نهض قائمًا للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان، واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذه معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدَّثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي، والوزير، وتحته ابنُ صَصْرَى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته … ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة، وعاد إلى بثِّ العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه، ورحلوا إليه يشتغلون عليه، ويستفتونه، ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكلَّ في حلٍّ (^١).
قلتُ: يتبيَّن لنا من هذا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد حظي بالمكانة اللائقة به في مصر مدة ثلاث سنوات فقط من شوال (٧٠٩) إلى أن غادرها متوجِّهًا إلى الشام في آخر شوال (٧١٢). وخلال هذه المدَّة توثَّقت صلة ابن بيدكين بشيخ الإسلام، خاصة أن شيخه الأول ابن عطاء الله؛ كان قد توفي قبل هذا التاريخ في جمادى الآخرة (٧٠٩). ويظهر أثر تلك الصلة في تقريظ ابن تيمية لرسالة «الفتوة»، وفي التعديلات التي أدخلها ابن بيدكين على رسالته متأثرًا بالتوجه العلمي لشيخه الجديد.
_________________
(١) نقل ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٤/ ٦٠ كلام البرزالي وابن القلانسي بتمامه. وجميع ما ذكرته عن ابن تيمية في هذا المبحث منثور في كتب التاريخ والتراجم، وفي الكتب المفردة عن حياته، منها: «العقود الدرية» لابن عبد الهادي ﵀.
[ ١٩ ]