اعلموا أهل الإيمان، أن هذه الفتوة التي تعمل في هذا الزمان هي من أقبح البدع، ومما تغضب الرحمن، وترضي الشيطان. وقد ارتكب أهلها الذنوب والعصيان، وتعاونوا على الإثم والعدوان، وخرجوا عن السنة وما جاء به القرآن، وخالفوا في أفعالهم وأقوالهم الملك الدَّيان، ولا يفعلها إلا كل مبتدع ومتمرد وشيطان؛ لأنه لا أصل لها في الشرع، وما أنزل الله بها من سلطان فهم حيارى، لا هم داخلون في فعلتهم هذه في طريق نبيهم، وخرجوا عن شرع اليهود والنصارى. فتراهم يعملون: القوصرة (^١)، ويجمعون الناس على شيء يقال له التَّزكرة (^٢)، فيأتون بِأَمْرَدٍ سبحان من خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، فيخلع لباسه كبيرهم بين يدي من حضره ويلبسه غيره، ويشد تكته بيده، وقد حرم الشرع الشريف مسه ونظره. فتمسَّك أيها المسكين بالشرع الشريف، ودع عنك أفعال الفجرة، وأقبح من هذا فعله مع الرجل الكبير، وإنما يلبس الطفل لأجل صغره. ثم بعد ذلك يشربون ماءً وملحًا، ويضيفون هذه المصائب لآل بيت النبي ﷺ الكرام البررة ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]. لقد افتروا الكذب على أمير المؤمنين، والذي خلق الإنسان فقدره، فسبحان
_________________
(١) في النسخ: (العزيزة)، أو: (العزبرة)، ولعل الصواب ما أثبتناه، ففي «فتاوى السبكي»: «ينصبون ثوبًا كهيئة القوصرة، يسمُّونه التنورة، يُدخلون الزعيم والذي يلبس إلى وسطها». والقوصرة: وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البَواري.
(٢) كذا في النسخ، وصوابها: «الدسكرة»، انظر كلام ابن تيمية الآتي في (ص: ٨٢٠).
[ ٢٢٨ ]
الحليم الذى لا يعجل بالعقوبة على عبده المدْبِر، إذا خالفه فيما أمره، ويمهله ليوم يرجف قلبه ويشخص بصره.
والفتيان هم الذين تركوا البدع والعصيان، واجتهدوا في الطاعة والإحسان فهم يأخذون في الزيادة، وغيرهم يأخذ في البعد والنقصان، وقد نصحتك يا أخي والنصح من الإيمان (^١).
ثم اعلم بأن هذه الفُتوّة تجتمع على معاصٍ كثيرة: كَذِبهم على أمير المؤمنين، والفتى لا يكذب؛ لأن كبيرهم إذا وقف يقول: وقوفي لله. ووقوفه لعله لا لله. ويقول: وفي طاعة الله. فكذب في الأول. ولا صدق في الثاني؛ لأنه وقف يدعو الناس إلى الباطل. ويقول: واللباس لفلان، والفتوة فتوة علي بن أبي طالب. والله ما هذه أحوال من هو في الله ورسوله راغب؛ لأنه كَذَبَ في الأول ولا صَدَقَ في الثاني، وأخطأ في الثالث، وجمعهم المردان وإخوان البطالة. وهذه الأخرى من الضلالة؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يحدَّ الرجل النظر إلى الغلام الأمرد، الحسن الوجه (^٢)، ونهى أيضًا عن مجالسته، وأقام أمرد من بين يديه، وأجلسه خلفه (^٣)، وقال سيد البشر: «كانت خطيئة داود النظر» (^٤).
فمن خالف قول النبي ﷺ وفعله، فهو عبد منكوب؛ إلا أن يتوب فحينئذٍ ينال المطلوب. قال بعضهم أبيات:
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته … يوم النزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتى غضَّ طرفًا أو ثنى قدمًا … عن الحرام فذاك الفارس البطل
فمن أطلق نظره؛ أعمى الله قلبه، وأطال أسفه. قال صلوات الله عليه وسلامه) (^٥): «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» (^٦).
_________________
(١) يشير إلى حديث: «الدين النصيحة» وقد تقدم.
(٢) سبق تخريجه، وهو ضعيف.
(٣) سبق تخريجه، وهو واه.
(٤) جزء من الحديث السابق وقد تقدم، ولا يصحُّ.
(٥) هذا آخر السقط في (ق)، وهو بمقدار ورقة.
(٦) سبق تخريجه، وهو ضعيف جدًّا.
[ ٢٢٩ ]
فاحذر أيها الغافل فالسم قاتل، قال الشافعي ﵀ هذه الأبيات:
كل الحوادث مبدأها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها … في أعين العين موقوف على الخطر
كم نظرة فعلت في قلب صاحبها … فعل السهام بلا قوس ولا وتر
يسر ناظره ما ساء خاطره … لا خير في لذة تأتيك بالضرر
قال ﷺ: «حُرمت النار على عينٍ غضَّت عن محارم الله تعالى» (^١).
والبدعة الأخرى شد تكة الأمرد بين جمع من المسلمين، وهذا يوجب لهم المقت من رب العالمين. وهذه الأشياء تأتي من قلة الحياء والدين، قال ﷺ: «الحياء من الإيمان» (^٢)، «من لا حياء له لا إيمان له» (^٣). فمن كثر إيمانه كثر حياؤه، ومن قَلَّ إيمانه قَلَّ حياؤه، ومن لا حياء له لا إيمان له.
وفي حديث آخر: «الحياء خير كله»، «الحياء لا يأتي إلا بخير» (^٤)، وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحى فاصنَع ما شئت» (^٥).
والبدعة الأخرى شربهم الماء والملح وإضافتهم هذه المصائب لأمير المؤمنين، ويقبح أن تضاف لبعض الفاسقين.
_________________
(١) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢٤٠٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٨٦٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٩/ ١٤٩ من حديث أبي ريحانة. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٧٠٦).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٤٢، وفي «الاستذكار» ٨/ ٢٨١ من حديث معاذ ابن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء، من لا حياء له لا دين له». قال ابن عبد البر: من حديث الشاميين بإسناد حسن.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٢٣٠ ]
فيا من يدعي الفتوة، وهو تارك لطريق النبوة، يترك الجائع، ويطعم الشبعان، ويَكسو المردان، ويَترك العريان.
أَفِقْ أيها الإنسان! فقد غرَّك الشيطان؛ إذ أخرجك عن طريق النبوة، فنظرك إلى الأمرد حرام وطعامك شر الطعام، وقد خرجت عن طريق نبيك ﵊، وقال ﷺ: «شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين» (^١).
قال السيد الجليل سهل بن عبد الله التستري: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم: اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث (^٢). وقد ذَمَّ الله تعالى اللوطي ولعنه. قال ﷺ: «ملعون، ملعون، ملعون، من عمل بعمل قوم لوط» (^٣).
والفتيان هم الذين أطاعوا الرحمن، وتركوا ما تقدم ذكره من البدع والهذيان، والزور والبهتان، ويكفيك في الفتوة هذا البيان: ليس الفتى من ضرب بالسكين، الفتى من أطعم المسكين. قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] الآية. نزلت في حق علي بن أبي طالب ﵁، وهو الفتى الكبير، روي ذلك عن أهل
_________________
(١) أخرجه مرفوعًا الحميدي في «مسنده» (١١٧٠)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٣٢). وأخرجه موقوفًا على أبي هريرة: مالك في «الموطأ» (١١٣٨)، والبخاري في «صحيحه» (٥١٧٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٣٢).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (١٤٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٤٠٢) من كلام أبي سهلٍ، ولم أقف عليه من كلام سهل التستري.
(٣) أخرجه الحارث في «مسنده» (بغية الباحث: ٥٧٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، بإسناد ضعيف. وأخرجه أحمد في «المسند» (١٨٧٥) من حديث ابن عباس، بإسناد حسن، وذكر لفظ «ملعون» مرة واحدة، لكن في رواية أخرى عنده (٢٩١٤): قالها رسول الله ﷺ مرارًا ثلاثًا في اللوطية. وفي رواية (٢٨١٦): «ولعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط» وكرَّر هذه الجملة ثلاثًا، وإسنادها صحيح. انظر: «الصحيحة» (٣٤٦٢)، و«الضعيفة» (٥٣٦٨).
[ ٢٣١ ]
التفسير (^١).
فمن أطعم اليتامى وكسا الأرامل، فهو الفتى الكامل، وسيعود خير ذلك إليه في العاجل والآجل.
دخل رجل على الشيخ أبي العباس الشَّاذلي رحمة الله عليه، فقال الفقراء: يا سيدي، هذا الرجل فتًى. فقال الشيخ: يا بني، ليس الفتوة الماء والملح، إنما الفتوة الإيمان والهداية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، والفتى كما قال تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]؛ هو الخليل ﵇؛ وجد أصنامًا حسِّيَّةً، فكسرها، فسماه الله تعالى فتًى، وأنت لك أصنام معنويةٌ، إن كسرتها فأنت فتى، وهي: النفس، والشيطان، والهوى، والشهوة، والدنيا. واسمع قوله: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي» (^٢)، فانظر إلى هذه المدحة، وذلك لكثرة طاعته، وعلمه،
_________________
(١) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٨/ ٣٧١ لابن مردويه عن ابن عباس. ولا يصحُّ.
(٢) كذب موضوع: أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٦٠، وابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ٣٨١ - ٣٨٢ من حديث أبي رافع قال: كانت راية رسول الله ﷺ يوم أُحد مع علي بن أبي طالب، وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة … فذكر الحديث. وذكر فيه: أنَّ كل من كان يحمل راية المشركين يقتله علي ﵁ حتى عد تسعة أنفس حملوها وقتلهم علي، وقتل جماعة من رؤسائهم يحمل عليهم، فقال جبريل: يا محمد، هذه المواساة، فقال النبي ﷺ: «أنا منه وهو مني». ثم سمعنا صائحًا يصيح في السماء وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا عليُّ بن أبي طالب. قال ابن الجوزي عقبه: هذا حديث لا يصح، والمتهم به عيسى بن مهران. قال ابن عدى: حدث بأحاديث موضوعة وهو محترق في الرفض. وقد روى أبو بكر ابن مردويه من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صاح صائح يوم أحد من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي بن أبي طالب. ويحيى بن سلمة ليس ممن يكتب حديثه. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وروى ابن مردويه من حديث عمار ابن أخت سفيان، من طريق الحنظلي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: نادى منادٍ من السماء يوم بدر، يقال له رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي بن أبي طالب. قال الدارقطني: عمار متروك.
[ ٢٣٢ ]
وشجاعته، وصدقته، وشفقته (^١). وقد جاء عنه أنه سئل مسألة في الفرائض وهو يخطب فلم يتوقَّف، بل قال: صار ثمنها تسعًا، أيها الناس (^٢). ومضى على خطبته.
وروي أيضًا أنه ما أكل وحده، ولا منع رِفْدَه، ولا جَلَد عَبْده (^٣). وكان يَصِل مَنْ قَطعه، ويُعْطِي مَنْ حرمه، ويعفو عن مَنْ ظلمه، وكان مع قوة فاقته، يُطعم الطعام، ويُديم في الحر الشديد الصيام، وكان من خلقه التواضع، والتنازل لأهل الإسلام، يبدأ من لقيه بالسلام، وكسَّر الأصنام، ونصر دين الإسلام، وكان أخًا وصهرًا، وابن عم للنبي ﵊، وكان يصلي بالختمة المطهرة في ركعة واحدة والناس نيام (^٤).
_________________
(١) كلام أبي العباس بنحوه دون قوله: «فانظر إلى هذه …»؛ نقله ابن عطاء الله الإسكندري في «لطائف المنن» ٢٢٠، وهو مما رواه ابن عطاء الله عن شيخه: أبي العبَّاس المرسي، وهذا تلميذ أبي الحسن الشاذلي، فهو شاذلي في الطريقة الصوفية لا في النسب. (ت)
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ٦/ ٢٥٣ وليس فيه أن ذلك كان على المنبر، وضعف إسناده الألباني في «الإرواء» ٦/ ١٤٦.
(٣) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ١٥/ ١٣٣ من حديث معاذ بن جبل ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: «ألا أنبئك بأشر الناس؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «من أكل وحده ومنع رفده وسافر وحده وضرب عبده» ثم قال: «يا علي، ألا أنبئك بأشر من هذا؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «من يخشى شرُّه، ولا يرجى خيره». ثم قال: «يا علي، ألا أنبئك بأشر من هذا؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «من باع آخرته بدنيا غيره». ثم قال: «يا علي، ألا أنبئك بأشر من هذا؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «من أكل الدنيا بالدين». قال ابن عساكر: وإسناد هذا الحديث مضطرب؛ فإن قدامة الثقفي لم يدرك معاذًا. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٧١٣٥): منكر.
(٤) ورد ذلك عن عثمان ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٧٢٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٢٤، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» عقب كلامه على حديث (٢٩٤٦).
[ ٢٣٣ ]
فانظر ماذا خصَّ الله به هذا العبد المبارك من بين الأنام، فتيقظ أيها الكاذب على هذا الإمام من غفلتك، ومن هذا المنام، قبل أن يكون خصمك يوم تقف بين يدي الملك العلام، يوم لا ينفع مال ولا بنون؛ إلا من أتى الله بقلب سالم (^١) من البدع والآثام، وهذا بعض أوصاف هذا الإمام، الذي كرم الله تعالى وجهه عن السجود للأصنام، فما سجد لصنم (^٢)، ولا اتبع من انهزم، ولا هتك الحرم، وبلغ من شجاعته أنه رمى بنفسه في المنجنيق، وخلص بعض الصحابة من الأسر والحريق، وضُرب ﵁ يوم خيبر بسيف، فاتقاه بدرقته فعضَّت به، فألقاها ثم أخذ بابًا وترَّس به. فلما انهزم الكُفار، رمى الباب فاجتمع ثمانية من الصحابة فلم يقدروا على قلبه (^٣). وضرب مِرْحَبًا على رأسه فشقه نصفين، وإذا بقائل يسمع صوته، ولا يرى شخصه: الله أكبر، لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي (^٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] مدح المولى الجليل، أبانا إبراهيم الخليل (^٥)؛ لأنه كسَّر الأصنام، واجتهد في خدمة الملك العلام، وكان يطعم الطعام، ويصلي بالليل والناس
_________________
(١) في (ق): سليم سلم.
(٢) وذلك لأن النبي ﷺ قد بعث لما كان عليٌّ صبيًّا، فأسلم صغيرًا.
(٣) لا يصحُّ: أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٨ (٢٣٨٥٨)، والطبري في «تاريخه» ٢/ ١٣٧ عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ، قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده فتناول علي ﵁ بابًا كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ. فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٦/ ٢٢٣: رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسم.
(٤) سبق تخريجه، وهو ضعيف.
(٥) الذين قالوا: «سمعنا فتىً» هم الكفَّار ولم يقصدوا مدحه بذلك، وإنما الإخبار أنه شاب حَدَث. ولفظ «فتى» في الكتاب والسنة ولغة العرب ليس من أسماء المدح ولا الذم، ولكن بمنزلة اسم الشاب والكهل والشيخ ونحو ذلك. «منهاج السنة» لابن تيمية ٥/ ٧٠.
[ ٢٣٤ ]
نيام، وألقى نفسه للنيران، ووجَّه قلبه للرحمن، وسمح (^١) بولده للقربان (^٢)، وبنى كعبة الرحمن (^٣)، وقالت له الملائكة حين زُجَّ في النار: ألك حاجة يا إبراهيم؟ قال: أما إليكم فلا؛ ويكفي في علمها الواحد المنان (^٤)، وهذه هي الفتوة والجود والإحسان، فلا تكذب على القوم ولا تبتدع، وأفق من سكرتك أيها الإنسان.
وأما فتوة سيد العباد، فقد حاز جميع ذلك وزاد؛ قام ﷺ في خدمة مولاه حتى تورمت قدماه (^٥)، ووالله ما بخلت يداه، آثر بقوته، وتصدق بقميصه (^٦)، فعطاؤه جزيل، وخلقه جميل، وقد مدحه المولى الجليل بقوله
_________________
(١) في (خ): وسنح.
(٢) يشير لقوله تعالى: ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾.
(٣) يشير لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل﴾.
(٤) قال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢١): لا أصل له. وانظر: «المجموع» لابن تيمية ١/ ١٨٣ و٨/ ٥٣٩.
(٥) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٧٥٩)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٥١ (١٨١٩٨)، والبخاري في «الصحيح» (١١٣٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢٨١٩)، وابن ماجه في «سننه» (١٤١٩)، والترمذي في «جامعه» (٤١٢)، وفي «الشمائل» (٢٦١)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٢١٩ (١٦٤٤)، وفي «السنن الكبرى» (١٣٢٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١١٨٢) من حديث المغيرة بن شعبة قال: قام رسول الله ﷺ حتَّى تورمت قدماه؛ فقيل: يا رسول الله، قد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا؟».
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٣٣ (٢٢٨٢٥)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٤٦٢)، والبخاري في «صحيحه» (١٢٧٧) وابن ماجه في «سننه» (٣٥٥٥)، والنسائي «السنن الكبرى» (٩٦٥٩) عن سهل بن سعدٍ قال: جاءت امرأة ببردة، فقال سهل: هل تدرون ما البردة؟ قالوا: نعم. هذه الشملة منسوج في حاشيتها فقالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها فأخذها رسول الله ﷺ محتاجًا إِليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فجاء رجل من القوم فقال: يا رسول الله، اكسُنيهَا. قال: «نعم» فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه وقد عرفت أنه لا يرد سائلًا. قال الرجل: والله ما سألتها إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل فكانت كفنه.
[ ٢٣٥ ]
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وكَسَرَ الكفارُ ثَنِيَّتهُ، وشجوا جبينه، فدعا لهم واعتذر عنهم؛ وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (^١).
وقد جعل الله تعالى لكل نبي دعوة مستجابة، فكل منهم تعجل دعوته في الدنيا، واختبأ (^٢) ﷺ دعوته (^٣)؛ وهي شفاعته لأمته، فآثر أمته على نفسه. والفتوة هي الإيثار، واتباع النبي ﷺ المختار، والصحابة الأخيار، والمسلمين الأبرار، فاسلك مسالكهم، وانهج مناهجهم، وألق عصاك فهذا جانب الوادي، فقد جعل الله الخير كله اتباع هؤلاء الأخيار، والنار لمن خرج عن طريق القوم وجار، بذلك نطقت الآيات وجاءت الأخبار.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وقد صح في الأخبار أن أمة محمد ﷺ تفترق يوم القيامة على ثلاثٍ وسبعين فرقة: فرقة ناجية، وهم التابعون للنبي المختار والصحابة الأخيار،
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٠ (٣٦١١)، والبخاري في «صحيحه» (٣٤٧٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٧٩٢)، وابن ماجه في «سننه» (٤٠٢٥) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: لكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا ضربه قومه؛ فهو يمسح عن وجهه الدم، ويقول: «ربي اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وأما رواية كسر ثنيته صراحة؛ أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢٠١ (١٣٠٨٣)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٢٠٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٧٩١)، وابن ماجه في «سننه» (٤٠٢٧)، والترمذي في «جامعه» (٣٠٠٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١٠٧٧) من حديث أنس ﵁ قال: كسرت رباعية رسول الله ﷺ يوم أُحُد، وشُجَّ فجعل الدم يسيل على وجهه، ومسح الدم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الإسلام». فأنزل الله ﵎: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
(٢) في (ط): واجتبى.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٣٤ (١٢٣٧٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢٠٠) (٣٤١) من حديث أنس ﵁ أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: «لكلِّ نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة».
[ ٢٣٦ ]
والباقي إلى النار» (^١).
وهؤلاء الفتيان قد خرجوا عن السنة وحكم القرآن، واتبعوا طريق المغرورين الهالكين المبعودين من رحمة رب العالمين، فخرجوا عن طريق سيد المرسلين، والصحابة المكرمين، والأئمة الراشدين، وأضافوا ما يفعلونه من القبائح ويقترفونه (^٢) لأمير المؤمنين، فإن احتجوا بفعل هذه المحظورات لفعل الخيرات، كخلاص محبوس منهم أو من لزمه دين، وهذه من أفعال البر، فيمشي الكبير على أصحابه ويقول: خلصوا أخاكم في الفتوة.
جوابه اسمع يا قليلَ التوفيق والمروءة: هذا من تلبيس إبليس، يريد أن يخرجك عن طريق النبوة، فيغرك كما غر أباك لتكون النار مأواك، قال المولى الغفور: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ونادهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (٢٢)﴾ [الأعراف]. وقال المولى القدير: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
انظر إلى هذا العدو المبين كيف يزين لابن آدم القبيح حتى يراه حسنًا، فيوقع المغرور في البدعة والفجور، قال بعضهم:
يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا
يا عجبًا منك وأنت مبصر … كيف تجتنب (^٣) الطريق الواضحا
وهذا العدو يرانا ولا نراه، فهو غالب العبد بلا محالة إن لم ينصره خالقه ومولاه.
نرجع إلى قولهم: إنَّ هذه الفتوة عملناها لأجل خلاص المحابيس من أصحابنا، ومن لزمه دَين منهم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ليست في (خ، ب).
(٣) في (خ): تجنبت.
[ ٢٣٧ ]
الجواب: قد أجمع العلماء والإجماع من أقوى الحجج أنه لا يحل لمسلم أن يسعى في خلاص مجرم، ولا يشفع في حدٍّ من حدود الله سبحانه، إذا ثبت عند الحاكم، فمن فعل ذلك فقد فعل شيئًا لم يؤمر به، وترك شيئًا أمر الله به؛ فيجب على المسلم ترك الكذب على آل بيت النبوة، والنظر إلى ما حرم الله تعالى، ولا يجب عليه السعي في خلاص المحابيس المناحيس؛ ومن بلاهم يدبرهم، فيكون مثل من يفعل ذلك كمثل امرأة تزني وتتصدق به، يقال لها: لو تركت الزنَى كان أحب (إليك و) (^١) إلى الله تعالى من هذه الصدقة.
قال بعضهم شعرًا يناسب هذا:
بنى مسجدًا لله من غير حله … فكان (^٢) بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كَدِّ فرجها … لكِ الويل لا تزني ولا تتصدقي
اسْعَ أيها المسكين في خلاص نفسك أولًا من البدعة والهوى، ثم اسع في خلاص غيرك، قال ﷺ: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» (^٣). ثم اعلم أنه لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسعى في خلاص مجرم،
_________________
(١) ليست في (خ).
(٢) في (خ): وجاء.
(٣) ملفَّق من حديثين، الأول: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول». أخرجه أحمد في «المسند» ٢/ ٢٥٢ (٧٤٢٩)، والبخاري في «صحيحه» (٥٣٥٥)، وفي «الأدب المفرد» (١٩٦)، ومسلم في «صحيحه» (١٠٤٢) بنحوه، وأبو داود في «سننه» (١٦٧٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢٣١٣)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٤٣٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٣٦٣). والثاني: حديث جابر في بعض الطرق: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك». أخرجه أحمد ٣/ ٣٠٥ (١٤٢٧٣)، ومسلم في «صحيحه» (٩٩٧)، وأبو داود في «سننه» (٣٩٥٧)، والنسائي في «سننه» ٥/ ٦٩ (٢٥٤٦)، وفي «السنن الكبرى» (٥٠٠٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٤٤٥).
[ ٢٣٨ ]
كمن يدعي الفتوة ويكذب على آل بيت النبوة، ويفسد أولاد المسلمين؛ ويضرب بالسكين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال أبو حنيفة ﵀: نفيهم حبسهم (^١) فهؤلاء يجب حبسهم، فمن سعى في خلاص هؤلاء الأشرار، يخاف عليه أن يحبسه (^٢) الله يوم القيامة في النار؛ لأنهم قد ارتكبوا الذنوب والأوزار، ونبذوا الآيات والأخبار، وخرجوا عن طريق النبي المختار، وتَقَوَّلُوا على الأخيار.
فإن قالوا: إن هذه الطريقة التي نحن عليها ما أحدثناها، بل أخذها كبير عن كبير إلى الخليفة (^٣).
جوابه: ليس ذلك بحجة، قال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (^٤). لم يقل (^٥) بسنة الخلفاء الخارجين، فقد كان في الخلفاء الخارج عن السنة. ولا يحل لأحدٍ من خلق الله تعالى أن يطيع الخليفة، ويعصي الشريعة الشريفة، لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (^٦).
ثم اعلم أنه يجب على ولاة الأمور أن يزيلوا من بين المسلمين ما تفعله هذه الطائفة الضالة من البدع والبهتان والزور، فردعُهم (^٧) والله مثوبة
_________________
(١) «المبسوط» للسرخسي ٩/ ٣٥٣.
(٢) في (خ): يسجنه.
(٣) هو الخليفة العباسي الناصر لدين الله أحمد ابن المستضيء (ت: ٦٢٢)، وهو أول من وضع نظام الفتوة، وكان قد جمع الشَّرَّين: التشيع والتصوف. قال ابن الأثير: كان سيء السيرة، جعل همَّه في رمي البندق والطيور المناسيب، وسراويلات الفتوة.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) في (خ): ما قال.
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٦٦ (٢٠٦٥٣) من حديث عمران بن حصين، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠). وقد ورد من حديث علي ﵁ بألفاظ متقاربة المعنى.
(٧) في (خ): فهي.
[ ٢٣٩ ]
عظيمة تقرب للرب الغفور، وتنجي صاحبها من أهوال يوم النشور.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
وليس شيء بعد الإيمان بالله تعالى أفضل من رد العبيد إلى المولى المجيد، واسمع قوله ﷺ: «يا علي، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس» (^١). فمن أمر فقد غنم، ومن لم يفعل فقد أثم.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] مدح هؤلاء لأمرهم، وذَمَّ آخرين لتركهم ذلك، بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩].
فالأمر بالمعروف يقرب للرب الرؤوف، ومن تركه مع القدرة، فهو عبد مذموم لمخالفته للحي القيوم.
قال النعمان بن بشير: يا أيها الناس، خذوا على أيدي سفهائكم؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن قومًا ركبوا البحر في سفينة، فاقتسموها، فأصاب (^٢) كل واحد منهم مكانًا، فأخذ رجل منهم الفأس، فنقر مكانه، فقالوا له: ما تصنع؟ قال: مكاني أصنع فيه ما شئت. فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه غرق وغرقوا» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (ق): فأخذ.
(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٤٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٤١٥٢) من طريق الأجلح عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٩): الأجلح هذا وهو ابن عبد الله أبو حجية الكندي فيه ضعف، لاسيما عن الشعبي، قال العقيلي: روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها. قلت: وهذا اللفظ هو الذي شاع في هذا الزمان عند بعض الكتَّاب والمؤلفين فأحببت أن أنبه على ضعفه، وأن أرشد إلى أن اللفظ الأول هو الصحيح المعتمد. اه. وأراد باللفظ الأول اللفظ الذي في الصحيح عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا! فإن يتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم؛ نجوا ونجوا جميعًا». أخرجه الحميدي في «مسنده» (٩١٩) بنحوه، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٢٦٨ (١٨٣٦١)، والبخاري في «صحيحه» (٢٤٩٣)، والترمذي في «جامعه» (٢١٧٣).
[ ٢٤٠ ]
فخذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا. وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوفٌ لتركهم الأمر بالمعروف (^١). فمن عجز عن زجرهم، فلا بد من بغضهم وهجرهم؛ لقوله ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله» (^٢).
ورُوي: أن إبراهيم الخليل ﵇ هجر أهل حران وارتحل عنهم. وقال: إنِّي مهاجر إلى ربي سيهدين. ومن رضي بهذه الفتوة لم يرضى الله عنه، لما جاء في الحديث: «من رضي بالفاحشة كمن فعلها» (^٣).
ويخاف على من كثَّر سوادهم أن لا يبلغهم الله تعالى مرادهم؛ لقوله ﷺ: «من كَثَّرَ سواد قوم فهو منهم» (^٤). ولقوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العقوبات» (١٣) من كلام إبراهيم بن عمرو الصنعاني، قال: أوحى الله ﷿ إلى يوشع بن نون: أنِّي مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفًا من شرارهم، قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، ما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في مسند الشاميين (٢٦١٦) من حديث أنس ﵁، والشهاب القضاعي في مسنده (١٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو. ولفظه المشهور: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». أخرجه الحميدي في مسنده (٥٩٥)، وأحمد في مسنده ٢/ ١٦٣ (٦٥١٥)، والبخاري في صحيحه (١٠)، وفي الأدب المفرد (١١٤٤)، وأبو داود في سننه (٢٤٨١)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٠٥ (٤٩٩٦)، وفي السنن الكبرى (٨٧٠١)، وابن حبان في صحيحه (٢٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٢٤١ ]
ومن أحبهم أبغضه الله جل ثناؤه، وحشره معهم بلا محالة، كذا جاء في الخبر عن المبعوث بالرسالة، وهو قوله ﵇: «المرء مع من أحب» (^١).
والعبد المبارك يوافق سيده، يحب من أحبه، ويبغض من أبغضه، ويقرِّب من قربه، ويبعد من أبعده، قال ﷺ: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان» (^٢).
وقال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم (^٣).
وقال ﷺ: «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (^٤).
وقال لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (^٥).
وقال علي ﵁:
لا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه … فكم من جاهل أردى حليمًا حين آخاه
فسيندم يوم القيامة من صحب مبتدعًا أو كافرًا أو فاسقًا أو ظالمًا، ندمًا طويلًا. ويقول: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨].
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٣٨ (١٥٦١٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٥٢١) من حديث سهل بن معاذ عن أبيه، وحسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٨٠).
(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٥٥)، وأحمد في «الزهد» (ص ٥٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٩٤٤٥).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٢٤٢ ]
وإياك أن يغرك الشيطان بصحبته، لتُخلِّصه مما هو فيه؛ فتؤجر على ذلك، فيخاف عليك أن تصحبه لخلاصه. فتشتبك أنت الآخر، وذلك لقلة أدبك، ولمخالفتك لله ولرسوله، وللمؤمنين، ولسماعك (^١) من الشيطان اللعين، فيكون مَثلك كمثل مَنْ (^٢) يَدِلُّ بعومه فيرى غريقًا، فينزل لينشله من الغرق، فيأخذه الغريق وينزل فيغرقا (^٣) جميعًا.
ونسأل الله تعالى أن يصلي على سيدنا محمد النبي الكريم، وأن ينشلنا من غرق البدعة والمعصية إلى ساحل الطاعة والمتابعة وهو الإله الحليم، وهو الغفور الرحيم (^٤).
_________________
(١) في (خ): واستماعك.
(٢) في (خ): كمن.
(٣) في (خ): فيهلكا. وصوابها: (فيغرقان) أو: (فيهلكان).
(٤) لعله من المفيد أن نذيِّل هذا الفصل ببعض النقولات عن الفتوة: قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٤١/ ١٥٥، في وفيات سنة (٥٨٣ هـ): «عبد الجبار بن يوسف بن صالح البغدادي، شيخ الفتوة ورئيسها، ودرة تاجها، وحامل لوائها، تفرد بالمروءة والعصبية، وانفرد بشرف النفس والأبوة، وانقطع إلى عبادة الله تعالى بموصع اتخذه لنفسه وبناه، فاستدعاه الإمام الناصر لدين الله وتفتَّى إليه، ولبس منه، خرج حاجًّا في هذه السنة فتوفي بالمعلى، ودفن به في ذي الحجة». وقال ابن تغري بردي في: «مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة» ١/ ٢٢٦، في ترجمة الخليفة الناصر لدين الله (٥٥٣ - ٦٢٢ هـ)، ولي الخلافة سنة (٥٧٥): وفي أيام الناصر لدين الله هذا ظهرت الفتوة ببغداد، ورمي البندق ولعب الحمام، وتفنن الناس في ذلك، ودخل فيه الأجلاء ثم الملوك؛ فألبسوا الملك العادل صاحب مصر، ثم أولاده سراويل الفتوة، ولبسه أيضًا الملك شهاب الدين صاحب غزنة والهند من الخليفة الناصر لدين الله هذا. ولبسه جماعة أُخر من الملوك. وأما لعب الحمام فخرج فيه عن الحدِّ، يُحكى عنه أنه: لما دخلت التتار البلاد، وملكوا من وراء النهر إلى العراق، وقتلوا تلك المقتلة العظيمة من المسلمين الذي ما نكب المسلمون بأعظم منها، دخل عليه الوزير فقال له: يا مولانا أمير المؤمنين! إن التتر قد ملكت البلاد وقتلت المسلمين. فقال له الناصر لدين الله: دعني، أنا في شيء أهم من ذلك؛ طَيْرتي البلقاء لي ثلاثة أيام ما رأيتها! وفي هذه الحكاية كفاية إن صحت عنه». قال أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (ت: ٥٩٧) ﵀ في «تلبيس إبليس» ٣٤٧: «ومن هذا الفن تلبيسه على العيَّارين في أخذ أموال الناس، فإنهم يسمون =
[ ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =بالفتيان، ويقولون: الفتى لا يزني ولا يكذب، ويحفظ الحرَم، ولا يهتك ستر امرأة، ومع هذا لا يتحاشون من أخذ أموال الناس، وينسون تقلي الأكباد على الأموال، ويسمون طريقتهم: الفتوة، وربما حلف أحدهم بحق الفتوة، فلم يأكل ولم يشرب، ويجعلون إلباس السراويل للداخل في مذهبهم كإلباس الصوفية للمريد المرقعة، وربما يسمع أحد هؤلاء عن ابنته أو أخته كلمة وزْرٍ لا تصح، ولا بما كانت من محرض فقتلها، ويدعون أن هذه فتوة، وربما افتخر أحدهم بالصبر على الضرب …». وللعلامة أبي الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت: ٧٥٦) ﵀، فتوى في هذه الفتوة، ويظهر من خلالها انتشار هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي، وتتبين لنا جملة من صفاتهم المعينة في تصور حالهم، ففي «فتاوى السُّبكي» ٢/ ٥٤٨: ما يقول السادة العلماء ﵃ في هذه الفُتُوَّةِ التي فشت؛ فظهرت في هذا الزمان، وصورتها: أن قومًا يجتمعون في بيت أحدهم، فإذا اجتمعوا وأخذوا مجالسهم قام نقيبهم، وأنشد أبياتًا تتضمن استئذانهم في شدِّ وسطه فيأذنون له، ثم يأخذ بإحدى يديه شربة فيها ماء، ويأخذ بيده الأخرى ملحًا، ويخطب خطبة يقرأ في آخرها: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات﴾ [الفرقان: ٥٣] ويومئ برأسه إلى الماء، ﴿وهذا ملح أجاج﴾، ويومئ إلى الملح، ويضع الملح في الماء ويرفع الشربة، ثم يقوم زعيم القوم وهو الذي يلبسهم سراويلات الفتوة فيجلس وسط القوم، ويقول هل النقيب: من يطلب. فيسمى من يريد من الحاضرين فيقومون واحدًا واحدًا كلما قام أحدهم شدَّ الزعيم وسطه وأوقفه، فيقول هذا المشدود الوسط: أسأل الله تعالى وأسأل السادة الحاضرين كلما أقامني وشدَّ وسطي أنْ يُقعدني فتًى كاملًا. ثم يقول النقيب: ما تقولون في هذا الرجل. فيثنون ثناء حسنًا، ويقولون: نِعم الأخ. ثم ينصبون ثوبًا كهيئة القوصرة يسمونه التنُّورة، ويدخلون الزعيم والذي يلبس إلى وسطها، فيلبسه سراويل بيده ويدخل الزعيم يده تحت ثياب اللابس إلى مربط السراويل، ويشد بيده في ذلك المكان، ويقرأ القوم حينئذٍ سورة الإخلاص، ثم يقول النقيب: اللباس لباس فلان، والفتوة فتوة علي بن أبي طالب بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واتباع الشرع المطهر، ما تكرهه لنفسك لا ترضاه لغيرك، وما تكرهه لغيرك لا ترضاه لنفسك فالزم، عليك بتقوى الله، هذا شرطنا عليك، والله ناظر إليك. يَفعل ذلك بكل مَنْ أراد أن يلبس، فإذا فرغ من ذلك رفعوا التنورة وخرجا من وسطها، ثم يأتي النقيب بالشربة المذكورة فيقدمها إلى شيخهم فيأخذها بيده، ثم يقول: السلام يا فتيان السلام -مرتين- اللهم اجعل وقوفي لله، واتباعي بالفتوة لآل بيت رسول الله ﷺ، أخص بهذه الشربة العفيفة النظيفة لكبيري: فلان، ويسميه ثم يسندها عن شيخ بعد شيخ إلى الإمام الناصر إلى علي بن أبي طالب ﵇، ثم يشرب ويدفعها إلى غيره فيفعل كذلك =
[ ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حتى يشرب القوم جميعهم. فهل هذه الهيئة المذكورة سنة أم بدعة؟! وهل قول النقيب: هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، وإشارته إلى كل واحد منهما خطأ أم لا؟! وهل قوله أيضًا: أسأل الله وأسأل الحاضرين بواو العطف خطأ أم لا؟! وهل هذه الشربة التي يسندها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لها أصل أم لا؟! وإذا كان لها أصل فهل متصلة أم منقطعة؟! أفتونا مأجورين، وقد قال الله تعالى: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩]، وفَرْضُنا السؤال، وفَرْضُكم الجواب، والله الموفق للصواب. فأجاب تقي الدين السبكي ﵀: الحمد لله، هذه بدعة لا يشك فيها أحدٌ ولا يرتاب في ذلك، ويكفي أنها لم تعرف في زمن النبي ﷺ، ولا في زمن أصحابه، ولا عن أحد من علماء السلف، وإدخال الزعيم يده تحت ثياب اللابس إلى مربط السراويل وشده؛ الغالب أنه يحصل مس ذلك المكان، ومس ذلك المكان حرام، لأنه من العورة، واستعمال القرآن في غير معناه خطأ. وقوله تعالى: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان: ٥٣] ويومئ برأسه إلى الماء، إنما الإشارة فيه إلى البحرين فالإشارة به إلى غيرهما خطأ، وذلك الماء والملح اللذان بيده غيرهما إلا أن يريد الإشارة إلى الجنسين، فيكون أخف مع أن الكراهة لا تزول، لأن القرآن إنما ينبغي أن يستعمل فيما أريد به، والجلوس في وسط الحلقة: مكروه. وقوله: أسأل الله وأسأل الحاضرين … إلى آخره؛ خطأ من وجهين: أحدهما: الإتيان بواو العطف التي تقتضي التشريك بين اسم الله واسم غيره. والثاني: أن هذا المسؤول لا يقدر عليه الحاضرون، فلا يجوز طلبه منهم، وإنما يقدر عليه الله تعالى، وعزو هذه الشربة إلى علي بن أبي طالب لا أصل لها، وافتتاح المجلس بشعر ليس بجيد، وإنما ينبغي أن تفتتح المجالس بحمد الله والثناء عليه ثم الصلاة على رسوله ﷺ. وأما ما فيها غير ذلك من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واتباع الشرع المطهر، وأن يكره لغيره ما كره لنفسه ولنفسه ما كرهه لغيره، والإلزام بتقوى الله فكله حسن داخل في قوله تعالى: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: ٣]، و﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ [النساء: ١١٤]، والفتوة من أعظم خصال الخير، جامعة كمال المروءة، وحسن الخلق، والإيثار على النفس، واحتمال الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه، والقوة على ذلك، حتى تكون فتوته على ذلك فتوة الفتيان، والصفح عن العثرات، ويكون خصمًا لربه على نفسه، وينصف من نفسه، ولا ينتصف، ولا ينازع فقيرًا ولا غنيًا، ويستوي عنده المدح والذم، والدعاء والطرد، ولا يحتجب ولا يدخر، ولا يعتذر، ويظهر =
[ ٢٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النعمة، ويحقق المحبة سرًّ وعلنًا، فإذا قوي على ذلك فهو الفتى، وإذا اجتمع قوم على ذلك، وتعاهدوا عليه فنعم ما هو. وأما شدُّ الوسط فلا سنة ولا بدعة، وكأنه إشارة إلى الحزم والنهوض في ذلك الأمر فلا بأس به، وأما لبس السراويل فأيضًا لا سنة ولا بدعة، والنبي ﷺ اشتراه وما لبسه ثم صار حسنًا للستر. وأما لبسه لهذا الغرض والاجتماع عليه فكان المقصود به الالتزام بحفظ ما هو ساتر له من الحرام وغيره، وأن يكون اللابس له على أحسن طريقة من العفاف والصيانة وطهارة الذيل، يقي ما تحت الإزار فإذا قصد به ذلك فينبغي أن يشدَّ من فوق، أو يعطي اللابس فيشده هو بيده حتى لا يحصل ما قدمناه من لمس العورة. وأما الدخول في الثوب الذي يعمل كالقوصرة، فقد يقال إنه مكروه؛ للنهي عن إفضاء الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، لكن ذلك إنما هو في النوم وحالة التجرد أمَّا قبل هذا فلا. وقد صح في «صحيح مسلم» من حديث عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداةً، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وأمَّا شرب الماء والملح، فمع كونه لم يصح عن علي، لا أصل له عن غيره أيضًا، وقد بايع النبي ﷺ الأنصار ليلة العقبة بمنًى في عام، ثم في عام آخر، وبايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، ولم يكن في شيء من مبايعاته أكل ولا شرب. ففِعل ذلك بدعة، ولا ينبغي أن يدخل في الدين ما ليس منه، ولا أن نعتقد في شيء أنه سنة حتى يكون له شبيه أصل، ولا يكفي كونه مباحًا، فإن جعله من الدين، أو مطلوبًا وسنة، وشعارًا؛ إنما يكون من جهة الشرع، وما لأحد أن يحدثه لا شيخ ولا غيره. انتهى كلام السبكي ﵀.
[ ٢٤٦ ]