وهو مباح، وليس على فاعله جناح إذا سَلِم من البدع: وهو تعذيب الطير، وإفساد زرع الغير. قال الله تعالى في وصف بعض (^١) العباد: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
فيؤلم هذا المبتدع الغزلان، وذلك من قلة التوفيق وكثرة الخذلان، ويلوح (^٢) الحمامة، فيخرج بذلك عن سنة مَنْ ظللته الغمامة، ويعود وبالها عليه يوم القيامة، وهذا يأتي من قلة الشفقة والرحمة على خلق من أسبغ على العباد فضله وإنعامه.
قال ﷺ: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء، من لا يَرْحَم لا يُرْحَم» (^٣).
وجميع ما يذهب من زرع المسلمين تحت أرجل الناس، والجمال، والبغال، والخيل، والحمير، الجميع في ذمة الأمير، وكذلك ما يؤكل من زرعهم وما يسرق من مالهم، وإخراجهم من ديارهم في الأمطار والسيول؛ كل ذلك الأمير عنه مسئول، وكل ذلك ظلمات يوم القيامة على الفاعل
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) يُلوِّح الحمامةَ: يؤذيها بضربها، أو تعريضها لما يضعفها وينهكها، أو يجعلها غرضًا للصقر أو البازي، فإذا سقط عليها أخذه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢٥٩ ]
والمفعول. يقول الله ﷿ يوم القيامة: «إن فاتنى اليوم ظلم ظالم، كنت أنا ذلك الظالم» (^١). وفي مثل هذه الأشياء إتعاب النفس والخدم والمركوب، ليس ذلك مما يُرضي المحبوب.
وينبغي للمملوك أن لا يطيِّع أحدًا في مثل هذه المحرمات ولا المالك؛ إلا أن يخاف على إتلاف نفسه أو عضو من أعضائه من العقوبة والمهالك، وإن لم يُطع الرقيق سيِّدَه في كل المعاصي، فله ذلك؛ لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (^٢)، فإن قُتل الرقيق يموت مظلومًا مرحومًا، ويحشر قاتله في زمرة كل ظالم وهالك.
حكي أن إبراهيم بن أدهم ساق خلف صيد حتى غاب عن أعين الناظرين، فسمع صوتًا من قربوص سرجه: يا إبراهيم، ما لهذا خلقت. وكان ذلك سبب توبته، وخروجه عن مملكته (^٣).
ونفس الصيد مباح، وليس على صاحبه جناح؛ إذا سَلِم مما تقدم ذكره من المحظور، فانتبه من رقدتك يا أيها المغرور، فأذية المسلمين والبهائم ذنب عظيم، من كبائر (^٤) الأمور. قال بعض العلماء: من سافر من هؤلاء المغرورين مدة القصر لا يباح له ما يباح للمسافر من قصر الصلاة، والفطر في رمضان، وترك الجمعة والأعياد؛ لأن سفره في معصية مَنْ لا يخلف الميعاد، وفي هذه المسألة خلاف العلماء (^٥)، ونسأل الله العظيم أن يوقظنا من هذه الغفلة والعمى.
_________________
(١) لا أصل له، أورده الطرطوشي في سراج الملوك (الباب: ٥٨، في القصاص وحكمه) بغير سندٍ.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٣٦٨، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٤) في (ط): كبار.
(٥) أما الأحناف فقالوا: إن المطيع والعاصي في سفرهما في الرخصة سواء. انظر الهداية شرح البداية ١/ ٨٢. وأما المالكية فقد قال صاحب «مواهب الجليل» ٢/ ٤٨٨: وقد اختلف قول مالك في ذلك يعني في سفر المعصية، قال الباجي: المشهور من مذهب مالك أنه لا يقصر =
[ ٢٦٠ ]
فإن مات فرسه لم يؤجر عليه؛ لأن سَوْقه لم يكن في سبيل الرحمن، وإنما هو في رضى الشيطان، وإن مات هو مات عاصيًا، فالويل ثم الويل لمن لعبت به الدنيا، وفقد قلبًا واعيًا، وطرفًا باكيًا.
جاء في الأخبار أن الملائكة تقول: ليت بني آدم لم يخلقوا؛ وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا (^١).
كان عمر بن عبد العزيز يقول كثيرًا:
أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم … وكيف يطيق النوم حيران هائم
فلو كنت يقظان الغداة لحرقت … نواعم خديك (^٢) الدموع السواجم
يغرك ما يفنى وتشغل (^٣) بالمنى … كما اغتر باللذات في النوم حالم (^٤)
ينبغي للمؤمن أن يخاف عاقبة أمره، ولا يغتر بصفاء (^٥) الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات، كما قال بعضهم:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر
_________________
(١) = فيه الصلاة، وروى زياد أنه يقصر. اه. وقال ابن ناجي في «شرح المدونة»: أما سفر المعصية فالمشهور أنه لا يقصر صاحبه تحريمًا، وقيل: يقصر، رواه زياد وحكاه الباجي. وقال الشافعية: فأَمَّا سفر المعصية فلا يجوز أَنْ يقصُرَ فيه، ولا يفطر. انظر «الحاوي الكبير» ٢/ ٣٨٥. وأما الحنابلة فقد قال المرداوي في الإنصاف ٢/ ٢٢٢: سفر المعصية لا يجوز القصر فيه على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، واختار الشيخ تقي الدين جواز القصر فيه، ورجحه ابن عقيل في بعض المواضع، وقاله بعض المتأخرين.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (خ): مدامع عينيك.
(٤) في (خ): وتشتغل.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣١٩، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٧٩٥).
(٦) في (ط): بصفات.
[ ٢٦١ ]
قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].
وفي الحديث: «من لم يخف عاقبة (^١) أمره فليس منا» (^٢).
وقال سفيان: ما أمِنَ أحد على دينه إلا سُلبه (^٣).
وسمع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قارئًا يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فقال: ليته كان كما كان (^٤).
وسمع علي بن الفضيل بمكة قارئًا يقرأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] فسقط على وجهه، فانتظر الناس قيامه فلم يقم؛ (حركوه، وإذا هو ميت) (^٥)، فتسامع الناس بموته وارتفع الأصوات، وارتكب الناس الحيطان، فسمع أبوه بذلك فخرج يمشي على سكون، والناس حوله حتى بلغ إلى ولده فقال: يرحمك الله يا علي، فقد كنت أخاف عليك من هذا، سبقتنا وإنا بك لاحقون. ثم نظر إلى ازدحام الناس عليه، فرفع صوته وقال: ما العجب من موت علي حيث خُوِّفَ فخاف، إنما العجب ممن خُوِّفَ فلم يخف الله سبحانه (^٦).
_________________
(١) في (خ): خاتمة.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه من قول سفيان، وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٥٤٧)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٧/ ١٨١ قال: قال محمد بن مسلم: وبلغني عن أبي الدرداء أنه قال: ما أمن أحد على إيمانه إلا سلبه. وهو بلاغ منقطع كما ترى، ومعناه صحيح، والأمن من صفات المنافقين.
(٤) لم أقف عليه من كلام علي ﵁، وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٣٥)، من كلام عمر ﵁.
(٥) في (ق): فحركوه فوجدوه ميتًا.
(٦) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٤/ ٢٧٦ مختصرًا، وذكره عنه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٤٤٦.
[ ٢٦٢ ]
وقالوا: إن الفضيل ما ضحك قط إلا عند موت ولده، فقيل له في ذلك، فقال: الحق سبحانه أحبَّ شيئًا فأحببته (^١).
تكلم منصور بن عمار بمكة المعظمة وذكر شيئًا من صفات النار، فبكى الفضيل وغُشي عليه، فلما أفاق، قال: لو خُيِّرت بين أن أعيش كلبًا، أو أموت كلبًا ولا أرى القيامة (^٢). وقال عشية عرفة، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء: واسوأتاه، وافضيحتاه وإن غفرتَ لي (^٣).
وقال: إذا أحب الله عبدًا أكثر غمه في الدنيا، وإذا أبغض عبدًا وَسَّعَ عليه دنياه (^٤).
وقال: لأن أطلب الدنيا بطبل ومزمار، أحب إليَّ من أن أطلبها بالعبادة (^٥).
وقال رجل لعبد العزيز بن أبي رواد: كيف أصبحت؟ فبكى وقال: والله أصبحت في غفلة عظيمة من الموت مع ذنوب كثيرة أحاطت بي، وأَجَل يسرع كل يوم من عمري، ولست أدري ما أهجم عليه. ثم بكا وقال: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء: الإسلام، والقرآن، والشيب (^٦).
قال شعيب بن حرب: (^٧) (مكث عبد العزيز أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء حياءً من الله تعالى (^٨).
_________________
(١) لم أقف عليه مسندًا، وذكره المناوي في «فيض القدير» ٢/ ١٦٣. ولقد دمعت عينا النبي ﷺ وهو الأسوة والقدوة لموت ابنه إبراهيم ﵇، وهو ﷺ أعلم النَّاس بالله ﷿، وأتقاهم له.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٨٤، وذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٤٣٢.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٨٨، وذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٤٣٢.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٨٨، وذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٤٣٢.
(٥) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٨/ ٤٠٥.
(٦) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٨/ ١٩٤.
(٧) من هنا بداية سقوط ورقة من (ق).
(٨) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٢/ ٢٢٨، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٧/ ١٨٤.
[ ٢٦٣ ]
انظر يا من تعدَّى الأربعين، ولم يغضَّ طرفه عن محارم المسلمين؛ لو أحبك الله سبحانه لجمعك عليه، ولحبب إليك الطريق الموصلة إليه.
ختم الله تعالى هذا الباب بشيء من صفات الأحباب.
[ ٢٦٤ ]