تأليف العبد الضعيف: إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وثبَّته على الدِّين الحنيفيِّ، والمذهب الحنفي، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم ما ظهر نجم وما خفي.
الفتوة هي الإيمان والهداية، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، واتباع المبعوث بالرسالة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، قال المفسِّرون: من يطع الله في فرائضه والرسولَ في سننه فقد فاز فوزًا عظيمًا. وقال تعالى تعظيمًا لمرتبة نبيه وحبيبه وتمكينًا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فمن عمل بسنته فقد أطاعه، ومن خرج عنها فقد عصاه، فحينئذٍ يخاف على من عصاه أن تكون النار مأواه؛ لقوله صلوات الله عليه وسلامه: «كل الناس يدخلون الجنة إلا من
[ ٨١٥ ]
أبى» قالوا: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (^١)، والخروج عن الطريق هو عدم التوفيق، فاسلك الطرقَ ولو دارت؛ إن أردت الوصول، وائت البيوت من أبوابها إن أردت الدخول.
والاقتصاد في السنة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة. قال ﷺ: «عملٌ قليل في سنَّةٍ خيرٌ من كثير في بدعة». وطريق النبي ﷺ قريب وتوصل إلى الحبيب، فمن دخلها أدخله الله دار القرار، ومن عدل عنها سلك الأوعار، ويخاف عليه من عذاب النَّارِ وسخط الجبار، والخوارج كلاب النار. كذا ورد في الأخبار عن السيد المختار الكامل الأنوار ﷺ صلاةً دائمةً إلى يوم القرار. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، معناه: يا أهل كل كتاب لستم على شيء حتى تكونوا متبعين لا مبتدعين، والمبتدعين ليسوا من المتقين وأعمالهم مردودة عليهم لقول رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، فأعمالهُم أُعميَ، وأفعالهُم أفعَى لهم.
والفتى من اتبع، والشيطان من ابتدع، فمن يدعي الفتوة ويجمع الجموع والمردان، ويلبسهم لباسًا ويشد تكة بيده، ويسقهم ماءً وملحًا، ويمد لهم الخوان، فقد خرج عن السنة والقرآن، وخالف في فعله هذا جميع الأديان، واتبع طريق المغرورين الهالكين المبعودين عن رحمة رب العالمين؛ لأنهم خرجوا عن طريق سيد المرسلين والصحابة المكرمين والأئمة الراشدين، وأضافوا هذه القبائح لأمير المؤمنين، فهم مساكين حيارى، لا هم داخلون في طريق نبيهم، وخرجوا عن شرع اليهود والنصارى، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وكل أحد له سبيل أي طريق، والكل يبعد عن الله، والطريقُ الموصلة إلى من له الفضل والمنة هي الكتاب والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا
_________________
(١) تقدَّم تخريج هذا الحديث وبقية الأحاديث المذكورة في هذه الرسالة في تعليقاتنا على كتاب «اللمع في الحوادث والبدع»، فلا نكرر ذلك.
[ ٨١٦ ]
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وهذه الآيات محكمات بإجماع المفسرين لم يُنسخن بشيء، فمن عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. قال صلوات الله عليه وسلامه: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد»، فالسني في الدنيا شهيد وفي الآخرة سعيد، والمبتدع في ضلال بعيد. قال المبعوث بالرسالة: «كل بدعة ضلالة».
والفتوة التي تعمل في هذا الزمان هي من أقبح البدع، وهي مما ترضي الشيطان، وتغضب الرحمن، ما هي مذكورة في الحديث، ولا نطق بها القرآن، وقد نصحتك يا أخي والنصح من الإيمان.
ثم اعلم بأنها تشتمل على معاصي كثيرة، منها: كذبهم على الله تعالى؛ لأن كبيرهم إذا وقف يقول: وقوفي لله. ووقوفه لعلَّة لا لله، ويقول: وفي طاعة الله. فكذب في الأول ولا صدق في الثاني؛ لأنه وقف يدعو الناس إلى الباطل، وبعد هذا يقول: واتباعي في هذه الفتوة لآل بيت النبوة، واللباس لفلان، والفتوة فتوة علي بن أبي طالب.
والله ما هذه صفة من هو في الله ورسوله راغب؛ لأنه كذب في الأول، ولا صدق في الثاني، وأخطأ في الثالث.
وجمعهم المردان وإخوان البطالة، وهذي الأخرى من الضلالة؛ لأن الشعبي وغيره من مشايخ الأشياخ، كلٌّ منهم نهى أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد الحسن الوجه، ونهى أيضًا عن مجالسته، وأقام أمرد من بين يديه وأجلسه خلفه وقال: كانت خطيَّة داود النظر. فمن خالف قول النبي ﷺ وفعله فهو عبد محجوب إلا أن يتوب؛ فينال حينئذٍ المطلوب. قال بعضهم شعرًا:
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته … يوم النِّزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتًى غضَّ طرفًا أو ثنى قدمًا … عن الحرام فذاك الفارس البطل
وقال ﷺ: «حرِّمت النار على عينٍ غضت عن محارم الله».
والبدعة الأخرى شد تكة الأمرد بين جمع من المسلمين، وذلك
[ ٨١٧ ]
يوجب لهم المقت من رب العالمين، وهذه الأشياء تأتي من قلة الحياء والدين، والذي قال الصادق الأمين ﷺ وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم الدين: «الحياء من الإيمان».
والبدعة الأخرى شربهم ماءً وملحًا، وما يفعله إلا كل مبتدع وشيطان.
يفعلون هذه المصائب ويضيفونها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
والفتى الصادق من كان هو لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ موافقًا.
فَيَا مَنْ يدعي الفتوة وهو تارك لطريق النبوة يطعم الشبعان ويترك الجيعان ويكسو المردان ويترك العريان أفق أيها الإنسان، فقد غرك الشيطان إذ أخرجك عن طريق النبوة، فنظرك إلى الأمرد حرام، وطعامك شر طعام، وقد خرجت عن طريق النبوة فنظرك قال ﵊: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين».
قال السيد الجليل سهل بن عبد الله التستري: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم اللوطيون وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث نعوذ بالله من ذلك كله. وقد ذم الله تعالى اللوطي ولعنه.
والفتيان هم الذين تركوا العصيان، واجتهدوا في الطاعة والإحسان، فهم يأخذون في الزيادة، وغيرهم يأخذ في النقصان، ويكفيك في الفتوة هذا البيان: ليس الفتى من ضرب بالسكين الفتى من أطعم المسكين. قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، فمن أطعم اليتامى وكسا الأرامل فهو الفتى الكامل، وسيعود خير ذلك إليه في العاجل والآجل، فإن احتج أحدهم في ارتكاب هذه المحظورات لفعل الخيرات: كخلاص محبوس، أو من لزمه دين؛ وهي من أفعال البر. قال الله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فيمشي الكبير على أصحابه ويقول: خلصوا أخاكم في الفتوة. جوابه: اسمع يا قليل المرُوَّة، هذا كله من تلبيس إبليس؛ مراده أن يخرجك عن طريق النبوَّة؛ فيغرك كما غر أباك لتكون النار مأواك. قال سبحانه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]،
[ ٨١٨ ]
ومن غش أباك لا يكون لك ناصحًا. فأخرج أبويك من الجنة فأدركتهما المنَّةُ. قال المولى القدير: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. وقد أجمع العلماء أنه لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتهجم على مثل هذه المحرمات لفعل الخيرات. فمن فعل ذلك فقد فعل شيئًا لم يؤمر به، وترك شيئًا أمره الله به، فيجب على المسلم ترك الكذب على آل بيت النبي ﷺ والنظر إلى ما حرَّم الله تعالى، ولا يجب عليه السعي في خلاص المحابيس المناحيس ومن بلاهم يدبرهم، فيكون مثلُ من يفعل ذلك كمثل امرأة تزني وتتصدق به، يقال لها: لو تركتي الزِّنى كان أحب إلى الله تعالى من هذه الصدقة. قال بعضهم شعرًا مناسبًا لهذا:
بنى مسجدًا لله من غير حلِّه … وجاء بحمد الله غير موفَّق
كمُطعِمة الأيتام من كدِّ فرجها … لك الويلُ لا تزني ولا تتصدَّقي
اسع أيها المسكين! في خلاص نفسك أولًا من البدعة والهوى، ثم اسع في خلاص غيرك. قال ﷺ: «ابدأ بنفسك، ثمَّ بمَن تعولُ». ثم اعلم رحمك الله وجميع المسلمين أنه لا يحل لمسلم أن يسعى في خلاص مجرم، كمن يدعي الفتوة ويكذب على آل بيت النبوة، ويفسد أولاد المسلمين، ويضرب بالسكين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال أبو حنيفة ﵀: نفيهم حبسهم. ويخاف أيضًا على من سعى في خلاص هؤلاء الأشرار أن يسجنه الله تعالى غدًا في النار.
فإن قالوا: إن هذه الطريقة ما أحدثناها بل أخذها كبير عن كبير إلى الخليفة، ليس ذلك بحجة لقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». ما قال: بسنة الخلفاء الخارجين! وكان في الخلفاء الخوارج عن السنة، وقال ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فلا تطع أيها العاقل الخليفة وتعصى الشريعة الشريفة، ولا تغتر أيها المسكين! بمن اجتمع حولك من المدبرين وبقولهم لك: يا كبير. فيحملك ذلك بأن تفسق
[ ٨١٩ ]
عن أمر ربٍّ قدير، وتخرج عن طريق البشير النذير، فحينئذٍ يخاف عليك أن تمنع من دخول جنةٍ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولباس أهلها حرير. وهذا جزاء لمن عصى الناقد البصير.
ثم اعلم رحمك الله! أن كثيرًا من الناس كان سبب هلاكهم تعظيم الخلق لهم فمنهم من مات جاحدًا، قال الله تعالى في رؤساء مكة زادها الله شرفًا: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ومنهم من مات فاسقًا، والفاسق من يعمل المعصية جهرًا كمن يعمل «القوصرة» ويجمع الناس على شيء يقال له: «التزكرة» (^١)، فيؤتى بأمرد سبحان من خلقه وصوره، فيخلع لباسه بين يدي من حضره ويلبسه غيره، ويشد تكته بيده، وقد حرم الشرع الخلوة معه ومسه ونظره، فتمسك أيها المسكين بالشرع الشريف، ودع عنك أفعال الفجرة.
وأقبح من هذا فعله مع الرجل الكبير، وإنما يلبس الطفل لأجل صغره ثم بعد هذا البدع يشربون الماء والملح، ويضيفون هذه المصائب لآل بيت النبي ﷺ الكرام البررة ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس: ١٧]. لقد افتروا الكذب على أمير المؤمنين، والذي خلق الإنسان فقدره، وشق سمعه وبصره، فسبحان الحليم الذي لا يعجل على عبده المدبر إذا خالفه فيما أمره، ويمهله ليومٍ عظيم يرجف قلبه، ويشخص بصره.
_________________
(١) في النسختين: (العزيزة) و(التذكرة)، والأولى صوابها ما أثبتناه كما تقدمَّ في كلام السبكي (ص: ٢٢٨ و٢٤٤)، أمَّا (التذكرة) فقد ورد في كلام ابن تيمية في «الفتوة» ما يدل على أن الصواب في هذه الكلمة: «دسكرة»، ففي السؤال: ويسمون المجلس الذي يجتمعون فيه: دسكرة. وقال ابن تيمية: «وأما لفظة الدسكرة فليست من الألفاظ التي لها أصل في الشريعة فيتعلق بها حمد أو ذم، ولكن هي في عرف الناس يعبر عنها عن المجامع، كما في حديث هرقل: أنه جمع الروم في دسكرة. ويقال للمجتمعين على شرب الخمر: إنهم في دسكرة. فلا يتعلق بهذا اللفظ حمد ولا ذم، وهو إلى الذم أقرب؛ لأن الغالب في عرف الناس أنهم يسمون بذلك الاجتماعَ على الفواحش والخمر والغناء». انظر: «مجموع الفتاوى» ١١/ ٨٦ و٩٤، و«مجموعة الرسائل والمسائل» ١/ ١٤٧، و١٥١، و١٥٤. (ت)
[ ٨٢٠ ]
ويجب على ولاة الأمور المسلمين منع هؤلاء المضلين الضالين المخالفين لرب العالمين الخارجين عن طريق سيد المرسلين والصحابة والمسلمين، فمن فعل ذلك فقد غنم، ومن لم يفعل فقد أثم، ثم قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] مدح هؤلاء، وذم آخرين بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]، فمن عجز عن أمرهم وزجرهم فلا بدَّ من هجرهم، فإن فاتك الأجر الأول لا يفوتك الثاني. قال ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله». ومن لم يفعل هذه البدعة ورضي بها لم يرض الله عنه؛ لأنه رضي بشيء فيه سخط الله، وصح في الحديث: «إن من رضي بالفاحشة كمن فعلها». ويخاف على من كثَّر سوادهم أن لا يبلِّغَهم [الله تعالى] (^١) مرادهم لقوله صلوات الله عليه وسلامه: «من كثر سواد قومٍ فهو منهم». وقال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»؛ وهذه البدعُ كلها ضلالة. ومن أحبهم أبغضه الله تعالى وحشره معهم بلا محالة لقوله ﷺ: «المرء مع من أحب». والعبد المبارك موافق لسيده، فيحب من أحبه، ويبغض من أبغضه، ويقرِّب من قرَّبه، ويُبعد من أبعده، فقد جاء في الحديث: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان».
وقال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم.
وقال ابن مسعود ﵁: لو قام رجل بين الركن والمقام وعبد الله تعالى سبعين سنة؛ يحشره الله تعالى يوم القيامة مع من أحب.
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «يموت المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل». فسيندم من أحب مبتدعًا أو كافرًا أو فاسقًا أو جعله خليلًا ندمًا لا آخر بعده. وَ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي
_________________
(١) الزيادة من «اللمع»
[ ٨٢١ ]
اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨].
وقال ﷺ لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي».
وقال علي ﵁:
لا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه
فكم من جاهل أزرى … حليمًا حين آخاه
واحذر أيها المسكين أن يغرَّك الشيطان بصحبته لتُخلِّصه مما هو فيه من البدعة والطغيان فتؤجر على ذلك، فيخاف عليك أن تصحبه لتُخلِّصه فتشتبك أنت الآخر وذلك لقلة أدبك، ولمخالفتك لله تعالى ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ولسماعك من الشيطان اللعين، فيكون مثلك كمثل من يدل بعومه فيرى غريقًا فينزل ليشيله من الغرق فيأخذه الغريق وينزل فيهلكا جميعًا، وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوف لتركهم الأمر بالمعروف، وذلك لقلة أدبهم، ولمخالطتهم لأهل المعاصي ومن أسي (^١) يستوحش، قال الله ﷿: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]، وكذلك هؤلاء الفتيان المخالفين للواحد القهار، والنبي المختار، وللمؤمنين الأخيار، لن يقبل الله تعالى يوم القيامة منهم الأعذار لما نبذوا الآيات والأخبار، وأحدثوا في الدين ما ليس منه، وكذبوا على آل بيت النبي المختار، الكامل الأنوار، صلوات الله وسلامه عليه آناء الليل وأطراف النهار.
وأحدثت هذه البدعة ببغداد ثم انتشرت لبقية البلاد، فأكثر أهلها الفساد بلمسهم ونظرهم لمن لم يحل له النظر شرعًا، وبكذبهم على آل خير
_________________
(١) (أسي) هذه أقرب قراءة لما في النسختين، وقال (ط): «أسي: بمعنى حزن. وقد تقرأ (ابتلي) إذا اعتبرنا اللام في الأصل غير واضحة». قلتُ: ولا أرى هذا مناسبًا للسياق، وأقترح: (أساء)، والله أعلم. (ت)
[ ٨٢٢ ]
العباد، فوقعوا في البدعة والقطيعة والبعاد، ومن رجع منهم بالتوبة تاب الله عليه ووصله به، وهو الكريم الجواد، فقد أوعد الله ذلك لمن تمسك بحبله واتبع سنة نبيه وهو لا يخلف الميعاد، قال بعضهم:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى … ولا تك بدعيًّا لعلك تفلح
ولذ بكتاب الله والسنن التي … أتت عن رسول الله تنجو وتربح
وسافر بهذا الزاد تلق سلامةً … وأمنًا وخيرًا حين تمسي وتصبح
تم الكتاب بحمد الله وعونه، تأليف الضعيف إدريس بن بيدكين التركماني (^١) الحنفي عفا الله عنه وعن جميع المسلمين، (وحشرهم في زمرة خير المرسلين، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأتباعه أجمعين، في يوم الأربعاء ثاني جمادى الآخرة سنة ثمان وثمان مئة) (^٢).
وقد كتب عليه السادة المشايخ المفتيون في المذاهب الأربعة (^٣) فسح الله في مدتهم ونفع ببركتهم.
فالأول للشيخ تقيُّ الدين ابن تيمية، صورة خطِّه (^٤):
الحمد لله رب العالمين.
هذا الكُرَّاسُ كلامُ رجل صادق ناصح، متبع لشريعة الإسلام، ناهٍ عما نهى الله عنه من الآثام، متبع للكتاب والسنة والأثر فيما دعا إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محب لله ولرسوله، راغب في طريق الله وسبيله، وما أنكره من هذه الفتوة التي تنسب إلى علي بن أبي طالب ﵁ [سَقيَ] (^٥) الماء والملح، ويتضمن من الفواحش والعدوان ما
_________________
(١) تقرأ في (ت): (الترجماني).
(٢) هذه الزيادة من (ل) فقط، وهي لتاريخ النسخ لا التأليف. (ت)
(٣) في النسختين: (الأربع).
(٤) في (ل): (فالأول: للشيخ تقي ال تيمية صورة خطِّه)، وفي (ت): (فالأول للشيخ ابن تيمية، صورة خطبة)، وما أثبته ملفَّق من النسختين.
(٥) بياض في الأصلين بمقدار كلمتين، والزيادة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوة في «جامع المسائل» ١/ ١٩١ ط: عزيز شمس، حيث قال ﵀: «وأما سقي الماء والملح وإلْباس السراويل ونحو ذلك فبدعة باطلة لا أصلَ لها، ولم يفعل ذلك أحدٌ من الأنبياء والصالحين، لا إبراهيم ولا علي ولا غيرهما». (ت)
[ ٨٢٣ ]
لا يرضاه أحدٌ من أهل الإحسان، وهو فيه من أعظم المطيعين لله ولرسوله، القائمين بما أرضى الله ورسوله، ويجب على كل مسلم أن يرضى بما فعله من ذلك، ويعاونه على ذلك إذا احتاج إلى المعاونة بما يقدر عليه، وبوجود هذا وأمثاله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يصلح الله للمسلمين دينهم ودنياهم.
وهذه الفتوة باطلة باتفاق علماء المسلمين، لا أصل لها عن علي بن أبي طالب، ولا عن أحد ممن يقتدِي به المسلمون في دينهم، وهم لو لم يجتمعوا على محرم ولا يتعاونون على إثم وعدوان لم يكن لهم أن يحدثوا عهودًا وشروطًا غير ما عهد الله تعالى إلى خلقه، وأمرهم به من كتابه وعلى لسان رسوله، بأنه يجب على كل مسلم أن يطيع الله ورسوله فيفعل ما أمر به ويترك ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من أولياء الله المتقين، وهو مستحق لكرامة الله وثوابه من الدنيا والآخرة، ولا يحتاج مع ذلك إلى ما أحدثه المبتدعون، فكيف إذا كانت فتوة الشيطان مشتملة على الإثم والعدوان من التعصب بالباطل لأصحابهم، والعدوان على من لم يكن من أحزابهم، والسعي من أسباب الفواحش والمنكرات التي هي من أعظم المحرمات، والواجب على المسلم أن يعامل المسلم بما أمر الله به ورسوله كما قال ﷺ: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا». وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يسلمه، ولا يظلمه، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». وقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه». وقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». وشبك بين أصابعه. وقال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قيل: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه عن الظلم فذلك نصرك إياه».
[ ٨٢٤ ]
وقال: «خمس تجب للمسلم على المسلم: يُسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويشيعه إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس».
فهذا وأمثاله مما أمر الله به رسوله من حقوق الآدميين بعضهم على بعض، وجلب المنفعة لهم ودفع الضرر عنهم فيه كفاية وغنى وشفاء عما يحدثه المبتدعون، ويفعله المبطلون، فالواجب على المسلمين الائتمار بما أمر الله به ورسوله، والتناهي عما نهى الله عنه ورسوله، والتعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان، والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، واتباع سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، واجتناب محدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والله سبحانه أعلم.
كتبه أحمد بن تيمية.
صورة خطِّ (^١) للشيخ الإمام محمد بن عبد الصمد الشافعي المعروف بالسنباطي أحد المفتين، كان رحمه الله تعالى، وراح من الأصل في التجليد، وهذا الباقي:
الفتوة أصل الأصول، منها تصاريف الوصول، واصلة بالأنبياء، شاهدة باسم العدول، فأنت رحمك الله إذا تأملت ما قاله أهل الخير والصلاح والرشد والفلاح علمت أن هؤلاء المساكين بعداء من الدين، بل هم من أكبر المبتدعين المارقين، فاجتنب مجالستهم، وابعد عن مقاعدهم، واعرب عن مقاصدهم، وامنعهم وازجرهم إن قدرت على ذلك، والله تعالى المنان أن يعصمنا من أحوال هذا الفتيان (^٢)، وأن يمزِّقهم كلَّ ممزقٍ في جميع البلدان، وأن يعدم آثارهم من الوجدان، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ويجبُ على وليِّ
_________________
(١) في (ت): (خطبة)، وكذا في المواضع التالية، وما في (ل) هو الصواب، والمرادُ أن النص المذكور منقول من خطِّ هؤلاء العلماء الذي قرَّظوا رسالة التركماني. (ت)
(٢) كذا تقرأ في النسختين، وأثبتها (ط): (الغثيان).
[ ٨٢٥ ]
الأمر دفعهم، وكسر يدهم، ومنعهم من هذا الاجتماع المفضي إلى النيران، والحمد لله رب العالمين.
كتبه: محمد بن عبد الصمد الشافعي حامدًا لله تعالى على السلامة ومصليًا على نبيه محمد ﷺ وعلى آله.
صورة خطِّ الشيخ فخر الدين عثمان بن إبراهيم المارديني الحنفي أحد المفتين وناظر البيمارستان المنصوري، وهو من الأعيان:
اللهم وفق والطف وارحم.
هذا الكلام المذكور في هذه الكراسة دالٌّ على أن قائله من الناصحين لدين الله الصالحين لهداية خلق الله، الموضحين لسنة رسول الله ﷺ، ولو انتدب من أهل الحق كما انتدب هو رجال وجاهدوا بسيف الصدق وأوسعوا المجال لما شاعت هذه البدعة وأمثالها، ولأسرع تلاشيها وزوالها، والله سبحانه قد أمرنا بذلك فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ومدحنا عليه فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١]، ولعن قومًا وذمهم بتركهم لذلك فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦].
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن ربكم تعالى يقول: إياكم والتظالم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تسلوني فلا أعطيكم، وتدعوني فلا أستجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم». وعنه ﷺ أنه قال: «إياكم والجلوس بالطرقات» فقالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا نتحدث
[ ٨٢٦ ]
فيها. فقال ﵇: «فإذا أتيتم إلى المجلس فأعطوا الطريق حقه». قالوا: يا رسول الله، وما حق الطريق؟ فقال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». وتمثيلُ النبيِّ ﵇ بالقوم الذين استهموا في السفينة معروفٌ. وما تولدت هذه الآفة وغيرها في المملكة الإسلامية إلا من فرط التهاون في إزالتها حين ظهورها، وتأخيرها من ساعتها إلى سنيها وشهورها، وقد أحسن من قال:
أرى خلال الرماد وميض نار … ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب أوله كلام
لئن لم يطفها عقلاء قومٍ … يكون وقودها جثث وهام
وهذه الفتوة المعهودة الآن بين هذه الطائفة الضالة وشروطها عندهم من البدع التي تأباها قواعد الدين، ولا أصل لها في الشرع، وقد ارتكب مُدَّعوها أمورًا يقتضي بعضها التحريم، وهو نسبة هذا الأمر إلى علي بن أبي طالب ﵁ فمن نسبه إليه فقد افترى عليه، وكذا المسُّ والنظر المحرمان شرعًا، ويقتضي بعضها التكفير وهو استحلال قتل من لا يحل قتله شرعًا، فالويل لمن رضي لنفسه بالانخلاع عن الشريعة المحمدية، واطِّراحِ (^١) ربقة الاتباع للسنة النبوية، ولكن ما أسرع النفوس إلى قبول البدعة ونبذ السنة، وما أشد تفريطها فيما هي مكلفة به ومسئولة عنه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٤]، نسأل الله تعالى توفيقًا نعرف به الحق فنتبعه، ونعرف به الباطل فندفعه، ونسأله قلبًا واعيًا للحق، ولسانًا متزينًا بالصدق، ناطقًا بالنصيحة للخلق بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم.
كتبه عثمان بن إبراهيم المارديني الحنفي حامدًا لله تعالى ومصليًا على
_________________
(١) غير واضحة في (ت)، وفي (ل): (والحراح). وفي (ط): (والجراح) ولعل الصواب ما أثبته. (ت)
[ ٨٢٧ ]
نبيه محمد وعلى آله وصحبه ومسلمًا.
صورة خطِّ قاضي القضاة محمد المالكيِّ، الحاكم بالقاهرة ومصر المحروستين، أعزَّ الله تعالى أحكامه.
يقول العبد الفقير إلى الله ﷾: الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين. إن هذه المقالة بدعة وضلالة، ارتكبها أهل السخف والجهالة، يتعين على ولي الأمر منعهم من ارتكابها، وحسم هذه المفسدة وسد بابها، فإن الفتوة بذل المجهود في رضى المعبود، والإعراض عن الأكوان في رضى الرحمن، والغيرة للحق، والقيام فيما وجب له من حق مع ترك الالتفات في ذلك إلى الخلق، والتخلق بالأخلاق الجميلة، واجتناب كل رذيلة، والقيام بحقوق الإخوان بحسب الطاقة والإمكان، متابعًا في ذلك كله النبي المصطفى وحسبنا الله سبحانه وكفى.
(وكتبه: العبد الفقير إلى الله وهو محمد بن أبي بكر بن عيسى الإخنائيُّ المالكي عفا الله عنه بمنه وكرمه) (^١).
_________________
(١) زيادة من (ل)، وفيه: (الخنائي)، وقد تقدمت الإشارة إلى ترجمة هؤلاء العلماء الأربعة في مقدمة التحقيق. قال عبد الحق بن ملا حقِّي بن علي بن غني التركمانيُّ غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات: هذا آخر كتاب «اللمع في الحوادث والبدع»، ورسالة «الفتوة» التي ألحقناها به، وقد أتممتُ مراجعتهما وتصحيحهما واستدراك ما لزم من التخريج والتوثيق والتعليق؛ في ليلة الاثنين: ٢٠/ ٢/ ١٤٣٢ هـ، الموافق: ٢٤/ ١/ ٢٠١١ م، في غوطبورغ، مدينة الملك غوسطاف أدولف الكبير على نهر غوطا، غرب مملكة السويد، هدى الله أهلها إلى دين الإسلام، وأصلح من دخلها من المسلمين، وحفظ ذرِّياتهم، وجعلهم من أهل الهدى والتقوى والاستقامة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، له الحمد في الأولى والأخرى، وصلى الله وسلَّم على عبده ونبيِّه محمد وعلى آله وأصحابه وأنصاره إلى يوم الدين.
[ ٨٢٨ ]