وهو بدعة ولاعبه مفتون، صحَّ في الخبر أن لاعب النَّرْد ملعون (^١)؛ والعُمر عزيز، لا عوض لما ذهب منه، قال المولى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].
فلا تقامر بعمرك يا قليل المُروَّة، وتخرج بفعلك هذا عن طريق أهل الخير والدين والنبوَّة، فقد حرَّمه أبو حنيفة وأحمد ومالك (^٢)، فلا تلق نفسك في البدعة والمهالك.
وقال الشافعي ﵁ وعنا وعنهم أجمعين في كتاب «أدب القضاء»: أكره من جهة الخبر اللعب بالنرد، ولا أحب اللعب بالشطرنج، وأكره كل ما يلعب به الناس؛ لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين، ولا المروءة (^٣). وأين المروءة لمن يخرج عن طريق السادات، ويشتغل عن العبادات بشيء أوله لعب، وأوسطه كذب (^٤)، وآخره مات.
قال لي من أثق بقوله: أنه قال لصاحب له وهو في النَّزْع، وكان من
_________________
(١) سيأتي تخريجه إن شاء الله.
(٢) انظر: «الدر المختار» ٦/ ٣٩٤، و«الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» ١٢/ ٤٠، و«القوانين الفقهية» لابن جزي (ص ٢٧٨).
(٣) «الأم» ٦/ ٢٠٨.
(٤) في (خ): كدر.
[ ٢١١ ]
لَعَبَةِ الشطرنج: قل: لا إله إلا الله. فثقلت عليه، وقال: شاه. ثم خرجت روحه.
ومما يؤيد هذا القول [قوله] ﷺ: «يموت المرء على ما رُبِّي عليه، ويبعث على ما عاش عليه» (^١).
ورأيت في كتابٍ: بينما رجل على باب داره، فمرت به امرأة فافتتن بها، فدفعها فوقعت في بيته، فقالت له: وأين المأكل والمشرب؟ فذهب فرحًا، وهيأ المقام، فخرجت المرأة وذهبت إلى الحمام، فابتلي الرجل بحبها وقال فيها أبياتًا، وصار يولع بتلك الأبيات، فقيل له عند النزع: قل: لا إله إلا الله. فقال تلك الأبيات ومات (^٢). فلما رُبِّي على
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ مسندًا، وإنما ذكره السمعاني في «تفسيره» قوله تعالى: [أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم] [الجاثية: ٢١]، وابن عُجيبة في: «البحر المديد» عند قوله تعالى: [كل نفس بما كسبت رهينة] [المدثر: ٣٨]. ويغني عنه ما أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣١٤ (١٤٣٧٣)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٠١٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٨٧٨) من حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يبعث كل عبدٍ على ما مات عليه».
(٢) ذكر عبد الحق الإشبيلي في «العاقبة في ذكر الموت» ١٧٩: أنه رُوي أنَّ رجلًا نزل به الموتُ، فقيل له: قل لا إله إلا الله! فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ قال: وهذا الكلام فيه قصة، وذلك أن رجلًا كان واقفًا على باب داره، وكان بابها يشبه باب حمام، فمرت به جارية لها منظر، وهي تقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال لها: هذا حمام منجاب. وأشار إلى داره، فدخلت الدار، فدخل وراءها، فلما رأت نفسها معه في داره، وليست بحمام، علمت أنه خدعها، فأظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه على تلك الخلوة في تلك الدار، وقالت له: يصلح أن يكون عندنا ما يطيب به عيشنا، وتقر به عيوننا. فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين، وبكل ما تشتهين. وخرج، فتركها في الدار، ولم يغلقها، وتركها مفتوحة على حالها، ومضى، فأخذ ما يصلح لهما، ورجع، ودخل الدار فوجدها قد خرجت وذهبت، ولم يجد لها أثرًا، فهام الرجل بها، وأكثر الذكر لها، والجزع عليها، وجعل يمشي في الطرق والأزقة، وهو يقول: يا رُبَّ قائلة يومًا وقد لغِبت … أين الطريق إلى حمام منجاب =
[ ٢١٢ ]
هذه الحالة مات عليها؛ كما جاء في الحديث: «يموت المرء على ما يربى (^١) عليه» (^٢).
وكان لي أخٌ من جنس التَّطَر (^٣)، وكان يتَّبع الأثر، ويحب القرآن والخبر، فطلب مؤلفَ الكتاب عند النزع، وقال للحاضرين: اقرءوا القرآن حتى أسمع، فإني أحبه فقرؤوا عنده، فلما ثقل سمعه، قال لهم: خذوا علىَّ سُوَرِي (^٤). فلما فرغ، قال لهم: في قراءتي لحن؟ قالوا: لا. قال: الحمد لله. وقال: خذوا عليَّ الشهادتين أيضًا. فلما أخذوا قال لهم: في إقراري بالشهادتين لحن؟ قالوا: لا. قال: الحمد لله. ثم قال: اشهدوا لي بذلك بين يدي الله تعالى. ثم طلعت روحه الطيبة.
فانظر رحمك الله إلى بركة الطاعة، وإلى شؤم المعصية؛ يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: من أطاعني في كل شيء، أطعته في كل شيء (^٥).
وفي الخبر: يقول الله تعالى كلَّ يوم: أنا العزيز، من أراد عِزَّ
_________________
(١) = وبعد أشهر مرَّ في بعض الأزقة، وهو ينشد هذا البيت، وإذا بجارية تجاوبه من طاق، وهي تقول: هلا جعلت لها إذ ظفرت بها … حرزًا على الدار أو قفلًا على الباب فزاد هيمانه، واشتد هيجانه، ولم يزل كذلك حتى كان من أمره ما ذكر، فنعوذ بالله من المحن والفتن. (ت)
(٢) في (ق): عاش.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) التَّطر: هم التَّتَر، أو التَّتار، أو التَّاتار. وكتابة هذا الاسم بالطاء نادر جدًا. (ت)
(٥) أي السور التي كان يحفظها، ﵀. (ت)
(٦) دخل هذا على المؤلف من شيخه ابن عطاء الله، فقد نقل هذا في «لطائف المنن» عن شيخه أبي الحسن الشاذلي، قال: «في بعض كتب الله المنزَّلة على أنبيائه: قال الله: من أطاعني في كل شيء أطعته في كل شيء». وممَّا قال الشاذلي في شرحه: … أطعته في كل شيء بأن أتجلَّى له في كل شيء، حتى يراني كأنِّي عينُ كل شيء! قلتُ: يتوسَّل الصوفية بمثل هذا الخبر المكذوب إلى القول بالاتحاد، والله المستعان. (ت)
[ ٢١٣ ]
الدارين (^١)، فليُطع العزيز (^٢).
وكان حبيب العجمي يقول: نِعْمَ الربُّ ربنا، لو أطعناه ما عصانا (^٣).
فما توقفت الخيرات عن المؤمن إلا لتوقفه هو، فلو ذهب عن قلب الغافل المعاصي والبدع والأكدار، لصلح هذا القلب المسكين لنزول الأنوار طَهِّر المنزلَ حتى ينزل يقول الله ﷿: لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن (^٤).
وإذا أراد الله بعبد خيرًا شغله به، ومن لم يرد به خيرًا شغله بغيره، والحق سبحانه انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، ومن لم تفتح له المنازل رضي بالمزابل. قال بعض العارفين:
قال لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا
لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا
_________________
(١) في (ق): الدنيا والآخرة.
(٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٨/ ١٧١، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٢/ ٧، وابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ١١٩ وقال عقبه: هذا حديث لا يصح. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٥٧٥٢): موضوع.
(٣) لم أجده عن حبيب العجمي، وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٩٠٨٠)، والبيهقي في «الزهد الكبير» (٧٢٠) من كلام التابعي الثقة الإمام أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي ﵀. وحبيب بن محمد العجمي هو أبو محمد البصري: أحد الزهاد المشهورين الموصوفين بالزهد والورع، زاهد أهل البصرة، وعابدهم، روى عن: الحسن البصري، وشهر بن حوشب، والفرزدق شيئًا يسيرًا. وعنه: حماد بن سلمة، وأبو عوانة، وجعفر بن سليمان، وداود الطائي، ومعتمر بن سليمان، وآخرون. وكان مجاب الدعوة، تؤثر عنه كرامات وأحوال، وكان له دنيا، فوقعت موعظة الحسن في قلبه، فتصدق بأربعين ألفًا، وقنع باليسير، وعبَدَ الله حتى أتاه اليقين. مترجم في «تهذيب الكمال» (١٠٩٧)، و«سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٤٣.
(٤) باطل، وسبق تخريجه.
[ ٢١٤ ]
دقَّ بعضهم الباب على معروف الكرخي، فقال الشيخ من داخل: اللهم من جاء يشغلني عنك، فاشغله بك عني. فاستجيبت دعوة معروف، وشغل الرجل بالله تعالى (^١).
من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أحب الفوائد؛ صبر (^٢) على الشدائد.
ثم اعلم بأن عُمرًا ضُيع أوله، جدير أن يحفظ آخره؛ لأن الأعضاء قد يبست على حب المخالفة، أما سمعت أو رأيت شيخًا يقول لشيخ مثله: قم حتى نلعب أو نشرب. الموت بين عينيه، وقلبه معلق بشيء يبعده عن ﵀، يخجله إذا وقف بين يديه، وسيندم ندمًا لا آخر بعده لذهاب عمره، ولما فاته من مقام رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
قال ﷺ: «من مات ندم» (^٣)، فإذا كان المحسن يندم كونه الذي ما ازداد طاعة وإحسانًا، فكيف لا يندم من محق عُمره في المخالفة، وما ازداد إلا بدعة وطغيانًا.
قبيح بك أيها المؤمن، تشيب وأنت طفل لا تفهم مراد الله منك، الشباب يتقربون إلى الله سبحانه بالطاعة، وأنت أيها الشيخ الضال تتباعد عنه بالبدع والمعاصي والشناعة، والعجب من شاب يستحي من الله تعالى أن
_________________
(١) لم أقف عليه عن معروف، وإنما رواه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٣٦٦ عن السري السقطي.
(٢) في (خ): هجم.
(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٣)، ومن طريقه الترمذي في «جامعه» (٢٤٠٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد يموت إلا ندم» قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: «إن كان مُحسنًا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون نزع». قال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة، وهو يحيى بن عبيد الله بن موهب مدني. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥١٤٦).
[ ٢١٥ ]
يفعل ذلك، ومن شيخ يتصابَى، ويُذهب بما بقي من عمره في البدع والمهالك. وفي الحديث: «إن الله تعالى يعجب منهما» (^١).
مر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ (^٢)
عجبًا من قوم أمروا بالزاد، ونودوا بالرحيل؛ وقد حبس أولهم لآخرهم، وهم قعود يلعبون. لو كنت أيها اللاعب كَيِّسًا فطنًا لكانت حقوق الله سبحانه عندك أحظى من حظوظ نفسك، أما سمعت قوله ﷺ: «الكيِّس من دانَ نفسه، وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله» (^٣).
يا من أنذره الشيب، وصافحته المنايا، ولا يترك اللعب والبدع والخطايا، أما تستحي ممن يستحي منك. قال ﷺ: «إن الله يستحيي أن يعذِّب شيبة شابت في الإسلام» (^٤).
فمن استحيا من الله تعالى، راجيًا رحمته وثوابه، استحى الله تعالى يوم القيامة من تخويفه وعذابه. قال الله سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
قال الفضيل بن عبد الوهاب: كانت لي أخت من أعبد الناس سمعتها
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٥١ (١٧٣٧١)، وأبو يعلى في «مسنده» (١٧٤٩) من حديث عقبة ابن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عجب ربنا من الشاب الذي ليست له صبوة». وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٦٥٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٦٦٨٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢١٢، وضعفه الألباني في «إرواء الغليل» ٨/ ٢٨٨.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه الحارث في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (١٠٨٤)، وإسناده ضعيف، وعزاه السيوطي في «الجامع الكبير» (٢٧٠٨) لابن النجار بسنده عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: «إن الله يستحيي من عبده وأمته يشيبان في الإسلام يعذبهما». وذكر العجلوني في «كشف الخفاء» (٧٤٢) أن سنده ضعيف.
[ ٢١٦ ]
يومًا تقول: ليس بيننا وبين أنْ نَرد مَوارد السُّرور، أو نُنادى بالويل والثبور، ونرى منازلنا من الجنان، أو نصير بين أطباق النيران، إلا مفارقة الأرواحُ الأبدانَ، فانظروا اليوم أيَّ عبيدٍ تكونون غدًا، أواه على بُعد السفر، وقلة الزاد، والفضيحة في يوم المعاد. ثم بكت حتى ماتت (^١).
قال محمد بن النَّضْر الجهني (^٢): حُدِّثتُ أنه كان في صُريم امرأةٌ يقال لها: بردة الصريمية بكت حتى ذهبت عيناها. فقيل: يا بردة! إلى متى هذا البكاء؟ أوما تري عينيك قد ذهبتا؟ فقالت: إن كانتا للنار، فقد أبعدهما الله، وإن كانتا للجنة فسيبدلني الله ﷿ أحسن (^٣) منهما (^٤).
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٣/ ١٨٩ في ترجمة: (أخت الفضيل بن عبد الوهاب) ضمن (المصطفيات من العابدات الكوفيات ذكر المسميات منهن والمنسوبات)، وفضيل بن عبد الوهاب هو أبو محمد القنَّاد الغطفاني السكري الكوفي، نزل بغداد، وهو أصبهاني الأصل، ثقة من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، أخرج له أبو داود. (ت)
(٢) هو الحارثي وليس الجهني أبو عبد الرحمن الكوفي، عابد أهل الكوفة في زمانه. قال ابن حبان في «الثقات»: من عباد أهل الكوفة وقرائهم، والحافظين ألسنتهم في أحوالهم وأوقاتهم، ما له حديث مسند يرجع إليه، إنما له الحكايات في الرقائق، وكان صديقًا للثوري وفضيل بن عياض، روى عنه أهلها. وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٤/ ٧٤١: روى عن الأوزاعي يسيرًا، وعنه: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو نصر التمار. قال ابن المبارك: كان إذا ذكر له الموت اضطربت مفاصله. وقال بعضهم: شهدت غسل محمد بن النضر، فلو سلخ كل لحم عليه ما كان رطلًا. وعن أبي الأحوص سلام بن سليم قال: كان محمد بن النضر جعل على نفسه أن لا ينام قبل موته بثلاث سنين، إلا ما غلبت عينه. وقال عبثر بن القاسم: اختفى محمد بن النضر عندي من الوزير يعقوب بن داود في هذه العلية أربعين ليلةً، فما رأيته نائمًا ليلًا ولا نهارًا. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد القدوس بن بكر، عن محمد بن النضر قال: أول العلم الإنصات، ثم الاستماع له، ثم حفظه، ثم العمل به، ثم بثه.
(٣) في (ق): خيرًا.
(٤) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٤/ ٣٦ في (ذكر المصطفيات من عابدات البصرة) ترجمة: (بردة الصريمية)، ولفظه: عن موسى بن سعيد أو غيره، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد إن هاهنا امرأة يقال لها بردة، قد فسدت عيناها من البكاء، فدخل عليها، فقال لها: يا بردة! إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لبصرك عليك حقًّا. قالت: يا أبا سعيد إن أكن من أهل الجنة فسيبدلني الله بصرًا من خيرًا بصري، وإن أكن من أهل النار فأبعد الله بصري.
[ ٢١٧ ]
وما ذكرت هاتين المرأتين وما اتفق لهما من الأحوال إلا توبيخًا لكثير من الرجال، ولمن يدعي الأهلية (^١)، وقد شغل باللعب والكذب والأماني والمحال، ولم يخف تغيير الأحوال؛ ولا من سطوة شديد المحال، كما (^٢) قيل في الأمثال: هذه العمائم، فأين الرجال؟! ولقد تشبه أهل الغفلة بالرجال بقالبهم لا بقلوبهم، والحق سبحانه لا ينظر لقالب ابن آدم، بل ينظر إلى قلبه (^٣)؛ كما جاء في الحديث (^٤).
فمتى كان القلب خاليًا من البدع واللعب والأكدار، ملئ بالخوف والحكمة والأنوار، قال بعضهم (فيمن تشبه بقالبه دون قلبه) (^٥):
أما الخيام فإنها كخيامهم … وأري نساء الحي غير نسائها
لا والذي حجت قريش بيته … مستقبلين الركن من بطحائها
[ما أبصرت عيني خيام قبيلة … إلا بكيت أحبتي بفنائها] (^٦)
ثم اعلم بأنه يثقل على النفس ترك المألوف، وإن كان ذلك لا (^٧) يرضي المولى الرؤوف، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] أي يثقل العمل به.
_________________
(١) في (ق): الكبرية.
(٢) في (ق، ب): فقد.
(٣) في (ق، ب): لقلبه.
(٤) أخرج أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٨٤ (٧٨٢٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٦٤) (٣٤)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٤٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٨/ ١٩٣ - ١٩٤، من حديث أبي أمامة ﵁. وأخرجه هناد في «الزهد» (٨١٦) عن الحسن مرسلًا.
(٥) ليست في (ق).
(٦) ليست في (خ).
(٧) ليست في (ق).
[ ٢١٨ ]
كان الحسن البصري يقول: والله إنه ثقيل مبارك، يُثقل الله به ميزان العبد يوم القيامة (^١). فالحمل ثقيل والعبد ضعيف، ومما يدلك على ضعفه: كيف لا يستطيع غض البصر، ولا ينتفع بالمنظور ويخالف الآية والخبر؟ فيعصي المولى الجليل، وفي أكثر أوقاته إلى البدع والمعاصي يميل، فلما كان طبعه الميل، قال المولى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩].
فلا يزال الضعيف يقع ويميل حتى يدركه المولى الجليل، فمتى قام العبد بنفسه سقط، وإذا أقامه الحق يثبت (^٢)، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وكان ﷺ يقول: «يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك» (^٣).
فالقلوب بيد المولى المجيد، يقلبها كيف يريد، فقلبٌ (^٤) لا يصلح لخدمته؛ ابتلي بحب البدع، وصحبة العبيد كما تقدم، من لم تفتح له المنازل، رضي بالمزابل.
خرجت امرأة تريد المجاورة بمكة المعظمة فزارت ورجعت، فقيل لها: لم تركت المجاورة؟ قالت: ما صلحت للخدمة. فما سمي الإنسان إنسانًا إلا لأنه يحب الأنس، فمن لم يأنس بالله تعالى، أنس بغيره.
وقال قائلهم (^٥):
أنست بوحدتي فلزمت بيتي … فطاب الأنس لي ونما السرور
_________________
(١) لم أقف عليه من كلام الحسن، وأخرجه الطبري في «تفسيره» ٢٣/ ٦٨٢ من كلام ابن زيد.
(٢) في (ق): ثبت.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٨٢ (١٧٦٣٠) وقال: «يا مقلب القلوب»، وابن ماجه في «سننه» (١٩٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٧٣٨) من حديث النواس بن سمعان ﵁. وفي الباب عن أنس ﵁، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٩٨٨).
(٤) في (ق، ب): فأي قلب.
(٥) في (ط): أنشد لبعضهم.
[ ٢١٩ ]
وأدبني الزمان فلا أبالي … هُجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما دمت حيًّا … أقام الشيخ أم ركب الأمير
فقد علمت أن الإنسان يحب الأنس، كما (^١) قال بعضهم:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه … وما (^٢) القلب إلا أنه يتقلب
وقال ﷺ: «ما سمي القلب قلبًا إلا لتقلبه» (^٣).
وفي حديث آخر: «قلب ابن آدم أشد غليانًا من القِدْرِ إذا غلا» (^٤).
فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا قلَّب قلبه في الطاعة، وإن لم يرد به خيرًا قلَّب قلبه في حب البدع والغفلة والشناعة، وإذا أحب السيد عبده أيقظه، وإذا كرهه؛ قال: دعوه نائمًا.
وفي الحديث: إذا أحب الله عبدًا يقول: يا جبريل، أقم فلانًا، فإني أحب أن أسمع صوته، وأنم فلانًا فإني أكره أن أسمع صوته (^٥).
وفي حديث آخر: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (^٦).
فإن قال قائل: في الناس المتيقِّظ، فما معنى قوله ﷺ: «الناس نيام»؟
أجاب المؤلف: لما كان أكثر الناس نيامًا، خرج الحديث على الغالب؛ فالغالب عليهم الغفلات، وحب الدنيا، والبدع، والشهوات. فكل
_________________
(١) ليست في (ق، ب).
(٢) في (ق): ولا.
(٣) لم أقف عليه مرفوعًا، وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٥٨)، وابن الجعد في «مسنده» (١٤٥٠) من كلام أبي موسى الأشعري ﵁.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٤ (٢٣٨١٦)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٨٩، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٧٧٢).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) قال الحافظ العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (٣٦١١): لم أجده مرفوعًا، يعزى لعلي ابن أبي طالب. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٠٢): لا أصل له.
[ ٢٢٠ ]
من انعكف على بدعة أو على قبيح يهواه؛ فهو عبد ذلك الشيء، لا عبد خالقه ومولاه.
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، واسمع قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧].
يحكى أن بعض الفقراء انجمع على أمير فعرضت للفقير حاجة، فقام في الليل وصلى، ثم طلب حاجته من الله تعالى، فسمع قائلًا (^١) يقول له: اطلب حاجتك من إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا (^٢). أي اطلب حاجتك من الأمير، فكان ذلك سبب توبة هذا الفقير. قال العلماء: عبد الدرهم والدينار من لا يؤدي الزكاة، وعبد الزوجة الذي يشتغل بزوجته عن ذكر الله تعالى وطاعته.
هذا حال من شُغِل بالحلال، فكيف يكون حال من يشتغل (^٣) باللعب والكذب والمحال؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] قال العلماء: مَنْ أطاع الرحمن هو (^٤) عبد الرحمن، ومن أطاع الشيطان هو (^٥) عبد الشيطان، ليس كل بدن يصلح لعظمة الله ولخدمته، ولا كل قلب يصلح لحكمة الله تعالى ولمعرفته.
وقف رجل يصلي ورده في الليل، فلم يسمع حس أحد، فقال: يا رب، ما أقل الواقفين ببابك. فسمع قائلًا (^٦) يقول: ليس ذلك من قلة
_________________
(١) في (ق): هاتفًا.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ق): اشتغل.
(٤) في (ق): فهو.
(٥) في (ق): فهو.
(٦) في (ق): هاتفًا.
[ ٢٢١ ]
الأحباب، ولكن ليس كل أحد يصلح للباب (^١)، قال:
قل لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا
لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا
قيل لبعض السادة: ما علامة السعادة؟ قال: أن تطيع الله، وتخاف أن تكون مردودًا. وقيل له: ما علامه الشقاوة؟ قال: أن تعصي الله، وترجو أن تكون مقبولًا (^٢)، والشقي هو الذي يخرج عن سنة النبي المختار، ويطلب منازل الأخيار (^٣)؛ كلاعب النرد والشطرنج والقمار.
قال علي كرم الله وجهه: لاعب الشطرنج أكذب الناس؛ يقول: قتلت. وما قتل (^٤).
فقد تبين لك رحمك الله أن الله تعالى لم يخلق العباد للعب، ولا للكذب، وأن هذا ليس من صنعة أهل الدين، ولا هو طريق سيد المرسلين ولا الصحابة المكرمين، ولا طريق التابعين، فكيف تخرج عن طريقهم في الدنيا، وترجو أن تكون معهم في الآخرة؟ أما سمعت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
أما قرأت قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١]. ألم تصغ إلى قوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا»؟ (^٥) أما بلغك أيها المغرور: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (^٦).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٢٤٦ من كلام أبي عثمان.
(٣) في (ق): الأبرار.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢١٢ بلفظ: صاحب الشطرنج أكذب الناس.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.
[ ٢٢٢ ]
فيجب على المؤمن البصير أن يتوب من جميع البدع، ويقول: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير. فمن فعل ذلك غفر الله له وعفا، وحشره مع النبي المصطفى، وصحابته أهل الخير والجود والوفا.
ثم اعلم أن اللعب بالشطرنج محرم (^١) عند أبي حنيفة (^٢)، وهو قول علي، وابن عمر، وابن عباس ﵃، وابن المسيب، وسالم، والقاسم، وعروة، ومحمد بن علي بن الحسين، ومَطَرٍ الوراق، وابن سيرين، وإبراهيم، وأحمد، ومالك، وأبي جعفر، ومن تابعهم (^٣).
لما روى أبو هريرة ﵁، قال: مرَّ النبي ﷺ بقومٍ يلعبون بالشطرنج فقال: «ما هذه الكوبة؟ ألم أَنْهَ عن مثل هذا؟! لعن الله من فعل هذا» (^٤). ذكره القاضي أبو يعلى في رؤوس مسائله.
وروى أبو بكر عبد العزيز غلام أبي بكر الخلال بإسناده إلى رسول الله ﷺ، قال: «إن لله في كل يوم ثلاث مئة وستين نظرةً، ليس لصاحب الشاه فيها نصيب» (^٥).
ذكره الشيخ موفق الدين في «المغني»، وقال: قال أحمد: أصحُّ ما فيها قول علي كرم الله وجهه: إنها من الميسر (^٦).
ومرَّ علي ﵁ بقومٍ يلعبون بالشطرنج، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون» (^٧)، وتارةً حثا فيها التراب، وقال تارة: لأن
_________________
(١) في (خ، ب): يحرم.
(٢) انظر «الدر المختار» ٦/ ٣٩٤.
(٣) انظر «المغني» لابن قدامة ١٢/ ٣٦. وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين نفسه، وهو الباقر.
(٤) أخرجه الخلال في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص ٦٢ - ٦٣)، قال ابن طاهر المقدسي في «معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة» (٢٠٧): فيه مطهر بن الهيثم منكر الحديث.
(٥) أخرجه الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» ٢/ ٤٨٩ من حديث واثلة بن الأسقع، وقال الألباني في «الإرواء» ٨/ ٢٨٧: موضوع.
(٦) ذكره ابن قدامة في «المغني» ١٢/ ٣٦.
(٧) سبق تخريجه.
[ ٢٢٣ ]
يمسَّ جمرًا حتى تطفأ، خير من أن يَمسَّها (^١)، يعني اللاعب بها.
وقال لهم مرة: لولا أن تكون سُنَّة، لضربت بها وجوهكم (^٢).
وقال ابن عمر: إنها من الميسر. وأحرقها بالنار (^٣).
وسئل أبو جعفر، فقال: دعونا من هذه المجوسية؛ لا تلعبوا بها (^٤).
وقال إبراهيم: إنها ملعونة، فلا تلعبوا بها (^٥). وكان هو وأصحابه لا يسلِّمون على من يلعب بها.
وسئل عنها القاسم، فقال: ما ألهى عن ذكر الله، فهو من الميسر (^٦).
وقال مجاهد وأيوب: النرد والشطرنج سواء.
وقد ألحقها بالنرد في التحريم، وردَّ الشهادة بها: الشَّيخُ (^٧) وغيره، وأبو حنيفة (^٨)، ومالك (^٩).
وقال ﷺ: «من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله» (^١٠)،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢١٢، وقال الألباني في «الإرواء» ٨/ ٢٨٨: ضعيف جدًّا.
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢١٢، وإسناده ضعيف. وقوله: لولا أن تكون سُنَّة. أي لولا أن يُؤثر ذلك عني، ويقتدى بي في فعله.
(٣) لم أقف عليه من كلام ابن عمر ﵄، وقد سبق من كلام علي ﵁.
(٤) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢١٢. وأبو جعفر هو الباقر.
(٥) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٦٥٢٠) وإبراهيم هو النخعي.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢٠٥٦)، والخلال في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص ٦٣).
(٧) في النسخ: (المسيح). ومراده الشيخ الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي صاحب «المغني».
(٨) «الدر المختار» ٥/ ٤٨٢.
(٩) «الاستذكار في معرفة مذاهب علماء الأمصار» ٨/ ٤٦٢.
(١٠) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧١٨)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٦٦٧٧)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٣٩٤ (١٩٥٢١)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٥٤٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٢٦٩)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٣٨)، وابن ماجه في «سننه» (٣٧٦٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٥٢٩).
[ ٢٢٤ ]
وفي لفظ: «فكأنما غمس يده في لحم الخنزير» (^١). رواهما أبو داود، وفي لفظ: «ودمه».
وقال ﷺ: «مثل الذى يلعب بالنردشير ثم يقوم يصلي، كمثل الذى يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي، فيقول الله: لا أقبل له صلاة» (^٢).
وقال: «اللاعب بها قمارًا؛ يأكل لحم الخنزير، واللاعب بها غير قمار؛ كالمدَّهن بودَك الخنزير» (^٣).
قال بعض علماء (^٤) الشافعية: «يكره لعب الشطرنج، ولا يحرم؛ لأنه يحد الخاطر ويستخرج به، ويعلِّم الحرب والكر والفرَّ والنِّزال» (^٥). فكم أذهبت هذه المسألة من عُمرِ كل غافل وبطال، في البدعة والكذب والمحال، وكم ألهت عن ذكر الله الكبير المتعال. ومن قال بتحريمه يقول: نسلِّم لأنه يحد الخاطر؛ لكن يحده في القمار والسرقة والكذب والمغالطة والضلال، كما يفعله أهل الشعبذة. وقوله: يتعلم به الحرب والكر والفر والطعن والضرب؛ وهذا قياس مفسود، والصحيح أنه يبلد الخاطر، ويشغل عن الملك المعبود، وينسي طريق الحرب ويغطي خدعه. وفي الحديث:
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٥٢ (٢٢٩٧٩)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٢٧١)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢٦٠) (١٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٣٩)، وابن ماجه في «سننه» (٣٧٦٣) من حديث بريدة الأسلمي؛ أن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه».
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٧٠ (٢٣١٣٨) مختصرًا، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ١/ ٢٩١ - ٢٩٢، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦٥٣٥): منكر.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٦٦٧٨)، وابن الجعد في «مسنده» (٣٠٩٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢١٦ موقوفًا على عبد الله بن عمرو ﵄.
(٤) في (ق): فقهاء.
(٥) انظر «الحاوي في فقه الشافعي» ١٧/ ١٧٩.
[ ٢٢٥ ]
«الحرب خدعة» (^١).
والغرض في الحرب المغالبة، والهزيمة، وقتل الملوك وأسرهم من غير إنذارهم، ولا يراعى في جميع ذلك صفات مخصوصة، فيجوز للفارس قتل عدوه حيث وجده: يمينًا أو شمالًا، خلفًا أو أمامًا، وكذلك الراجل، وراكب الفرس والفيل. فيجوز للرجل قتل جماعة في جملة واحدة، ويتخطى قومًا، ويقتل من خلفهم قومًا آخرين، وإذا استتر الملك بغيره يجوز قتله، وقتل من استتر به.
وأوضاع الشطرنج ليس منه قطعة إلا وصيدها على غير طريق صيد صاحبها، فلاعب الشطرنج إذا ذهب لقتال العدو يقول: إنما تعلمت السير إلى قدام، ولا يجوز لي الضرب إلا يمينًا ويسارًا. فإن ظفر بعدوه أمامه تركه، فيقتله عدوه. فإن لم يقدر على الرجوع من خلفه، ووجد مسلكًا عن يمينه أو يساره، قال: لا يجوز لي المشي من يمين ويسار، فيدركه عدوه، ويقتل بسيف الكفار. وكذلك يقال في القِطَعِ كلِّها. ومن عادة الفيل أن يعتمد في الحرب، فيحطم كل ما يراه وهو في حكم الشطرنج أضعف مقاتل، (^٢) (ومن أحسن الحيل في الحرب قتل الملوك، وأخذهم حيث وجدوا. وفي وضع الشطرنج إذا ظفر بالملك أعلمه، لإشرافه على الهلاك، وطرق له طريقًا للهروب. وهذا من أقبح ما يكون في الحروب. وهم قاسوه على النِّصال (^٣). والأولى أن يقاس على النرد؛ لما فيه من اللعب والكذب والمحال. ثم لو شبه بالنِّصال، وبلعبه يتعلم الإنسان خدع الحرب، لكان مندوبًا إليه وعليه يثاب كالثقاف، واللعب بالرماح، والسباق، والرمي
_________________
(١) أخرجه الحميدي في «مسنده» (١٢٣٧)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٣٠٨ (١٤٣٠٨)، والبخاري في «صحيحه» (٣٠٣٠)، ومسلم في «صحيحه» (١٧٣٩) (١٧)، وأبو داود في «سننه» (٢٦٣٦)، والترمذي في «جامعه» (١٦٧٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٦٤٣) من حديث جابر ﵁.
(٢) من هنا سقطت ورقة من (ق).
(٣) النصال: جمع النصل، وهو: حديدة الرمح والسيف، والمراد هنا: المبارزة واللَّعب بالحراب.
[ ٢٢٦ ]
بالنُّشَّاب. فلمَّا لم يكن كذلك بطل ما قالوه بالقياس. والله أعلم بحقيقة الأمر والالتباس.
واللعب بالنرد قد لعن الله لاعبه (^١)؛ لأنه يُلهي. والشطرنج ألهى وألهى؛ ولذلك كان أشد تحريمًا من لعب النرد عند مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
_________________
(١) لم أقف على حديث فيه لعن لاعب النرد، وقد سبق فيه حديثان، أحدهما حديث: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله»، والآخر: «من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في دم خنزير».
[ ٢٢٧ ]