اعلم رحمك الله! أن النكاح من سنن المرسلين؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. وهو أيضًا من شعائر الصالحين؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
وقال ﷺ: «تناكحوا تناسلوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى السقط والرضيع» (^١).
وقال ﷺ: «تخيَّروا لنطفكم الأكفاء، وأنكحوا اليتيم» (^٢).
_________________
(١) سلف حديث: «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم»، أما زيادة ذكر السقط والرضيع، فقد قال ابن الملقن في «البدر المنير» ٧/ ٤٢٣: قوله ﵇: «تناكحوا تكثروا». هو حديث ذكره البيهقي في «المعرفة» عن الشافعي بلاغًا، فقال: قال الشافعي: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم، حتى بالسقط». وكذا هو في «الأم» و«المختصر». وانظر: «الضعيفة» للألباني (١٤١٣) و(٣٢٦٧) و(٥٨٩٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٩٦٨)، والدارقطني في «سننه» (١٩٨)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٦٦، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ١٣٣ من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكْفاء، وأنكحوا إليهم». وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٢٩٢٨): صحيح. وخرَّجه في «الصحيحة» (١٠٦٧). =
[ ٢٨١ ]
وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي ﷺ: «ما استفاد المسلم فائدة بعد تقوى الله ﷿ خيرًا له من زوجة صالحة؛ إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (^١).
وقال ﵇: «أيها الشباب عليكم بالزواج، فمن لم يستطع فعليه
_________________
(١) = وأخرجه الدارقطني في «سننه» (١٩٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٠١٠)، من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «اختاروا لنطفكم المواضع الصالحة». وأخرجه الدارقطني في «سننه» (١٩٧)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٠١١) من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «أنكحوا إلى الأكفاء وأنكحوهم، واختاروا لنطفكم، وإياكم والزنج، فإنه خلق مشوه». وأخرجه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٧٣٩٨)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٠١٢) من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «تخيروا لنطفكم وانظروا أين تضعونه؛ فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن، وانكحوا الأكفاء، وانكحوا إليها». وقال ابن الجوزي ﵀: هذه الأحاديث لا تصح. انظر «العلل المتناهية» ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.
(٢) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٨٥٧)، والطبراني في «المعجم الكبير» ٨/ ٢٢٢ (٧٨٨١)، من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٤٩٩٩): ضعيف. وأخرجه أبو داود في «سننه» (١٦٦٤)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٣٣، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٨٣ من حديث ابن عباس ﵁، بلفظ: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء، المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته». وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٦٤٣): ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٤٢٦) من حديث يحيى بن جعدة، ولفظه: «خير فائدة استفادها المسلم بعد الإسلام امرأة جميلة؛ تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في ماله ونفسها». وأخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٢١١٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: «ما أفاد عبد بعد الإسلام خير له من زوج مؤمنة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٥٠١: فيه جابر الجعفي وهو ضعيف، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات.
[ ٢٨٢ ]
بالصوم فإنه له وجاء» (^١).
وقال: «تزوجوا الودود الولود» (^٢).
وقال: «من تزوج فقد ستر شطر دينه، فليتق الله في الشطر الآخر» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢١٦٦)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٣٧٨ (٣٥٩٢)، والبخاري في «صحيحه» (٥٠٦٥)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٠٠) (١)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٤٥)، والنسائي في «سننه» (٢٢٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، ولفظه: عن علقمة قال: كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنًى، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن لي إليك حاجة، فخَلَوَا. فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرًا تذكِّرك ما كنت تعهد. فلما رأى عبدَ الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلي، فقال: يا علقمة. فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك، لقد قال لنا النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء». وأخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٤٣٢ (٤١١٢)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٠٠) (٣)، والنسائي في «سننه» (٢٢٤٢) من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء». وأخرجه الدارمي في «سننه» (٢١٦٥)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٤٢٤ (٤٠٢٣)، والترمذي في «الجامع» (١٠٨١)، والنسائي في «سننه» (٢٢٣٩) من حديث ابن مسعود ﵁، بلفظ: خرجنا مع النبي ﷺ ونحن شباب لا نقدر على شيء، فقال: «يا معشر الشباب، عليكم بالباءة؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع منكم الباءة فعليه بالصوم؛ فإن الصوم له وجاء». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في «سننه» (٢٢٤٣) من حديث عثمان ﵁، بلفظ: خرج رسول الله ﷺ على فتية فقال: «من كان منكم ذا طول فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لا فالصوم له وجاء».
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٩٧٢)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٦١، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٤٨٧) من حديث أنس بن مالك ﵁، بلفظ: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني». وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الهيثمي في «مجمع =
[ ٢٨٣ ]
وقال: «من استطاع منكم الباءة (^١) فليتزوج» (^٢).
وقال: «النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتنا فليس منا» (^٣).
اعلم رحمك الله أن أقل أحوال النكاح أن يكون سنة لمن قدِر على المال والحال. وقال بعض العلماء بوجوبه؛ لأن النبي ﷺ أمر به، فمن تركه مع القدرة كان مبتدعًا، خارجًا عن طريق النبيين والصحابة المكرمين، وعباد الله الصالحين؛ لما ورد أن الأنبياء تزوجوا بأجمعهم.
ويعقوب ﵇ تزوج في حزنه (^٤).
ويحيى ﵇ لم يتزوج؛ لأنه كان حصورًا (^٥)، والحصور الذي
_________________
(١) =الزوائد» ٤/ ٥٠١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن عن أنس، وعنه زهير بن محمد، ولم أعرفه، إلا أن يكون عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فيكون إسناده منقطعًا، وإن كان غيره فلم أعرفه، والله أعلم. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٥٩٩): ضعيف. وأخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٦١٢، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٥٠ من حديث أنس ﵁، بلفظ: «من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي». وعند الغزالي: «فليتق الله في الشطر الثاني». وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وإنما يذكر عنه.
(٢) قال ابن منظور: الباءة مثل الباعةِ، والباء النِّكاح، وسُمي النكاحُ باءةً وباءً من المَباءة؛ لأَن الرجل يَتَبَوَّأُ من أَهله، أَي يَسْتَمْكِنُ من أَهله كما يَتَبَوَّأُ من دارِه، وفي حديث النبي ﷺ: «مَنْ استطاع منكم الباءة فَليْتزوَّجْ، ومَن لم يَسْتَطِعْ فعليهِ بالصَّومِ؛ فإِنَّه له وجاء». أَراد بالباءة النكاحَ والتَّزْويج، ويقال: فلان حَريصٌ على الباءة، أَي على النكاح، ويقال: الجِماعُ نَفْسُه باءةٌ، والأصلُ في الباءةِ المَنْزِل، ثم قيل لِعَقْدِ التزويج: باءةٌ؛ لأَنَّ مَنْ تزوَّج امرأَةً بَوَّأَها منزلًا. «لسان العرب» مادة: بوأ.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) انظر «الورع» لأحمد بن حنبل ١/ ١١٨.
(٦) قال أبو بكر السجستاني: حصورًا: على ثلاثة أوجه: الذي لا يأتي النساء، والذي لا يولد له، والذي لا يخرج مع التذاذ شيئًا. «غريب القرءان» فصل الحاء المفتوحة. وقال ابن منظور: والحصور: الذي لا إِرْبَةَ له في النساء. «لسان العرب» مادة: حصر.
[ ٢٨٤ ]
لا يأتي النساء في قول (^١). وقيل: إنه تزوج. ذكر ذلك البغوي (^٢) عن بعض الأكابر إما ابن عباس أو غيره، والله أعلم.
وفي الخبر أن عيسى ابن مريم ﵇ يتزوج إذا نزل من السماء (^٣).
وقال ﷺ لعكاف: «ألك زوجة؟» قال: لا. قال: «ألك جارية؟» قال: لا. قال: «وأنت موسر!» قال: وأنا موسر. قال: «إذًا أنت من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى لكنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل (^٤) موتاكم عزابكم». والحديث فيه طول وآخره: «ويحك يا عكَّاف، تزوج وإلا فأنت من المدبرين» (^٥). رواه ابن الجوزي.
وقال أبو عبيدة: ليس العزوبية من أمر الإسلام في (^٦) شيء؛ لأن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء (^٧)، وحث عليه ونهى عن التبتل فقال: «لعن الله
_________________
(١) انظر «تفسير الطبري» ٦/ ٣٧٧، و«تفسير ابن أبي حاتم» ٢/ ٦٤٣، و«تفسير البغوي» ٢/ ٣٥، و«تفسير ابن كثير» ٢/ ٣٨، و«الدر المنثور» ٢/ ١٨٩ - ١٩١.
(٢) انظر «تفسير البغوي» ٢/ ٣٥ من كلام سعيد بن المسيب.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٥٢٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، بلفظ: «ينزل عيسى ابن مريم الى الأرض، فيتزوج ويولد، ويمكث خمسًا وأربعين سنة، ثم يموت، فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر». وقال: هذا حديث لا يصح.
(٤) في (خ، ق): وأرذل. وما أثبتناه من (ط) ومصادر التخريج.
(٥) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١٨/ ٨٥ (١٥٨)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٥٥٣٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٤٨٠)، من حديث عطية بن بسر المازني. وأخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٠٣٨٧)، وأحمد في «مسنده» ٥/ ١٦٣ - ١٦٤ (٢١٤٥٠)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٩٩٩) من حديث أبي ذرٍّ ﵁. وقال الألباني: منكر. انظر «السلسلة الضعيفة» ١٣/ ١٣٨ - ١٤٠.
(٦) في (خ، ط): من. وما أثبتناه من (ق) ومصادر التخريج.
(٧) أما قوله: «ليس العزوبية» فلم أجده من كلام أبي عبيدة، وإنما من كلام أحمد بن حنبل، ذكره ابن الجوزي في كتابه «ذم الهوى» ١/ ٢٨٢. وقوله: لأن خير …: فلم أجده من كلام أبي عبيدة أيضًا، وأخرج ابنُ سعدٍ في «الطبقات» ١/ ٣٧٢، وأحمد في «مسنده» ١/ ٢٣١ (٢٠٤٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» ١٢/ ٩ (١٢٣١٣)، موقوفًا على ابن عباس ﵄، ولفظه: عن سعيد بن جبير قال: لقيني ابن عباس، فقال: تزوجت؟ قال: قلت: لا. قال: تزوج. ثم لقيني بعد ذلك، فقال: تزوجت. قال: قلت: لا. قال: تزوج؛ فإن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء.
[ ٢٨٥ ]
المتبتِّلين، والمتبتِّلات، التاركين النكاحَ» (^١).
وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: أراد عثمان بن مظعون يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا. رواه البخاري ومسلم (^٢).
والتبتل هو الانقطاع للعبادة، وقيل لمريم: البتول؛ لانقطاعها للعبادة عن النكاح (^٣).
طلب بعض الصالحين أن يدعو الله أن يزيل شهوة النساء من قلبه، فاستحيا من رسول الله ﷺ أن يفعل؛ لكون النكاح طريقه وطريق أصحابه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٨٩ (٧٨٩١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٧٢٨) من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهين بالرجال، والمتبتلين من الرجال الذي يقول لا يتزوج، والمتبتلات من النساء اللائي يقلن ذلك، وراكب الفلاة وحده. فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ حتى استبان ذلك في وجوههم وقال: «البائت وحده». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٤٦١: فيه الطيب بن محمد وثقه ابن حبان، وضعفه العقيلي، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢١٦٧)، وأحمد في «مسنده» ١/ ١٧٥ (١٥١٤)، والبخاري في «صحيحه» (٥٠٧٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٠٢) (٦)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٤٨)، والترمذي في «الجامع» (١٠٨٣)، والنسائي في «سننه» ٦/ ٥٨ (٣٢١٢)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، بلفظ: ردَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.
(٣) التبتل: الانقطاع عن الدنيا إلى الله تعالى، وكذلك التبتيل. يقال للعابد إذا ترك كل شيء وأقبل على العبادة: قد تَبَتَّل. أَي قطع كُلَّ شيء إلا أَمْرَ الله وطاعتَه. «لسان العرب» مادة: بتل.
[ ٢٨٦ ]
قال: فأصبحت لا أبالي وجدت امرأة أو حائطًا. فانظر إلى بركة الأدب؛ كيف حصل له مطلوبه بغير تعب.
وقال بعض العلماء: ترك النكاح أفضل للتخلي للعبادة.
قال المؤلف: فلو عمل الناس بقول هذا العالم لهدم الدين؛ لقلة التناسل، ولتلاشى العالم. فيقال له: عملت على النافلة ولم ترحم نفسك الآفلة (^١) لخروجك عن طريق القوم، فتزود بسنتهم لكي تلحق القافلة؛ لأن النبي ﷺ حث على النكاح، ونهى عن التبتل، وقال: «حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (^٢).
فمن رغب عن قول النبي ﷺ وفعله فهو على غير الحق.
وقال ﷺ: «تناكحوا تناسلوا توالدوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى السقط، والمولود (^٣) من أمتي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها» (^٤).
_________________
(١) أَفَلَ: أَي غاب. وأَفَلَت الشمسُ تأْفِل وتأْفُل أَفْلًا وأُفولًا غَرَبت. «لسان العرب» مادة: أفل.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٢٨ (١٢٢٩٣)، والنسائي في «سننه» ٧/ ٦١ (٣٩٣٩)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٦٠، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٧٨ من حديث أنس ﵁، بلفظ: «حبب إلى من الدنيا: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٣١٢٤): صحيح. وزيادة: (ثلاث) لا أصل لها في الحديث كما بيَّنه الحافظ العراقي والزركشي وابن حجر. انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٣/ ٤٩٠. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٧٢ (٢٤٤٤٠) من حديث عائشة ﵂، بلفظ: كان رسول الله ﷺ يعجبه من الدنيا ثلاثة: الطعام، والنساء، والطيب. فأصاب ثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام.
(٣) في (خ): ولمولود.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢٨٧ ]
وقال: «من تزوج فقد أحصن نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر» (^١).
ففي التزويج من مقتضى هذا الحديث خمس فوائد:
الأول: امتثال أمر النبي ﷺ حين قال: «تناكحوا». قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
الثانية: رفع علم الإسلام؛ لقوله: «إني مكاثر بكم الأمم».
الثالثة: إدخال السرور على قلب رسول الله ﷺ؛ لقوله: «والمولود (^٢) من أمتي أحب (^٣) إليَّ من الدنيا وما فيها».
الرابعة: فضل التناكح حين أضافه إليه وإلى النبيين من قبله؛ لقوله ﵇: «النكاح سنتي» (^٤)، ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].
الخامسة: حراسة الدين وتحصينه.
ومن باشر أمرًا يحصل له منه امتثال أمر النبي ﷺ وطاعته، ورفع علم الإسلام، وإدخال السرور على قلب نبيه وحبيبه باتباع سنته، فحقيق يرجى له أن يدخله الله تعالى في رحمته.
ثم اعلم بأن أكثر العلماء على أن التخلي للنكاح (عندهم أفضل من التخلي للعبادة؛ لأن نفع العبادة قاصر على فاعلها، ونفع النكاح) (^٥) متعدي: وهو نفقة المال على العيال، وإظهار نسمة (^٦) تعبد الله تعالى، وتوحده في
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (خ، ق): ولمولود.
(٣) في (خ): خير.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) ليست في (خ).
(٦) النَّسَمُ والنَّسَمةُ نفَسُ الروح، وما بها نَسَمة أَي نفَس، يقال: ما بها ذو نسَمٍ. أَي: ذو رُوح. والجمع نَسَمٌ والنَّسيمُ ابتداءُ كلِّ ريحٍ قبل أَنْ تَقْوى. «لسان العرب» مادة: نسم.
[ ٢٨٨ ]
الدنيا، ويباهى بها الأمم في الآخرة، وتخميد هذه النفس الفاجرة.
يحكى أن السلطان صلاح الدين أثخن بالجراح في غزوة، وقُتِل من المسلمين جماعة، ثم انتصروا، فدخل الملك إلى خيمته غضبان يُهَمْهِم، فقال له وزيره وكان الوزير حنفي المذهب: هذا يوم عيد أيها الملك. فقال: مذهبكم يقول: إن النكاح أفضل من هذا، كيف يكون هذا؟! قال الوزير: لولا النكاح ما كنت أيها الملك ولا أحدٌ من حاشيتك. فأعجب الملك وسكن غضبه (^١).
وروي أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ: كَثُر النِّساء فادع عليهم. فدعا لهم، وقال: «كيف أدعو على شجرة أنتم ثمارها» (^٢).
ثم اعلم رحمك الله بأن الله تعالى حسَّن المحسنات وكثَّر ألوانهن، وخلق في الإنسان الضعف والميل؛ فقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. وفي آية أخرى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]. فجعل في النِّساء من هي بيضاء بحلية سوداء تؤدي إلى الصفرة، وأخرى علاها البياض بحلية زرقاء تؤدي إلى الشقرة، وواحدة ما اتصفت بالأولى ولا تشبهت بالثانية، قد علاها السمرة، وامرأة قد صبغها رب العباد وحلاها بالسواد؛ فسبحان من له هذه القدرة.
فلما زين الحقُّ هؤلاء الأربعة بهذه الزينة أباحهن في الحلال لهذه النفس المسكينة، فأباح الشرع للمسلم أربع زوجات في الحلال، وجميع ما يملكه بشراء أو هبة وصدقة وميراث، أن يطأها إن لم يكن وطئها الأب ولا الأخ والعم والخال.
وقد أباح الحقُّ سبحانه لهن الزينة والتحلي بالذهب والفضة والحرير، وجعلهن ناقصات عقل ودين، فترى الغالب عليهن نسيان الآخرة؛ فَهَمُّها (^٣)
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) بياض في (ق، ب)، وفي (خ): فهما.
[ ٢٨٩ ]
ما أنعم (^١) من اللباس والزينة، والأطعمة الفاخرة.
فانظر ماذا لطف الله بك بقدرته القاهرة حتى تنجمع النفس على ما أحل لها، وتكون عن الحرام نافرة.
وقد أباح الشرع النظر إلى المخطوبة لدوام الصحبة، وأن لا يعصي المحب محبوبه.
وقد أباح الحق سبحانه لنبينا ﷺ تسع زوجات في وقت واحد، ولداود صلى الله عليه مئة، ولولده سليمان ﵇ ثلاثمئة زوجة، وكان له سبعمئة سرية. وشرح ذلك يطول، والقصد في هذا بأن تعلم أن الأنبياء ﵈ كانوا يرغبون في النكاح؛ لكي يأتي من ظهورهم من يعبد الله تعالى ويجاهد في سبيله.
فمن رغب عن النكاح مع القدرة على الحال والمال فقد خالف الأنبياء والأولياء، وتشبه بمن ترهَّب من الأشقياء، وقال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٢)، وقال: «لا رهبانية في الإسلام» (^٣)، وفي حديث آخر: «لا تتشبهوا بأهل الكتاب» (^٤). فاعتبروا يا أولي الألباب.
وليس لهم حجة في قوله ﷺ: «إذا أحب الله عبدًا لم يشغله بزوجة
_________________
(١) في (ق، ب): نعم.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) قال ابن حجر في «فتح الباري»: لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند الطبراني: «إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة». وأخرجه الطبراني -كما قال ابن حجر- في «المعجم الكبير» ٦/ ٦٢ (٥٥١٩) من حديث سعيد بن العاص؛ أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله، ائذن لي في الاختصاء! فقال له: «يا عثمان، إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنفية السمحة، والتكبير على كل شرف، فإن كنت منا فاصنع كما نصنع». وانظر: «الصحيحة» للألباني (٣٩٤) و(١٧٨٢).
(٤) أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣٦٨٠) من حديث الزبير بن العوام، بلفظ: «غيروا الشيب، ولا تتشبهوا بأهل الكتاب». وانظر: «الصحيحة» للألباني (٨٣٦).
[ ٢٩٠ ]
ولا ولد» (^١). الحديث غير صحيح، وإن صحَّ كان فيه احتمال أن المؤمن يؤدي حق العيال (ويشتغل بالكبير) (^٢) المتعال؛ فيؤدي حق الزوجة والولد، ثم يجتهد في طاعة الفرد الصمد.
ولم يتزوج أحدٌ ببنتين لنبيٍّ عظيم غير عثمان، فلما ماتتا قال ﷺ: «لو كان لنا ثالثة لزوجناك يا عثمان!» (^٣).
ومن ترك النكاح لعذر فله أجر المتأهل؛ لأجل النية، وكذلك لو نوى المؤمن أن يفعل خيرًا ولم يقدر فله ذلك الأجر، مثاله يقول في نفسه: لو كان لي مثل مال فلان لعملت كما يعمل من الخيرات والإحسان. هما في الأجر سواء.
ومن الناس من يتزوج لأجل الله سبحانه، ومنهم من يتزوج لأجل السنة، ومنهم من يتزوج لأجل الدنيا، ومنهم من يتزوج لمعصية الله تعالى. فالمتزوج لله سبحانه هو رجل تزوج بامرأة قليلة المال، كثيرة العيال، وليس لها حظ من الحسن والجمال، وهذا في الناس قليل. ورجل تزوج بكرًا أو ثيبًا ينوي به الدخول في السنة، والخروج عن المعصية. وطالب المال هو رجل تزوج امرأةً رغبةً في مالها، ولم يلتفت لقلة دينها ولسوء حالها؛ فاته الأجر الأول، ولم يلحق بالثاني، وآخر تزوج بامرأة ناويًا أكل مالها، فإذا فرغ المال طلقها وأرخى حبالها. وهذا زواج معلول، وصاحبه قد تعرض لمقت الله وغضبه، وخرج عن طريق الرسول ﵇، وفي الخبر أنه يعدُّ من الزناة لأجل ما نواه (^٤)، والزوجة عند الرجل أمانة، فمن خانها لم يرزقه الله تعالى أمانة.
_________________
(١) موضوع: أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٢٥، وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٢٧٨ من حديث ابن مسعودٍ ﵁.
(٢) في (ق): ولا يشتغل عن الكبير.
(٣) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٩/ ٤٦ من حديث الحسن البصري مرسلًا.
(٤) لم أجده، وفي حديث ضعيف جدًّا أو موضوع أن من تزوجها لمالها لم يزدد إلا فقرًا. انظر: «الضعيفة» (١٠٥٥).
[ ٢٩١ ]
فقد بيَّن سيد الحكماء أمراض العباد بقوله ﷺ: «تنكح المرأة لأربع: لجمالها، ولمالها، ولحسبها، ولدينها». وقال للسائل: «عليك بذات الدين تربت يداك» (^١).
وهذا الحديث نُصحٌ للأمة؛ لأن الدين يبقى، والمال والجمال والحسب والنَّسب يفنى. أي: لا تكثروا الالتفات إلى هذه الملونات؛ فهي كالظل الزائل عن أيام قلائل.
قال المولى جل وعلا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
تدبر هذه الآيات ترى عجبًا؛ فقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه:
_________________
(١) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢١٧٠)، والبخاري في «صحيحه» (٥٠٩٠)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٦٦)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٥٨)، وأبو داود في «سننه» (٢٠٤٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٧٩، من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين؛ تربت يداك». وأخرجه الدارمي في «سننه» (٢١٧١)، ومسلم في «صحيحه» (٧١٥) (٥٤)، والترمذي في «الجامع» (١٠٨٦) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، بلفظ: تزوجتُ امرأة في عهد رسول الله ﷺ، فلقيتُ النبي ﷺ، فقال: «يا جابر، تزوجت؟» قلت: نعم. قال: «بكر أم ثيب؟» قلت: ثيب. قال: «فهلا بكرًا تلاعبك». قلت: يا رسول الله، إن لي أخوات، فخشيت أن تدخل بيني وبينهن. قال: «فذاك إذن، إن المرأة تنكح على دينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين؛ تربت يداك». وأخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٦٠٥) من حديث مجاهد مرسلًا، بلفظ: «ما فائدة أفادها الله على امرئ مسلم خير له من زوجة صالحة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها، وإن أمرها أطاعته، تُنكح المرأة لأربع: لدينها، وجمالها، ومالها، وحسبها، فعليك بذات الدين؛ تربت يداك». وأخرج عبد بن حميد في «مسنده» (٣٢٨)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٥٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٨٠، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، بلفظ: «لا تزوجوا النساء لحسنهن؛ فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن؛ فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل». وأورده الألباني في «الضعيفة» (١٠٦٠).
[ ٢٩٢ ]
١٣١] أي: يا عبدي لا ترضى إلا بما عندي، جنة عرضها السماوات والأرض، وأوسع من ذلك المغفرة.
أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ شبه المولى زينتها بالزهرة، فلا تشغلك زهرتها عن طريق المصطفى، فهذه الزهرة لا بد لها من الانطفاء.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧ - ٨]. الجرز: هو اليابس. أذهبت القدرة تلك الخضرة فقوله تعالى: ﴿زينة لها﴾ لم يقل (^١): زينةً لك، قال ﷺ: «زينة المؤمن الطاعة» (^٢).
والأحمق من يفرح بزينة غيره، ويترك ما يزيِّنه عند الله تعالى.
وقوله: ﴿لنبلوهم﴾ أي: لنختبرهم بها؛ هل يحبونها أو يحبونه؟ وهو أعلم بهم.
فإذا زوى الله تعالى عنك الدنيا، فقد زوى عنك ما يشغلك عنه، فإياك أن تمد عينيك إلى مَنْ أُعطي عطاءً وشُغل (^٣) به عن الله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١]. وَقُلْ كما قال نبي الله: ﴿فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] ولا تحسدن أحدًا (^٤) على دنياه، وارحمه على ما فاته مِنْ خالقه ومولاه.
وفي الحديث: «إذا أحب الله عبدًا، زوى عنه الدنيا وابتلاه» (^٥).
_________________
(١) في (خ): ما قال.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ق): واشتغل.
(٤) في (خ): ولا تحسده.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٥٢٤٣)، والطبراني في «المعجم الكبير» ١٢/ ١٥١ (١٢٧٣٥) عن ابن عباس ﵁، قال: قال نبيٌّ من الأنبياء: اللهم العبدُ من عبيدك يعبدك، ويطيعك، ويجتنب سخطك، تَزْوِي عنه الدُّنيا، وَتَعْرِضُ له البلاء، والعبد يعبد غيرك، ويعمل بمعاصيك، فتعرض له الدُّنيا، وَتَزْوِي عنه البلاء. =
[ ٢٩٣ ]
زوى عنه الدنيا: ليخفِّف عنه حسابه، ولتكون الجنة مأواه، وابتلاه: لينجمع على سيِّده وخالقه ومولاه.
أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: العافية تجمعك عليك، والبلاء
_________________
(١) =قال: فأوحى اللَّه إليه: «إنَّ العباد والبلاد لي، كُلٌّ يسبِّح بحمدي، فأمَّا عبدي المؤمن فتكون له سيِّئاتٌ، فإنَّما أعرضُ له البلاء، وَأَزْوِي عنه الدُّنيا، فتكونُ كفَّارةً لسيِّئاته، وَأُجْزِيَهُ إذا لقيني، وأمَّا عبدي الكافر فتكون له الحسنات، فأزوي عنه البلاء، وأعرض له الدُّنيا، فتكون جزاءً لحسناتهِ، وأجزيه بسيئاته حين يلقاني». ورجاله ثقات، لكنه كما ترى موقوف على ابن عباس ﵄، فيظهر أنه مما رواه عن أهل الكتاب. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٦١٦٧) عن خيثمة بن عبد الرحمن الكوفي أحد التابعين الثقات العباد قال: تقول الملائكة: يا رب! عبدك المؤمن تزوي عنه الدنيا، وتعرضه للبلاء؟ فيقول للملائكة: «اكشفوا عن ثوابه»، فإذا رأوا ثوابه، قالوا: يا رب، لا يضره ما أصابه في الدنيا! ويقولون: عبدك الكافر تزوي عنه البلاء، وتبسط له الدنيا؟ فيقول: «اكشفوا عن ثوابه»، فإذا رأوا ثوابه، قالوا: يا رب، ما ينفعه ما أصابه من الدنيا! وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٤/ ١٢٣ من حديث خيثمة، عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «تقول الملائكة …» فذكره. وهذا باطل، وأعلَّه أبو نعيم بأن المعروف فيه هو حديث خيثمة مقطوعًا. وأخرج أحمد في «المسند» ٣/ ٨١ (١١٧٦٧) من طريق: ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن موسى قال: أي رب، عبدك المؤمن تقتِّر عليه في الدنيا؟ قال: فيفتح له باب من الجنة، فينظر إليها، قال: يا موسى هذا ما أعددت له. فقال موسى: أي رب، وعزتك وجلالك لو كان أقطع اليدين والرجلين، يسحب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره، لم ير بؤسًا قط. قال: ثم قال موسى: أي رب، عبدك الكافر توسع عليه في الدنيا. قال: فيفتح له باب من النار، فيقال: يا موسى هذا ما أعددت له. فقال موسى: أي رب، وعزتك وجلالك، لو كانت له الدنيا، منذ يوم خلقته، إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره، كأن لم ير خيرًا قطُّ». وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، ولضعف دراج وهو ابن سمعان أبو السمح في روايته عن أبي الهيثم وهو سليمان بن عمرو العتواري وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٢٦٦، وقال: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة ودراج، وقد وثقا على ضعف فيهما. (ت)
[ ٢٩٤ ]
يجمعك عليَّ، وبلاء يجمعك عليَّ خيرٌ من عافية تجمعك على شر (^١).
ثم اعلم بأن كل أحد يود يوم القيامة أن لو كان فقيرًا مبتلى في جسمه، معافى في دينه؛ لما يرى من تخفيف الحساب، وجزيل الثواب، وليس للعبد أنفع في الدنيا من الفقر والبلاء والخمول؛ لكي يشغل بذلك عن الخروج عن طريق الرسول.
وقد جاء في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن» (^٢). والفرح لا يليق بالمسجون، ولا يفرح فيه إلا كلُّ عبدٍ مفتون، واسمع قول الصادق الأمين: «إن الله يحب كل قلب حزين» (^٣)، ومن عادة المسجون أن يحدق بعينيه ويصغي بأذنيه متى يدعى فيجيب.
كان بعض الصالحين كثير الالتفات، فقيل له في ذلك فقال: أنتظر ملك الموت من أين يأتيني.
وكان بعضهم يقول:
عجبت لمن يدوم له السرور … ويعلم أن مسكنه القبور
ومن يمسي ويصبح (^٤) في أمان … وقد نسي القيامة والنشور
وفي الخبر أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إني أحب الله. فقال له: «اعتدَّ للبلاء». وقال رجل آخر للنبي ﷺ: إني أحبك. فقال له: «اعتد للفقر» (^٥).
_________________
(١) في (خ): (تجمعك عليك). ولم أقف عليه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٢٣ (٨٢٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٥٦)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٢٤)، وابن ماجه في «سننه» (٤١١٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٨٧) من حديث أبي هريرة، ولفظه: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
(٣) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (١٤٨٠)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٣١٥، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٨٩٢) من حديث أبي الدرداء ﵁. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (١٧٢٣): ضعيف.
(٤) في (خ) يصبح ويمسي.
(٥) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٩٥ بلفظ: إن رجلًا قال يا رسول الله إني أحبك. =
[ ٢٩٥ ]
وقال ﷺ: «إن الله يحمي وليَّه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه أو سقيمه من الطعام والشراب» (^١).
_________________
(١) =فقال ﷺ: «استعد للفقر»، فقال إني أحب الله تعالى. فقال: «استعد للبلاء». وقال العراقي في «تخريجه» (٤١١٩): أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن مغفَّل بلفظ: «فأعدَّ للفقر تجفافًا» دون آخر الحديث. وقال: حسن غريب. وحديث الترمذي (٢٤٦٨): عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله: والله إني لأحبك! فقال له: «انظر ما تقول؟» قال: والله إني لأحبك! ثلاث مرات، قال: «إن كنت تحبُّني فأعدَّ للفقر تجفافًا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبُّني من السيل إلى منتهاه». وأخرج البزار في «مسنده» (كشف الأستار: ٣٥٩٥) من حديث أنس ﵁، قال: أتى النبي ﷺ رجل، فقال: إني أحبك. قال: «استعدَّ للفاقة». قال الألباني في «الصحيحة» (٢٨٢٧): وهذا إسناد جيد رجاله ثقات معروفون غير بكر بن سليم، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقد روى عنه خمسة من الثقات، فهو صدوق كما قال في «الكاشف». وله شاهد من حديث أبي ذر ﵁: أنه أتى النبي ﷺ فقال: إني أحبكم أهل البيت. فقال له النبي ﷺ: «آلله؟» قال: آلله. قال: «فأعدَّ للفقر تجفافًا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبنا من السيل من أعلى الأكمة إلى أسفلها». أخرجه الحاكم ٤/ ٣٣١، وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وأقول إنما هو صحيح فقط، وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن مغفَّل كنت خرجته في «الضعيفة» (١٦٨١) قبل الوقوف على هذين الحديثين، ويعود الفضل في ذلك إلى أحد طلاب العلم السعوديين جزاه الله خيرًا في كتيب له كان أرسله إلي، ثم بلغني أنه توفي فجأة رحمه الله تعالى. وللشطر الثاني من حديث أبي ذر شاهد من حديث أبي سعيد الخدري: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ حاجته، فقال رسول الله ﷺ: «اصبر أبا سعيد! فإن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل على أعلى الوادي، ومن أعلى الجبل إلى أسفله». أخرجه أحمد ٣/ ٤٢ وفي إسناده أحد المجهولين، فهو علة هذا الإسناد. لكن للحديث شاهد من حديث عبد الله بن مغفل كما سلف.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٣٦) عن محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء». قال أبو عيسى الترمذي: وهذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث، عن محمود بن لبيد، عن النبي ﷺ، مرسلًا. أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٧، والترمذي (٢٠٣٦)، عن محمود بن لبيد: أن رسول الله ﷺ =
[ ٢٩٦ ]
وفي حديث آخر: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم» (^١).
وقال أيضًا: «إن لكل أمة فتنة وعِجْلًا، وإن فتنة أمتي وعجلها المال» (^٢).
اسمه مال: أي مال بأهله عن الطاعة والأذكار، والدينار آخره نار، والدرهم آخره هم. وأنشد (^٣):
النار آخر دينار نطقت به … والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء ما دام مشغوفًا بحبهما … معذب القلب بين الهم والنار
فإذا أراد الله لك الفقر فقد خصَّك بما خصَّ به الأنبياء والأحباب؛ ليهون عليك العرض والحساب، فمن السعادة خفة الظهر، فإذا رزقك الله ثوبًا فلا تحسد صاحب ثوبين، وقل: عسى الملابس هيئت لي في الآخرة.
قال محمد بن واسع: رأيت كأني أنا وفلانًا سماه نستبق إلى
_________________
(١) = قال: «إن الله ﷿ ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب، تخافونه عليه». قال أبو عيسى الترمذي: وقتادة بن النعمان الظفري هو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، ومحمود بن لبيد قد أدرك النبي ﷺ، ورآه وهو غلام صغير. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١٠/ ٩٥ (١٠٠٦٩) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٨٧٤٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٩٤)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٢٠٢٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. وخرَّجه الألباني في «الصحيحة» (١٧٠٣).
(٣) أخرج الديلمي في «مسند الفردوس» (٥٠١٩)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٢٠٣، من حديث حذيفة ﵁. وعلق عليه العراقي بقوله: رواه أبو منصور الديلمي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي من حديث حذيفة بإسناد في جهالة.
(٤) في (خ): قال بعضهم.
[ ٢٩٧ ]
الجنة، فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد ولك ثوبان (^١).
وإذا رزقك الله تعالى كسرة يابسةً، فاشكره الذي يبَّس كسرتك، ولين قلبك.
وفي الخبر: يقول الله تعالى في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي، إذا سقت لك كسرة تسد جوعتك، وخرقة تواري عورتك، وجعلت الحساب على غيرك، فما اصطنعت معك إلا معروفًا (^٢).
قال ابن السمَّاك: غنيمة المؤمن ما فاته من الدنيا (^٣).
وقال يحيى بن معاذ: العاقل المصيب من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه (^٤).
وقال الحسن البصري: المؤمن في الدنيا كالغريب، لا يجزع من ذُلِّها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال (^٥).
وبذلك وصَّى الحبيبُ: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب» (^٦).
_________________
(١) ذكره القشيري في «رسالته» بهذا اللفظ: وقال بعضهم: رأيت كأنَّ القيامة قد قامت، وقيل: أدخلوا مالك بن دينار، ومحمد بن واسع الجنة! فنظرت أيهما يتقدم، فتقدم محمد بن واسع، فسألت عن سبب تقدمه، فقيل لي: إنه كان له قميص واحد، ولمالك قميصان. ومحمد بن واسع بن جابر بن الأخنس الأزدي البصري العابد، الإمام الرباني القدوة، أحد الأعلام، توفي سنة (١٢٣ هـ) رحمه الله تعالى.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه. وابن السمَّاك هو الزاهد القدوة أبو العباس محمد بن صَبيح العجلي الكوفي (ت: ١٨٣) رحمه الله تعالى.
(٤) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٤/ ٩٤.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٦٣٥٨)، وأحمد في «الزهد» ١/ ٢٦٢.
(٦) وفي (ق): (وصَّى الحبيب لأبي الدرداء)، ولم أجده من حديث أبي الدرداء، وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٤ (٤٧٦٤)، والبخاري في «صحيحه» (٦٤١٦)، وابن ماجه في «سننه» (٤١١٤)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٣٣)، والطبراني في «المعجم الكبير» ١٢/ ٣٩٨ (١٣٤٧٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٣٦٩ من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٢٩٨ ]
وفي حديث آخر: «الغربة شهادة» (^١).
وفي «صحيح مسلم»: «فطوبى للغرباء» (^٢).
وقال: «طلب الحقِّ غربة» (^٣).
ثم اعلم بأن الغربة ليس هي الأسفار من مكان إلى مكان، والتشتت
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١١/ ٥٧ (١١٠٣٤)، من حديث ابن عباس ﵄، بلفظ: «موت الغريب شهادة؛ إذا احتضر فرمى ببصره عن يمينه وعن يساره لم ير إلا غريبًا، وذكر أهله وولده، وتنفس فله بكل نفس تنفسه يمحو الله ألفي ألف سيئة، ويكتب له ألفي ألف حسنة». وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٢٥): موضوع.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٨٩ (٩٠٥٤)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٥)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: «إن الدِّين بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». وأخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٩٨ (٣٧٨٤)، والدارمي في «سننه» (٢٧٥٥)، وابن ماجه في «سننه» (٣٩٨٨)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٢٩) من حديث ابن مسعود ﵁، بلفظ: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». قيل: ومن الغرباء؟ قال: «النزاع من القبائل». وأخرجه ابن ماجه في «سننه» (٣٩٨٧) من حديث أنس بن مالك ﵁، بلفظ: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء». وأخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٧٣ (١٦٦٩٠) من حديث عبد الرحمن بن سَنَّةَ، بلفظ: «بدأ الإسلام غريبًا، ثم يعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده لينحازن الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل، والذي نفسي بيده ليأرزن الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها». وأخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٦٣٠) من حديث عمرو بن عوف المزني، بلفظ: «إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبًا ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء؛ الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي».
(٣) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٥/ ٢٣٨ من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٦١٨): موضوع.
[ ٢٩٩ ]
في البراري والبلدان والنفس معه، فمن رحل والنفس معه ما رحل، والرجل من رحل عن نفسه، يا لها من رحلة توصلك إلى الحبيب، والرحلة عن النفس هجران عاداتها المذمومة.
قال ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله» (^١).
قال سري السَّقطيُّ: رأيت الحقَّ في المنام، فقلت: يا رب، كيف الطريق إليك؟ فقال: دع نفسك وتعال (^٢).
وكان شيخنا رحمة الله عليه يقول في قول الشاعر:
تغرَّبْ عن الأوطان في طلبِ الغِنَى (^٣)
يقول: تغرَّبْ عن أوطان عاداتك وشهواتك.
إذا أراد الإنسان أن يدخل بستانًا في الدنيا لا يدخله حتى يفارق وطنه وأهله، فتريد أنت الدخول لبساتين الغيب بغير مفارقة! سافر تجد عوضًا عمن تفارقه، من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، «من ترك شيئًا لله عوضه الله أمثاله»، وفي حديث آخر: «ما هو خيرٌ منه» (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ٣٧٥، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٤/ ١١١، والشاطبي في «الاعتصام» ١/ ١٩٨، من كلام أبي يزيد البسطامي.
(٣) في (خ): (تلتمس الغنى). كذا في النسخ: (الغنى). والصواب: (العُلَى)، وهو صدر بيت من أبيات تنسب إلى علي بن أبي طالب ﵁، وتنسب أيضًا إلى الشافعي ﵀، وهي: تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلى … وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ تَفَرُّجُ هَمِّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ … وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ فَإِنْ قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ … وَقَطعُ الفَيافي وَارتِكابِ الشَدائِدِ فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِنْ قِيامِهِ … بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ
(٤) لم يرد بهذا الفظ، لكن أخرج أحمد ٥/ ٧٨ (٢٠٧٣٩)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٧٣١٥)، والشهاب القضاعي في «مسند الشهاب» (١١٣٥)، والبيهقي في =
[ ٣٠٠ ]
قد طال هذا الباب، وليس هو من مقصود الكتاب، لكن يطيب للنفس ذكر الأحباب، وتتحسر على ما فاتها من هذه الخيرات والثواب.
وأيضًا فإنها تملُّ من اللون الواحد، فذكرنا لونًا آخر من صفات أهل الخير والفلاح.
ثم نرجع إلى ذكر التأهُّل والنكاح:
قال ﷺ: «خير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (^١).
فاحذر أيها المؤمن أن تنكح المرأة الصبيحة، صاحبة الأخلاق القبيحة، فتندم يوم القيامة، وتبقى في خجل وفضيحة، واقبل منِّي هذه النصيحة، ولا خير في وجهٍ صبيح وفعلٍ قبيح (^٢).
_________________
(١) = «شعب الإيمان» (٥٧٤٨) من حديث رجل من البادية، بلفظ: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فجعل يعلمني مما علمه الله، فكان مما حفظه أن قال: «لا تدع شيئا اتِّقاءَ الله، إلا أعطاك خيرًا منه». وإسناده صحيح. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٩٦ من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «ما ترك عبد شيئًا لله، لا يتركه إلا له، إلا عوضه الله منه ما هو خير له في دينه ونياه». وقال أبو نُعيم: هذا حديث غريب من حديث الزهري، لم نكتبه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥): موضوع بهذا اللفظ، نعم صحَّ الحديث بدون قوله في آخره: «في دينه ودنياه». ثم ساق الحديث السابق عن الإمام أحمد، وقال: وسنده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٦) من كلام أبي بن كعب، قال: ما ترك عبد شيئًا لا يتركه إلا لله إلا أتاه الله بما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون عبد أو أخذه من حيث لا يصلح له إلا أتاه الله بما هو أشد منه من حيث لا يحتسب.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ١٦٨ (٦٥٦٧)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٣٢٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٤٦٧)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٥٥)، والنسائي في «سننه» ٦/ ٦٩ (٣٢٣٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٣١)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨٦٣٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٨٠ من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وأوله: «الدنيا متاع، وخير …».
(٣) في (ق): (ووجه قبيح).
[ ٣٠١ ]
وقوله: «تزوجوا الودود الولود …» الحديث (^١).
فسوداءُ وَلُودٌ خَيرٌ مِنْ بيضاءَ عقيمٍ، والأبكار أعذب أفواهًا، وأنتق (^٢) أرحامًا، وأرضى باليسير، وكذلك ينبغي للمراة أن تختار الرجل الصالح، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
ولا يزوج الرجل ابنته الصغيرة للشيخ الكبير، ولا لرجل دميم؛ لأن نفس الشابة لا تحبهما، ولا يقيم الإنسان مع من يكرهه إلا أن يكون صالحًا راضيًا بما قسم الله تعالى له، كما قيل: إن رجلًا تزوج، فلما خلا بزوجته ما أعجبته، فانعزل عنها، فلما أراد الخروج إلى الصلاة صلاة الصبح تعلقت به، وقالت: أنت (^٣) لما أردت زواجي ما استخرت الله تعالى؟ قال: بلى (^٤). قالت: فالله سبحانه اختارني لك، أما ترضى أنت بذلك؟ فقال: رضيت. وواقعها (^٥)، فجاءت بولدٍ، وهو مالك بن أنسٍ، صاحب المذهب ﵀.
ولا يزوِّجُ الإنسان ابنتَه أو كريمته من فاسق.
قال بعض الصحابة: من زوَّج كريمته لشارب خمر؛ فكأنما ساقها للزِّنى.
وقال الشعبي: من زوج كريمته لفاسق فقد قطع رحمها (^٦).
ومن السنة أن لا تؤخَّر المخطوبة البالغة إذا خطبها الكفؤ، وهو المسلم التقي القادر على الكسوة والنفقة؛ لأن الزواج ستر للنساء والبنات، وللتأخير آفات.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) نتقت المرأة والناقة تنتق نتوقًا، وهي ناتق ومنتاق كثر ولدها، والناتق والمنتاق الكثيرة الأولاد، ويقال للمرأَة: ناتق؛ لأنها ترمي بالأولاد رميًا، والنتق الرمي والنفض. «لسان العرب» مادة: نتق.
(٣) في (خ): (وقالت البنتُ).
(٤) في (ق): نعم.
(٥) في (خ): فرضي وتزوجها.
(٦) أخرجه ابن حبان في «الثقات» ٨/ ٢٣٠.
[ ٣٠٢ ]
والوليمة سنة ولو بشاة، أو ما تيسر من الطعام للعجز، ويسمِّي الرجل عند المجامعة ويستعيذ من الشيطان، فإن خلق الله تعالى منه نسمة لم يضرها الشيطان، وتنشأ مباركة طائعة.
ومن السُّنة: تحسين الاسم وهو ما حُمِّد وما عُبِّد (^١)، وهذا حسن؛ فإن سماه باسم نبي فهو أحسن (^٢)؛ لأنه يدعى يوم القيامة باسمه واسم أبيه (^٣)، ويعلمه الأدب؛ فإنه يسأل عن ولده يوم القيامة.
ومن السُّنة: أن يحسن الإنسان خُلقه مع أهله، ففي الخبر أن خَيرَ النَّاس أحسنهم خُلقًا مع أهله، وأنفعهم لعياله (^٤)، والسعي على الأرامل والمساكين هو جهاد في سبيل الله تعالى، وأفضل من قيام الليل وصيام
_________________
(١) ذكره السخاوي في «المقاصد الحسنة» ١/ ٨٧، والعجلوني في «كشف الخفاء» ١/ ٩١. قال السخاوي: ما علمته. وقال العجلوني: قال النجم: باطل. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤١١): لا أصل له.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٤٥ (١٩٠٣٢)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٥٠)، والنسائي في «المجتبى» ٦/ ١٢٨ (٣٥٦٥)، وفي «الكبرى» (٤٤٠٦) من حديث أبي وهب الجشمي: «تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث، وهمام، وأقبحها: حرب، ومرة». قال الألباني في «الإرواء» (١١٧٨): ضعيف.
(٣) في (ق، ط): أمه.
(٤) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢٢٦٥)، والترمذي في «جامعه» (٣٨٩٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٧٧) من حديث عائشة بلفظ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه». وللحديث شواهد عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سلمة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال الألباني في «الصحيحة» (٢٨٥): صحيح. وليس في الحديث: (أنفعهم لعياله)، لكنه من مفهوم الحديث، كما ورد في النفقة على العيال أحاديث صحيحة، منها قوله ﷺ: «أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله». أخرجه مسلم (٩٩٤).
[ ٣٠٣ ]
النهار (^١)، كذا جاء في الأخبار، فانظر إلى هذه المنَّة، واسمع قوله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»، وأشار بإصبعيه ﷺ (^٢).
فقد تقدم أنَّ الشرع نهى عن زواج المرأة الصبيحة، صاحبة الأفعال القبيحة (^٣). وأشرُّ من ذلك: مَنْ زنا بامرأة ثم تزوجها؛ ذهب بعض العلماء أنه لا يجوز، وجوَّزه الباقون (^٤). وكذا من تزوج ابنته من الزِّنَى حرَّمه جماعة، وجوَّزه الباقون (^٥). وكذلك المحلِّل، يزوَّج بشرط التحليل، جوَّزه جماعة (^٦)، وحرَّمه (^٧) الذي حرم نكاح الابنة من الزِّنَى، فهو أبو حنيفة ﵁ (^٨)، وكان من المحتاطين في دين الله، والذي أباح ذلك فهو الشافعي ﵁ والباقون (^٩)، وتركنا الدليل خوفًا من التطويل.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٦١ (٨٧٣٢)، والبخاري في «صحيحه» (٥٣٥٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٨٢)، وابن ماجه في «سننه» (٢١٤٠)، والترمذي في «جامعه» (١٩٦٩)، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ٨٦ (٢٥٧٧)، وفي «الكبرى» (٢٣٥٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٢٤٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: «السَّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل، والصائم النهار».
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٣٣ (٢٢٨٧١)، والبخاري في «صحيحه» (٥٣٠٤) و(٦٠٠٥)، وأبو داود في «سننه» (٥١٥٠)، والترمذي في «جامعه» (١٩١٨) من حديث سهل بن سعد. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٧٥ (٨٨٨١)، ومسلم في «صحيحه» (٢٩٨٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) ضعيفٌ جدًّا: أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٩٥٧) من حديث أبي سعيد بلفظ: «إياكم وخضراءَ الدِّمَن». فقيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ قال: «المرأة الحسناء في المنبت السوء».
(٤) «الحاوي» ٩/ ٤٩٢ - ٤٩٣.
(٥) «الحاوي» ١١/ ٨٩٠.
(٦) «المبسوط» للسرخسي ٦/ ١٦.
(٧) الذي حرمه الشافعي وليس أبا حنيفة كما ذكر، انظر «الأم» ٥/ ٧٩ - ٨٠.
(٨) «البحر الرائق» ٣/ ٩٩.
(٩) «المجموع» ١٦/ ٢٢٢.
[ ٣٠٤ ]
ولا يجوز النكاح إلى بعض الأيام، أو إلى بعض الشهور والأعوام، كما فعله في طريق الحجاز بعض العَوام، فيتزوج المرأة إلى فروغ الحج والإحرام، فيقع بجهله في الباطل والحرام، وهذا زواج معلول؛ لخروج فاعله عن طريق الرسول (^١)، وهو دليل على قلَّة قبول الحجِّ، والطرد وحرمان الوصول.
ومعنى قوله ﷺ: «تلاعبها وتلاعبك» (^٢).
اعلم أن اللعب كمين (^٣) في الحيوان والآدمي، فإذا أخرجه الإنسان فيما أحلَّ الله له فيستغني بذلك عن ما حرم الله عليه. فيجوز اللعب مع الزوجة والأولاد والمرح (^٤) مع العباد، إلا أن يكون غلامًا حسن الوجه، أو امرأةً أجنبية فيحرم، ويكره المرح (^٥) مع الظَّلَمة وأعوانهم، والفسقة وإخوانهم، وإن أمكن أن لا ينظر المسلم لهم فليفعل؛ لأنهم ساقطون من عين الله تعالى. وكان بعض المشايخ يخرج بمريديه إلى البستان، ويقول لهم: تفرَّحوا (^٦)، فكانوا يمزحون ويرقصون ويترامون بقشور البطيخ، فقيل للشيخ: لم تأمرهم بهذا؟ قال: حتى يخرج اللعب في شيء أبيح لهم، ولا يخرج في شيء حرم عليهم، ولكي لا تملَّ النفس من العبادة؛ فيعمل لهم هذا في بعض الأحيان.
وقال ﷺ: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، غير ثلاث: ملاعبة
_________________
(١) وهو زواج المتعة، وقد أجمع العلماء على تحريمه.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٠٨، ٣٦٢ (١٤٨٩٧، ١٤٣٠٦)، والدارمي في «سننه» (٢٢١٦)، والبخاري في «صحيحه» (٢٣٠٩)، و(٥٠٨٠)، ومسلم في «صحيحه» (٧١٥)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٦٠)، وأبو داود في «سننه» (٢٠٤٨)، والترمذي في «جامعه» (١١٠٠)، والنسائي في «المجتبى» ٦/ ٦١ (٣٢١٩)، وفي «الكبرى» (٥٣٢٧) من حديث جابر.
(٣) كَمِينٌ: بمعنى كامِن أي مختفي متواري. «لسان العرب» مادة: كمن.
(٤) في (خ): المزح.
(٥) في (خ): والمزح.
(٦) في (خ): تفرجوا. وفي (ط): اخرجوا.
[ ٣٠٥ ]
الرجل أهله، وتأديبه لفرسه، ورميه عن قوسه» (^١)، فهذا وما كان في معناه هو من الحق، وتحضره ملائكة رب العالمين، واللهو والباطل تفرُّ منه الملائكة وتحضره الشياطين.
وكان ﷺ في بعض الأحيان يلاعب الأهل، ويمزح مع الإخوان؛ تبيينًا لجواز ذلك إذا كان حقًّا، وكان في أكثر أوقاته قد شُغل عن ذلك كله بخوف الرحمن، فلم يُرَ ضاحكًا قطُّ. وكان إذا سمع أو رأى ما يعجبه تبسَّم، فكان ضحكه تبسُّمًا (^٢). فيا حسرة من عصى الله وضحك، وخالف الواحد المنان.
وروي أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غير عائشة ﵂ (^٣). وكانت من أحب نسائه إليه (^٤)، وأعلم بأحكام الشرع، فلما كانت ليلة عائشة
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرج أحمد ٥/ ١٠٥ (٢٠٨١٠)، والترمذي (٣٦٤٥) عن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ لا يضحك إلا تبسمًا. وأخرجه الترمذي (٣٦٤٢)، وفي «الشمائل» (٢٢٨) عن عبد الله بن الحارث بن جزء، مثله. قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٤٨٦١). وأخرج أحمد ٦/ ٦٦ (٢٤٣٦٩)، والبخاري (٤٨٢٨)، ومسلم (٨٩٩)، وأبو داود (٥٠٩٨) عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا، حتَّى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسَّم. قال السندي في «حاشية المسند»: قولها: لهواته، بفتحتين جمع لهاة بفتح: وهي اللحمات في سقف أقصى الفم، وقيل: هي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٧٧)، وابن حبان في صحيحه (٤٣٣١) من حديث عائشة، بلفظ: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: «في التي لم يرتع منها». تعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٣/ ٢٩ (٧٤). من حديث عائشة قالت: كنت أحب نسائه إليه. أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٠٣ (١٧٨١١)، والبخاري في صحيحه (٣٦٦٢)، =
[ ٣٠٦ ]
دخل معها ﷺ الفراش (^١)، فلما لصق جسده بجسدها استأذنها وقام للوضوء، وبكى حتى بلَّ الأرض، وأطال السجود حتى ظنت عائشة أن الله سبحانه قد قبض نبيه، ثم دخل عليه بلال فوجده يبكي، فقال: أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ﷺ: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (^٢).
هذا فعل السيد المعصوم، وأنت تعصي وتضحك يا أيها المحروم.
ويكره للمرأة أن تتزيا بزيِّ الرجال، ويكره أيضًا للرجل التشبه بالنساء؛ لقوله ﷺ: «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء» (^٣).
مثل ذلك كامرأة تترك الخمار والقناع، وتلبس أقبية (^٤) الرجال والأقباع (^٥).
وجاء في «صحيح مسلم»: أن النبي ﷺ قال: «صنفان من أمتي من (^٦)
_________________
(١) =ومسلم في صحيحه (٢٣٨٤) (٨)، وابن ماجه في سننه (١٠١)، والترمذي في جامعه (٣٨٨٥)، والنسائي في الكبرى (٨٠٦٣) من حديث عمرو ابن العاص.
(٢) في (ق): في الفراش.
(٣) أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٤٦١٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٢٠). قال الألباني في «الصحيحة» (٦٨): هذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات. وقال في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٤٦٨): حسن.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) الأقبية: جمع قباء، وهو الثوب المفرج المضموم وسطه. فارسي معرب، وقيل: عربي واشتقاقه من القبو. «لسان العرب» مادة: قبو.
(٦) الأقباع: ما يغطي به الرجل رأسه ووجهه ليتخفي عن أعين الناظرين. وهو من القَبْع بمعنى تغطية الرأس بالليل لرِيبة. «لسان العرب» مادة: قبع.
(٧) في (ق): في.
[ ٣٠٧ ]
أهل النَّار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النَّاس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (^١).
وهاتان البدعتان (^٢) المشؤُومتان أخبر ﷺ عنهما قبل ظهورهما بستِّ مئةِ سنةٍ وكسور من الهجرة المحمدية؛ ونسأل الله تعالى السلامة من البدع والأفعال الرَّدية.
وينبغي أيضًا للرجل أن لا يتشبه بالنساء: كلُبْسِ الثوب المعصفر، والسراويل القزواني، ويحرم عليه التقنُّع، ويكره الطيلسان لكل إنسان، ويباح لمن به عذر.
ولعن ﷺ عشرًا: الواصلة، والمستوصلة، والنامصة، والمتنمصة، والواشمة، والموشومة، والناشرة، والمتنشرة (^٣).
فالواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر غيرها ليكثر.
والنامصة: هي التي تنتف حواجبها لترققها.
والواشمة: هي التي تجعل الحبر في ذراعيها وخديها.
والناشرة (^٤): هي التي تنشر أسنانها لتصير فلجًا.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٥٥، ٤٤٠ (٨٦٦٥، ٩٦٨٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢١٢٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٤٦١).
(٢) في (ق): الخصلتان.
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرجه البزار في «مسنده» (١٦٠٠)، والطبراني في «الكبير» ١٠/ ٩٢ (١٠٠٥٧)، وفي «الأوسط» (٨٣٠٣) من حديث ابن مسعود بلفظ: أنه لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، والواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والموشومة، والنامصة، والمتنمصة، ونهى عن النوح. وسبق تخريجه بلفظ: «لعن الله الواصلة …» وهناك ألفاظ وطرق كثيرة لهذا الحديث.
(٤) الناشرة: واحدة النواشر وهي عروق باطن الذراع «لسان العرب» مادة: نشر. والتعريف الذي ذكره المؤلف تعريف الواشرة وليست الناشرة، والحديث ورد بلفظ: «لعن الواشرة» عند أحمد ١/ ٤١٥ (٣٩٤٥)، والنسائي ٨/ ١٤٦. والواشرة: التي ترقق أسنانها للفلجة. أما الناشرة فلا ذكر لها في هذا الحديث. وانظر «لسان العرب» مادة: وشر.
[ ٣٠٨ ]
ومن البدعة أن يُؤمِّن العريس (^١) رجلًا أو امرأة في تزويج امرأة، فيقولان للمرأة القبيحة: هي صبيحة. فيكذب، ويقول: كذبنا عند العريس جَبْرًا لهذه المسكينة. أو كَذَبَ؛ لأخذِه من أهل العروسة شيئًا. فيقال له: أكلت الحرام، وخرجت عن سنة النبي ﵊، فإن لم يأخذ شيئًا، وعمل ذلك جبرًا للعروسة؛ فهو أيضًا خارج عن السنة خائن، ومن خان فقد هان، وإن جبر بكذبه للعروسة، فقد كسر العريس. وكذلك إذا استشار المؤمن أخاه المسلم في زواج أو طلاق أو في سفر أو إقامة أو بيع أو شراء، أو غير ذلك من أمور الدنيا والآخرة، فأشار عليه بغير المصلحة فقد خانه وغشه؛ والله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢].
وقال ﷺ: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (^٢).
وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «المستشار مؤتمن» (^٣).
فيخاف على من لم يؤدِّ الأمانة أن لا يرزقه الله تعالى أمانه. فمن اجتهد في زواج امرأة جميلة فوقع في واحدة ذميمة، فرضي عن الله تعالى فيما قدره ﵁، وكتبه في اللوح المحفوظ ممن عبده وحمده وشكره. قال المولى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ
_________________
(١) يقال لكل من الرجل والمرأة ما داما في عرسهما: (العروس)، أما تخصيص الرجل بلفظ: (العريس) فمحدَثٌ.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (٥١٢٨)، وابن ماجه في «سننه» (٣٧٤٥)، والترمذي في «جامعه» (٢٨٨٢). من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٧٤ (٢٢٣٦٠)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٢٣٥)، والدارمي في «سننه» (٢٤٤٩)، وابن ماجه في «سننه» (٣٧٤٦) من حديث ابن مسعود. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٣١: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الصحيحة» (١٦٤١): صحيح.
[ ٣٠٩ ]
خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. فيقال لهذا يوم القيامة: تركتَ مرادك لمرادنا، أهلًا بك يا عبدنا.
فإن رزق الله العبد امرأة جميلة لكن فظَّة غليظة، فيصبر على سوء خلقها لإخماد نفسه، فربما صعَّب خلقَها عليك، شفقة منه عليك، لكي لا تميل إليها بالكلية، فتقع في مصيبة عظيمة وبلية، وتصير عبدًا للزوجة، لا عبد خالق الوجود والبريَّة. قال صلوات الله عليه وسلامه: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الزوجة» (^١).
قال العلماء: عبد الدرهم والدينار: من لا يؤدي الزكاة. وعبد زوجته: من يشتغل بها عن الله تعالى وخدمته.
فإذا توقَّفت عليك الأشياء، أو تصَّعب عليك خلق زوجتك، فأصلح ما بينك وبين الله تعالى يُصلح الله ما بينك وبين الناس، فما توقفت عليك الأشياء إلا لتوقفك أنت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
عن بعض الصالحين قال: إذا عصيت الله تعالى أعرف شؤم ذلك في خلق زوجتي ودابتي (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٨٨٦، ٢٨٨٧)، وابن ماجه في سننه (٤١٣٥، ٤١٣٦)، وابن حبان في صحيحه (٣٢١٨) من حديث أبي هريرة بلفظ: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». أما زيادة: «تعس عبد الزوجة» فقد أوردها الغزالي في «إحيائه»، وقال ابن السبكي في الطبقات الكبرى ٦/ ٣١١، والحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (١٤٧٦): لم أقف له على أصل.
(٢) ذكره ابن الجوزي في «ذم الهوى» ١٨٥، قال: قال الفضيل بن عياض: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي. وذكره المناوي في «التيسير في شرح الجامع الصغير» ٢/ ٦٧١ بلفظ: «إني لأعرف ذنبي في سوء خلق غلامي وحماري وزوجتي».
[ ٣١٠ ]
وقال الفقيه أبو الليث رحمة الله علينا وعليه: دخل رجل السوق ليشتري فرسًا للجهاد، فرأى برذونًا يُنادَى عليه بأربعين درهمًا، فقال: ما باله بهذا الثمن؟ قالوا: فيه عيوب وقت الحاجة يصير حرونًا (^١)، إنْ طُلِب لم يُلحق، وإنْ طَلَبَ لَحِق. فاشتراه بأربعين، وجاء عند أُذن البرذون، وقال: أيها البرذون إني (^٢) قد تركت عيوبي فاترك أنت أيضًا عيوبك. فحرك البرذون رأسه، فغزا على البرذون، ولم يفعل البرذون شيئًا مما كان عليه (^٣).
كان السلف الصالح إذا رأى الأخ أخاه يوصيه بثلاث: مَنْ عمِل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومَن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومَن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس (^٤).
واسمع قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].
ثم اعلم بأن للرجال على النساء حقوقًا، ولهن أيضًا على بعولهن حقوقًا.
ورُوي: أنَّ مِنْ حق الزوج على زوجته أن لا تمنعه نفسها، ولو كانت
_________________
(١) دابة حرون: التي إِذا استُدِرَّ جَرْيُها وقَفَتْ. وفَرَسٌ حَرُونٌ: لا يَنْقادُ، وإِذا اشْتَدَّ به الجَرْيُ وَقَفَ. «لسان العرب» مادة: حرن.
(٢) في (خ): أنا.
(٣) لم أجده. وأبو الليث هو الفقيه الحنفي: نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي (ت: ٣٧٣) ﵀، ولم أجد هذا النقل في «تفسيره»، ولا في «تنبيه الغافلين»، فلعله في «بستان العارفين»، أو غيره، والله أعلم.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٦١٣٥، ٣٦٦٢١)، وهناد في «الزهد» (٥٢٨) عن أبي عون وهو محمد بن عبيد الله بن سعيد، أبو عون الثقفي الكوفي الأعور قال: كان أهل الخير إذا التقوا يوصي بعضهم بعضًا بثلاث، وإذا غابوا كتب بعضهم إلى بعض بثلاث: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله كفاه الله الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
[ ٣١١ ]
على ظهر قتب، ولا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن خالفته وصامت كان الأجر له والوزر عليها، ولا تخرج من البيت إلا بإذنه، فإن خرجت لعنتها الملائكة إلى حين ترجع (^١).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في «مسنده» (١٩٥١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٤٠٩)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٨١٣)، والبيهقي في «الكبرى» ٧/ ٢٩٢ من حديث ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على امرأته؟ فقال: «لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تعطى من بيته شيئًا إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوزر، ولا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن فعلت أثمت ولم تؤجر، وأن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها الملائكة ملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى تتوب أو ترجع». قيل: وإن كان ظالمًا. قال: «وإن كان ظالمًا». قال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٥): ضعيف. وصحَّ بعضه في غير هذا الحديث: أخرج أحمد ٤/ ٣٨١ (١٩٤٠٣)، وابن ماجه (١٨٥٣)، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ، قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك؟ فقال رسول الله ﷺ: «فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه». وهذا حديث صحيح، له شواهد، خرَّجها الألباني في «الصحيحة» (١٢٠٣) و(٣٣٦٦)، وفي ذكر الشام خلاف، وفي بعض الطرق: (اليمن) وهو الأصح. وأخرج أحمد ٢/ ٣١٦ (٨١٧٣) والبخاري (٢٠٦٦)، ومسلم (١٠٢٦)، وأبو داود (١٦٨٧) و(٢٤٥٨) عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه، عن غير أمره، فإن نصف أجره له». وفي رواية: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها، عن غير أمره، فله نصف أجره». وأخرج أحمد ٢/ ٧ (٤٥٢٢)، والبخاري (٨٧٣)، ومسلم (٩١٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄: عن النبي ﷺ، قال: «إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها». وقوله: (على ظهر قتب): القَتَب للجَمل كالإِكاف لغيره. ومعناه الحثُّ لهنّ على مُطاوعة أزواجِهن وأنه لا يَسعُهُنّ الامتناع في هذه الحال فكيف في غيرها. وقيل: إن نسِاء العرب كُنَّ عند الولادة يجلسْنَ على قَتَب البعير، ويقلن إنه أسْلسُ لخرُوج الولد.
[ ٣١٢ ]
وينبغي للمسلم أن لا يمكِّن زوجته من الخروج؛ لأن خروجها فتنة، وهي عورة، فإن كان لا بدَّ لها (فتخرج بالليل) (^١)، فإن اضطرت للخروج بالنهار فلا تتزيَّن ولا تتعطر؛ لكي لا تشغل قلب الغافل المغتر، فتأثم هي وزوجها، والسلامة أن تحمل بَدْلتها وحليها، وتلبس ذلك (^٢) في المكان الذي تذهب إليه.
ولا تهب المرأة شيئًا من متاع الزوج إلا بإذنه، فإن فعلت كان الأجر له والإثم عليها، بخلاف الصدقة على السائل والمحروم، فإن صلت ولم تدع لزوجها ردَّت عليها صلاتها (^٣)، وهذه الكلمات وردت بها السنة، ونسأل الله النجاة من النار والفوز بالجنة.
وقال ﷺ في خطبته: «إن لكم على نسائكم حقًّا، وإن لهن عليكم حقًّا، وإن من حقكم عليهن أن يحفظن فرشكم، ولا يأذنَّ في بيتكم لأحدٍ تكرهونه، ولا يأتين بفاحشةٍ مبينة، فإن فعلن ذلك فقد أحل الله لكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، وإن من حقِّهن عليكم الكسوة والنفقة بالمعروف» (^٤).
وقال العلماء: مَنْ تزوج ونيَّته أن لا يؤدي الصَّداق فهو زَانٍ، ومن استدان ونيته أن لا يؤدي دينه فهو سَارق (^٥).
_________________
(١) في (ق): فبالليل.
(٢) في (خ): (وتلبسها). وقوله: (بدلتها) في بعض النسخ بالذال، والصواب ما أثبته، والبدلة: الحلة التي تلبس خارج البيت عادة، محدثةٌ، كما في «المعجم الوسيط».
(٣) هذا باطل، وقد ذكره أبو الليث السمرقندي في «تنبيه الغافلين» (٨١٢) من غير إسناد، فقال: وعن الحسن، عن النبي ﷺ، أنه قال: «إذا هربت المرأة من بيت زوجها فلم تقبل لها صلاة حتى ترجع وتضع يدها في يده، وتقول: اصنع بي ما شئت. وإن المرأة إذا صلت ولم تدع لزوجها ردت عليها صلاتها، حتى تدعو لزوجها». (ت)
(٤) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٨٥١)، والترمذي في «جامعه» (١١٩٣، ٣٠٨٧)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٦٩) من حديث عمرو بن الأحوص. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «الإرواء» (١٩٩٧): حسن.
(٥) وقد صح هذا مرفوعًا، أخرجه الطبراني في الأوسط» (١٨٥١) عن ميمون الكردي عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل تزوج امرأة على ما قلَّ من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها، خدعها فمات، ولم يؤد إليها حقها، لقي الله يوم القيامة وهو زان وأيما رجل استدان دينا لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه، خدعه حتى أخذ ماله فمات ولم يؤد دينه لقي الله وهو سارق». وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٨٠٧). وأخرج ابن ماجه (٢٤١٠) من حديث صهيب الخير، عن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل يدين دينًا، وهو مجمع أن لا يوفيه إياه، لقي الله سارقًا». وصححه الألباني في صحيح «سنن ابن ماجه».
[ ٣١٣ ]
وفي الحديث: «إن الله تعالى مع المديون حتى يوفي دينه» (^١).
وصحَّ في الحديث: أن الدينار الذي ينفق على العيال أفضل من الدينار الذي ينفق في سبيل الكبير المتعال (^٢).
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من قلَّ ماله، وكثر عياله، وحسنت صلاته، ولم يَغْتَب المسلمين، جاء معي يوم القيامة هكذا». وأشار بإصبعيه ﷺ (^٣).
فانظر رحمك الله تعالى! إلى بركة العيال، وإلى ما أعد لمن أحسن إليهم العزيز الغفار، بل جعل الله النفقة عليهم أفضل من النفقة في سبيله، وجعل البنات سترًا للأبوين من النار.
_________________
(١) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢٥٩٥)، وابن ماجه في «سننه» (٢٤٠٩) من حديث عبد الله بن جعفر ﵁. قال الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٣: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في «الصحيحة» (١٠٠٠): صحيح.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٧٩ (٢٢٤٠٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٤٨)، ومسلم في «صحيحه» (٩٩٤)، وابن ماجه في «سننه» (٢٧٦٠)، والترمذي في «جامعه» (١٩٦٦)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٨٢) عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل دينار ينفقه الرجلُ دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله». قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال. ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم، أو ينفعهم الله به، ويغنيهم.
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٢/ ٢٧٦ (٩٩٠)، والطبري في تهذيب الآثار (٤٨٨)، والخطيب في تاريخ بغداد ١١/ ٢٥٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٦/ ٤ من حديث أبي سعيد الخدري. قال الألباني في الضعيفة (٥٢٧٠): موضوع.
[ ٣١٤ ]
وهذه الكلمات مأخوذة مما صح في الأخبار (^١)، فمن لم يعرف قدر هذه النعمة وانقبض لوجود البنت فليتبوأ مقعده من النار؛ وذلك لقلة الرضى بالقضاء، ولموافقته لمن غضب الله عليهم ولعنهم وجعلهم وقود النار؛ قال المولى الكريم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]. هذا الخطاب في صفات مشركي العرب. وأما المؤمن الصادق لو ولدت زوجته حجرًا لوضعه على رأسه، ولأخذه الفرح والطرب؛ وذلك لقوة الرضى عن خالقه، فكيف لا يرضى الله تعالى عن هذا العبد، ويبلغه المقصود والأرب (^٢)، ويعطيه ما سأل وطلب. قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال ﷺ: «من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (^٣). فمن رضي عن الله ﷿ فيما قدره ﵁، وكتبه في اللوح المحفوظ ممن عبده وحمده وشكره.
فيجب على المؤمن أن لا ينقبض لوجود هذه البُنَيَّة، ولا يغضب على أمها، ولا يَسُبُّ ساعتها؛ لأن الحق سبحانه وهبها له، وهي نشأة طرية، توحِّد الله تعالى، وتصلي على خير البرية، وتدخل السرور على قلبه، ويباهي بها (^٤) ﷺ الأمم يوم القيامة، وتكون في ذلك اليوم سببًا لنجاة أبويها (^٥) من الشدائد والبلية.
فاقبل مني هذه الوصية، ولا تتهاون في هذه القضية؛ فتسقط من رحمة (^٦) الله تعالى، وتخرج عن السنة المضية (^٧)، فليس لأحد مشيئة
_________________
(١) في (خ): (من الأخيار). وقد تبيَّن من التخريج أن في تلك الأخبار ما لم يصح.
(٢) في (ق): والطرب.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه (٤٠٣١)، والترمذي في جامعه (٢٣٩٦). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في الصحيحة (١٤٦): سنده حسن.
(٤) في (خ): الله بها والنبي.
(٥) في (خ): لأبويها.
(٦) في (ق): عين.
(٧) في (ط): المضيئة.
[ ٣١٥ ]
ولا اختيار (^١)، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
قال المولى الغفور: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]. فسلِّم لربوبيته، وكن من جملة العبيد، يأتيك من الله الخير والمزيد، ويعطيك فوق ما تريد.
ثم اعلم بأن في تربية الولد أجر عظيم وخير! وتربية البنت أكثر أجرًا وأخير (^٢)؛ لأن الولد يساعد أباه في الإقامة والأسفار، والبنت قد سجنها الشرع في المضرب أو الدار، وأمر لها الرسول بالكسوة والنفقة، ونهاها عن الخروج والدخول إلا لحاجة ضرورية، فافهم ما أقول.
قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]؛ قال بعض العلماء: الباقيات الصالحات هنَّ البنات (^٣).
وقد جاء في الكتاب العزيز والخبر في أجرهن ما لا يحتمله هذا المختصر، فاقبل أيها المملوك هدايا الملوك، واعلم وتحقق أنه لو اجتمع كل عالم وعارف، وحكيم وولي، وكل مبتدع وفيلسوف وشقي لن يخلقوا ذبابة، ولعجزوا عن جبر كسر رجل نملة، ولن يصلوا جناح بعوضة، ولو جمع أحدهم مجهوده كله ودأبه.
مرَّ بعض الصالحين بكلبٍ فاستقذره، فنودي في سرِّه: أن اخلق مثله! فما سخر بعدها من شيء.
وقال بعض (^٤) المشايخ: أخاف أن أسخر من كلب فأحوَّل كلبًا (^٥).
_________________
(١) في (خ): إشاة ولا اختبار.
(٢) في (ق): وخير. وفي (ط): وخيرًا.
(٣) ذكره القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ١٠/ ٤١٥.
(٤) في (خ): أحد.
(٥) لم أجده.
[ ٣١٦ ]
فسبحان من له الخلق والتصوير، والحكم والإشارة (^١) والتدبير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، نعم المولى ونعم النصير.
نرجع إلى مسألة المرأة:
قال ﷺ: «إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت بعلها، وأحصنت فرجها، تدخل من أي أبواب الجنة شاءت» (^٢).
وقال ﷺ: «إذا حبلت المرأة من بعلها فأجرها كأجر من صام النهار وقام الليل، وغزا (^٣) في سبيل الله، ولها بكل طلقة عتق رقبة (^٤)، وبكل رضعة عتق رقبة (^٥)، فإذا فطمته ناداها منادٍ من السماء: كُفيتِ العمل فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي» (^٦).
والسُّنة أن يسمى المولود (^٧) يوم السابع (^٨)، وإن سماه يوم وُلد لا يخرج عن السنة.
_________________
(١) في (خ): والإشاءة.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٩١ (١٦٦١)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٦٣)، والطبراني في «الأوسط» (٤٥٩٨) من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٦٦٠): صحيح.
(٣) في (ق): وجاهد.
(٤) في (خ): نسمة.
(٥) في (خ): نسمة.
(٦) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» ٢/ ٧٩، وابن عجيبة في «البحر المديد» ١/ ٢٣٣، وإسماعيل حقي في «روح البيان» ٢/ ٢٠١ من حديث عائشة ﵂، في قصة الحَوْلاء امرأة من الأنصار، وهو حديث طويل لم نجد له إسنادًا ولا أصلًا.
(٧) في (خ): الولد.
(٨) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٧ (٢٠٠٨٣)، والدارمي في «سننه» (١٩٦٩)، وأبو داود في «سننه» (٢٨٣٨)، وابن ماجه في «سننه» (٣١٦٥)، والترمذي في «جامعه» (١٥٢٢)، والنسائي في «سننه» ٧/ ١٦٦ (٤٢٢٠). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٨٣٨): صحيح.
[ ٣١٧ ]
واختلف العلماء في العقيقة، وربُّنا أعلم بالحقيقة (^١).
ويستحب تسمية السَّقط؛ لحديثٍ ورد فيه (^٢).
ولا يسمى باسم قبيح؛ لأنه يدعى يوم القيامة باسمه (^٣)، وكان النبي ﷺ يغيِّر الاسم القبيح إلى ما هو أحسن منه، ورد هذا في حديثٍ صحيح (^٤).
مسألة تتعلق بالنكاح:
وهي الخُطْبة قبل النكاح، وأقلُّها: الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ، أوصي بتقوى الله، والله أعلم.
_________________
(١) صنيع المؤلف ﵀ هنا مبني على مذهبه الحنفي، فقد ذهب الحنفية إلى أن العقيقة مباحة وليست مستحبة، لأن تشريع الأضحية نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة والرجبية والعتيرة، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل. «بدائع الصنائع» ٥/ ٦٩. وذهب جمهور العلماء إلى استحبابها للأحاديث الصحيحة الواردة فيها، وهذا الصواب. (ت)
(٢) لكنه لا يصح، أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (٣٣٩٢) من حديث أنس بلفظ: «سموا السقط …». قال الألباني في «الضعيفة» (٣٣٢٢): موضوع.
(٣) كما في حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم». أخرجه أحمد ٥/ ١٩٤ (٢١٦٩٣)، والدارمي (٢٦٩٤)، وأبو داود (٤٩٤٨)، وابن حبان (٥٧٨٨)، وإسناده ضعيف لانقطاعه. لكن يدل على المراد ما أخرجه البخاري (٦١٧٧)، ومسلم (١٧٣٥) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «الغادر يرفع له لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان».
(٤) منها تغيير «شهاب» إلى «هشام» أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٧٥ (٢٤٤٦٥)، والطبراني في «الكبير» ٢٢/ ١٧١ (٤٤٢)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٧٧، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. تغيير «زحم» إلى «بشير» أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٨٤ (٢٠٧٨٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٧٥)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٣٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٣١٧٠). وصححه الألباني في «الأدب المفرد». وتغيير «غراب» إلى «مسلم» أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨٢٤)، والطبراني في «الكبير» ١٩/ ٤٣٣ (١٠٥٠)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٧٥، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في «الأدب المفرد». وفي الباب أحاديث أخرى، انظر: «الترغيب والترهيب» (٢٩٥٠ - ٢٩٥٣)، «مجمع الزوائد» ٨/ ٩٩.
[ ٣١٨ ]
فإن لم يأت بالخُطبة صحَّ النكاح (باتفاق العلماء، وقال بعض العلماء: لا يصح النكاح إلا بالخطبة) (^١). ولا معتبر بقوله (^٢).
ويُسن أيضًا إعلان النكاح عند أكثر أهل العلم، وقال بعضهم بوجوبه في هذا الباب، والله أعلم بالصواب (^٣).
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علَّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (^٤).
ويستحب إذا فرغ من الخطبة أن يقول: أزوجك على ما أمر الله عز
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) في (خ): لقوله. وقد قال ابن قدامة في «المغني» ٧/ ٤٢٨: والخطبة غير واجبة عند أحد من أهل العلم علمناه، إلا داود [الظاهري]، فإنه أوجبها.
(٣) انظر: «المغني» ٧/ ٤٢٨.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٩٢ (٣٧٢٠)، والدارمي في «سننه» (٢٢٠٢)، ابن ماجه في «سننه» (١٨٩٢)، وأبو داود في «سننه» (٢١١٨)، والترمذي في «جامعه» (١١٠٥)، والنسائي في «سننه» ٣/ ١٠٤ (١٤٠٤). وقال الترمذي: حديث عبد الله حديث حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٨٤٤): حديث صحيح. وأفرده برسالة: «خطبة الحاجة» ذكر فيها طرق هذا الحديث وشواهده وألفاظه بما لم يسبق إليه رحمه الله تعالى.
[ ٣١٩ ]
وجل به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريح بإحسان (^١).
_________________
(١) أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٧٨٠٢) عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: خطبت إلى ابن عمر ابنته، فقال: إن ابن أبي عبد الله لأهل أن ينكح؟ نحمد الله ونصلي على النبي ﷺ، وقد زوجناك على ما أمر الله: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال شعبة: أحسبه قال: أنكح عمر بن الخطاب رجلًا وهو يمشي. قال شعبة: قال أبو بكر ابن حفص: لا أدري الذي قال، أحسبه عروة بن الزبير أو ابن عمر.
[ ٣٢٠ ]