والسنة الرمي بالنبال، قال ﷺ لسعد: «ارْمِ يا سعد، فداك أبي وأمي» (^٢)، ولم يقل ذلك لأحد غيره، وكان سعد راميًا.
وعن عبد الله بن مغفل أن رسول ﷺ نهى عن الخذف (^٣)، وقال: «إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدوًّا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين» (^٤). رواه البخاري ومسلم.
في هذا الحديث نهي عن رمي البندق وما في معناه.
قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
_________________
(١) البُنْدُق: لفظ معرَّب، واحدته: بندقة، وهي ثمرة شجرة معروفة مدوَّرة، ثم استعملت لكل ما يشبهها ممَّا يُرمى به، سواء أكان من الحجر، أم الطين، أم الرصاص، أو نحو ذلك.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٩٢ (٧٠٩)، والبخاري في «صحيحه» (٢٩٠٥)، وفي «الأدب المفرد» (٨٠٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٤١١) (٤١)، وابن ماجه في «سننه» (١٢٩)، والترمذي في «جامعه» (٣٧٥٥) من حديث علي ﵁.
(٣) الخَذْف: هو رَمْيك حَصَاة أو نَوَاةً، تأخُذُها بين سُبَّابَتَيك وتَرْمي بها، أو تَتَّخذُ مِخْذَفَة من خشب ثم ترمي بها الحصاة بين إبْهامك والسبابة. انظر «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٤٣. مادة: خذف.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٥٥ (٢٠٥٥١)، والدارمي في «سننه» (٤٣٩)، والبخاري في «صحيحه» (٥٤٧٩)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٥٤)، وأبو داود في «سننه» (٥٢٧٠)، وابن ماجه في «سننه» (٣٢٢٧) من حديث عبد الله بن مغفل ﵁.
[ ٢٤٧ ]
وقال ﷺ: «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» (^١).
وقال أيضًا: «إن الله تعالى كتب الإحسان في كل شيء حتى القتل، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (^٢).
فقد نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان، فأطع ربك بسماعك من نبيك أيها الإنسان، فتارةً تخسف البندقة صدرها، وتارة تدخل بطنها، وتارةً (^٣) تفقأ عينها، وتارة تكسر منها الرِّجل والجناح، وليس هذه الأشياء من فعل أهل الخير والدين والصلاح؛ فيعذب هذه المسكينة ويوقعها في المرض بعد العافية.
ويبارز من فعل (^٤) هذا من لا تخفى عليه خافية؛ وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ: أنَّ الرجل إذا قتل عصفورًا عبثًا يتعلق به يوم القيامة، ويقول: يا رب، سَلْ هذا لم قتلني؟ (^٥).
_________________
(١) أخرجه الحميدي في «مسنده» (١١٢٥)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٥٨ (٧٥٠١)، والبخاري في «صحيحه» (٧٢٨٨)، مسلم في «صحيحه» (١٣٣٧)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٣٠٥)، وابن حبان في «صحيحه» (١٨).
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» ٤/ ١٢٣ (١٧١١٣)، والدارمي في «سننه» (١٩٧٠)، ومسلم في «صحيحه» (١٩٥٥)، وأبو داود في «سننه» (٢٨١٥)، وابن ماجه في «سننه» (٣١٧٠)، والترمذي في «جامعه» (١٤٠٩)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ٢٢٧ (٤٤٠٥)، وفي «السنن الكبرى» (٤٤٩٤).
(٣) في (خ): ومرة.
(٤) في (خ): بفعلك.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٨٩ (١٩٤٧٠)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ٢٣٩ (٤٤٤٦)، وفي «السنن الكبرى» (٤٥٣٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٨٩٤) من حديث الشريد ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل عصفورا عبثًا، عجَّ إلى الله ﷿ يوم القيامة منه، يقول: يا رب إنَّ فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلنى لمنفعة». وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٧٥١). وجاء بلفظ: «من قتل عصفورًا عبثًا؛ جاء يوم القيامة وله صراخ: رب سل هذا لم قتلني عبثًا بلا منفعة؟!». أخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٣١٨١) من حديث أنس ﵁. وإسناده ضعيفٌ جدًّا.
[ ٢٤٨ ]
قال المؤلف: هذا السؤال يكون توبيخًا للقاتل؛ لأنه يقول: قَتَلتُه عبثًا.
فيعود هذا الخارج عن طريق من ظللته الغمامة، في غاية الحسرة والندامة (^١).
ثم اعلم بأن النبي ﷺ أمر ذابح البهيمة أن يُحِدَّ السكين؛ لكي لا تعذب (^٢).
فأفق من غفلتك أيها المسكين، ثم اعلم بأن الله تعالى بعث نبيه ﷺ بالشفقة والرأفة والرحمة، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
والعالمَ هو جميع مخلوقات الله ﷿؛ ولذلك نهى ﷺ عن تعذيب الحيوان؛ رحمةً لهم، وقال ﷺ: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء» (^٣)، «من لا يَرْحَم لا يُرْحَم» (^٤).
_________________
(١) في (خ): في حسرة وندامة.
(٢) سبق تخريجه عند حديث: «إن الله كتب الإحسان».
(٣) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٥٩١)، وأحمد في «المسند» ٢/ ١٦٠ (٦٤٩٤)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٤١)، والترمذي في «جامعه» (١٩٢٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٥٢٢).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٥٨٩)، والحميدي في «مسنده» (١١٠٦)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٢٨ (٧١٢١)، والبخاري في «صحيحه» (٥٩٩٧)، وفي «الأدب المفرد» (٩١)، ومسلم في «صحيحه» (٢٣١٨)، وأبو داود في «سننه» (٥٢١٨)، والترمذي في «سننه» (١٩١١)، وأبو يعلى في «مسنده» (٥٨٩٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٤٩ ]
وصحَّ: أن رجلًا نزل بئرًا، وأخرج ماءً وسقى كلبًا قد عطش فغفر الله له؛ لما رحم كلبًا ﵀ (^١).
وحكي أن ظالمًا مَرَّ على كلب كاد أن يموت من العطش والجوع والبرد، فرحمه. وقال لبعض أعوانه: احمله إلى منزلي، وَضَعْ له طعامًا. فلما أكل وشرب، عاش الكلب. فرأى الظالم في منامه قائلًا يقول له: كنت كلبًا فوهبناك لكلب (^٢).
فإن صح عن الرماة أن أحدهم يقسم بغير خالقه ومولاه، فقد عظمت مصيبته، وخسرت يداه. فحينئذٍ يقال لهذا المبتدع: الإلهُ واحدٌ، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]. كقول بعض المخذولين: البندق يلزمني. فيحلف (^٣) بالتراب، ويترك القسم برب الأرباب.
وقيل: إن الرَّامي يَصدُق إذا حلف بالتُّراب، ويكذب إذا حلف برب الأرباب. فإن صح هذا عنه فهو من الفسقة الكبار الذين باءوا بغضب الجبار، وعذاب النار.
قال صلوات الله عليه وسلامه: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليذر» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٦٦١)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٧٥ (٨٨٧٤)، والبخاري في «صحيحه» (١٧٣)، وفي «الأدب المفرد» (٣٧٨)، ومسلم في «صحيحه» (٢٢٤٤)، وأبو داود في «سننه» (٢٥٥٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلبك يلهث، يأكل الثرى من العطش؛ فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني. فنزل البئر فملأ خفه ماء فسقى الكلب؛ فشكر الله له؛ فغفر له». قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال: «في كل ذات كبد رطبة أجرًا».
(٢) ذكره المناوي في «فيض القدير» ١/ ٦٨١.
(٣) في (ق): فيقسم.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٢٠)، والحميدي في «مسنده» (٦٨٦)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ١١ (٤٥٩٣)، والدارمي في «سننه» (٢٣٤١)، والبخاري في «صحيحه» (٢٦٧٩)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٤٦) (٣)، والترمذي في «جامعه» (١٥٣٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤٧٠٥) عن ابن عمر قال: أدرك رسول الله ﷺ عمر وهو في بعض أسفاره، وهو يقول: وأبي وأبي، فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله وإلا فليصمت».
[ ٢٥٠ ]
وقال: «من حلف بغير الله فقد كفر». وفي حديث آخر: «فقد أشرك» (^١).
وتبرأ ﷺ ممن حلف بالأمانة (^٢)، فمن حلف بالتراب يخاف عليه أن لا يرزقه الله تعالى أمانَهُ، فمن فعل هذه البدع من الرماة، فقد بعد من رحمة خالقه ومولاه، فإن تاب؛ تابَ الله عليه وجعل الجنة مأواه.
ومن البدع الملعونة، الملعون فاعلها: قبول شهادة الرجل الكافر إذا رمى الواجب، وكذلك شهادة الزاني والفاسق، وردَّ شهادة من لم يرم الواجب؛ وإن كان مؤمنًا خيِّرًا مطيعًا للسيد الخالق، فيقبلون شهادة الأشقياء، ويردون شهادة الأتقياء، فمن أحب الكفرة أو مَنْ تقدَّم ذكرهم من الفجرة، وأكرمهم وأعزهم؛ حُشر معهم، ولعنه الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله ﷺ: «المرء مع من أحب» (^٣) ومن تاب عن هذه المصائب؛ تاب الله عليه ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]. قال صلوات الله عليه وسلامه: «اليهود والنصارى خونة، لعن الله من ألبسهم ثوب عزٍّ» (^٤). وأي عزٍّ أكبر من تصديرهم، وإكرامهم، وقبول شهادتهم.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٤٧ (٣٢٩)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٥١)، والترمذي في «جامعه» (١٥٣٥)، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٠٤٢).
(٢) يعني حديث: «من حلف بالأمانة فليس منَّا». أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٥٢ (٢٢٩٨٠)، وأبو داود في «سننه» (٣٢٥٣)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤٣٦).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) قال العجلوني في «كشف الخفاء» (٣٢٤٢): أورده الشيخ عبد الغفار في كتابه «الوحيد في سلوك أهل التوحيد»، كذا عزاه بعضهم لصاحب الكتاب المذكور ولم يبيِّن من خرَّجه فلينظر، وكثيرًا ما كنت أسمعه من الشيخ تقي الدين الحصني المتأخر. =
[ ٢٥١ ]
اسمع يا قليل التوفيق والسعادة!: الخائف لا يقبل له شهادة، فلا ينبغي للمؤمن أن يُعزَّهم بعد أن أذلهم الله تعالى، ولا يُكرمهم بعد أن أهانهم الله ﷿، ولا يُقرِّبهم بعد أن أبعدهم الله، ولا يؤمنهم بعد أن خونهم الله، ولا يحبهم وقد أبغضهم الله.
فإن صحت هذه المصائب والبدع عن الرماة، فكل واحد منهم بعيد من رحمة خالقه ومولاه، فيجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتوب من هذه البدع وأصحابها، ولا يرافقهم ولا يوافقهم؛ فقد خرجوا عن الطريق، وذلك من قلة السعادة والتوفيق.
وصحَّ أنَّ النبي ﷺ تبرأ مِنْ كل مبتدع وخارج وزنديق، ومن كل من حكم بغير حكم الله ورسوله وفعل فعلًا لا يليق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى تعظيمًا لنبيه وحبيبه وتكريمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ثم اعْلَمْ أن حُكَّام رُماة البندق وضعوا من تلقاء أنفسهم أحكامًا، صاروا بها حكامًا؛ فزادوا في الدين وخالفوا أئمة المسلمين، وضعوا الباطل في الأحكام؛ فبعدوا من رحمة الملك العلام، وخرجوا عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. فاختاروا أربعة عشر صنفًا من بين الطيور لا يخرجها عن هذا الاسم موت ولا ذبح مجوسي؛ في مذهب هذا العبد المغرور، وهذه البدعة لا ترضي المولى الغفور، فمن رمى شيئًا من هذه الأطيار،
_________________
(١) = وقد ورد أثر في هذا ذكره المصنف بعدُ، عن عياض الأشعري: أن أبا موسى ﵁ وفد إلى عمر بن الخطاب ﵁ ومعه كاتب نصراني، فأعجب عمر ﵁ ما رأى من حفظه، فقال: قل لكاتبك يقرأ لنا كتابًا. قال: إنه نصراني لا يدخل المسجد. فانتهره عمر ﵁، وَهَمَّ به، وقال: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله، ولا تأتمنوهم إذ خوَّنهم الله ﷿. أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ١٢٧، وصححه الألباني في «الإرواء» ٨/ ٢٥٥.
[ ٢٥٢ ]
أدخلوه في حزبهم. وأثبتوه عندهم من الشطار؛ وإن كان الرامي مخنثًا أو كافرًا أو فاسقًا من أنحس الفجار.
فإن رمى من غير هذه الأطيار شيئًا لا يؤثر عندهم، ولا يكرمون الرامي، ولا يسمونه شاطرًا (^١)، ولا يسمون الطير واجبًا؛ وإن كان مذبوحًا طاهرًا.
فمن رضي بهذه البدع خرج عن السُّنة وكان عبدًا فاجرًا؛ لأن في الشرع: الشاطر من أطاع الرحمن، ولم يخرج عن حكم السُّنة والقرآن.
ثم إنهم أوجبوا في شرعهم على كل من رمى طيرًا لم يكن رماه من قبل: إما أن يأخذ الكبير قوسه، أو يعطيه دراهم تسمى بالسبق. وفرضوا لكل جماعة كبيرًا.
وهذه الأشياء ليس لها أصل في الشرع، بل كبراؤهم ابتدعوها وزينها لهم الشيطان، وما أنزل الله بها من سلطان، فيأخذوا من الرامي ما فرضوه (^٢) عليه طوعًا أو كرهًا، وسواء كان الرامي غنيًا أو فقيرًا أو يتيمًا فهؤلاء الأشرار ما يأكلون في بطونهم إلا النار.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وكل شيء لا أصل له في الشرع فهو باطل.
ونهانا الحق سبحانه عن أخذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. فإن لم يقدر الرامي على جُعْلِ الكبير لم يُدخله في حزبهم، ولا يشهد له، وهذا أيضًا من قلة الدين والسعادة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
_________________
(١) الشاطر في العامية: الماهر في عمله. وفي الفصحى: الخبيث الفاجر. وواضح من السياق أنَّ المصنف أراد الشاطر بمعناه عند العامة في عصره، ولا يزال مستخدمًا حتى عصرنا الحاضر، فيقال عن الذكي الحاذق الماهر: شاطر! (ت)
(٢) في (خ): أفرضوه.
[ ٢٥٣ ]
ومن شؤم عادتهم ونحس قاعدتهم: أن حُكامهم إذا حكم أحدهم بحكم قبلوه، وإن كان مخالفًا للشرع، وإن حكم أحد من قضاة المسلمين أو من ولاة الأمراء وشهدوا عندهم بشهادة لم يقبلوا حكمهم، وردوا شهادتهم؛ وإن وافق حكمهم حكم الله ﷿ وحكم رسوله ﷺ وعلى الآل والأصحاب والأقارب.
وحجتهم أن هؤلاء القضاة والولاة ما رموا الواجب، فإن صح عنهم هذه المصائب؛ فقد خرجوا عن طريق المؤمنين؛ لقول رب العالمين: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فالخطأ يقبلونه من حكامهم، والصواب يردُّونه من غير حكامهم، فيقال لهؤلاء المعتدين الذين ضل سعيهم وما كانوا مهتدين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فترى أحدهم قد غرَّه الشيطان فرماه في البدع والعصيان؛ فزاد في الدين ما ليس منه، وحكم (^١) (بغير حكم الرحمن، ويزعم أنه على شيء، وأنه صادق فيما ادَّعاه من الكذب والزور والبهتان، ونسأل الله لنا ولهم حسن الخاتمة، والله المستعان.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. في مذهب الرُّماة أنَّ من رمى أربعة من الطير فمتن من غير ذبح، فإذا جيء بهن إلى حلقة الرماة فطعن في طيرين ولم يمكن التمييز، وضعوا الطيور الأربعة في وسط حلقتهم، فتحمل باللفظ لا بالأيدي؛ لأجل ما طعن في البعض، ولم يمكن التمييز، فكل منهم يقول: صرعهن ورماهن، أما الطيران الحلالان من هؤلاء الأربعة على رأسي أو عندي، أي نعتد لك بهما. وإن رمى أربعة من الطير، وهي مذكاة طاهرة، فطعن في طيرين كما تقدم، يلقونهم في حلقتهم ولا يمسونهم ولا يحملونهم، بل يقولون: الطيران الحلالان نعتد لك بهما. أي
_________________
(١) من هنا بداية سقوط ورقة من (ق).
[ ٢٥٤ ]
والطيران الآخران حرامان على اصطلاح هؤلاء الأشرار الخارجين في أفعالهم وأقوالهم عن كتاب الله وسنة النبي المختار.
ثم هذه الأشياء لا يفهمها إلا من كان عالمًا بأحكامهم، راسخًا في بدعتهم، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحله الله. فيقال لهم: أيها المعتدون، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
وهذه القبائح لا أصل لها في الشرع، ولا يفعلها إلا كل مارق وشيطان؛ لأن كبراءهم وضعوها، وما أنزل الله بها من سلطان. وهذه البدع مخالفة لطريق سيد المرسلين، والصحابة المكرمين ولعباد الله المؤمنين، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وقد صحَّ أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، اسمع أيها العبد المغرور: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (^١). وصحَّ أيضًا أن المسلمين تفترق يوم القيامة على ثلاث وسبعين فرقة: الواحدة ناجية وهي المتبعة للنبي المختار، والباقون (^٢) إلى النار (^٣).
فلا تخرجوا عن (طريق النبي المختار، واعتبروا) (^٤) يا أولي الأبصار؛
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (خ): وبقية الفرق.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (خ): طريقه.
[ ٢٥٥ ]
فالخوارج كلاب النار (^١). كذا جاء في الأخبار، وتوبوا من هذه البدع؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له (^٢). صحَّ ذلك في الأخبار، ونسأل الله لنا ولهم وللمسلمين التوبة والمغفرة، وهو الكريم الغفار.
فما أبعد هذه الطائفة عن طريق النبي ﷺ والأئمة المباركة السالفة وما أقربها إلى الطائفة الهالكة، التي هي لغير طريق نبيها وصحابته سالكة؛ وقد تشبهت هذه الطائفة فيما أحدثت بقومٍ كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون (^٣). وقد فارقت فيما ابتدعت الجماعة، وخالفت صاحب المعجزات والشفاعة، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من فارق الجماعة قدر شبر؛ فقد خلع ربقة الإسلام مِنْ عنقه» (^٤).
وفي حديث آخر: «لا تجتمع أمة محمد على ضلالة» (^٥).
وقال ﷺ: «يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار» (^٦).
وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (^٧)، وهؤلاء القوم اتبعوا هواهم وخالفوا سيدهم ومولاهم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) تضمين لحديث أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٤٢٥٠)، والطبراني في «المعجم الكبير» ١٠/ ١٥٠ (١٠٢٨١) من حديث أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه. قال الحافظ في «فتح الباري» ١٣/ ٤٧١: إسناده حسن. وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٢٤٠).
(٣) يشير بهذا إلى قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٨٠ (٢١٥٦٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٥٨) من حديث أبي ذر، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٤١٠).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ١/ ١١٥ من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٤٨) دون قوله: «من شذَّ شذَّ في النار».
(٧) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٥)، والبغوي في «شرح السنة» (١٠٤) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الشيخ الألباني في «مشكاة المصابيح» (١٦٧): إسناده ضعيف.
[ ٢٥٦ ]
ومن جملة بدعتهم وإدبارهم: أن أحدهم يصلي الفرض قاعدًا، ويعتذر عن القيام بتحيُّد الطير عنه. فانظر إلى دينهم! كيف يرضى بإعراض الله عنه، ولا يرضى بإعراض طير؟! ويقع في هذه المعصية (^١) العظيمة لأمر خيالي يتوهم حصوله بمعصية الله، سبحانه خالقه ومولاه، فسبحان الحليم الذى لا يعجل على من خالفه وعصاه) (^٢). وما أحسن قول ابن عباس ﵁ لرجل كان يصور صور الحيوان، فعرَّفه بما ورد في التصوير من النهي، فاعتذر المصور أن له عيالًا، وفعل ذلك خوفًا من ضياعهم؛ فأعرض عنه ابن عباس وسخر من قوله، وقال: هذا يزعم أنه إذا عصا الله أطعمه، وإذا أطاعه أجاعه (^٣).
وبدعة أخرى: أنَّهم لا يُنزلون الناس منازلهم، وهذه أيضًا أفعال ردية، مخالفة للشريعة المحمدية، وليس التقدم في شرعهم بالتقوى، ولا بالشرف، ولا بالعلم النافع، ولا بالعمل الصالح، ولا بطول الأعمار، ولا باتباع النبي المختار؛ ولكنَّ التقدم عندهم بكثرة رمي ما وجب من الأطيار المختصة باصطلاح (^٤) هؤلاء الأشرار.
فيتغالون في تعظيم الرامي، ويقبلون شهادته، ويتواضعون له، ويتصنتون لكلامه، ويقدمونه وإن كان الرامي فاسقًا، أو كافرًا، أو فاجرًا من
_________________
(١) في (خ): المصيبة.
(٢) إلى هنا نهاية سقوط ورقة من (ق).
(٣) لم أقف على هذا الأثر عن ابن عباس، وقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٨٠ بسنده قال: مر شيخ من الكوفيين كان كاتبًا لسفيان الثوري فقال له سفيان: يا شيخ، وَلِي فلانٌ فكتبتَ له ثم عُزل، وولي فلانٌ فكتبتَ له ثم عزل، وولي فلان فكتبتَ له، وأنت يوم القيامة أسوأهم حالًا؛ يدعى بالأول فيسأل، ويدعى بك فتسأل معه عما جرى على يدك له، ثم يذهب وتوقف أنت حتى يدعى بالآخر، فيسأل وتسأل أنت عما جرى على يدك له، ثم يذهب وتوقف أنت حتى يدعى بالآخر، فأنت يوم القيامة أسوأهم حالًا. قال: فقال الشيخ: فكيف أصنع يا أبا عبد الله بعيالي؟! فقال سفيان: اسمعوا هذا يقول: إذا عصى الله رزق عياله، وإذا أطاع الله ضيع عياله. قال: ثم قال سفيان: لا تقتدوا بصاحب عيالٍ، فما كان عذر من عوتب إلا أن قال: عيالي!
(٤) في (خ، ق): باصلاح.
[ ٢٥٧ ]
أنحس (^١) الفجار، ومَن أنكر عليهم في ذلك قاموا عليه بأجمعهم وأخرجوه من حلقتهم ويتبرؤون (^٢) منه، ولا ينظرون إليه، ومن أخطأ منهم من جهة الدين لا ينكرون عليه، فيغضب أحدهم لنفسه، ولا يغضب لربه، ويسخرون من (^٣) المسلمين إذا أنكروا عليهم من جهة الدين، ويضحكون بهم، وهذه المصيبة الأخرى من صفات الكفار، ومن اتصف بهم كان معهم في النار. قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٤). وفي حديث آخر: «من تشبه بقوم فهو منهم» (^٥)، صح ذلك في الأخبار.
واسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠].
ولهم مصائب أُخَر، لا يحتملها (^٦) هذا المختصر، وفي هذا كفاية، لمن أراد الله له الخير والهداية.
_________________
(١) في (خ): أنجس.
(٢) في (خ): ويبدءون.
(٣) في (خ، ط): على.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) في النسخ: يحتمله.
[ ٢٥٨ ]