قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. قال بعض المفسرين: هو كافر مثلهم (^٢). وقال بعضهم: لا يكون من الكفار، لكن يحشر معهم في النار (^٣).
فمن أكرمهم ووَلَّاهم خرج عن السنة وعن طريق الأتقياء، ودخل في طريق الأشقياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ولقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. معنى الآية: أي من يفعل ذلك فقد برئ من الله تعالى وفارق دينه، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إذا خاف المسلم على نفسه وماله
_________________
(١) كذا في النسخ: (يولون) بإسقاط الألف، ومراده توليتهم أمور المسلمين. وإن كان المراد موالاتهم يقال: (يوالون) و(يتولَّون).
(٢) انظر: «روح المعاني» للألوسي ٦/ ١٥٧.
(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ٦/ ٢١٧. وهذه المسألة فيها تفصيل، فمن الولاء ما هو كفر مخرج من الملة، ومنه ما هو من كبائر الذنوب، ومنه ما هو دون ذلك، وقد أكثر أهل زماننا من الخوض في هذه المسألة بالإفراط أو التفريط، والحق وسط بين ذلك، وبالله التوفيق. (ت)
[ ٥٢٨ ]
فله أن يداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان. قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه (^١)، كأنه قال: ويحذركم الله إياه.
رُوي أن أبا موسى الأشعري ﵁ رفع حسابًا لعمر بن الخطاب ﵁ فأعجبه وقال: ادع كاتبك يقرأه. قال: إنه لا يدخل المسجد. قال: أوَليس هو مسلمًا؟ قال: لا. قال: لا تؤمنوهم بعد إذ خوَّنهم الله، ولا تعزوهم بعد إذ أذلهم الله، ولا تصدقوهم بعد إذ كذبهم الله (^٢).
ورُوي أنه قال لأبي موسى: قاتلك الله، أما سمعت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ثم خَذَفَه بالدرة (^٣) فلو أصابته لأوضعته (^٤).
_________________
(١) في (ق): عذابه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٦٥١٠)، من حديث عياض الأشعري. وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» ٩/ ٢٠٤، وفي «شعب الإيمان» (٩٣٨٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. وقال الألباني في «إرواء الغليل» ٨/ ٣٧٨: صحيح.
(٣) الخَذْفُ: رميك بحصاةٍ أو نواةٍ أو نحوهما، تأخذ بين سبابتيك تخذف به، أو بمخذفة من خشب. والدِّرَّةُ: السوطُ يُضربُ به. وفي (خ): بالدراة. وفي (ب): بالدواة.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ، لكن أخرجه ابن زبر الربعي في «شروط النصارى» (٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢١٦، وفي «شعب الإيمان» (٨٩٣٩) عن سماك بن حرب، عياض الأشعري: عن أبي موسى الأشعري، أنه قدم على عمر ومعه كاتبٌ له، فسأله عمر عما صنع في عمله، فقال: أنفقت كذا وكذا، فقال: إني لست أدري ما تقول، ولكن انطلق فاكتب فيما أنفقت. فانطلق فكتب: أنفقت في كذا وكذا، وفي كذا وكذا. ثم جاء به إلى عمر، فلما رآه أعجبه. فقال: من كتب لك هذا؟ قال: كاتب لي. قال: فادْعُه حتى يقرأ لنا كتبًا جاءتنا من الشام. فقال: يا أمير المؤمنين إنه لا يدخل المسجد. فقال: لم؟ أجنبٌ هو؟ قال: لا، ولكنه نصراني. فضرب على فخذي ضربةً كاد يكسرها، ثم قال: أما سمعت إلى الله ﵎ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة: ٥١]، أفلا اتخذت كاتبًا حنيفًا يكتب لك؟ قال: يا أمير المؤمنين ما لي وله؟ له دينه ولي كتابته! فقال عمر: لا تأمنهم إذ خوَّنهم الله، ولا تكرمهم إذ أهانهم الله، ولا تدنهم إذ أقصاهم الله. وأخرجه الخلال في «أهل الملل والردة من الجامع» ١/ ١٩٧ من هذا الوجه بنحوه، وفيه: قال عمر: ما لكَ، قاتلك الله! أما سمعت الله ﵎ يقول … فذكر الآية. (ت)
[ ٥٢٩ ]
(وكتب إليه خالد بن الوليد ﵁: إنَّ بالشَّام نصرانيًّا لا يصلح خِراج الشام إلا به) (^١). فكتب إليه عمر ﵁: لا تستعمله، فكتب ثانيًا: أنه ليس لنا منه بدٌّ. فكتب ﵁ إلى خالد: مات النصراني والسلام. فصرف خالد النصراني (^٢).
ثم اعلم أن من علامة حب الله تعالى أن لا تكرم عدوه، فمن أكرمهم أهانه الله، ومن أعزهم أذله الله، قال الله سبحانه في كتابه الذي خذل به الباطل وهدَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١].
_________________
(١) ليست في (خ).
(٢) ذكره ابن تيمية في «مسألة في الكنائس» ١٢٨، وفي «المجموع» ٢٨/ ٦٤٣ فقال: كتب خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب ﵄، يقول له: إن بالشام كاتبًا نصرانيًا، لا يقوم خراجُ الشام إلا به. فكتب إليه: لا تستعمله! فكتب: إنه لا غناءَ بنا عنه. فكتب إليه، لا تستعمله! فكتب إليه: إذا لم نولِّه ضاع المالُ. فكتب إليه عمر ﵁: مات النصرانيُّ، والسلام. ونقله عن ابن تيمية: ابن مفلح في «الآداب الشرعية» ٢/ ٤٤٨، وابن الموصلي البعلي في «حسن السلوك الحافظ لدولة الملوك» (٢١٦) والخزاعي في «تخريج الدلالات السمعية» ٧٨٠، ولم أجده في المصادر المسندة، وأول من ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في «الكشاف» ١/ ٦٢، ولكن بسياق آخر فقال: وروي أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصرانيّ والسلام، يعني: أنه مات فما كنت صانعًا حينئذٍ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره. وخرَّجه الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٤١٨) بأثر أبي موسى عند البيهقي في «الشعب»، وليس فيه هذا اللفظ. وذكره ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» ١/ ٤٤٥ بسياق آخر، فقال: وورد عليه كتاب معاوية بن أبي سفيان: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن في عملي كاتبًا نصرانيًّا لا يتم أمر الخراج إلا به، فكرهت أن أقلده دون أمرك، فكتب إليه: عافانا الله وإياك، قرأت كتابك في أمر النصراني، أما بعد: فإن النصراني قد مات، والسلام. (ت)
[ ٥٣٠ ]
رأى رجل الخليفة قد قرَّب رجلًا نصرانيًّا، فقال: أتأذن لي بالكلام يا أمير المؤمنين؟ فأذن له، فقال هذه الأبيات:
أيا إمامٌ حكمه لازم … وحبه مفترض واجب
إن الذي شرفت من أجله … يزعم هذا أنه كاذب
وأشار بيده نحو النصراني، فقال الخليفة للنصراني: أنت تزعم أن جدي كاذب؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. ثم (أتى النصراني) (^١) بالشهادتين، فقال الرجل للخليفة: ألست تعلم أنه أسلم خوفًا من هيبتك؟ قال: نعم. قال: فإسلامه نفاق؛ فإذًا لا يصلح أن يكون للخليفة من الرفاق. فطرده الخليفة (^٢). فذهب لا هو بدينه، وذهبت دنياه. وهذا حال من خذله مولاه، فمن رضي بالله ربًّا وبمحمد ﷺ رسولًا وبالإسلام دينًا فلا يتخذ يهوديًّا، ولا نصرانيًّا كاتبًا ولا خازنًا ولا أمينًا، فمن فعل ذلك كان لدين الإسلام مهينًا، فقد أخطأ الطريق وما أصاب يقينًا، وأكثر ما يقع في هذه المصائب الولاة والأمراء، ونسأل الله تعالى الهداية وحُسن الخاتمة لنا ولهم وللمسلمين أجمعين، وكان الله على كل شيء مقتدرًا.
ثم اعلم بأنه يجب على المسلم أن لا يولي على إخوته المسلمين كافرًا، ولا مسلمًا ظالمًا ولا فاسقًا، فإن فعل فقد أعان الظالم على ظلمه، وقوَّى الفاسق على فسقه، وأعان الكافر لتوليته على إخوانه، وأذلَّ المؤمن مع وجود إيمانه.
وجاء في الأخبار: «يقول الحق سبحانه يوم القيامة: أين الظلمة وأعوان الظلمة؟ فيجعلون في توابيت ويلقون في النار» (^٣).
_________________
(١) في (ق): أن النصراني أعلن.
(٢) انظر: «سراج الملوك» للطرطوشي ٧١، و«بدائع السلك في طبائع الملك» لابن الأزرق ٢/ ٢٨، و«سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٤٩٢. وفي «اتعاظ الحنفاء» للمقريزي ٣/ ١٢٦ حادثة وقعت سنة (٥٢٣) ذُكر فيها بعض هذا الشعر. (ت)
(٣) ضعيف: أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (٩٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وذكره أحمد بن حنبل في «الورع» ١/ ٩٣ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وقال الزيلعي في «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» ٣/ ٢٨: غريب.
[ ٥٣١ ]
وكذلك إذا ولَّى على المسلمين مبتدعًا أو فاسقًا فقد غشهم، وقال ﷺ: «من غشنا فليس منا» (^١). لأن المبتدع يجر الناس لبدعته، والفاسق يكلفهم حضور المحرمات لأجل معصيته، فإن شكر المسلم كافرًا بقوله: عندي نصراني صادق أمين، وهو خير من كثير من المسلمين. يكفر وتحرَّم عليه زوجته (^٢)، والعياذ بالله رب العالمين، ولا بد من تجديد النكاح إذا جدد
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤١٧ (٩٣٩٦)، ومسلم في «صحيحه» (١٠١)، وابن ماجه في «سننه» (٢٢٢٤)، وأبو داود في «سننه» (٣٤٥٢)، والترمذي في «جامعه» (١٣١٥) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٥٠ (٥١١٣) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) قال ابن نجيم في «البحر الرائق» ٥/ ١٣٣ في بيان ألفاظ التكفير الموجبة للردة: وبقوله: معلِّم صبيان اليهود خير من المسلمين بكثير، فإنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم! قلتُ: في إطلاق التكفير لمن فضَّل كافرًا على مسلم مجازفة، والحق التفصيل: فتفضيل الكافر على المسلم إن كان من حيث الدين، فهو ردَّةٌ وإلا فلا، كما قال علِّيش المالكي (ت: ١٢٩٩) في «فتح العلي» ٢/ ٣٤٨، وإن لم يكن بسبب الدين فإطلاق التفضيل قبيح يجب اجتنابه، وإن قيِّد بشيء معيِّ فلا يتَّجه منعه. وفي «فتاوى نور على الدرب»: سئل عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ عن سائلٍ يعقد مقارنة أو موازنة بين العمال من المسلمين وغير المسلمين فيقول: إن غير المسلمين هم من أهل الأمانة، وأستطيع أن أثق فيهم، وطلباتهم قليلة، وأعمالهم ناجحة، أما أولئك فهم على العكس تمامًا؟ فأجاب: هؤلاء ليسوا بمسلمين على الحقيقة، هؤلاء يدعون الإسلام، أما المسلمون في الحقيقة فهم أولى وأحق وهم أكثر أمانة وأكثر صدقًا من الكفار، وهذا الذي قلته غلط لا ينبغي أن تقوله، والكفار إذا صدقوا عندكم وأدوا الأمانة حتى يدركوا مصلحتهم معكم، وحتى يأخذوا الأموال عن إخواننا المسلمين، فهذه لمصلحتهم؛ فهم ما أظهروا هذا لمصلحتكم ولكن لمصلحتهم هم، حتى يأخذوا الأموال وحتى ترغبوا فيهم. فالواجب عليكم ألا تستقدموا إلا الطيبين من المسلمين؛ وإذا رأيتم مسلمين غير مستقيمين فانصحوهم ووجهوهم فإن استقاموا وإلا فردُّوهم إلى بلادهم واستقدموا غيرهم، وطالبوا الوكيل الذي يختار لكم أن يختار الناس الطيبين المعروفين بالأمانة، المعروفين بالصلاة، المعروفين بالاستقامة؛ =
[ ٥٣٢ ]
إسلامه عند أبي حنيفة ﵁، (وفي ذلك خلاف للعلماء) (^١)، فإن كفر الزوج والزوجة معًا ثم جدد الإسلام؛ فلا يحتاج لتجديد النكاح. ونسأل الله تعالى الحراسة في الأفعال والأقوال، وأن يجعلنا من أهل الدين والصلاح، ويرزقنا حسن الخاتمة والسَّماح؛ لأن الشرع إذا حكم بكفر المسلم تحرُم عليه زوجته، فيكون قد فارق ربه، ونبيه ودينه وزوجته، فإن ندم على فعلته، وتاب من زلته، وجدد إسلامه؛ تاب الله عليه، ورجع كل من فارقه إليه.
_________________
(١) = لا يستقدم من هبَّ ودبَّ. وهذا لا شك أنه من خداع الشيطان، أن يقول لكم: إن هؤلاء الكفار أحسن من المسلمين، أو أكثر أمانة، أو كذا أو كذا؛ كله لما يعلمه عدو الله وجنوده من الشر العظيم في استقدام الكفرة واستخدامهم بدل المسلمين؛ فلهذا يُرغِّب فيهم ويزين لكم استقدامهم حتى تدعوا المسلمين، وحتى تستقدموا أعداء الله، إيثارًا للدنيا على الآخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد بلغني عن بعضهم أنه يقول: إن المسلمين يصلون ويعطلون الأعمال بالصلاة، والكفار لا يصلون حتى يأتوا بأعمال أكثر، وهذا أيضًا من جنس ما قبله، ومن البلاء العظيم؛ أن يعيب المسلمين بالصلاة ويستقدم الكفار لأنهم لا يصلون، فأين الإيمان؟ وأين التقوى؟ وأين خوف الله؟ أن تعيب إخوانك المسلمين بالصلاة! نسأل الله السلامة والعافية. وسئل محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ عن وصف الكفار بالصدق والأمانة وحسن العمل؟ فأجاب بقوله: هذه الأخلاق إن صحت مع أن فيه الكذب والغدر والخيانة والسطو أكثر مما يوجد في بعض البلاد الإسلامية وهذا معلوم، لكن إذا صحت هذه فإنها أخلاق يدعو إليها الإسلام، والمسلمون أولى أن يقوموا بها ليكسبوا بذلك حسن الأخلاق مع الأجر والثواب. أما الكفار فإنهم لا يقصدون بها إلا أمرًا ماديًّا فيصدقون في المعاملة لجلب الناس إليهم. لكن المسلم إذا تخلق بمثل هذه الأمور فهو يريد بالإضافة إلى أمر المادي أمرًا شرعيًّا وهو تحقيق الإيمان والثواب من الله ﷿ وهذا هو الفارق بين المسلم والكافر. أما ما زعم من الصدق في دول الكفر شرقية كانت أم غربية، فهذا إن صحَّ فإنما هو نِزرٌ قليل من الخير في جانب كثير من الشر، ولو لم يكن من ذلك إلا أنهم أنكروا حق من حقه أعظم الحقوق وهو الله ﷿: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]. فهؤلاء مهما عملوا من الخير فإنه نزر قليل مغمور في جانب سيئاتهم، وكفرهم، وظلمهم فلا خير فيهم. (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: ٣/ ٢٣) (ت)
(٢) في (خ، ب): ففي هذه خلاف العلماء.
[ ٥٣٣ ]
وقال أبو حنيفة: فإن تاب المسلم عن هذه المقالة تقبل الله أعماله، ويكون أيضًا نادمًا على هذه الفعلة ليوم القيامة، فيجدد إسلامه ونكاحه، فيعجل الله خيره وفلاحه.
قال ﷺ: «أفضل الأعمال ثلاث: إنصاف المؤمن نفسه، ومواساة الأخ في ماله، وذكر الله تعالى على كل حال» (^١).
أنصفنا أيها المؤمن! من نفسك، فإذا ثبت عندك أن رجلًا يبغض دين الإسلام ولا يحب النبي ﷺ؛ أفتكرمه لأجل فعلته هذه غاية الإكرام فتجلسه في مكان مرتفع والمسلمون وقوف بين يديه كالخدام؟!
قال المؤمن: كيف أكرم من يبغض ديني، ويكذِّب نبيي، وهما عندي أحب إليَّ من نفسي وأهلي والأموال والأنعام! فقم أيها المؤمن! بما قلته من الكلام، ولا تولِّ على أمور المسلمين يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولا راهبًا، إن كنت في الجنة راغبًا، ولله ولرسوله محبًّا طالبًا، فقد غدا كل أمير بهذه البلوى ناشبًا (^٢) إلا من حرسه الله تعالى، ولم يردُّه من كرمه خائبًا.
ثم اعلم بأن اليهود والنصارى من خبثهم ولعانتهم في ابتداء أمرهم
_________________
(١) أخرجه الرافعي في «التدوين في أخبار قزوين» ٤/ ٧٠ من حديث ابن عمر ﵄، بلفظ: «أشد الأعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك، مواساة الأخ من مالك، وذكر الله على كل حال». وأورده ابن حجر في «لسان الميزان» ٦/ ٣٢٦ ترجمة (١١٦٣) يوسف بن على الطبري، وقال: أورد عنه الرافعي في «تاريخ قزوين» هذا السند النظيف لمتن غير صحيح، لكنه يركب عليه عن ابن عمر رفعه … ثم ذكره، وقال: هذا موضوع على هؤلاء من الشريف فصاعدًا. وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٨٥ من حديث علي ﵁ موقوفًا. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٧٤٤)، وهناد في «الزهد» (١٠٤٨) من حديث أبي جعفر مرسلا، وعند هناد: «أسدّ الأعمال».
(٢) النُّشَّابُ: النَّبْلُ واحدتُه نُشَّابة، والناشِبُ ذو النُّشَّاب، ومنه سمي الرجل ناشِبًا، والناشِبةُ قومٌ يَرْمونَ بالنُّشَّابِ، والنُّشَّابُ: السِّهامُ وقوم نَشَّابة يَرْمُونَ بالنُّشَّابِ.
[ ٥٣٤ ]
يتخدمون ويجتهدون ويظهرون (^١) النصح لمخدومهم؛ فإذا ثبت ذلك عنده فعلوا ما أرادوا من الخيانة، وخيارهم لا يرى النصح ويأكل البرطيل (^٢)، وما شهدنا إلا بما علمنا، فأقصر ولا تطيل.
فمن سلامة صدر المسلم يزعم أنه ناصح له فيحبه ويولِّيه، ويقول: عندي كاتب صادق أمين، فيسقط بقوله وفعله من رحمة رب العالمين؛ فقد كذَّبهم الله تعالى ورسوله ﷺ وخوَّنهم، فيحرم على المؤمن أن يولِّيهم أو يصدقهم ويزكيهم. فكل من أكرم النصراني أو اليهودي (ما يكرمهم إلا لأجل ما ولاهم الأمير، وخوفًا من لعانة هؤلاء الخنازير) (^٣)، فيكون مجموع الإثم من أكرمه وولاه. فالله الله من تعظيمهم وتزكيتهم ومحبتهم، عباد الله!
ونهى عمر بن الخطاب في خلافته التُّجار أن يجلبوا شيئًا من علوج النصارى إلى مدينة النبي ﷺ المختار، لعلمه بلعانتهم وخيانتهم، وكان عبدُ المغيرةِ عِلْجًا من علوج النصارى، فشكاه المغيرة لعمر، فأغلظ عمر على العلج الكلام، فغضب العلج، فسنَّ سكينًا ودخل المسجد يريد الصلاة، وأظهر الدين والأمانة، ثم ظهر منه الجور والخيانة، فضرب عمر ﵁ بالسكين وهو واقف يصلي بالجماعة، وجرح جماعةً من المسلمين. فلما علم أنه مأخوذ قتل نفسه (^٤).
_________________
(١) في (خ): ويورون.
(٢) البِرْطِيلُ بكسر الباء: الرشوة، كأنه مأخوذ من (البِرْطِيلُ) الذي هو المعول؛ لأنه يستخرج به ما استتر، وفتح الباء عامي لفقد فعليل بالفتح. انظر «المصباح المنير» (ص ٣١).
(٣) في (خ): ما يكرمه إلا لأجل ما ولاه الأمير وخوفًا من لعانة هذا الخنزير.
(٤) قاتل الفاروق عمر ﵁ لم يكن نصرانيًا، بل كان باتفاق المحدثين والمؤرخين مجوسيًا فارسيًا، وهو أبو لؤلؤة فيروز، وقد أخرج القصة البخاري في «الصحيح» (٣٧٠٠) عن عمرو بن ميمون ﵀، مطولًا، وفيها: قال: إني لقائم ما بيني وبينه، إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على =
[ ٥٣٥ ]
فانظر إلى فعل دينهم وأمنهم كيف شقَّ بطن خليفة المسلمين، وقتل من الصحابة قومًا آخرين، فجرح ثلاثة عشر رجلًا، وقتل ستة، ثم قتل نفسه؛ هذا فعله وقد أظهر الإسلام وصلى الجماعة خلف الإمام، فلا ينبغي للمؤمنين الأتقياء أن يولوا أحدًا من هؤلاء الأشقياء؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].
_________________
(١) =أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدَّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقًا فقال: إن شئت فعلت، أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٣٤٥ بإسناد صحيح عن ابن شهاب الزهري قال: كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يذكر له غلامًا عنده صنعًا، ويستأذنه أن يدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد نقاش نجار. فكتب إليه عمر فأذن له أن يرسل به إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مئة درهم كل شهر، فجاء إلى عمر يشتكي إليه شدة الخراج، فقال له عمر: ماذا تحسن من العمل؟ فذكر له الأعمال التي يحسن، فقال له عمر: ما خراجك بكثير في كنه عملك. فانصرف ساخطًا يتذمَّر، فلبث عمر ليالي، ثم إن العبد مرَّ به فدعاه، فقال له: ألم أحدث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح، فالتفت العبد ساخطًا عابسًا إلى عمر، ومع عمر رهط، فقال: لأصنعنَّ لك رحى يتحدث بها الناس، فلما ولى العبدُ أقبل عمر على الرهط الذين معه فقال لهم: أوعدني العبد آنفًا! فلبث ليالي ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في غلس السحر، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة صلاة الفجر، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات، إحداهن تحت السرة، قد خرقت الصفاق، وهي التي قتلته، ثم انحاز أيضًا على أهل المسجد فطعن من يليه، حتى طعن سوى عمر أحد عشر رجلًا، ثم انتحر بخنجره … (ت)
[ ٥٣٦ ]
وجاء رجل من أبطال المشركين ليقاتل بين يدي النبي ﷺ فردَّه، وقال: «لم أستعن (^١) بمشرك» (^٢)، فلما أسلم قَبِلَه رسول الله ﷺ، وقد ذكرت هذا الحديث مبينًا في باب سبت النور.
_________________
(١) في (ق): فردوه وقالوا: لا نستعين.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٦٧ (٢٤٣٨٦)، والدارمي في «سننه» (٢٤٩٦)، ومسلم في «صحيحه» (١٨١٧)، وابن ماجه في «سننه» (٢٨٣٢)، وأبو داود في «سننه» (٢٧٣٢)، والترمذي في «جامعه» (١٥٥٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٧٦٠) من حديث عائشة ﵂.
[ ٥٣٧ ]