فحلقوا ذُقونَهم وحواجبهم، وثقبوا إحليلَهم، وهذه أفعال رديَّةٌ، ومصيبة في الدين وبليَّةٌ؛ لمخالفتهم الحقَّ سبحانه، ولخروجهم عن طريق خير البرية
قال ﷺ: «قصُّوا الشارب، وأعفوا اللِّحَى» (^٢). فقد نهانا الشرع عن حلق اللحية، وأمرنا بقصِّ الشارب، فاتبع الشرع أيها الطالب، لتُرفع إلى أعلى المنازل والمراتب. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وهذه البدعة الملعونة فيها تشبه بالمجوس وبأهل الكتاب، وهي طائفة من الإفرنج، فانتهوا يا أولي الألباب، فمن تشبه بهم في الدنيا حشر معهم في الآخرة؛ فنكب وخاب. قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا». وفي الحديث الآخر: «فهو منهم» (^٣).
_________________
(١) سنذكر كلام أهل العلم فيهم في آخر هذا الفصل.
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٩٤٢٦) من حديث ابن عباس، وهو جزء من حديث طويل، قال الألباني في «الضعيفة» (٤٠٥٧): ضعيف. وأخرجه مالك في «الموطأ» (١٦٩٦)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ١٦ (٤٦٥٤)، والبخاري في «صحيحه» (٥٨٩٢، ٥٨٩٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٩)، وأبو داود في «سننه» (٤١٩٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٧٦٣، ٢٧٦٤)، والنسائي في «المجتبى» ٨/ ١٢٩ (٥٠٤٥) من حديث ابن عمر بلفظ: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى».
(٣) سبق تخريج هذا والذي قبله.
[ ٣٥١ ]
فقد تبرأ الرسول من الحالق المخذول، فحُرِم الخير والوصول؛ لخروجه عن السنة ولتضييعه الأصول.
وفي الخبر: «أن الملائكة تقول: سبحان من زيَّن الرجال باللِّحى» (^١).
وكذلك تكبل أحدهم بالسلاسل والحديد بدعة لا ترضي المولى المجيد، ولا يفعلها إلا كل شيطانٍ مريد؛ لأنها بدعة ردية، تخالف القرآن والسنة المحمدية؛ قال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢].
ورأى النبي ﷺ رجلًا في إصبعه حلقة من حديد، فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟» (^٢). قال ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا العافية» (^٣).
فهؤلاء المخذولون قد خرجوا عن طريق نبيهم، وخالفوا الرحمن، واتبعوا أوامر الشيطان؛ لأن الله تعالى لما طرد الشيطان قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. فأجابه الحق سبحانه بقوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
_________________
(١) ذكره الديلمي في «مسند الفردوس» (٦٤٨٨)، وإسماعيل حقي في «روح البيان» ١/ ١٧٧، والعجلوني في «كشف الخفاء» (١٤٤٧) من حديث عائشة بلفظ: «ملائكة السماء يستغفرون لذوائب النساء، ولحى الرجال، يقولون: سبحان الله الذي زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب». قال الألباني في «الضعيفة» (٦٠٢٥): موضوع.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) لم نجده إلا فيما أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦٦٤٦)، عن عباس الآجري قال: سئل أبو بكرٍ الشبلي عن قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية». قال: من هم أهل البلاء؟ قال: أهل الغفلة عن الله. وقد أخرج عبد بن حميد (٣٨)، والترمذي (٣٤٣١) عن ابن عمر، عن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «من رأى صاحب بلاء، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، إلا عوفي من ذلك البلاء، كائنًا ما كان، ما عاش». وخرَّجه الألباني في «الصحيحة» (٦٠٢) وقوَّاه. وهذا الحديث صريح في أن المراد البلاء المادي وليس المعنوي.
[ ٣٥٢ ]
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥] فأخبر عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].
ومن حلق لحيته وحواجبه وشواربه فقد غير خلق الله، وكذلك الواشمة وما يشبه ذلك، الكل خارجون عن السنة، داخلون في طريق كلِّ مبتدع وهالك، فإن احتج أحدهم بخروجه عن طريق النبي المختار والصحابة الأخيار والمؤمنين الأبرار باتباعه لشيخه فقد وافق الكفار، ومن وافقهم في الدنيا حشره الله تعالى معهم في النار.
وتشبه هؤلاء المعتدون بقومٍ تركوا طرق أنبيائهم وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
وهذه البدع مخالفة لطريق سيد المرسلين، والخلفاء الراشدين، ولأئمة المسلمين، ولم يرض بهذه البلية إلا هذه الطائفة الرَّدية المعروفة بالقرندلية؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
ونقول مسألة مناسبة: رجل غصب مملوكًا أمرد، فطلعت لحيته عنده، فرفعه صاحب المملوك إلى الشرع، وقال: هذا غصب مملوكي وهو أمرد، وكانت قيمته ألف درهم، والآن يساوي خمسمئة درهم لطلوع لحيته.
قال بعض العلماء: يأخذ مملوكه ويرجع على الغاصب بما نقص من ثمنه (^١).
وقال أبو حنيفة ومن تابعه من العلماء: لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه زاد قوة وزينة في الشرع، ونقص عند أهل الفسق، فلا يعتبر ذلك (^٢).
_________________
(١) ذكره الرافعي في «الشرح الكبير» ١١/ ٣٥٧، والنووي في «روضة الطالبين» ٥/ ٦٦، وابن قدامة في «المغني» ٥/ ٣٩٠.
(٢) «بدائع الصنائع» ٧/ ١٥٦، ومناسبة ذكر هذه المسألة؛ أنه كان من سلوك القلندرية أنهم يختطفون الصغار ويجبرون الكبار على السير معهم، وقد ذكر طاش كبرى زادة في «الشقائق النعمانية» ص ١٢٨، في ترجمة ابن الأشرف أنه مال إلى طريق التصوف، والتحق بزمرة الصوفية، ثم رغب في السياحة، واقتدى به طائفة القلندرية، وأخذوه معهم جبرًا =
[ ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقهرًا، ولم يتخلص من أيديهم حتى سار معهم في البلاد زمانًا كثيرًا إلى أن مات. قال التهانوي في «كشاف اصطلاحات العلوم» ص ١٣٤٠: «قلندر وقلاش: كلمتان يوصف بهما بعض رجال الصوفية المجردين عن العلائق الدنيوية. وعند الصوفية: الرجل الذي هو من أهل التَّرك والتجريد. وقد تجاوز عن اللذائذ البشرية. كذا في بعض الرسائل. ويقول في «قاموس جهانكَيري»: قلندر: بالفتح عبارة عن شخص تجرَّد عن نفسه، وعن الأشكال البشرية والأشكال العادية والأعمال التي لا سعادة فيها حتى صار من أهل الصَّفاء، وترقَّى إلى مرتبة الروح، وتخلَّص من القيود والتكليفات الرسمية والتعريفات الأسمية، وقد تجرَّد وتفرَّد عن الكونين، وصار بقلبه وروحه كلاهما طالبًا لجمال وجلال الحقِّ جلَّ وعلا، ووصل إلى حضرة الحقِّ. والفرق بين القلندر والملامتي والصوفي هو أنَّ القلندري قد وصل إلى درجة الكمال في التفريد والتجريد، ويسعى في تخريب العادة. وأمَّا الملامتي فيجتهد في إخفاء عبادته. وأمَّا الصوفي: فهو لا يبالي قلبه بالخلق أصلًا، ولا يلتفت إليهم في شيء من أحواله، لذا فهو أعلاهم مرتبةً». وأقدم ما وجدته في ذكر هذه الطائفة؛ ما ذكره الذهبي ﵀ في «تاريخ الإسلام» ١٢/ ١١٢٨ (٤٠٩) في ترجمة (مسعود بن محمد ابن الدلال الهمذاني) المتوفَّى سنة (٥٩٧)، فقد وصفه بقوله: «شيخ القنلدرية». وأشهر من عُرف بالقلندرية وكان له الأثر البارز في نشرها هو: محمد بن يونس الساوجي، قال الذهبي ﵀ في «تاريخ الإسلام» ١٣/ ٩٤٨ (٦٣٦) فيمن توفي بعد العشرين وستِّ مئة: «محمد الشيخ جمال الدين السَّاوجي الزاهد، شيخ الطائفة القَلَندريَّة، قدم دمشق، وقرأ القرآن والعلم، وسكن بجبل قاسيون، بزاوية الشيخ عثمان الرومي، وصلى بالشيخ عثمان مدةً، ثم حصل له زهد وفراغ عن الدنيا، فترك الزواية، وانملس، وأقام بمقبرة باب الصغير، بقرب موضع القبة التي بنيت لأصحابه، وبقي مُدَيدةً في قبة زينب بنت زين العابدين، فاجتمع فيها بالجلال الدَّرْكَزيني، والشيخ عثمان كوهي الفارسي الذي دفن بالقنوات، بمكان القلندرية، ثم إن الساوجيَّ حلق وجهه ورأسه، فانطلى على أولئك حاله الشيطانيُّ فوافقوه، وحلقوا، ثم فتَّش أصحاب الشيخ عثمان الرومي على الساوجي فوجدوه بالقبة فسبوه وقبحوا فعله، فلم ينطق، ولا ردَّ عليهم. ثم اشتُهر، وتبعه جماعة، وحلقوا، وذلك في حدود العشرين وست مئة، فيما أظنُّ. ثم لبس دَلَقَ شَعر، وسافر إلى دمياط، فأنكروا حاله وزيَّه المنافي للشرع، فريَّق بينهم ساعة، ثم رفع رأسه، فإذا هو بشيبة فيما قيل! كبيرة بيضاء، فاعتقدوا فيه، وضلوا به، حتى قيل: إن قاضي دمياط وأولاده وجماعة حلقوا لحاهم وصحبوه، والله أعلم بصحة ذلك. وتوفي بدمياط، وقبره مشهور، وله هناك أتباع. وذكر الأجلُّ شمس الدين الجزريُّ في «تاريخه»: أنه رأى كراريس من تفسير القرآن العظيم للشيخ جمال الدين =
[ ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الساوجي وبخطه. وجلس في المشيخة بعده بمقبرة باب الصغير جلال الدين الدركزيني، وبعده الشيخ محمد البلخي، وهو أعني البلخي من مشاهير القوم، وهو الذي شرع لهم الجولق الثقيل، وأقام الزاوية، وأنشأها، وكثر أصحابه. وكان للملك الظاهر فيه اعتقاد، فلما تسلطن طلبه، فلم يمض إليه، فبنى لهم السلطان هذه القبة من مال الجامع، وكان إذا قدم يعطيهم ألف درهم، وشقتين من البسط، ورتب لهم ثلاثين غرارة قمح في السنة، وعشرة دراهم في اليوم. وكان السُّوَيداوي منهم يحضر سماط السلطان الملك الظاهر، ويمازح السلطان، ولما أنكروا في دولة الأشرف موسى على الشيخ علي الحريري أنكروا على القلندرية وتفسيرها بالعربي: المحلقين ونفوهم إلى قصر الجنيد. وذكر ابن إسرائيل الشاعرُ أنَّ هذه الطائفة ظهرت بدمشق سنة نيِّف عشرة وست مئة. ثم أخذ يحسِّن حالهم الملعون، وطريقتهم الخارجة عن الدين. فلا حول ولا قوة إلا بالله». وفي «البداية والنهاية» لابن كثير ﵀ ١٤/ ٣١٤ في حوادث سنة (٧٦١ هـ): «الأمر بإلزام القلندرية بترك حلق لحاهم وحواجبهم وشواربهم، وذلك محرم بالإجماع حسب ما حكاه ابن حزم، وإنما ذكره بعض الفقهاء بالكراهية، ورَدَ كتابٌ من السلطان أيده الله إلى دمشق في يوم الثلاثاء خامس عشر ذي الحجة، بإلزامهم بزي المسلمين وترك زي الأعاجم والمجوس، فلا يمكَّن أحد منهم من الدخول إلى بلاد السلطان حتى يترك هذا الزيَّ المبتدع، واللباس المستشنع، ومن لا يلتزم بذلك يعزر شرعًا، ويقلع من قراره قلعًا، وكان اللائق أن يؤمروا بترك أكل الحشيشة الخسيسة، وإقامة الحدِّ عليهم بأكلها وسكرها، كما أفتى بذلك بعض الفقهاء. والمقصود أنهم نودي عليهم بذلك في جميع أرجاء البلد ونواحيه في صبيحة يوم الأربعاء، ولله الحمد والمنة». وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن هؤلاء القلندرية الذين يحلقون ذقونهم: ما هم؟ ومن أي الطوائف يحسبون؟ وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله ﷺ أطعم شيخهم قلندر عنبًا وكلَّمه بلسان العجم؟ فأجاب ﵀: «أما هؤلاء القلندرية المحلِّقي اللحى فمن أهل الضلالة والجهالة، وأكثرهم كافرون بالله ورسوله، لا يرون وجوب الصلاة والصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وهم ليسوا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة. وقد يكون فيهم من هو مسلم؛ لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر. ومن قال: إن «قلندر» موجود في زمن النبي ﷺ؛ فقد كذب وافترى، بل قد قيل: أصل هذا الصنف أنهم كانوا قومًا من نساك الفرس يدورون على ما فيه راحة قلوبهم، بعد أداء الفرائض واجتناب المحرمات. هكذا فسَّرهم الشيخ أبو حفص السهروردي في «عوارفه» ثم إنهم بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات، بمنزلة «المَلَامِيَّة» الذين كانوا يخفون حسناتهم، ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء، ولبس العمامة، فهذا قريب، وصاحبه مأجور على نيته. ثم
[ ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة، ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من الفواحش والمنكرات، وترك الفرائض والواجبات، وزعموا أن ذلك دخول منهم في «المَلامِيَّات»، ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة، وتجب عقوبتهم جميعهم، ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة أو فجور. وليس ذلك مختصًّا بهم؛ بل كل من كان من المتنسكة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والأغنياء والكتَّاب والحسَّاب والأطباء وأهل الديوان والعامة خارجًا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله باطنًا وظاهرً، مثل من يعتقده أن شيخه يرزقه، أو ينصره أو يهديه، أو يغيثه أو يعينه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو كان يفضله على النبي ﷺ تفضيلًا مطلقًا أو مقيدًا في شيء من الفضل الذي يقرِّب إلى الله تعالى، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول ﷺ؛ فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه حتى يسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ، ومثل الذي قال: إذا أنا مت فاسحقوني وذروني في اليمِّ، لعلي أضل عن الله ونحو ذلك، فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥]، وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب في أماكنها، والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا. والله أعلم». (مجموع الفتاوى: ٣٥/ ١٦٣ - ١٦٦) وقال العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي في «الرد الوافر» ٥٠ في ترجمة: الشيخ الإمام العلامة القاضي أبي البقاء محمد ابن سوار الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي (٧٠٧ - ٧٧٧ هـ): حكى بعض من لقيته من الشيوخ العلماء أنه حضر مرةً مع قاضي القضاة أبي البقاء شيخ الشافعية درسًا ألقاه بالمدرسة الرواحية، وهي داخل باب الفراديس من دمشق، فجاءه جماعة من طائفة القلندرية يسألونه، فأمر لهم بشيء، وكان إذ ذاك حاكمًا بدمشق على القضاء بها، ثم جاءه طائفة أخرى من الحيدرية وهو يتوضأ على بركة المدرسة المذكورة فسألوه، فأمر لهم بشيء، ثم جاء فصلى ركعتين، ثم قال: رحم الله ابن تيميةَ، كان يكره هؤلاء الطوائف على بدعهم. قال: فلما قال ذلك ذكرت له كلام الناس في ابن تيمية، فقال لي وكان ثم جماعة حاضرون، قد تخلفوا بعد الدرس يشتغلون عليه: والله يا فلان ما يُبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به. قال: فأعجبني ذلك منه، وقبلت يده، وقلت له: جزاك الله خيرًا. انتهى ولأبي الفضل محمد بن عبد الله القونوي دراسة عن القلندرية بعنوان: «الصوفية القلندرية تاريخها، وفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية فيها»، لم أقف عليها. (ت)
[ ٣٥٦ ]