فأسخطوا بقولهم وفعلهم الملك العلام وخرجوا عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام
فتراهم مذبذبين: تارةً يتمسكون بمذهب الشافعي، وتارة يخالفونه ومن عداه من المسلمين، ويوافقون شيخهم والشيطان الغوي، ونسأل الله تعالى الملِيِّ الغنِيِّ أن يسلمنا من البدع في الأقوال والأفعال، ويهدينا للطريق السَّويِّ، ويرزقنا حسن الخاتمة، وهو القدير القوي، فترى أحد هؤلاء الأشقياء يخرجون عن السنة وعن طريق الأتقياء، ويفعلون شيئًا لا يرضي الخالق ولا المخلوق، ويستدلون على بدعتهم بكلام الشيخ مرزوق (^١) فيجتنبون جماعات المسلمين، وجُمَعَهُم، وشعائرهم، وأعيادهم، فإن صلى أحدهم في جماعة خوفًا من التوبيخ والعار والشناعة نوى الصلاة وحده، وإن اتفق ذلك في مكة المشرفة أو المدينة على ساكنها أفضل السلام والسكينة.
فانظر رحمك الله! إلى ما قدم هذا المخذول من البضاعة بين يدي
_________________
(١) هو الشيخ الفقيه عثمان بن مرزوق بن حميد القرشي المصري الحنبلي (ت ٥٦٤ هـ) ﵀، وسنذكر ترجمته وكلام العلماء في أتباعه في آخر هذا الفصل.
[ ٤٨٦ ]
الساعة، أحرم نفسه أجر الجماعة، وأخرجها عن طريق صاحب المعجزات والشفاعة، فتشبه هؤلاء المعتدون بأعداء الله المنافقين؛ فخسرت تجارتهم، وضل سعيهم وما كانوا مهتدين. قال ﷺ: «الجماعة من سنن الهدى، لا يتخلف عنها إلا منافق» (^١).
ولقد همَّ النبي ﷺ أنْ يحرق بيوت من تخلف عن الجماعة بالنار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأتباعه السادة الأخيار، صحَّ ذلك في الأخبار (^٢). فاعتبروا يا أولي العقول والأبصار.
روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: علمنا رسول الله ﷺ سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، وإن كان المريض ليهادى بين رجلين حتى يقام في الصف، ولو صليتم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (^٣).
_________________
(١) قال ابن حجر في «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» (٢٠٠): لم أره مرفوعًا، وإنما لمسلم (٦٥٤) من حديث ابن مسعود ﵁ موقوفًا. وسيذكره المؤلف بعد أسطر.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٣٧٠)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٤٢٤ (٩٤٨٦)، والدارمي في «سننه» (١٢٧٣)، والبُخاري في «صحيحه» (٦٥٧)، ومسلم في «صحيحه» (٦٥١)، وابن ماجة في «سننه» (٧٩١)، وأبو داود في «سننه» (٥٤٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٤٨٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٠٩٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».
(٣) أخرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٣١٣)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٩٧٩)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٢، ٤١٤ - ٤١٥ (٣٦٢٣) و(٣٩٣٦)، ومسلم في «صحيحه» (٦٥٤)، وابن ماجه في «سننه» (٧٧٧)، وأبو داود في «سننه» (٥٥٠)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ١٠٨ (٨٤٨)، وفي «الكبرى» (٩٢٤)، وأبو عوانة في «مسنده» (١٢٦٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁. ولفظ مسلم: «لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة»، وقال: «إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في =
[ ٤٨٧ ]
فمن اجتنب جماعات المسلمين وجُمَعَهُم فهو عبد معتدٍ كثيف، قد سقط من رحمة (^١) المولى اللطيف؛ لدخوله في البدع، ولخروجه عن الشرع الشريف. قال صلوات الله عليه وسلامه: «الجماعة رحمة» (^٢). فإذا ثبت أن الجماعة رحمة فمن خرج عنها فقد خرج من الرحمة وفاتته هذه المنة (^٣)، ودخل في البدعة واللعنة.
وقال ﷺ: «يد الله على الجماعة» (^٤) ولم يرخص النبي ﷺ في ترك الجماعة لمن كُفَّ بصره وهو ابن أم مكتوم، فاعمل بحديث السيد المعصوم، أيها التارك المحروم، فلما شكا ابن أم مكتوم للنبي ﷺ بُعد الدار، وما يلاقيه في مجيئه إلى المسجد من الأوعار، قال له: «تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجب» (^٥)، فمن سمع النداء صار جار المسجد، وفي الحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (^٦)،
_________________
(١) =المسجد الذي يؤذن فيه». وفي رواية أخرى له: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهنَّ، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف».
(٢) في (ق): عين.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في «المسند» ٤/ ٢٧٨ (١٨٤٤٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٩٣)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٥)، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٩٣) حسن.
(٤) في (ب): السنة.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٦٥٣)، والنَّسائي في «المجتبى» ٢/ ١١٠ (٨٥٠)، وفي «الكبرى» (٩٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٤٢٠)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٣/ ٥٧)، من حديث أبي هريرة. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٢/ ٢٥١): ضعيف.
[ ٤٨٨ ]
واسمع قول رب العالمين: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. قال بعض العلماء: هو المؤذن. فالمؤذن يُعرِّف الناس بدخول الوقت، ويدعوهم إلى خدمة الملك العلام، وإلى الصلاة مع الإمام، والحق سبحانه يدعوهم إلى دار السلام (^١)، يدعوك يأيها العبد وهو غني عنك، ولم تجبه وأنت محتاج إليه، فانظر ماذا يكون حالك (إذا أوقفك الله تعالى) (^٢) بين يديه، ثم اعلم أن بلالًا وابن أم مكتوم ﵄، كانا يؤذنان في مسجد النبي ﷺ، وكان بلال يؤذن الفجر بليل، وابن أم مكتوم يؤذن في الوقت إذا طلع الفجر الثاني، ولكل منهما فائدة جليلة: أما أذان بلال بليل ليوقظ النائم ويسحر الصائم، فإذا أذن ابن أم مكتوم أمسك الصائم عن أكله وشربه، واستعد لخدمة خالقه وربه.
نرجع إلى مقصود الكتاب: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. وقال ﷺ: «من ترك جمعةً اسودَّ قلبُه» (^٣)، وقال ﷺ: «من ترك ثلاث جمع طبع الله على قلبه» (^٤). والطبع أشد من السَّواد، طبع الحق سبحانه على قلوبهم، لتخلفهم عن السعي بغير عُذر لخدمة سيدهم ومحبوبهم. فلما ادعوا المحبة وسعوا في مخالفة محبوبهم؛ محاهم الله سبحانه من ديوان المحبة، ولم يبلغهم إلى محبوبهم (^٥). قال بعضهم:
_________________
(١) في (ب): الإسلام.
(٢) في (ق): وقفت.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٢٤ (١٥٤٩٨)، والدارمي في «سننه» (١٥٧٩)، وابن ماجة في «سننه» (١١٢٥)، وأبو داود في «سننه» (١٠٥٢)، والترمذي في «سننه» (٥٠٠)، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ٨٨ (١٣٦٩)، وفي «السنن الكبرى» (١٥٨٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٨٥٧) عن أبي الجعد الضمري، قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه». وقال الحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٨٠): هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (٧٢٧): حسن صحيح.
(٥) في (خ، ب): مطلوبهم.
[ ٤٨٩ ]
تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا محالٌ في القياس (^١) بديع
لو كنت فيه صادقًا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع
قال ﷺ: «يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم من قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الزاكية قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وبالصدقة في السر والعلانية؛ تنصروا وتجبروا وترزقوا، واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي استخفافًا بها أو جحودًا لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره: ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا صيام له، ألا لا حج له، إلا أن يتوب، فإن تاب تاب الله عليه» (^٢).
وفُرضت الجمعة وصيام شهر رمضان، وحُولت القبلة في المدينة على ساكنها الصلاة والسلام.
وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، إلا أنه لا يأتي الجماعة ولا الجُمُعَة، قال: هو في النار (^٣). وما قال إنَّه في النار إلا لعدوله عن الآيات والأخبار، ولخروجه عن طريق النبي المختار، والمسلمين الأخيار، والنار لمن جار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
_________________
(١) في (خ): الفعال.
(٢) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» (١١٣٦)، وابن ماجه في «سننه» (١٠٨١)، والبيهقي في «الكبرى» ٣/ ١٧١، وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (١٨٥٦) من حديث جابر ﵁. وقال البوصيري في «الزوائد»: هذا إسناد ضعيف.
(٣) أخرجه الترمذي في «سننه» (٢١٨) عن ابن عباس ﵁ موقوفًا. وقال الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» (١/ ٢٦): ضعيف الإسناد.
[ ٤٩٠ ]
(^١) (قال رجل لبعض الصالحين: أوصني. قال: يا بني، إيَّاك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تشعر.
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بالنار» (^٢)، رواه البخاري ومسلم.
وجلس رجل ولم يصل مع الجماعة، فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال للرجل: «ألست مسلمًا؟» قال: بلى. قال: «فما منعك أن تصلي معنا؟» فقال: قد كنت صليت مع أهلي. فقال: «صل مع الناس وإن كنت صليت مع أهلك» (^٣).
وقال ﷺ: «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر» (^٤)، وفي حديث آخر: «صلوا
_________________
(١) من هنا بداية سقوط ورقة من (ق).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٣٥١)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٤٢٤ (٩٤٨٢)، والدارمي في «سننه» (١٢٧٣)، والبخاري في «صحيحه» (٦٥٧)، ومسلم في «صحيحه» (٦٥١)، وابن ماجه في «سننه» (٧٩١)، وأبو داود في «سننه» (٥٤٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٤٨٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٠٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٩٦)، والشافعي في «مسنده» (١/ ٢١٤)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٣٤ (١٦٣٩٣)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ١١٣ (٨٥٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٤٠٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٠) عن بسر بن محجن، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فأقيمت الصَّلاة فجلست، فلمَّا صلَّى قال لي: «ألست بمسلم؟» قلت: بلى. قال: «فما منعك أن تصلِّي مع النَّاس؟» قال: قلت: صلَّيت في أهلي. قال: «فصلِّ مع النَّاس ولو كنت قد صلَّيت في أهلك». وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٣٧): صحيح.
(٤) أخرجه الدارقطني في «سننه» ٢/ ٥٧، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وقال البيهقي: قد روي في الصلاة على كل بر وفاجر، أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف، وأصح ما روي في الباب حديث مكحول، عن أبي هريرة، وقد أخرجه أبو داود في «سننه» إلا أن فيه إرسالًا كما ذكره الدَّارقطني.
[ ٤٩١ ]
خلف من قال لا إله إلا الله. وعلى من قال: لا إله إلا الله» (^١).
وفي مذهب الشافعي (^٢) رحمة الله عليه: إذا أمَّ رجل بجماعة مدة ثم تبين لهم أن الإمام كان فاجرًا أو على غير وضوء لم تجب عليهم إعادة شيء من الصلوات.
وهؤلاء المرازقة يقولون إنهم من الشافعية، فلم يعملوا (^٣) بمذهبه، ويخالفون خير البريَّة والمذاهب المرضيَّة، والأحاديث الصحيحة المُضيَّة، ولم يرض بهذه البليَّة، إلا هذه الطائفة الرديَّة، فيعدلون عن طريق الصادق المصدوق، ويتركون ما أفتى به جميع هذا المخلوق، ويعملون بقول الشيخ مرزوق، فقد ذكروا أنه قال لهم: لا تصلوا إلا خلف من تعرفونه.
يروى عنه أيضًا أنَّه قال لهم: إذا كان أحدكم لا يسلم دنياه إلا لمن (^٤) يعرفه، فكيف يسلم دينه لمن لم يعرفه؟ وهذا قياس، والدِّين ليس هو بالرأي والقياس؛ ولكن هو بكتاب الله تعالى وبسنة خير الناس، وأول من قاس هو إبليس لعنه الله، فصيره الله تعالى بعد الملائكة شيطانًا رجيمًا، بعد أن كان ملكًا عظيمًا، فصار من جملة الشياطين، ولعنه الله إلى يوم الدين، فكل شيء ثبت (^٥) بالكتاب والسنة، ما بقي للقياس فيه مدخل، فمن أراد الوصول فعليه بالأصول، وهو التمسك بكتاب الحق سبحانه وبحديث الرسول، فتمسك من العلماء بالأقوال، ومن المشايخ بالأحوال.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٢/ ٥٦)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ٢١٧) من حديث ابن عمر ﵁. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٢/ ٣٠٦): سند واه جدًّا.
(٢) انظر «الشرح الكبير» للرافعي ٤/ ٣٢٥.
(٣) في (خ): يعلموا.
(٤) في (خ): لمن لم.
(٥) في (ب): يثبت.
[ ٤٩٢ ]
وقد جاء في الأخبار: «إن من قال في الدين برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (^١).
وسئل أبو بكر الصديق ﵁ عن مسألة فتوقف فقال: لم أسمع من النبي ﷺ فيها شيئًا. فقال السائل: قل أنت يا خليفة يا رسول الله. فغضب وقال: أي سماء تظلني أو أي أرض تقلني إذا قلت في الدين برأيي (^٢). وقال المولى ﷿: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقد أمرنا ﷺ بلزوم الجُمعة والجماعة، والصلاة خلف كل بر وفاجر، ونهانا عن التخلف بقوله: «من فارق الجماعة قدر شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (^٣).
ولولا شفقة النبي المختار لأحرق بيوت من تخلف عن الجماعة بالنار (^٤)، فإذا ثبت هذا فلا يلتفت لكلام الشيخ مرزوق؛ لأنه كلام غير لائق، وللسنة لا يوافق، والحق فيما قاله النبي ﷺ أو فعله، (وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولا ينبغي للمسلم أن يطيع شيخه ويعصي ربه ونبيه) (^٥)،
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٢٣ (٢٩٧٦)، والترمذي في «سننه» (٢٩٥١)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢٣٣٨) من حديث ابن عباس، بلفظ: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم؛ فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وضعَّفه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» ٥/ ٢٥٢، والألباني في «الضعيفة» (١٧٨٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٠٧٢٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٢٧٨).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ١٨٠ (٢١٦٠٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٥٨)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٠٣) من حديث أبي ذر ﵁. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٨٩٢): صحيح. وفي الباب عن: ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وحارث الأشعري، وعامر بن ربيعة، عن النبي ﵇.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) ليست في (خ).
[ ٤٩٣ ]
قال ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (^١).
ولهم بدعة أخرى أطمُّ من هذه وأغمُّ، وهي أنهم لا يقولون بتوبة الشاب إذا رجع إلى الله وتاب، وهذا القول مما يسخط رب الأرباب، وهو مخالف للسنة والكتاب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقد أجمع المسلمون على قبول توبة الكفار إذا رجعوا إلى السيد الغفار، فرحمة الله تعالى وسعت الكافر، أفما تسع المؤمن الفاجر؟! أتضيق أيها المسكين هذه الرحمة الواسعة على المسلمين وتقنطهم من رحمة رب العالمين؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
فمن ضيَّق على المسلمين هذه الرحمة الواسعة فقد غرُبَت شمسُ إيمانه بعد أن كانت طالعة، وجاء في الحديث أن عابدًا وعظ رجلًا مسرفًا على نفسه، فوعظه مرارًا فلم يأتمر، وقال: دعني) (^٢) وربي، ما بُعثت (^٣) عليَّ رقيبًا. فغضب العابد، وقال للمسرف: والله لن يغفر الله لك. فأحبط الله تعالى عمل العابد وأدخله النار، وغفر للمسرف وأدخله الجنة (^٤). فهذا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٤٤٠٦) من طريق الحسن، والبغوي في «شرح السنة» ١٠/ ٤٤ من طريق النواس بن سمعان، والطبراني في «الكبير» ١٨/ (٣٨١)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٨٧٣) من طريق عمران بن حصين ﵁، به. قال الألباني في «الصحيحة» (١٧٩): صحيح. وأخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٩٤ (٧٢٤)، والبخاري في «صحيحه» (٧٢٥٧)، ومسلم في «صحيحه» (١٨٤٠)، وأبو داود في «سننه» (٢٦٢٥)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ١٥٩ (٤٢٠٥) من حديث عليٍّ بلفظ: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».
(٢) إلى هنا نهاية سقوط ورقة من (ق).
(٣) في (خ): بعث.
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٦٢١)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٧١١) عن جندب؛ أَنْ رسول الله ﷺ حدث: «أن رجلًا قال: والله لا يغفر اللَّه لفلان، وإنَّ الله تعالى قال: من ذا الَّذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟ فإنِّي قد غفرت لفلان وأحبطت عملك».
[ ٤٩٤ ]
العابد حصر بجهله رحمة الله تعالى، ودخل في علمه، وحلف كاذبًا، وأفتى بجهل؛ فأرْدَاه جهلُه، كالراهب الذي أتاه القاتل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، واستفتاه هل له من توبة؟ فأجابه بأن ليس له عند الله توبة، فقتل الراهب وكمَّل به المئة، ثم ذهب إلى رجل آخر وكان عارفًا، فقال له: هل لي من توبة؟ فأجابه: نعم؛ رحمة الله واسعة، تُب واذهب إلى القرية الفلانية. وكان في القرية قومٌ صالحون، فتاب الرجل وخرج يريد القرية ليعبد الله فيها، فأدركه الموت قبل وصوله، فاختصمت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فابتعث الله تعالى ملكًا وقال: إن كان قد مات في أرض الصالحين فيتولى أمره ملائكة الرحمة، وإن كان في أرض الآخرين فيتولى أمره ملائكة العذاب، وكانت منيته في وسط الأرضين، فانقلب عند (خروج روحه) (^١) إلى أرض الصالحين، فتولى أمره ملائكة الرحمة (^٢).
وهذا حديث صحيح، لكن قلته بالمعنَى؛ لأنِّي نسيتُ أن أنقله على الوضع (^٣)، وكثير من حكايات الصالحين ذكرتهم بالمعنى، وقد جوز هذا
_________________
(١) في (ق): خروجه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٤٢٢٠)، وأحمد في «مسنده» ٣/ ٢٠ (١١١٥٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٧٦٦)، وابن ماجه في «سننه» (٢٦٢٢)، وأبو يعلى في «مسنده» (١٣٥٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٦١١) عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي ﷺ قال: «إن رجلًا قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ قال: لقد قتل تسعة وتسعين نفسًا فليست له توبة. قال: فانتضى سيفه فقتله، فكمل مئة، ثم إنه مكث ما شاء الله، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل، فقال: إنه قد قتل مئة نفس فهل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينه وبين التوبة؟! أخرج من القرية الخبيثة التي أنت بها إلى قرية كذا وكذا، فاعبد ربك ﷿ فيها. قال: فخرج وعرض له أجله، فاختصم فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، قال إبليس: إنه لم يعصني ساعة قط. قالت ملائكة الرحمة: إنه خرج تائبًا، فبعث الله ملكًا فاختصما إليه، فقال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب فألحقوه بها. فقرَّب الله منه القرية الصالحة وباعد عنه القرية الخبيثة؛ فألحقوه بأهلها».
(٣) في (ب): الموضع.
[ ٤٩٥ ]
بعض العلماء، وهو تيسير لمن حل بقلبه الغفلة والعمى؛ فإني (^١) ألفته بمكة المشرفة، وليس هي بمعدن لما يريد الإنسان من الكتب.
وصحَّ أيضًا أن لله سبحانه مئة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض، فوسعت جميع الخلائق، فبها يتراحم (^٢) الإنس والجن والطير والهوام والدَّواب (^٣). فكيف لا تسع الشاب (^٤) إذا رجع إلى الله وتاب؟! وادخر ﷾ لعباده تسعة وتسعين رحمة ليوم القيامة، وهذه المئة رحمة مخلوقة، ولله تعالى رحمة متصلة بذاته، لا تنعد ولا تنحصر، وهو اسمه الرحيم، فسبحان المولى الكريم الواسع العليم، ولأهل السنة دلائل كثيرة من الكتاب والسنة. أما الكتاب، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وقال ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (^٥)، فترى بعض المخذولين يعرض عن كلام رب العالمين، وعن قول سيد المرسلين، وعما أفتى به العلماء الموحدون، ويستدل بقوله ﷺ: «سبُّ أبي بكرٍ ذنبٌ لا يُغفر» (^٦).
_________________
(١) في (ق): فإذا.
(٢) في (خ): فيها يتراحمون. وفي (ب): فيها يتراحم.
(٣) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢٧٨٨)، والبخاري في «صحيحه» (٦٠٠٠)، ومسلم في «صحيحه» (٢٧٥٢)، عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة مئة جزء وأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءً واحدًا؛ فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه».
(٤) في (خ): السباب.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) ذكره عن المرازقة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بلفظ: «سب أصحابي ذنب لا يغفر»، وقال: هذا الحديث كذب باتفاق اهل العلم بالحديث وهو مخالف للقرآن والسنة والإجماع. (مجموع الفتاوى: ٣/ ٢٩٠، و٧/ ٦٨٣، و١٨/ ٤٨١).
[ ٤٩٦ ]
اعلم أن الرجل إذا فرط في حق الله تعالى، وفي حق الآدميين ثم تاب فإذا جيء به إلى الشرع يقول له: التوبة تسقط عنك ما بينك وبين الله من المخالفة، ويحبسه لأجل حق ابن آدم إن لم يهبه صاحب الدين، وكذلك إذا تاب الرافضي توبة نصوحًا؛ يتوب الله عليه، ويبقى على مقتضى الحديث إن صحَّ في ذمة الرافضي، ويبقى بين أمور ثلاث: إما أن يهبه الصدِّيق ما برز منه من الأشياء التي لا تليق؛ فهو ممن خصه الله تعالى بالكرم العميق، أو يؤخذ من حسناته وتدفع لأبي بكر الصديق؛ فإن نفدت حسناته فيؤخذ من سيئات غريمه، ويطرح عليه، ويلقى في النار ذات الحريق.
وكان شيخنا رحمة الله عليه يقول: إذا رضي الله تعالى عن عبدٍ أرضى عنه خصومه.
وفي الحديث: «إن الله سبحانه يري صاحب الدَّين قصرًا حسنًا في الجنة، فيقول صاحب الدَّين: يا رب هذا القصر لمن؟ فيقول الله سبحانه: هو لمن وهب دين أخيه، فيهبه، ويدخلان الجنة برحمة الله وكرمه» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٨/ ٢٠٣)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ١/ ٤٥٩ إشارة، وابن أبي الدنيا في «حسن الظن بالله» (١١٨)، وابن أبي داود في «البعث» (٣٢)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٥٧٦، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» كما في «المغني عن حمل الأسفار» للعراقي ٢/ ١٩٩ من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: بينا رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما يا رب، خذ لي مظلمتي من أخي. فقال الله ﵎ للطالب: فكيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: يا رب، فليحمل من أوزاري». قال: وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، ثم قال: «إن ذاك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان. فرفع رأسه فقال: يا رب، أرى مدائن من ذهب وقصورًا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا أو لأي صديق هذا أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن. قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب. فإني قد عفوت عنه. =
[ ٤٩٧ ]
وقال ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان إذا أصبح يقول: اللهم إنك تعلم، ليس لي شيئًا أساوي به المسلمين، ولا أملك اليوم إلا عرضي، وقد سبَّلته للمسلمين» (^١)، وهذا فعل بعض المؤمنين، فما بالك بسيد المؤمنين وخليفة خير النبيين! فتغالت هذه الطائفة في أبي بكر الصديق حتى خرجت عن الطريق، وأفرطت الرفضة (^٢) في بغضه حتى برز منهم فعل لا يليق، فلطف الله تعالى بأهل السنة، فأخذت الأمر الوسط، وخيار الأمر أوسطه فقط، فقدموا أبا بكر ﵁، ولم ينكروا فضل علي بن أبي طالب ﵁، والكل بفضل الله في أشرف المنازل وأعلا المراتب.
روي لما بويع أبو بكر ﵁، قال بعض المنافقين: بايع المسلمون من ليس بخيارهم، فبلغ أبا بكر ﵁ فأمر بجمع المسلمين، ثم قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: معاشر المسلمين رحمكم الله أقيلوني بيعتكم، فإني لستُ بخياركم. فقام علي ﵁ وقال: والله لا أقلناك، ولا استقلناك، والله إنك لخيارنا. ثلاث مرات؛ فأحبوه ووقروه وقدموه على جميع الأصحاب (^٣).
_________________
(١) = قال الله ﷿: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة». وقال البوصيري: رواه أبو يعلى الموصلي، بسند ضعيف؛ لضعف سعيد بن أنس، وعباد بن شيبة. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. فقال المنذري: كذا قال! يستنكره عليه، وكذلك فعل الذهبي، فقال متعقبًا له: عباد ضعيف، وشيخه لا يعرف.
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» (٤٨٨٧)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١٧٧٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٨٠٨٣) عن أنس ﵁. وقال الضياء: رجاله موثقون والصحيح أنه مرسل. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٨/ ٤٢): ضعيف.
(٣) في (خ): (الرقصة). والمقصود: الرافضة.
(٤) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على «فضائل الصحابة» (١٠١) عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر، فبايعه علي وأصحابه، قام ثلاثًا يستقيل الناس، يقول: أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره؟ قال: فيقوم علي في أوائل الناس فيقول: والله لا نقيلك، ولا نستقيلك أبدًا، قدَّمك رسول الله ﷺ تصلي =
[ ٤٩٨ ]
وقالوا: بتوبة الشاب (^١) إذا رجع إلى الله وتاب، وخافوا عليه إن مات على غير توبة من سوء الخاتمة ومن عظيم العذاب؛ لأن سب أبي بكر ﵁ ذنب من الكبائر، وصاحبه إلى النار صائر، إن جازاه على فعلته الملك القادر، فقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (^٢).
ويجب على المؤمن أن لا يغلو في الدين فيمرق منه ويخرج عن طريق سيد المرسلين، فقد تغالت اليهود في العُزير، وجعلوه ابن الله، وتغالت النصارى في عيسى ابن مريم، فجعلوه ابن الله، وبعضهم أفرطوا وجعلوه إلهًا، وكما أفرط بعض الجهلة الأكراد في الشيخ عدي (^٣)، وقالوا فيه
_________________
(١) = بالناس، فمن ذا يؤخرك؟ وأخرجه (١٣٣) عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف قال: لما بويع أبو بكر أغلق بابه ثلاثًا، يقول: أيها الناس، أقيلوني بيعتكم، كل ذلك يقول له علي: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ، فمن ذا يؤخرك؟ وفي إسناد هذا الأثر ضعف، لكنه مشهور في كتب التاريخ. وأخرجه معمر بن راشد في «الجامع» (٢٠٧٠٢) قال: وحدثني بعض أهل المدينة، قال: خطبنا أبو بكر فقال: «يا أيها الناس! إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ضعفت فقوموني، وإن أحسنت فأعينوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم القوي عندي حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر، ولا ظهرت أو قال: شاعت الفاحشة في قوم إلا عَمَّمَهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله» قال معمر: وأخبرنيه بعض أصحابي.
(٢) في (خ): السباب.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٢١٣ (١٣٢٢٢)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٣٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٤٣٥)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٣١)، وأبو يعلى في «مسنده» (٣٢٨٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٤٦٨)، والطبراني في «الكبير» (٧٤٩)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٣٩) من حديث أنس ﵁. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
(٤) هو الشيخ عدي بن مسافر الأموي سلف ذكره.
[ ٤٩٩ ]
ما لا ينبغي ذكره (^١) من القول الردي، وبعضهم (تغالوا في حب) (^٢) علي بن أبي طالب حتى جعلوه إلهًا، وبعضهم قدمه على جميع الصحابة ﵃ أجمعين، وقد ألقى بعضهم التغالي في البدع والمهالك، وقد نهينا عن جميع ذلك، فقال المولى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. فهذه الداهية كانت سبب هلاك الأمم الماضية، فمن اتصف بهم حشر معهم في الهاوية. قال صلوات الله عليه وسلامه: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم، وغالٍ في الدين، صارفٌ منه» (^٣)، معنى الحديث: أي يغلو في دينه حتى يخرج عن طريق السنة والجماعة.
وقال ﷺ: «لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^٤)، أي: تغالوا في القبر حتى جعلوه مسجدًا.
وقال ﷺ: «اللَّهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (^٥).
وأراد رجل السجود للنبي ﷺ فنهاه عن ذلك، وقال: لا تسجد لي، ولا لأحد من بعدي؛ لأن هذا من التغالي، ولا يصلح السجود إلا للكبير المتعالي (^٦). فترى بعض المبتدعين يسجد لشيخه؛ في أيِّ جهةٍ كان سَجَدَ
_________________
(١) في (ق): قوله.
(٢) في (ق): تغالى في.
(٣) أخرجه مسدَّد في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (٢١٥٧)، والروياني في «مسنده» (١١٨٦)، والطبراني في «الكبير» (٨٠٧٩) عن أبي أمامة ﵁. وقال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٤٢٣: رجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٧٠): هذا إسناد حسن. وليس في مصادر الحديث: «صارف منه».
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٨١ (١٩٤٠٣)، وابن ماجه في «سننه» (١٨٥٣) من حديث معاذ، ولفظه: أنه لما قدم من الشام سجد للنبي ﷺ، فقال: «ما هذا يا معاذ؟!» قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله ﷺ: «فلا تفعلوا». وقال الحاكم في المستدرك (٤/ ١٩٠): صحيح على شرط الشيخين. وقال الألباني في «الإرواء» (٧/ ٥٥): حسن صحيح.
[ ٥٠٠ ]
له، وقد يتفق السجود نحو شيخه وعجزه وباطن قدميه نحو القبلة، وهذا أيضًا من التغالي الذي جعل شيخه كالأصنام التي تعبد من دون الملك العلام، فحينئذٍ يقال لهذا الساجد: الإله واحد، ولا يصلح السجود إلا للسيد الماجد؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١].
ثم إنهم يقولون بالحرف والصوت (^١)، ويشكون في الأهل والأولاد،
_________________
(١) سيأتي في كلام العلماء عن المرازقة الإشارة إلى كلامهم في الحرف والصوت، والمقصود: إثبات الحرف والصوت لكلام الله ﷿، وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل، وربما وقع من المرازقة بعض غلو في الإثبات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المنصوص عن الإمام أحمد ونحوه من العلماء أن من قال: إن اللفظ بالقرآن والتلاوة مخلوقة؛ فهو جهمي. ومن قال: إنه غير مخلوق؛ فهو مبتدع لأن «اللفظ والتلاوة» يراد به الملفوظ المتلو، وذلك هو كلام الله، فمن جعل كلام الله الذي أنزله على نبيه مخلوقًا فهو جهمي. ويراد بذلك «المصدر وصفات العباد» فمن جعل «أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة» فهو مبتدع ضال. وهكذا ذكره الأشعري في كتاب «المقالات» عن أهل السنة والحديث قال: ويقولون: إن القرآن كلام غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ بدعة، من قال: باللفظ أو الوقف: فهو مبتدع. وعندهم لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال: غير مخلوق. وليس في الأئمة والسلف من قال: إن الله لا يتكلم بصوت بل قد ثبت عن غير واحد من السلف والأئمة: أن الله يتكلم بصوت، وجاء ذلك في آثار مشهورة عن السلف والأئمة، وكان السلف والأئمة يذكرون الآثار التي فيها ذكر تكلم الله بالصوت، ولا ينكرها منهم أحد، حتى قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت، فقال: يا بني هؤلاء جهمية، إنما يدورون على التعطيل. ثم ذكر بعض الآثار المروية في ذلك. وكلام البخاري في «كتاب خلق الأفعال» صريح في أن الله يتكلم بصوت، وفرق بين صوت الله وأصوات العباد، وذكر في ذلك عدة أحاديث عن النبي ﷺ، وكذلك ترجم في كتاب الصحيح: باب في قوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ وذكر ما دل على أن الله يتكلم بصوت وهو القدر. وكما أنه المعروف عند أهل السنة والحديث فهو قول جماهير فرق الأمة، فإن جماهير الطوائف يقولون: إن الله يتكلم بصوت مع نزاعهم في أن كلامه هل هو مخلوق أو قائم بنفسه؟ قديم أو حادث؟ أو ما زال يتكلم إذا شاء؟ فإن هذا قول المعتزلة والكرامية والشيعة وأكثر المرجئة والسالمية وغير هؤلاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية. وليس من طوائف المسلمين من أنكر أن الله يتكلم =
[ ٥٠١ ]
وفي خير العباد، فيقول أحدهم لولده: ولدي إن شاء الله! ولشيء قد مضى حكمه وانفصل أمره، فيقول: سما إن شاء الله! أو لعصاه: هي عصًى إن شاء الله! ونعوذ بالله من قولهم لرسول الله ﷺ: نبي إن شاء الله. ومقتهم لأهل السنة، وكسرهم ما يمسونه من الأواني، ولتطهيرهم لمكان جلس عليه لابس الثوب الأزرق؛ لأنه عندهم من صفات أهل النار، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]. قال العلماء: زرق العيون (^١). قالوا هم: بل زرق الثياب. وقد تشبه من تغالى منهم (في كسر) (^٢) آنية مسَّها السُّني بيده، أو (^٣) شرب منها بالسمرة، وخالف المسلمين البررة، وعدل عن قول الحق سبحانه فيما أمره؛ قُتل هذا العبد ما أكفره، فهذا مبتدع ومسرف، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
_________________
(١) = بصوت إلا ابن كُلَّاب ومن اتبعه، كما أنه ليس في طوائف المسلمين من قال: إن الكلام معنى واحد قائم بالمتكلم إلا هو ومن اتبعه، وليس في طوائف المسلمين من قال: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة أزلية، ولا إنه يسمع من صوتًا قديمًا، ولا إن القرآن نسمعه نحن من الله إلا طائفة قليلة من المنتسبين إلى أهل الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وداود وغيرهم، وليس في المسلمين من يقول: إن الحرف الذي هو مداد المصاحف قديم أزلي؛ فإثبات «الحرف والصوت» بمعنى أن المداد وأصوات العباد قديمة بدعة باطلة، لم يذهب إليه أحد من الأئمة، وإنكار تكلم الله بالصوت وجعل كلامه معنى واحدًا قائمًا بالنفس بدعة باطلة، لم يذهب إليها أحد من السلف والأئمة. والذي اتفق عليه السلف والأئمة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ، وإليه يعود، وإنما قال السلف: «منه بدأ» لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في المحل. فقال السلف: منه بدأ. أي: هو المتكلم به فمنه بدأ، لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني﴾، وقال تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق﴾، وقال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾، ومعنى قولهم: «إليه يعود» أنه يرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى في الصدور منه آية، ولا منه حرف؛ كما جاء في عدة آثار. (مجموع الفتاوى: ٦/ ٥٢٧).
(٢) انظر تفسير «معالم التنزيل» للبغوي ٥/ ٢٩٤.
(٣) في (ق): بكسر.
(٤) زاد في (خ): شربة.
[ ٥٠٢ ]
[الأنعام: ١٤١]، ونهى ﷺ عن إضاعة المال (^١). وقد تشبه هذا المتعوس في فعله هذا بأعداء الله المجوس، وقال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٢).
ومتى ثبت عندهم أن واحدًا يعتقد أن الله سبحانه يغفر للرفضة أو يخرجهم الله سبحانه من النار بشفاعة النبي المختار؛ ثم يعتقد ما يعتقده أهل (^٣) السنة يستحلون ماله ودمه، فإن صحَّ هذا عن المرازقة فهم على الحقيقة زنادقة.
وجاء في الحديث: «لن يؤمن أحد (^٤) حتى يأمن الناس (^٥) بوائقه» (^٦). (البوائق: هو الغش والظلم) (^٧).
وقال ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^٨)، رواه البخاري ومسلم.
وهو حجة على الطائفة الملعونة المخالفة التي تُفارق جماعة المسلمين
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (ق): من.
(٤) في (ق): أحدكم.
(٥) زاد في (ق): من.
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٣٨٥ (٢٧١٦٢)، والبخاري في «صحيحه» (٦٠١٦) عن أبي شريح الكعبي: أن رسول الله ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «الجار لا يأمن جاره بوائقه». قالوا: يا رسول الله وما بوائقه؟ قال: «شره».
(٧) ليست في (ق). وفي «النهاية»: أي: غوائلهُ وشرُوره، واحدها: بائِقَة، وهي الدَّاهِيَة.
(٨) أخرجه الحميدي في «مسنده» (١١٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٨٤٨٠)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٢ (٣٦٢١)، والدارمي في «سننه» (٢٢٩٨)، والبخاري في «صحيحه» (٦٨٧٨)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٧٦)، وابن ماجة في «سننه» (٢٥٣٤)، وأبو داود في «سننه» (٤٣٥٢)، والتِّرمذي في «جامعه» (١٤٠٢)، والنَّسائي في «الكبرى» (٣٤٦٥) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٥٠٣ ]
وتستحل أموالهم ودماءهم؛ قال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى (يشهدوا أن) (^١) لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله عصموا مني أموالهم ودماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (^٢).
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (^٣)، رواه مسلم.
وما كفى ما قالت هذه الطائفة الضالة المضلة الخارجة في استحلال دم المسلمين وأموالهم، وما تقدم من أفعالهم، حتى تكلموا وقالوا في صفات المولى الجليل، وقد نهاهم الشرع عن القال والقيل، فتكلموا في صفاته وذاته ولم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، وفي عجائب مخلوقاته، فأثبتوا لله تعالى الحرف والصوت والصعود والنزول تعالى الله عما يصفون وقال قائلهم بالاستواء (^٤)، فخاض بجهله بحرًا لا قرار له؛ فضلَّ وغوى،
_________________
(١) في (ق): يقولوا.
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٢٩٤٦)، ومسلم في «صحيحه» (٢١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٧٧ (٧٧٢٧)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٤٤٢)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) تقدَّم التفصيل في إثبات الحرف والصوت، ولا وجه للإنكار على من قال بالنزول والاستواء، لثبوت ذلك بالنصوص الصريحة، أما الاستواء فصفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بصريح القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وقال سبحانه: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤]. وأما الصعود: فهو من معاني الاستواء، كما نقله ابن القيم في «النونية» عن أبي عُبيدة من أئمة اللغة. أما النزول فبالسنة المتواترة: فقد أخرج الإمام أحمد ٢/ ٢٦٤ (٧٥٩٢)، والبخاريُّ =
[ ٥٠٤ ]
وما تعدى ساحل هذا البحر إلا العوامون الأقوياء؛ فآمنوا بما جاء به كتاب الله تعالى وبما صح من رسول الله ﷺ، وما تشابه منه وَكَلُوا أمره إلى الله تعالى (^١). فسلكوا فيه طريق الأولياء، فزكَّى الله سبحانه أقوالهم،
_________________
(١) = (١١٤٥)، و(٦٣٣١)، و(٧٤٩٤)، ومسلم (٢٥٨) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ، قالَ: «يَنْزِلُ ربُّنَا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماء الدُّنيا، حِين يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيل الآخِرِ، يقولُ: مَنْ يَدْعُونِي فأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يسألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَهُ؟». وللحديث طرق كثيرة عن أبي هريرة، راجع: «المسند الجامع» ١٧/ (١٤٣٧٣) (١٤٣٧٩)، و«إرواء الغليل» (٤٥٠). وثبت عن جمعٍ من الصَّحابة، منهم: أبو سعيد الخدري ﵁، أخرجه أحمد ٣/ ٣٤ (١١٢٩٥)، ومسلم (٧٥٨). وعلي بن أبي طالب ﵁، أخرجه أحمد ١/ ١٢٠ (٩٦٨)، والدارمي (١٥٢٤)؛ بإسنادٍ حسنٍ. وقال الألبانيُّ في «الإرواء»: سنده جيِّد. وجبير بن مطعم ﵁، أخرجه أحمد ٤/ ٨١ (١٦٧٤٥)، والدارمي (١٥٢١)؛ بإسنادٍ صحيح. وعبد الله بن مسعودٍ ﵁، أخرجه أحمد ١/ ٣٨٨ (٣٦٧٣)، وأبو يعلى (٥٣١٩)، قال الألبانيُّ: بإسنادٍ صحيح. ورفاعة الجهني ﵁، أخرجه أحمد ٤/ ٢١ (١٦٢١٥)، والدارمي (١٥٢٢)، وابن ماجه (١٣٦٧)، وقال الألبانيُّ: سنده صحيح، رجاله ثِقات رجال الشيخين. وعثمان بن أبي العاص ﵁، أخرجه أحمد ٤/ ٢٢ (١٦٢٨٠). وقال أبو عمر بن عبد البرِّ في «التمهيد» ٧/ ١٢٨ - ١٢٩: هذا حديث ثابتٌ مِنْ جهة النَّقل، صحيح الإسناد، لا يَختلف أهلُ الحديث في صحته، وهو حديثٌ منقولٌ مِنْ طرقٍ متواترةٍ، ووجوهٍ كثيرةٍ؛ مِنْ إِخْبار العُدول عن النبيِّ ﷺ. وفيه دليلٌ على أن الله ﷿ في السَّماء على العرش، مِنْ فوق سبع سماوات؛ كما قالتِ الجماعةُ [يعني: أهل السنة]، وهو من حجَّتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إنَّ الله ﷿ في كلِّ مكانٍ؛ وليس على العرش! والدليلُ على صحَّة ما قالَهُ أهلُ الحقِّ في ذلكَ؛ قولُ الله ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقوله تبارك اسمه: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]، والجهميُّ يزعم أنه أسفل! وذكر آياتٍ أخرى في إثبات العلوِّ لله تعالى. وقد جمع طرق حديث النزول الإمام الحافظ الدارقطنيُّ (ت: ٣٨٥ هـ) ﵀، في كتابه: «النُّزول» طبع سنة (١٤٠٣ هـ)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية النُّميري ﵀ رسالة قيمة في شرح الحديث، طبعت ضمن «مجموع الفتاوى» ٥/ ٣٢١ - ٥٨٢، ونشره المكتب الإسلامي ببيروت مفردًا.
(٢) أي: فوَّضوا أمره إلى الله تعالى. وهذا صحيح، وهو حقٌّ لازم فيما يتعلق بكيفية صفات الله تعالى وحقيقتها في نفس الأمر، فهذا مما لا نخوض فيه، ونكل أمره إلى الله تعالى. أما إثبات العلم بصفات الله تعالى كما أخبرنا الله بها في كتابه، أو =
[ ٥٠٥ ]
وتقبل أعمالهم وسلمها من البدعة والسمعة والرياء، فغرق في هذا البحر أناس كثيرون، وهوى بهم ما هوى؛ قال ﷺ: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في ذاته» (^١).
وكان ﷺ يقول: «لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (^٢).
وسئل أبو حنيفة ومالك رحمة الله عليهما عن الاستواء: كيف استوى الله سبحانه على عرشه؟ فقالا: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (^٣). فأمسكا عن ذلك مع علمهما وقوة إيمانهما، وتكلمت فيه هذه الطائفة الخبيثة مع ضعفها وجهلها.
وسئل أبو حنيفة: من هو أهل السنة؟ قال: من قدم الشيخين وأحب الحسنين وفي رواية: وأحب الختنين، يعني عثمان وعليًّا ورأى المسح على الخفين، ولم يكفِّر أحدًا بذنبٍ، ولم ينطِقْ في الله بشيء.
ثم اعلم بأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين لم يتكلموا في مثل هذا ولا التابعين، ولن (^٤) يسأل الله تعالى عبده يوم القيامة عن حقيقة
_________________
(١) =أخبرنا بها النبي ﷺ في سنته؛ فحقٌ لازم أيضًا، ولا يجوز أن نتعرض لها بالتحريف والتأويل، ولا بالتمثيل والتكييف، بل نؤمن بها، ونجزم بالعلم بها، ونثبت ظواهرها كما جاءت، ونعلم أنها حقٌّ. فهاهنا فرق بين إثبات العلم وإثبات الكيف، فلا يجوز التفويض في الأول، ويجب في الثاني، كما أننا نثبت عذاب القبر علمًا ويقينًا، ولا ندرك كيفيته، وجهلنا بها غير قادح في علمنا به. وما سيذكره المؤلف ﵀ عن أبي حنيفة ومالك يدل على هذا التفصيل ويرشد إليه. (ت)
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٣١٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٢٠) من حديث ابن عمر ﵁. قال البيهقى: هذا إسناد فيه نظر. وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٨١): فيه الوازع بن نافع وهو متروك.
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٠)، وأحمد في «مسنده» ٦/ ٥٨ (٢٤٣١٢)، ومسلم في «صحيحه» (٤٨٦)، وابن ماجة في «سننه» (٣٨٤١)، وأبو داود في «سننه» (٨٧٩)، والترمذي في «جامعه» (٣٤٩٣) من حديث عائشة ﵂.
(٤) راجع: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٢/ ٣٧٩.
(٥) في (خ): ولم.
[ ٥٠٦ ]
الاستواء والكلام والنزول، بل يكتفي الديان من العبد بالإيمان؛ يؤمن بذلك كله. وقد أجمع العلماء أن العرش والكرسي مخلوقان، أفيخلق شيئًا ثم يحتاج إليه؟! فمن اعتقد ذلك فقد افترى عليه؛ فثبت أن هذا عند أهل البصيرة محال، فاتركه وخف من شديد المحال، فالخوض في مثل هذه الأشياء يجر إلى التعمق في الدين، وهو مفتاح الضلال، ومن جملة ما نهينا عنه من الجدال، وكان سبب هلاك الأمم الماضية، فاحذر من هذه الداهية، واكتف بما ثبت من السنة المباركة الماضية، قال ﷺ: «المتمسك (^١) بسنتي عند فساد أمتي له أجر مئة شهيدٍ» (^٢) فتمسك بها، وعض عليها بالنواجذ؛ لتنجو غدًا من الكرب والشدائد، فقد جاء في الحديث الصحيح: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (^٣).
دخل الزهري على أنس بن مالك بدمشق فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئًا على عهد رسول الله ﷺ، إلا وقد أنكرته اليوم (^٤). فيجب على المسلم التمسك بالسنة لكي تدركه المنة؛ قال ﷺ: «من أحيَى سنتي كان معي في الجنة» (^٥).
فلا يتكلم المسلم في الله وصفاته، ولا يناظر أحدًا في ذاته؛ فقد جاء في الحديث الصحيح: أن هلاك هذه الأمة إذا تكلمت في المولى القدير الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (^٦)، فيقتصر الإنسان على القرآن
_________________
(١) في (ب): التمسك.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرج البخاري (٥٣٠) عن عثمان بن أبي رواد، أخي عبد العزيز بن أبي رواد، قال: سمعت الزهري، يقول: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) لم نقف عليه صريحًا، ولعله يشير إلى ما أخرجه البخاري (٧٢٩٦) من حديث أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لن =
[ ٥٠٧ ]
والخبر، ولا يتكلم في شيء من القدر، فإنه طريق مظلم، وهو سرٌّ من أسرار الله تعالى، لم يطلع عليه أحد، وهو بدء إشراك الأمم الماضية، وكان ﷺ يخر ساجدًا إذا سمع ما يتعالى الله ﷿ عنه (^١). ولا يبحث فيه، ولا يجيب السائل إلا بمثل ما جاء في القرآن، ويقتصر على ظاهره، وما أُبْهِمَ علمه، يَكِلُه الإنسان إلى الله تعالى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] رحمةً منه وفضلًا، فمن تكلف وخاض فيه أدخله النار جزاء وعدلًا، ويقتصد المؤمن في الأعمال الصالحة، ولا يكره نفسه طاعة الله، وهذا هو الصراط المستقيم. قال ﷺ: «القَصْدَ، القَصْدَ، تبلغوا» (^٢).
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وفي
_________________
(١) =يبرح الناسُ يسألون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟». وأخرجه مسلم (١٣٦) من حديث المختار بن فلفل عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﷿: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟». وما أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الناس يسألونكم عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟» فقال أبو هريرة وهو آخذ بيد رجل: صدق الله ورسوله، قد سألني اثنان، وهذا الثالث. وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الناس يسألونك يا أبا هريرة، حتى يقولوا: هذا الله، فمن خلق الله؟» قال: فبينا أنا في المسجد، إذ جاءني ناس من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم، ثم قال: قوموا، قوموا. وفي أخرى: قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول فمن خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله، ولينته». وفي أخرى: قال: «لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله ورسله». وعند أبي داود (٤٧٢١): «فإذا قالوا ذلك، فقولوا: (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد) ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ من الشيطان».
(٢) لم نقف عليه.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٥١٤ (١٠٦٧٧)، والبخاري في «صحيحه» (٦٤٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٠٨ ]
آية أخرى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فاعلم رحمك الله أن المسارعة هي المتابعة، فينبغي للمؤمن أن يسأل الله تعالى أن يرزقه المتابعة، ويحرسه مما يخطر بباله من هواجس النفس، وشبهات الدين، ومما خيل في ضميره مما تنفيه عظمة الله سبحانه، فإن الحق تعالى بخلافه، فيستغفر الله منه؛ فإنه من الشيطان.
فإن صحَّ ما تقدم ذكره عن المرازقة (^١)، فهي أفعال غير لائقة، تمنع من دخول الجنة، وإلى النار سائقة؛ لأنه خرج عن الطريق وعصى خالقه، فأعمالهم أعمى لهم، وأفعالهم أفعى لهم، وهي كاسدة غير نافقة، اسمعوا أيها المرازقة: إن من شرط المرافقة الموافقة. قال ﷺ: «من ترك سنتنا فليس منَّا …» (^٢) الحديث.
فعليك أيها المؤمن! بالمتابعة، ودع عنك المنازعة، فالمتابعة تثبت الاتصال، وعدمها يثبت الانفصال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فلما عمل سلمان الفارسيُّ بالسنة سبق العجم إلى الجنة، وبلال لأجل اتباعه سبق الحبشة؛ فله الفضل والمنة؛ ولأجل ذلك سبق صهيب الروم، وأبو طالب لخروجه في الحضرة وهو محروم، فقربت المتابعة هؤلاء العبيد للنبي ﷺ وللمولى المجيد، وبعدت المعاصي والبدع بين النبيين وأولادهم وأزواجهم، فسبحان الفعال لما يريد.
وقد ذم الله أقوامًا ولعن آخرين؛ لخروجهم عن طريق (^٣) أنبيائهم، ولم يتبعوا حكم الكتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب؛ بما أصاب غيركم من شؤم
_________________
(١) أحسن المصنف ﵀ في تعليق ما ذكره من ذم المرازقة بثبوت ذلك عنهم، فالكلام بين الطوائف المختلفة لا يخلو في الغالب من مبالغات ومجازفات، والكلام في الناس لا بدَّ أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم. (ت)
(٢) سبق تخريجه بلفظ: «من رغب عن سنَّتنا فليس منا».
(٣) في (ق): طرق.
[ ٥٠٩ ]
البدعة ما أصاب. ونسأل الله التوفيق وإليه المرجع والمآب. ثم اعلم بأن انتشار البدع من علامات الساعة.
فيجب على ولاة الأمر ومن كان قادرًا أن يجتهد في زوال البدع، فهو جهاد في سبيل الله تعالى، ورَدُّ العبيد للمولى المجيد، قال ﷺ: «يا علي لأنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس» (^١).
وفي الجملة: إن الأمر بالمعروف يقرِّب للرب الرؤوف (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) هذا آخر الفصل الذي خصَّه التركماني ﵀ للكلام عن طائفة المرازقة، وقد تضمن معلومات تفصيلية قيمة، ونضيف إلى ما ذكره ما تيسر لنا الوقوف عليه عن هذه الطائفة وشيخها وهو عثمان بن مرزوق بن حميد القرشي المصري (ت ٥٦٤ هـ)، وقد ترجم له ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» فقال ١/ ٣٠٦: عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشي، الفقيه، العارف، الزاهد، أَبُو عمرو. نزيل الديار المصرية: صحب شرف الإسلام عبد الوهاب ابن الجيلي بدمشق، وتفقه، واستوطن مصر وأقام بها إلى أن مات، وأفتى بها ودرس وناظر، وتكلم على المعارف والحقائق. وانتهت إليه تربية المريدين بمصر. وانتمى إليه خلق كثير من الصلحاء، وأثنى عليه المشايخ، وحصل له قبول تامٌّ من الخاصِّ والعام، وانتفع بصحبته خلق كثير. وكان يعظم الشيخ عبد القادر، ويقال: إنه اجتمع به هو وأَبُو مدين بعرفات ولبسا منه الخرقة، وسمعا منه جزءً من مروياته. وسمع الحديث ورواه. حدث عنه أَبو الثناء محمود بن عبد الله بن مطروح المقرئ الجيلي، وأبو الثناء أحمد بن ميسرة بن أحمد بن موسى بن غنام الغمراني الحنبلي المصري الكامخي. وكانا صالحين. وكان الأول مقرئًا، حسن التلفظ بالقرآن. وكان الثاني كثير الذكر والتسبيح. حدث عنه المنذريُّ، وقرأ على الأول القرآن. وكان الشيخ أبو عمرو له كرامات، وأحوال ومقامات، وكلام حسن على لسان أهل الطريقة. فمن ذلك قوله: الطريق إلى معرفة الله وصفاته: الفكر، والاعتبار بحكمه وآياته، ولا سبيل للألباب إلى معرفة كنه ذاته. ولو تناهت الحكم الإلهية في حد العقول، وانحصرت القدر الربانية في درك العلوم؛ لكان ذلك تقصيرًا في الحكمة، ونقصًا في القدرة، لكن احتجبت أسرار الأزل عن العقول، كما احتجبت سبحات الجلال عن الأبصار، فقد رجع معنى الوصف في الوصف، وعمي الفهم عن الدرك، ودار الملك في الملك، وانتهى المخلوق إلى مثله، واشتد الطلب إلى شكله: (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) [طه: ١٠٨]، فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته، وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسُنٌ ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر =
[ ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بصائرهم. ومن كلامه أيضًا: من لم يجد في قلبه زاجرًا فهو خراب. ومن عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه. ومن لم يصبر على صحبة مولاه ابتلاه بصحبة العبيد. ومن انقطعت آماله إلا من مولاه فهو عبد حقيقة. والدعوى من رعونة النفس، واستلذاذ البلاء تحقق بالرضى، وحلية العارف الخشية والهيبة. وإياكم ومحاكاة أصحاب الأحوال قبل إحكام الطريق، وتمكن الأقدم فإنها تقطع بكم. ودليل تخليطك صحبتك للمخلِّطين. ودليل وحشتك أنسك بالمستوحشين. وكان يتمثل بهذه الأبيات: يا غارس الحب بين القلب والكبد … هتكت بالصد ستر الصبر والجلد يا من تقوم مقام الموت فرقته … ومن يحل محل الروح في الجسد قد جاوز الحب في أعلا مراتبه … فلو طلبت مزيدًا منه لم أجد إذا دعا الناس قلبي عنك مال به … حسن الرجاء، فلم يصدر ولم يرد إن ترضني لم أُرِدْ ما دمت لي بدلًا … وإن تغيرت لم أسكن إلى أحد وحكى عن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن مرسيل الضرير، الفقيه الشافعي الزاهد رحمه الله تعالى، قال: كان الشيخ أبو عمرو ابن مرزوق، من أوتاد مصر، كان شائع الذكر، ظاهر الكرامات، زاد النيل سنة زيادة عظيمة، كادت مصر تغرق، وأقام على الأرض، حتى كاد وقت الزرع يفوت، فضج الناس بالشيخ أبي عمرو ابن مرزوق بسبب ذلك، فأتى إلى شاطئ النيل، وتوضأ منه، فنقص في الحال نحو ذراعين، ونزل عن الأرض حتى انكشفت، وزرع الناس في اليوم الثاني. قال: وفي بعض السنين لم يطلع النيل ألبتةَ، وفاضت أكثر وقت زراعته. وغلت الأسعار وظُنَّ الهلاك، وضجوا بالشيخ أبي عمرو ابن مرزوق، فجاء إلى شاطئ النيل، وتوضأ فيه بإبريق كان مع خادمه، فزاد النيل في ذلك اليوم. وتعاقبت زيادته إلى أن انتهت إلى حدِّه، وبلَّغ الله به المنافع، وبارك في زرع الناس تلك السنة. قرأتُ بخط الشيخ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلي قال: حكى لي الشيخ زين الدين علي بن نجا، قال: زرت الشيخ عثمان بن مرزوق بمصر فقال: يجيء أسد الدين شيركوه إلى هذه البلاد ويروح، ولا يحصل له شيء، ثم يعود يجيء ويروح، ولا يأخذ البلد، ثم يجيء فيأخذ ما أدري قال في الثالثة أو الرابعة. فيملك مصر. فجرى الأمر كما ذكر، فقلت له: يا سيدي من أين لك هذا؟ فقال: والله يا ولدي ما أعلم الغيب، وإنما لي عادة: أن أرى رسول الله ﷺ، أراه في بعض الجُمَع، فيخبرني. قلت: لعله أراد في المنام. قال الناصح: وسمعت خادم الشيخ عثمان بن مرزوق، وكان يعرف بسيف السنة، وعليه آثار الصلاح، وقال له زين الدين بن نجا: أتعرف الأبيات التي أُنشدتْ تلك الليلة بحضرة الشيخ عثمان بن مرزوق، فسمع وبكى. قال: نعم، قال: قلها. فقال:
[ ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فديت من واصلني مختفيًا في وصله … كنَّا على وعد فما كدَّره بمطله وعاد عندي كله مشتغلًا بكلِّه … ما خلت أن يصلح مثلي في الهوى لمثله وإنما جاد عليَّ منعمًا بفضله … ولم أكن أهلًا له لكنه من أهله وذكر الناصحُ في ترجمة ولد الشيخ أبي عمرو بن مرزوق سعد: أن والده يعني الشيخ: أبا عمرو كان يُذكر عنه أنه كان يقول في أفعال العباد: إنها غير مخلوقة. وكذا حكى ابن القطيعي في «تاريخه»، قال: حكى لي أبو محمد بن سعيد البزار التاجر، قال: كنت بمصر ووقع بها فتنة بين والد الشيخ سعد يعني عثمان بن مرزوق وبين الكيزاني، وتلك الفتنة كانت سبب قدوم سعد إلى بغداد، فقلت له: ما كانت. فقال: كان عثمان بن مرزوق يقول: أفعال العباد قديمة. وكان له بمصر قبول، وبمصر يومئذٍ رجل آخر له قبول، يعرف بابن الكيزاني [ت: ٥٦٢]، يقول: ليست قديمة. فثارت الفتن، فقالوا: طريق الحق أن تكتب إلى بغداد في ذلك، فكتبوا إلى علماء بغداد، فأفتوهم على اختلاف مذاهبهم بحدثها، فقال سعد يعني: ابن الشيخ عثمان بن مرزق: الآن قد شككت في هذا الأمر، والمكتوب لا يقلَّد، ولا بدَّ من المضي إلى بغداد، وأسمع مقالة العلماء، وأعود أخبر أبي بذلك، فدخل بغداد، وسمع مقالة العلماء، فمات أبوه بمصر، وبلغه وفاته، فأقام ببغداد. قلت: وذكر أبو المظفر سبط ابن الجوزي في «مرآن الزمان»: أن أبا عبد الله ابن الكيزاني كان يقول: إن أفعال العباد قديمة. فحينئذٍ فقد اختلف في نسبة هذا القول: هل هو إلى ابن الكيزاني، أو إلى ابن مرزوق، ولم يثبت لنا من وجه صحيحٍ عن ابن مرزوق أنه كان يقول ذلك، ولعل ذلك ألزموه به لقوله: إن اللفظ بالقرآن غير مخلوق. وإن هذا القول يقوله طائفة من أصحابنا، وربما نسبوه إلى الإمام أحمد. والصحيح الصريح عن أحمد: أنه كان يبدِّع قائل ذلك، ولعله لما التزم هذا القول الضعيف طرَّده في سائر الأفعال. والله أعلم بحقيقة الحال. ثم وجدت لأبي عمرو ابن مرزوق مصنفات في أصول الدين، ورأيته يقول: إن الإيمان غير مخلوق، أقواله وأفعاله، وإن حركات العباد مخلوقة، لكن القديم يظهر فيها كظهور الكلام في ألفاظ العباد. وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى: وثَمَّ جماعات منتسبون إلى الشيخ أبي عمرو ابن مرزوق، ويقولون أشياء مخالفة لما كان الشيخ أبو عمرو عليه، وهذا الشيخ كان ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد، وكان من أصحاب الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج، وهؤلاء ينتسبون إلى مذهب الشافعي، ويقولون أقوالًا مخالفة لمذهب الشافعي وأحمد، بل ولسائر أئمة المسلمين، ولشيخهم الشيخ أبي عمرو. وهذا الشيخ أبو عمرو: شيخ من شيوخ أهل العلم والدين، وله أسوة أمثاله، وإذا قال قولًا قد علم أن قول أحمد والشافعي بخلافه، وجب تقديم قول الشافعي وأحمد على قوله، مع دلالة=
[ ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الكتاب والسنة على قول الأئمة، فكيف إذا كان القول مخالفًا لقوله، ولقول الأئمة، وللكتاب والسنة؟ وذلك مثل قولهم: لا نقطع، ولا نقول قطعًا، ويقولون: نشهد أن محمدًا رسول الله، ولا نقطع، ونقول: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، ولا نقطع بذلك ويروون في ذلك أثرًا عن علي، أو حديثًا مرفوعًا، وهو من الكذب المفترى. قال: وأصل شبههم: أن السلف كانوا يستثنون في الإيمان، فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وعلى ذلك كان أهل الثغر عسقلان، وما يقرب منها فإنه كان قد سكنها محمد بن يوسف الفريابيُّ، وكان يأمر بذلك، وكان شديدًا على المرجئة، وعامة هؤلاء القوم جيران عسقلان، ثم صار كثير منهم يستثني في الأعمال الصالحة، فيقول: صليت إن شاء الله، وهو يخاف أن لا يكون أتى بالصلاة كما أُمر، ولا تقبلت منه، فيستثني خوفًا من ذلك. وصنف في ذلك بعض أهل الثغر مصنفًا، وشيخهم أبو عمرو ابن مرزوق، غايته أن يتَّبع هؤلاء، ولم يكن الرجل ولا أحد قبله من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا لما يعلم أنه موجود: هذا موجود قطعًا. لكن لما مات أحدث بعض أتباعه الاستثناء في كل شيء، حتى في الإخبار عن الماضي والحاضر. وقد نقل عن بعض الشيوخ: أنه كان يستثني في كل شيء، كأنه والله أعلم في الخبر عن الأمور المستقبلة، لقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧]، وقول النَّبي ﷺ: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وصاروا يمتنعون عن التلفظ بالقطع، مع أنهم محقون بقلوبهم أن محمدًا رسول الله، ولا يشكون في نبوة محمد ﷺ، ولكن يكرهون لفظ القطع. وهذا جهل منهم. والواجب عليهم موافقة جماعة المسلمين. فإن قول القائل: أقطع بذلك، مثل قوله: أشهد بذلك، وأجزم وأعلم بذلك. وأطال الشيخ الكلام في ذلك. توفي الشيخ أبو عمرو ابن مرزوق بمصر سنة أربع وستين وخمس مئة. انتهى كلام ابن رجب ﵀. وسئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية النميريُّ ﵀ عن بدعة المرازقة؟ فأجاب: ثم إن جماعات ينتسبون إلى الشيخ عثمان بن مرزوق ويقولون: أشياء مخالفة لما كان عليه، وهو منتسب إلى مذهب أحمد، وكان من أصحاب الشيخ عبد الوهاب بن أبي الفرج الشيرازي، وهؤلاء ينتسبون إلى مذهب الشافعي، ويقولون أقوالًا مخالفة لمذهب الشافعي وأحمد، بل ولسائر الأئمة، وشيخهم هذا من شيوخ العلم والدين، له أسوة أمثاله، وإذا قال قولًا قد علم أن قول الشافعي وأحمد يخالفه وجب تقديم قولهما على قوله، مع دلالة الكتاب والسنة على قول الأئمة، فكيف إذا كان القول مخالفًا لقوله ولقول الأئمة وللكتاب والسنة. وذلك مثل قولهم: ولا نقول قطعًا، ونقول: نشهد أن محمدًا رسول الله ولا نقطع. ونقول: إن السماء فوقنا ولا نقطع. ويروون أثرًا عن علي، وبعضهم يرفعه: أنه قال: لا تقل قطعًا. وهذا من الكذب=
[ ٥١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المفترى باتفاق أهل العلم، ولم يكن شيخهم يقول هذا، بل هذه بدعة أحدثها بعض أصحابه بعد موته، وإذا قيل لواحد منهم: ألا تقطع قال: إن الله قادر على أن يغير هذه الفرس. فيظن أنه إذا قال: قطعًا؛ أنه نفيٌ لقدرة الله على تغيير ذلك، وهذا جهل، فإن هذه الفرس فرس قطعًا في هذه الحال، والله قادر على أن يغيرها. وأصل شبهة هؤلاء: أن السلف كانوا يستثنون في الإيمان فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وكانت ثغور الشام مثل عسقلان قد سكنها محمد بن يوسف الفريابي، شيخ البخاري، وهو صاحب الثوري، وكان شديدًا على المرجئة وكان يرى الاستثناء في الإيمان كشيخه الثوري وغيره من السلف. والناس لهم في الاستثناء ثلاثة أقوال: منهم من يحرمه كطائفة من الحنفية، ويقولون من يستثني فهو شكَّاك. ومنهم من يوجبه: كطائفة من أهل الحديث. ومنهم من يجوزه أو يستحبه وهذا أعدل الأقوال، فإن الاستثناء له وجه صحيح، فمن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات، ويخاف أن لا يكون قائمًا بها، فقد أحسن. ولهذا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه. ومن اعتقد أن المؤمن المطلق هو الذي يستحق الجنة؛ فاستثنى خوفًا من سوء الخاتمة فقد أصاب، وهذا معنى ما يروى عن ابن مسعود أنه قيل له عن رجل أنت مؤمن؟ فقال: نعم. فقيل له: أنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو! فقال: هلا وكَّل الأولى كما وكل الثانية، ومن استثنى خوفًا من تزكية نفسه أو مدحها أو تعليق الأمور بمشيئة الله فقد أحسن، ومن جزم بما يعلمه أيضًا في نفسه من التصديق فهو مصيب. والمقصود أن أصل شبهة هؤلاء الاستثناء في الإيمان كما عليه أهل ثغر عسقلان، وما يقرب منها، وعامة هؤلاء جيران عسقلان، ثم صار كثير منهم يستثني في الأعمال الصالحة فيقول: صليت إن شاء الله. وهو يخاف أن لا يكون أتى بالصلاة كما أُمر، وصنف أهل الثغر في ذلك مصنفًا. وشيخهم ابن مرزوق غايتُه أن يتبع هؤلاء، ولم يكن هو ولا أحد قبله من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا لما يعلم أنه موجود: هذا موجود قطعًا. وقد نقل بعض الشيوخ أنه كان يستثني في كل شيء، وكأنه يستثني والله أعلم في الخبر عن الأمور المستقبلة لقوله تعالى ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله﴾ وقوله ﷺ: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». والواجب موافقة جماعة المسلمين، فإن قول القائل قطعًا بذلك مثل قوله: أشهد بذلك، وأجزم بذلك، وأعلم ذلك. فإذا قال: أشهد ولا أقطع، كان جاهلًا، والجاهل عليه أن يرجع، ولا يصر على جهله، ولا يخالف ما عليه علماء المسلمين، فإنه يكون بذلك مبتدعًا جاهلًا ضالًا. وكذلك من جهلهم قولهم: إن الرافضي لا يقبل الله توبته، ويروون عن النبي ﷺ أنه قال: «سبُّ أصحابي ذنب لا يغفر»، =
[ ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويقولون: إن سب الصحابة فيه حق لآدمي فلا يسقط بالتوبة؛ وهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن الحديث كذب باتفاق أهل العلم بالحديث وهو مخالف للقرآن والسنة والإجماع؛ فإن الله يقول في آيتين من كتابه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، وبهذا احتج أهل السنة على أهل البدع الذين يقولون: لا يغفر لأهل الكبائر إذا لم يتوبوا، وذلك أن الله قال: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾، وهذا لمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه؛ ولو كان ذنبه أعظم الذنوب، وقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذا في حق من لم يتب. الثاني: أن الحديث لو كان حقًّا فمعناه: أنه لا يغفر لمن يتب منه، فإنه لا ذنب أعظم من الشرك، والمشرك إذا تاب غفر الله له شركه باتفاق المسلمين، كما قال تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾، وفي الأخرى ﴿فإخوانكم في الدين﴾، ومعلوم أن الكافر الحربي إذا سب الأنبياء ثم تاب تاب الله عليه بالإجماع، فإنه كان مستحلًّا لذلك، وكذلك الرافضي هو يستحل سب الصحابة، فإذا تبين له أنه حرام، واستغفر لهم بدل ما كان منه، بدَّل الله سيئاته بالحسنات، وكان حق الآدمي في ذلك تبعًا لحق الله، لأنه مستحل لذلك، ولو قدر أنه حق لآدميٍّ لكان بمنزلة من تاب من القذف والغيبة، وهذا في أظهر قولي العلماء لا يشترط في توبته تحلله من المظلوم، بل يكفي أن يحسن إليه في المغيب، ليهدم هذا بهذا. ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم كما يقولون: هذا زرع البدعيِّ، ونحو ذلك، فإن هذا عظيم لوجهين: أحدهما: أن تلك الطائفة الأخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في الطائفة المكفرة لها، بل تكون بدعة المكفرة أغلظ، أو نحوها، أو دونها، وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضًا، فإنه إن قدر أن المبتدع يكفَّر؛ كُفِّر هؤلاء وهؤلاء، وإن قدر أنه لم يكفَّر، لم يكفَّر هؤلاء ولا هؤلاء، فكون إحدى الطائفتين تكفِّر الأخرى ولا تكفر طائفتها، هو من الجهل والظلم، وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾. والثاني: أنه لو فرض أن إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة، لم يكن لأهل السنة أن يكفِّروا كل من قال قولًا أخطأ فيه، فإن الله سبحانه قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وثبت في «الصحيح» أن الله قال: «قد فعلتُ»، وقال تعالى: ﴿وليس عليكم جناحٌ فيما أخطأتم به﴾، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان» وهو حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره. وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولًا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن =
[ ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كان قوله مخالفًا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاع في مسائل التكفير، قد بسطت في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أنه ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ، ولا إمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، وقال أيضًا: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». وقال: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا»، وقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم: كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وليس للمنتسبين إلى ابن مرزوق أن يمنعوا من مناكحة المنتسبين إلى العوفي، لاعتقادهم أنهم ليسوا أكْفَاء لهم، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم، من أي طائفة كان من هؤلاء وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، وفي «الصحيح»: أن النبي ﷺ سئل: أي الناس أكرم؟ قال «أتقاهم». وفي «السنن» عنه أنه قال: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب» (مجموع الفتاوى: ٧/ ٦٨٠). وسئل ابن تيمية أيضًا: عن الصلاة خلف المرازقة وعن بدعتهم؟ فأجاب: يجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة، وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة، ولا فسقًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين. وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال. ولو صلى خلف من يعلم أنه فاسق أو مبتدع ففي صحة صلاته قولان مشهوران في مذهب أحمد ومالك. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة الصحة. وقول القائل: لا أسلم مالي إلا لمن أعرف. ومراده لا أصلي خلف من لا أعرفه، كما لا أسلم مالي إلا لمن أعرفه. كلام جاهل، لم يقله أحد من أئمة الإسلام، فإن المال إذا أودعه الرجل المجهول فقد يخونه فيه وقد يضيعه. وأما الإمام فلو أخطأ أو نسي لم يؤاخذ بذلك المأموم، كما في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «أئمتكم يصلون لكم ولهم. فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم». فجعل خطأ الإمام على نفسه دونهم، وقد صلى عمر وغيره من الصحابة ﵃ وهو جنب ناسيًا للجنابة فأعاد، ولم يأمر المأمومين بالإعادة، وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه. وكذلك لو فعل الإمام ما يسوغ عنده، وهو عند المأموم يبطل الصلاة مثل أن يفتصد ويصلي ولا يتوضأ، أو يمس ذكره، أو يترك البسملة وهو يعتقد أن صلاته تصح مع ذلك، والمأموم يعتقد أنها لا تصح مع ذلك، =
[ ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فجمهور العلماء على صحة صلاة المأموم كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين، بل في أنصهما عنه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، اختاره القفال وغيره. ولو قدر أن الإمام صلى بلا وضوء متعمدًا والمأموم لم يعلم حتى مات المأموم، لم يطالب الله المأموم بذلك، ولم يكن عليه إثم باتفاق المسلمين، بخلاف ما إذا علم أنه يصلي بلا وضوء، فليس له أن يصلي خلفه، فإن هذا ليس بمصلٍّ، بل لاعب، ولو علم بعد الصلاة أنه صلى بلا وضوء ففي الإعادة نزاع. ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك؛ فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. ولهذا قالوا في العقائد: إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام برًّا كان أو فاجرًا، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد فإنها تصلي خلفه الجماعات، فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده، وإن كان الإمام فاسقًا. هذا مذهب جماهير العلماء: أحمد بن حنبل والشافعي وغيرهما، بل الجماعة واجبة على الأعيان في ظاهر مذهب أحمد. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد. وغيره من أئمة السنة. كما ذكره في رسالة عبدوس وابن مالك والعطار. والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون، كما كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، وابن مسعود وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر حتى أنه صلى بهم مرة الصبح أربعًا ثم قال: أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة. ولهذا رفعوه إلى عثمان. وفي صحيح البخاري: أن عثمان ﵁ لما حُصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان، فقال: إنك إمام عامة وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة. فقال: يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم. ومثل هذا كثير. والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورًا لا يرتب إمامًا للمسلمين، فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنًا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك حتى يتوب، أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا: إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا فلا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃. وكذلك إذا كان الإمام قد
[ ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رتبه ولاة الأمور ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة والجهمية ونحوهم. ومن أنكر مذهب الروافض وهو لا يصلي الجمعة والجماعة، بل يكفر المسلمين، فقد وقع في مثل مذهب الروافض، فإن من أعظم ما أنكره أهل السنة عليهم تركهم الجمعة والجماعة وتكفير الجمهور. وأما الصلاة خلف المبتدع: فهذه المسألة فيها نزاع وتفصيل. فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين وكصلوات الحج خلف إمام الموسم، فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر، باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما يدع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم ممن لا يرى الجمعة والجماعة، إذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد، فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خير من صلاته في بيته منفردًا؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقًا. وأما إذا أمكنه أن يصلي خلف غير المبتدع فهو أحسن وأفضل بلا ريب، لكن إن صلى خلفه ففي صلاته نزاع بين العلماء. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة تصح صلاته. وأما مالك وأحمد ففي مذهبهما النزاع وتفصيل. وهذا إنما هو في البدعة التي يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة مثل بدع الرافضة والجهمية ونحوهم. فأما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس في هذه البلاد مثل مسألة الحرف والصوت ونحوها فقد يكون كل من المتنازعين مبتدعًا، وكلاهما جاهل متأول، فليس امتناع هذا من الصلاة خلف هذا بأولى من العكس، فأما إذا ظهرت السنة وعلمت فخالفها واحد، فهذا هو الذي فيه النزاع، والله أعلم. (مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٥١). قلتُ: ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» ٧٦ في مؤلفات ابن تيمية: «وجواب عن المرازقة وما يفعلونه من أعمال والرد عليهم فيما أخطؤوا فيه»، وذكره الصفدي في «أعيان العصر» ١/ ٢٤٦، وفي «الوافي بالوفيات» ٧/ ١٩ باسم: «كشف حال المرازقة». وفي مركز المخطوطات والوثائق بالكويت، رقم ١١٣/ ٥ مخطوطة لابن تيمية باسم: «الصلاة خلف المرازقة وذكر بدعتهم»، في (٤٣) ورقة، ولا أدري هل فيها زيادات على «المجموع»؟! وقال العلامة أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) في «الفتاوى» ١/ ٥٣ «قوله: أنا مؤمن إن شاء الله؛ اطلعت على أن ذلك قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والشافعية والمالكية والحنابلة ومن المتكلمين الأشعرية والكلابية. وهو قول سفيان الثوري، وكان صاحبه محمد بن يوسف الفريابي مقيمًا في عسقلان، فشهر ذلك في الشام عنه، وأخذه عنه عثمان بن مرزوق، فزاد
[ ٥١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أصحابه المشهورون اليوم بالمرازقة في الديار المصرية الاستثناء في كل شيء، وهو بدعة وضلال، أعني ما زادوه». وقال أيضًا ١/ ٥٨: «أما الحاضر المقطوع به من جميع وجوهه فلا يتصور تعليقه، فلا يقال: أنا إنسان إن شاء الله! ولا اعتبار بقول المرازقة، فإنهم مبتدعة جهال ضلال في ذلك». وأخرج الطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٧٥٦)، واللالكائي في «شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١٦٨١) من طريق داود بن المحبر وهو كذاب، قال: حدثنا المعارك بن عباد القيسي، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن من تمام إيمان العبد أن يستثني في كل حديثه». وذكره الذهبي في «ميزان الاعتدال» في ترجمة (معارك بن عباد) ٤/ ١٣٣ (٨٦١٧)، وقال: «هذا الحديث الباطل، قد يحتج به المرقة الذين لو قيل لأحدهم: أنت مسيلمة الكذاب؟! لقال: إن شاء الله!». كذا وقع في «الميزان»: «المرقة»، وصوابه: «المرازقة»، وعلى الصواب نقله ابن عراق في «تنزيه الشريعة» ١/ ١٥٤. ونقله ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ١٠/ ١٩٨، وتحرَّف في المطبوع إلى: «الموارقة»، وتعقَّب ابن حجر الذهبيَّ بقوله: «وقد بالغ». والحديث خرَّجه الألباني في «الضعيفة» (٧١٢٤) وقال: موضوع. فائدة: يطلق لقب: «المرازقة» أيضًا على الذين يأخذون معاشًا وراتبًا من غلة الوقف، ويسمى هؤلاء: أهل الوظائف أيضًا كإمام الجامع وخَدَمته. كما في «أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية» ٧/ ١٧٢. ويُعرف بالمرازقة أيضًا فريقٌ ينضم إلى عشيرة البطوش، وهي من عشائر الكرك في الأردن، تقطن في قرية خنزيرة، وقد خرج منهم فرع إلى قرية ريمون بعجلون، ويعرفون بالمرازقة أيضًا، والمرازقة: من عشائر الجولان الصغيرة تقيم في قرية دبورة، وتعد خمسين بيتًا. كما في «معجم قبائل العرب القديمة والحديثة» لعمر رضا كحالة ١/ ٨٥، و٣/ ١٠٦٧، وقال الزبيدي في «تاج العروس» ٢٥/ ٣٤٢: والرَّوازِقُ، والمَرازِقَةُ، والرَّزاقِلَةُ: قبائِلُ. (ت)
[ ٥١٩ ]