من غناء، ورقص، وضرب صدر، وكشف قناع، من بعض نزيلات مكة الناقصات العقل والدين اليابسات (^١) طباع
فمن عملت أو رضيت بهذه الملاهي في خير البقاع وأشرف الأراضي، فالحقُّ سبحانه عنها ليس براضِ، وليست هذه البدع من أفعال المؤمنات الصالحات الصادقات؛ لمخالفتها لسنة نبينا ﷺ ومن تابعه من السادات.
ولا تليق هذه الحالات إلا في مجالس الفسقة والحانات؛ فالويل ثم الويل لمن يجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة؛ لخروجه عن الطريقة المحمدية المباركة الطاهرة. ونسأل الله سبحانه التمسك بالسنة، والعمل بما نقول، ونعوذ بالله من مكابرة العقول، ومن مخالفة المنقول.
قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ وصف الحقُّ أحبابه بالتواضع والخشوع، ولم يصفهم بنطٍّ ورقص، ونزول وطلوع، فلو لم تكن إحداهن محجوبة بالهوى، لما ابتليت بهذه
_________________
(١) في (ق): «والناكسات».
[ ٢٠٦ ]
المصائب والبدع والبلوى، وهذا السماع أشد بلاءً وتحريمًا على المرأة؛ لأن صوتها وبدنها عورة (^١).
قال الشافعى ﵁: إذا جمع سيِّدُ الجارية الناسَ، ثم أمرها أن تغني لهم، بطلت شهادته ويكون ديوثًا (^٢).
قال القاضي أبو الطيِّب: إنما جُعل ديوثًا فاسقًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل (^٣).
ولا ينبغي للمرأة أن ترفع صوتها في الطاعات حرةً كانت أو أمة لا في الأذان ولا في التلبية، ولا تجهر بالقراءة في صلاة الصبح، والمغرب، والعشاء، فما بالك بالمعاصي واللهو والغناء، فإن فعلت ذلك لُعنت، ولم تنل المُنَى.
_________________
(١) اختلف الفقهاء في صوت المرأة هل هي عورة أم لا؟ على قولين، والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة أن صوت المرأة ليس بعورة، وعليه جمهور العلماء، فهو الأصح عند الحنفية، والمعتمد عند المالكية، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة. وهذا كله فيما إذا لم يكن شبهة وشهوة في حديثها، أما سماعها تلذذًا بصوتها فهذا لا ريب في تحريمه، فإن النبي ﷺ قال: «والأذنان زناهما الاستماع» أخرجه مسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) كتاب «الأم» للإمام الشافعي ﵀ ٦/ ٢٠٩.
(٣) «الردُّ على من يحبُّ السماع» ص ٢٨، للقاضي أبي الطيب، وهو العلامة طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري (٣٤٨ - ٤٥٠ هـ)، قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٩/ ٧٤٥ (٣٤١): هو الفقيه الشافعي أحد الأعلام، سمع بجرجان وبنيسابور، واستوطن بغداد، ودرس وأفتى، وولي قضاء ربع الكرخ بعد موت القاضي الصَّيمريِّ. وكان مولده بآمل طبرستان، قال الخطيب: وكان أبو الطّيِّب ورعًا عارفًا بالأصول والفروع، محقَّقًا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه وعلَّقت عنه الفقه سنين. وقال أبو إسحاق في الطبقات: ومنهم شيخنا وأستاذنا أبو الطّيب، توفيّ عن مئة وسنتين، لم يختلَّ عقله، ولا تغيَّر فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد، ويحضر المواكب إلى أن مات. ولم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادًا، وأسدَّ تحقيقًا، وأجود نظرًا منه، شرح المزنيَّ، وصنَّف في الخلاف والمذهب والأصول والجدل كتبًا كثيرة، ليس لأحد مثلها.
[ ٢٠٧ ]
قال الشعبي: لُعن المغنِّي والمغنَّى له (^١).
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «كسب المغني والمغنية حرام» (^٢).
فإذا ثبت أن صوت المرأة عورة، فلا يستدل بقول عائشة ﵂ الأشعار، ولا يُبنَى على ما فعلن بناتُ النجَّار، بضربهن الطار، ومدحهن للنبي المختار؛ إذ كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ بما ورد من الأخبار (^٣).
وقد اختلف المشايخ، فبعضهم يعتقد أن هذه البدعة هي من البدع المباحة الذي استوى طرفاها، والفاعل لها لا يثاب ولا يعاب. والله أعلم أنه أخطأ وما أصاب، فاللعب ليس من صفة (^٤) أولي العقول والألباب. وبعضهم يقول: إنها قُربة. والله سبحانه أعلم بالصواب، وبعضهم بجهله يتغَالَى ويعتقد أنها أفضل من الصلاة لله تعالى، ويستدل على اعتقاده الفاسد بالقياس أن الراقص في السماع يحضر (^٥)، والمصلي تدخل عليه الغفلة والوسواس! وأما هذا القائل قد أعمي عن ما دخل عليه من الكفر (^٦) والالتباس، والدليل على
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٤٥)، ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥١٠٥)، وصحح الألباني إسناده في «تحريم آلات الطرب» (ص ١٣).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) يعني حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ مرَّ ببعض المدينة، فإذا هو بجوارٍ يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن: نحن جوار من بني النجار … يا حبذا محمد من جار فقال النبي ﷺ: «الله يعلم أَنِّي لأحبكنَّ» وفي لفظ: «الله يَعْلَمُ أنَّ قلبي يُحبُّكُنَّ». أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٨٩٩)، وأبو يعلى في «مسنده» (٣٤٠٩) من حديث أنس بن مالك. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٦٨٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وبعضه من الصحيحين من حديث عائشة، وفي البخاري وأصحاب السنن الأربعة من حديث الربيع بنت معوذ. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٥٤١)، وفي «الصحيحة» (٣١٥٤).
(٤) في (ق، ط): صنعة.
(٥) في (ط): يحضرها.
(٦) في (ق): الغفلة.
[ ٢٠٨ ]
كفره أنه جعل الباطل خيرًا من الحق. قال ﷺ: «كل لهوٍ يلهو به الرجلُ فهو باطلٌ» (^١).
وجوابه: أن الشيطان لعنه الله مراده من ابن آدم أن يمحق عمره في المعاصي، أو فيما لا فائدة فيه، ليكون في الآخرة من الخاسرين، فإذا برز منه ذلك؛ تركه ومراده، ألا ترى أن بعض المخذولين يرقص الليل كله، ولا يأخذه ملل، فإذا دخل في الصلاة، لحقه النوم والوسواس والكسل، فترى بعضهم يصلي قاعدًا، وآخر لا يقم صلبه، ولا يتم صلاته راكعًا ولا ساجدًا، وكل من كان مجموعًا على الباطل لا يعارضه الشيطان أبدًا: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
ثم اعلم بأن الله سبحانه لم يخلق العباد للعب ولا للعبث؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولم يقل سبحانه: ليلعبوا.
قال بعض العلماء: إن الصبيان شوَّقوا يحيى ﵇ في اللعب (^٢). فقال: ما للعب خُلقنا، وكان ابن أربع سنين؛ فأنزل الله في حقه: ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ويوسف الصديق ﵇، لما طمع في اللعب صار أمره إلى العبودية والبئر والسجن.
وكذلك العبد إذا أعرض عن الرحمن، واغتر بلعب الدنيا، صار أمره إلى سجن الآخرة، ويُعد من حزب الشيطان؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٤٤ (١٧٣٠٠)، والدارمي في «سننه» (٢٤٠٥)، وابن ماجه في «سننه» (٢٨١١)، والترمذي في «جامعه» (١٦٣٧) من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁. قال الحافظ في «فتح الباري» ١١/ ٩١: أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن خزيمة والحاكم. وصحح الألباني هذا الجزء في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٦١٨).
(٢) في (ق، ب): شوق الصبيان يحيى صلوات الله عليه وسلامه للعب.
[ ٢٠٩ ]
هذا حال من شغل عن الله تعالى بالحلال، فما بالك بمن شغل باللعب والضلال؟! قال المبعوث بالرسالة: «كل بدعة ضلالة» (^١).
ومن البدع المنكرة المنكوب صاحبها في الدنيا والآخرة (^٢): الرقص، والنط، والغناء في مسجد الخيف من منًى، لقد أتعب هذا الراقص نفسه هنا، وفي الآخرة لم ينل المنَى.
فيا من محق عمره في البدع واللهو والغناء؛ ابك على نفسك والسابق للبكاء أنا واعتبر بمن هدم الموت منه أركان ما بنى، وأضحى في لحده فقيرًا ذليلًا بعد العز والغنى.
ومن البدعة أيضًا ما يُعمل في القدس الشريف من نطِّ كلٍ بطال، وعُتُلٍّ (^٣) وكثيف. مجموع ذلك (^٤) لا يرضي المولى اللطيف؛ لخروج فاعله عن طريق نبيه وحبيبه، ولمخالفته لكل عبد تقي عفيف، وما ترويه هذه الطائفة عن المشايخ السالفة لا يحتج به لما فيه البدعة والمخالفة لسنة النبي ﷺ وصحابته الطائفة المباركة الخائفة.
ثم اعلم بأن النط لا يقطع طريق الآخرة، ويُحتاج لقطع هذه المسافة ألسنة ذاكرة، وقلوب راضية شاكرة، وبخوف الله تعالى عامرة، وأبدان على الطاعة والبلية صابرة، وعن المعاصي والبدع نافرة، وأعين قد غُضت عن محارم ربها وهي باكية ساهرة، ونسأل الله سبحانه التوفيق لذلك كله بقدرته القاهرة.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (ق، ب): المذمومة دنيا وآخرة.
(٣) العتل: الفظ الغليظ من النَّاس.
(٤) (مجموع ذلك) في (ق، ب): وذلك.
[ ٢١٠ ]