عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢] من هم؟» قالت: الله ورسوله أعلم. قال: «هم أصحاب الأهواء والبدع ليست لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني برآء» (^١).
وقال علي كرم الله وجهه: أرجو التوبة للفاسق، ولا أرجوها للمبتدع؛ لأن الفاسق مضرته قاصرة على نفسه، والمبتدع مضرته على دين الله تعالى (^٢).
_________________
(١) كذا قرأها المصنَّف، وهي قراءة حمزة والكسائي. وقراءة الجمهور: (فرَّقوا) بالتشديد. «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١٤/ ٣٢. أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٤) و(٣٨)، والطبراني في «الصغير» (٥٦٠)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١٣٨ من حديث عمر ﵁. وقال الألباني: إسناده ضعيف. وذكره ابن كثير في «تفسيره» وقال: وهذا رواه ابن مردويه، وهو غريب أيضًا، ولا يصح رفعه. والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعًا) أي: فرقًا كأهل الملل والنحل وهي الأهواء والضلالات فالله قد برَّأ رسوله مما هم فيه. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ …﴾ الآية [الشورى: ١٣] … إلى آخر كلامه ﵀.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج محمد بن وضاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» (١٤٦) بإسناد ضعيف عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: «ما كان رجل على رأي من البدعة فتركه؛ إلا إلى ما هو شرٌّ منه». =
[ ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال الشاطبي في «الاعتصام» ١/ ١٦٢: وأما أن صاحبها ليس له من توبة: فلما جاء من قوله ﵊: «إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة» [أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» وصححه الألباني بشواهده]. وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، قال: كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى أشر منها. ونحوه عن طريق علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما كان رجل على رأي من البدعة فتركه، إلا إلى ما هو شر منه. خرَّج هذه الآثار ابن وضاح. وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يقول: اثنان لا نعاتبهما: صاحب طمع، وصاحب هوى، فإنهما لا ينزعان. وعن ابن شوذب قال: سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول: ما كان عبد على هوى تركه؛ إلا إلى ما هو شر منه. قال: فذكرت ذلك لبعض أصحابنا، فقال: تصديقه في حديث عن النبي ﷺ: «يمرقون من الدِّين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم على فُوقه». وعن أيوب قال: كان رجل يرى رأيًا، فرجع عنه، فأتيت محمدًا فرحًا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: انظر إلامَ يتحوَّل؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله: «يمرقون من الدين ثم لا يعودون». وهو حديث أبي ذرِّ أن النبي ﷺ قال: «سيكون من أمتي قوم يقرءون القرآن ولا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة». فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعنى هذه الآثار، وحاصلها: أن لا توبة لصاحب البدعة عن بدعته، فإن خرج عنها، فإنما يخرج إلى ما هو شر منها، كما في حديث أيوب، أو يكون ممن يظهر الخروج عنها وهو مصر عليها بعد، كقصة غيلان مع عمر بن عبد العزيز. ويدل على ذلك أيضًا حديث الفرق إذ قال فيه: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مفصل إلا دخله» [أخرجه أبو داود (٤٥٩٧) وحسَّنه الألباني]؛ وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق، ولكنه قد يحمل على العموم العادي، إذ لا يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق، كما نقل عن عبد الله بن الحسن العنبري، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على علي ﵁، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم. ولكن الغالب في الواقع الإصرار، ومن هنالك قلنا: يبعُد أن يتوب بعضهم، لأن الحديث يقتضي العموم بظاهره … وسبب بعده عن التوبة: أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس، لأنه أمر مخالف للهوى، وصاد عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدًّا، لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، فإن تعلقت بحكم الشارع فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل، مع=
[ ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ضميمة أخرى، وهي أن المبتدع لا بد له من تعلق بشبهة دليل ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودًا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به، وهو الدليل الشرعي في الجملة؟! ومن الدليل على ذلك ما روي عن الأوزاعي قال: بلغني أن من ابتدع بدعة ضلالة آلفه الشيطان العبادة، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء كي يصطاد به. وقال بعض الصحابة: أشد الناس عبادةً مفتونٌ. واحتج بقوله ﵊: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه» إلى آخر الحديث. ويحقق ما قاله الواقعُ كما نقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم. فالمبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه وغير ذلك من أصناف الشهوات، بل التعظيم على شهوات الدنيا، ألا ترى إلى انقطاع الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات، ومقاساتهم في أصناف العبادات والكف عن الشهوات، وهم مع ذلك خالدون في جهنم؟! قال الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ [الغاشية: ٢ - ٤]. وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]؛ وما ذاك إلا لخفة يجدونها في ذلك الالتزام، ونشاط بداخلهم، يستسهلون به الصعب، بسبب ما داخل النفس من الهوى، فإذا بدا للمبتدع ما هو عليه، رآه محبوبًا عنده، لاستبعاه للشهوات وعمله من جملتها، ورآه موافقًا للدليل عنده، فما الذي يصده عن الاستمساك به والازدياد منه؟ وهو يرى أن أعماله أفضل من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟! أفيفيد البرهان مطلبًا؟ ﴿كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [المدثر: ٣١]. انتهى كلام الشاطبي ﵀. والمقصود: أن صاحب البدعة لا يوفق إلى التوبة، وذلك من شؤم البدعة على صاحبها، لأن الشيطان زين له بدعته فنظر إليها على أنها طاعة وقربة، ولم ينظر إليها على أنها معصية، ومن كانت هذه حاله فقل أن يتوب إلا من يتداركه الله برحمته. وعلى هذا المعنى تحمل الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب، وليس المقصود أن توبة المبتدع لا تقبل، بل إن تاب توبة صادقة بشروطها، قبل الله منه وغفر له، والله تعالى يقبل توبة من هو أعظم شرًّا منه وهو المشرك، فكيف بالمبتدع الذي هو في دائرة الإسلام؟! قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وإن ربك لذوا مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦]؛ فهاتان الآيتان وغيرهما من آيات التوبة في القرآن وكذلك الأحاديث الواردة في التوبة تدلان دلالة واضحة على أن باب التوبة مفتوح لكل من أسرف على نفسه أو ظلم، إذا عاد وتاب واتبع الحق. ولا شك أن المبتدع =
[ ٤٣١ ]
وأهل الأهواء هم قومٌ استعملوا أهواءهم، فمالت بهم عن الحق كلما استحلوا شيئًا اتخذوه دينًا: كالروافض، والقدرية، والجهمية وأشباههم، ساروا شيعًا وأحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].
وأهل البدع هم قومٌ تركوا طرق أنبيائهم، واتبعوا طرق أشياخهم، وجدوهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون.
ثم اعلم بأن في الخطب ما يبتدع فعله، وفيه ما يسن، وعليه يثاب، وفيه شيء افترضه الكريم الوهاب، وهي خطبة الجمعة، والسنة هي خطبة العيدين، وفي الاستسقاء والخسوف والكسوف خلاف.
وفي الحج ثلاث خطب: إحداهن قبل التروية بمكة بعد الظهر؛ خطبة واحدة لا يجلس فيها. وخطبة يوم عرفة بعد الزوال، قبل الصلاة يخطب خطبتين يجلس بينهما جلسة خفيفة كخطبة الجمعة إذا فرغ المؤذنون خطب؛ لأنها مقدمة على صلاة الظهر، كما يصلي بعد خطبة يوم الجمعة، والخطبتان الأخريان لا يجلس فيهما؛ لأنهما للتعليم، ليس عقبهما صلاة، فصارتا كخطبة العيدين، وكسائر الخطب التي تخطب للحوادث.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = داخل ضمن المسرفين على أنفسهم والظالمين لها، فتشمله آيات التوبة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قال أئمة الإسلام كسفيان الثوري وغيره: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يُتاب منها والمعصية يتاب منها. ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها؛ أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زُين له سوء عمله، فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه. أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب. ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة، بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق، كما هدى ﷾ من هدى من الكفار والمنافقين، وطوائف من أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ (مجموع الفتاوى: ١٠/ ٩). (ت)
[ ٤٣٢ ]
والخطبة الثالثة بعد يوم النحر بيوم بمنى: يعلمهم كيف النفر، وطواف الصدر، ولا يحتاج الناس يوم النحر إلى خطبة يعلمهم بما يحتاجون إليه في خطبة يوم عرفة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة (^١)، ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة.
وخطبة النكاح سنة باتفاق العلماء، وقال بعضهم بوجوبها، ولا معتبر بقوله (^٢).
والذي يبتدع فيه هو نصب المنابر والكراسي عند الختم في رمضان؛ كرهه جماعة من العلماء خوفًا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة، ولو كانت سنة يثاب عليها لحرض النبي ﷺ عليها كما بيَّن قيام رمضان وتلاوة القرآن فيه.
وكثير من الناس يظنون أن الخطبة مشروعة فيه؛ لما فشت بينهم، ولم يفعلها النبي ﷺ، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا حرض على فعلها أحد من العلماء.
فإن قال قائل: إن هذا ذِكْر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه، ودعاء، واجتماع المسلمين على طاعة رب العالمين، وإظهار شعائر المؤمنين، فيستحب، كقيام شهر رمضان.
فالجواب: أن الذكر والثناء على الله تعالى يستحب إذا لم يخالف السنة، ألا ترى أن قراءة القرآن عبادة عظيمة؟ وفي مواضع كثيرة لا يؤجر عليها كمن يقرأ في ركوعه وسجوده وتشهده.
ولا يؤجر المسلم بقراءة القرآن في الطريق والأسواق والمزابل والحمامات، كما يفعله بعض المترفين أو أحد من صعاليك المسلمين، فيقرؤون خلف الجنائز، وفي الأسواق، وفي الأزقة، وباب الدار؛ لينالوا
_________________
(١) انظر: «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٠٢ - ٥٠٤، و«تحفة الفقهاء» لعلاء الدين السمرقندي ١/ ٤٣٢.
(٢) انظر «المغني» لابن قدامة ٧/ ٤٢٨.
[ ٤٣٣ ]
شيئًا من أموال المسلمين، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار.
وكره بعضهم القراءة في الطواف، وقال: إنها بدعة. وقال بعضهم: لا تكره؛ لأنها بدعة حسنة (^١).
وأجمع العلماء: أن قراءة القرآن لا تجوز للجنب، وفي المرأة الحائض إذا خافت من النسيان خلافٌ، فلو قرأ الجنب أو صلى النافلة في وقت النهي بغير سبب، يعاقبه الله تعالى بالإجماع؛ لأنه فعل الشيء في غير محله (^٢). قال له القائل: أيعاقب الإنسان على قراءة القرآن، وعلى وقوفه بين
_________________
(١) لم أر من وصف قراءة القرآن في الطواف بالبدعة، وأقل الأقوال فيه الجواز، وهو مذهب الحنفية، فقد قال محمد بن الحسن الشيباني في «الأصل» ٢/ ٤٠٢: ويكره له أن يرفع صوته بقراءة القرآن فيه، ولا بأس بقراءته في نفسه. وقال ابن قدامة في «المغني»: ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف، وبذلك قال عطاء، ومجاهد، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وعن أحمد أنه يكره. وروي ذلك عن عروة، والحسن، ومالك. ولنا: أن عائشة روت، أن النبي ﷺ كان يقول في طوافه: ﴿ربنا آتنا الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١]. وكان عمر وعبد الرحمن بن عوف يقولان ذلك في الطواف، وهو قرآنٌ، ولأن الطواف صلاة، ولا تكره القراءة في الصلاة. قال ابن المبارك: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن. ويستحب الدعاء في الطواف، والإكثار من ذكر الله تعالى؛ لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال، ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى. (ت)
(٢) في (خ، ب): موطنه. قلتُ: ادعاؤه الإجماع على منع الجنب من القراءة؛ غريب جدًّا، ولعلَّ المؤلف ﵀ قد بالغ في الاعتداد بالقول المشهور في المنع وهو مذهب الحنفية وبقية المذاهب الأربعة؛ حتَّى ظنَّه إجماعًا. والحق أن المسألة خلافية، فقد قال أبو جعفر الطحاوي الحنفي في «اختلاف العلماء» كما في مختصره للجصاص ١/ ١٧٢: لا تقرأ القرآن عند أصحابنا والثوري حائض ولا نفساء ولا جنب، وقال مالك: تقرأ النفساء والحائض ما شاءتا، وأما الجنب فلا يقرأ إلا الشيء الخفيف. وقال الأوزاعي: تقرأ الحائض القرآن إذا رحلت وإذا ركبت. وقال الليث: لا يقرأ الجنب إلا عند الفزعة يفزعها. وقال الشافعي: لا يمنع من قراءة القرآن إلا الجنب. وقال ابن قدامة في «المغني»: ولا يقرأ القرآنَ جنبٌ ولا حائض ولا نفساء، رويت الكراهية لذلك عن عمر وعلي والحسن والنخعي والزهري وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي. وقال الأوزاعي لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾ =
[ ٤٣٤ ]
يدي الرحمن؟! لا يأثم المؤمن على نفس الصلاة والقراءة، ويأثم لمخالفة الشرع؛ لأنه مأمور بترك القراءة والصلاة في تلك الحالة.
وكذلك الذكر جهرًا يكره فعله خلف الجنازة، وليس فيه أجر للذاكر ولا للميت.
وكذلك الصلاة على النبي ﷺ عبادة في موطنها، فلو صلى عليه في الأسواق كما يفعله بعض العوام، أو صلى عليه وقت الغلبة والازدحام، أو عند بيع الطعام؛ ويُجَلُّ أن يذكر في مثل هذه الأماكن عليه أفضل الصلاة والسلام. وكذلك ما يفعله بعض الجهال فيصلون على الأنبياء في وقت بيعهم، كقول هذا المفتون: الفول والصلاة على الرسول. فيأتي بها على القافية، فهؤلاء القوم قلوبهم بها مرض، ونسأل الله العفو والعافية، وينبغي تحذيرهم؛ فإن لم ينتهوا فتعزيرهم، ومن ذلك ما يفعل بعض العوام من الخزي والآثام عند بيع الطعام، بقوله: عدس الخليل، وعلى الخليل السلام (^١). ومثال هذا كثير، وهو ذكر وقراءة وصلاة على البشير النذير.
_________________
(١) = [الزخرف: ١٣] ﴿وقل رب أنزلني منزلا مباركًا﴾ [المؤمنون: ٢٩]. وقال ابن عباس يقرأ وِرْدَه. وقال سعيد بن المسيِّب: يقرأ القرآن، أليس هو في جوفه؟! وحكي عن مالك للحائض القراءة دون الجنب؛ لأن أيامها تطول، فإن منعناها من القراءة نسيت. أما النافلة في وقت النَّهي؛ فقد قال ابن قدامة في «المغني»: «لا أعلم خلافًا في المذهب أنه لا يجوز أن يبتدئ صلاة تطوع غير ذات سبب في أوقات النهي، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن المنذر: رخصت طائفة في الصلاة بعد العصر، روينا ذلك عن علي والزبير وابنه وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبي أيوب الأنصاري وعائشة، وفعله الأسود بن يزيد وعمر وابن ميمون ومسروق وشريح وعبد الله بن أبي الهذيل وأبو بردة وعبد الرحمن بن الأسود وابن البيلماني والأحنف بن قيس، وحكي عن أحمد أنه قال: لا نفعله ولا نعيب فاعله». فقول المؤلف: (يعاقبه الله تعالى بالإجماع) بعيد عن الصواب.
(٢) قال ابن الحاج في «المدخل» ٤/ ٢٤٦ في بدع زيارة قبر الخليل، وهو قبر مبتدع، إذ لا سند ولا أصل في تحديد موضعه: وليحذر مما يقوله بعضهم عن العدس الذي يفرقونه فيه: هذه ضيافة الخليل ﵊! فيفردونه بالذكر، فقد يوهم ذلك أن ضيافته ﵊ كانت بالعدس ليس إلا، وكانت ضيافته ﵇ بذبح البقر، وهذا لفظ ينبغي أن ينهي عنه قائله، وقد شاع هذا في غير ذلك الموضع =
[ ٤٣٥ ]
ثم اعلم بأن الناس في أول شهر رمضان أحوج إلى الخطبة والدعاء والتنبيه والتحريض على صيامه وقيامه من الخطبة في آخره، وله شبه في أصول الشرع: كخطبة العيدين في أول النهار، يعلم الناس فيها المناسك والضحايا، وما يعطوا على عملهم من الخيرات والعطايا، فلو فعل الخطبة في أول الشهر مع الحاجة إليها؛ لم يجز، ولا يجوز في آخر الشهر بطريق الأولى، وإن شاع هذا الأمر، وقلَّ إنكاره لا يدل ذلك على جوازه، إن لم يكن له أصل في الشرع، وكذلك إن كتمه لا يدل على منعه، فإن كان الخطيب صبيح الوجه، نقي البشرة، تصير البدعة بدعتين، والذي خلقه وقدره وحسنه وصوره؛ لأن النفس تلتذ بلمسه، وبنظره وبخلوته، وبما يقول. وقد نهينا عن ذلك كله، وصحَّ ذلك عن الرسول. والخطب والمواعظ جائزة؛ تذكرة للقلوب الواعية الحاضرة، وتنبيهًا للقلوب الغافلة النافرة، ويؤجر العبد على ذلك كله؛ إذا كانت خالصة لله تعالى، موافقة للسنة المباركة الطاهرة، ويخلص القائل قوله من الطمع، ومن تجديد الأحزان، ومن حضرة النساء في المقبرة، ونسأل الله حسن الخاتمة والحراسة من ذلك كله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وأن لا يشغل قلوبنا بشؤم نظرنا عما ينفعنا من أمور الآخرة.
ثم اعلم بأن إطلاق النظر هو سبب لعمى القلب، ولذلك نهانا الشرع عن ذلك، وقد رُويَ: أن النظر سهمٌ مسموم من سهام إبليس، وأنه يزرع في القلب الشهوة؛ وكفى بها فتنة (^١).
واعلم أيها الغافل أن السُّم قاتل، ويزرع في قلب الغافل شيئًا لا تحصده المناجل، وينكب فاعله في العاجل والآجل: أما في العاجل فعمى القلوب، وأما في الآجل فالبعد عن علام الغيوب، فيصير الإنسان لمخالفة الشرع بين يدي الله مهانًا ذليلًا. قال المولى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢].
_________________
(١) = من البلاد تسمعهم ينادون على العدس المطبوخ في الأسواق: عدس الخليل عدس الخليل! قال الله ﷿ في كتابه العزيز ﴿فجاء بعجل سمين﴾ [الذاريات: ٢٦]، وإذا فعل ذلك في حق نفسه فيتعين عليه أن ينصح إخوانه المسلمين ممن يعلم أنه يقبل منه نصيحته، وإلا فليعتزلهم، وإلا فعليه بخاصة نفسه.
(٢) يشير إلى الحديث الآتي قريبًا بلفظ: «النظر سهم مسموم» وهو ضعيف جدًّا.
[ ٤٣٦ ]
قال الجنيد لفقيرٍ: اصرف همتك إلى الله تعالى، وإياك أن تنظر بالعين التي بها تشاهد الله إلى غير الله؛ فتسقط من عين الله تعالى (^١).
هجم العيد على بعض المحبين فأنشد:
الناس بالعيد قد سروا وقد فرحوا … وما سررت به والواحد الصمد
لما تخوفت أني لا أعاينكم … غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد (^٢)
فمن ترك النظر إلى المحرمات أحبه الله تعالى، ورزقه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه، ويورثه حكمة على لسانه يهدى بها سامعيه، قاله العلماء، ومن جملتهم الإمام مجاهد. فاهجر أيها المؤمن! ما فيه عمى قلبك، وفي الله جاهد. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله، والمجاهد من جاهد هواه» (^٣)، فمن جاهد هواه جعل الله تعالى الجنة مأواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. قال العلماء: تفسيرُه أن الرجل يكون في القوم، إن رأى منهم غفلة نظر إلى الحرام، فإن خاف أن يفطنوا له غضَّ بصره، وقد علم الله تعالى ما في قلبه، وأنه ما ترك النظر إلا حياءً منهم، لا حياءً من الله تعالى (^٤). فقد ثبت أن هذا العبد عند الله تعالى من الخائنين؛ وخزائن
_________________
(١) أورده ابن الجوزي في «ذم الهوى» ٨٥.
(٢) أورده ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٢/ ٣٩٢) والبيت لأبي بكر الشبلي.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قال: الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، وإذا غفلوا لحظ إليها، وإذا نظروا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ودَّ أنه ينظر إلى عورتها. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» وابن أبي حاتم والطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ قال: نظرت إليها لتريد الخيانة أم لا؟ ﴿وما تخفي الصدور﴾ قال: إذا قدرت عليها أتزني بها =
[ ٤٣٧ ]
الملك لا يطلع عليها إلا أمين. وإياك أن يغرك الشيطان بقوله: هو ذنب صغير، فتداوم عليه (فيصبح بالمداومة وهو كبير) (^١).
وقد جاء في الحديث: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (^٢)، وقال: «النظر سهم مسموم» (^٣).
فاحذر أيها المحروم؛ لأن قليل السم قاتل، ويورث الناظر العمى في القلب في العاجل والآجل، ألا ترى أن الإنسان يتهاون في إطفاء شرارة فتحرق بيته.
نظر بعض الصوفية إلى غلام فافتتن به، وكاد يذهب عقله صبابة، وكان يقف كل يوم على طريقه لكي يراه إذا أقبل وإذا انصرف، فطال عليه البلاء، وأقعده عن الحركة، فكان لا يقدر يمشي خطوة، فأتاه صوفي يعرف بأبي حمزة يعوده فقال له: يا أبا محمد ما قضيتك؟ وما هذا الأمر الذي بلغ بك؟ فقال: أمور امتحنني الله بها فلم أصبر على البلاء فيها، ولم يكن لي بها طاقة، فرُبَّ ذنب استصغره الإنسان وهو
_________________
(١) =أم لا؟ ألا أخبركم: ﴿والله يقضي بالحق﴾ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في «العظمة» عن قتادة ﵁: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ قال: يعلم همزه وإضمامه بعينيه فيما لا يحب الله تعالى. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﵁: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ قال: نظر العين إلى ما نهى عنه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﵁: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ قال: كان الرجل يدخل على القوم في البيت، وفي البيت امرأة، فيرفع رأسه فيلحظ إليها ثم ينكس.
(٢) في (خ): فيصير بالمداومة كثيرًا.
(٣) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٨٥٣)، وابن أبي الدنيا في «التوبة» (١٧٣)، والطبراني في «الدعاء» (١٧٩٧) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا. وفي إسناده أبو شيبة الخراساني: نكرة لا يُعرف، قال الذهبيُّ في «الميزان»: أتى بخبر منكرٍ. انظر: «سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني (٤٤٧٥) و(٤٨١٠).
(٤) سبق تخريجه، وهو ضعيف جدًّا.
[ ٤٣٨ ]
أعظم عند الله من تنِّينٍ (^١). فحقيقٌ على من تعرَّض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام. ثم بكى، قلت: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطول في النار شقائي. فانصرفت عنه، وأنا راحم له مما رأيت من سوء الحال (^٢).
فاحذر يا أخي، وفقنا الله وإيَّاك من شرِّ النظر، فكم أهلك من عابد، وفسخ عزم زاهد، وعلاجه في ابتدائه قريب، فإذا تمكن صَعُب، ثم اعلم بأن النظرة الأولى لك والثانية عليك، إذا لم تتعمد الأولى وإلا فالكل عليك، والنظر أوله أسفٌ، وآخره تلَفٌ، وأول المحبة نظرة، والثانية فساد للدين وحسرة.
نظر بعض الصالحين في الطواف إلى مُحرمٍ (^٣)، وإذا بلطمة أعمت عينه التي نظرت، وسمع قائلًا يقول: نظرة بلطمة، وإن زدت زدناك (^٤).
فإن قال قائل: ها أنا قد نظرت إلى المحرمات فلا عميت ولا رمدت.
جوابه: يكفيك أيها المغرور! عماء قلبك، وبعدك عن الله تعالى؛ إذ شغلت بمخلوق عن الخالق، يخولك في نعمته، وأنت تتمرد عليه
_________________
(١) كذا في النسخ، والتنين: حَيَوَان أسطوريٌ، يجمع بَين الزواحف وَالطير، وَيُقَال: لَهُ مخالب أَسد وَأَجْنِحَة نسر وذنب أَفْعَى، كذا في «المعجم الوسيط»، وفي «تلبيس إبليس»: (وهو عند الله أعظم من كبير)، وفي «ذم الهوى»: «… من ثبير»، وثَبِيرٌ: جبل بمكة.
(٢) أخرج هذه القصة ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» ٢٤١، وفي «ذم الهوى» ١١٩، بإسناده عَنْ أبي حمزة الصوفي قال: كان عَبْد الله بن مُوسَى من رؤساء الصوفية ووجوههم، فنظر إلى غلام حسن في بعض الأسواق فبلي به، … فذكرها.
(٣) يمكن أن تقرأ: (مُحْرِمٍ)، أو: (مُحَرَّمٍ).
(٤) قال عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري (ت: ٨٩٤ هـ) ﵀ في «نزهة المجالس ومنتخب النفائس» ١/ ١٤٢: حكاية: قال بعض الصالحين: رأيت رجلًا في الطواف، وهو يقول: اللهم إني أعوذ بك من سهم غائر. فسألته عن ذلك فقال: كنت طائفًا فنظرت بعيني الواحدة إلى غلام حسن الوجه، فأصابني سهم من الهواء، فأخرجته من عيني، فرأيت عليه مكتوبًا: نظرت إلى الحرام بعينك الواحدة للعبرة، فرميناك بسهم الأدب، ولو نظرت بعين الهوى لرميناك بسهم القطيعة على قلبك، حتى ينكر معرفتنا. والغائر: هو الذي لا يعلم راميه.
[ ٤٣٩ ]
بمعصيته، فربما يكون ذلك استدراجًا. قال المولى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. واسمع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وهذا وعيد، وفيه تخويف وتهديد، وإذا أحب الله تعالى عبدًا عجَّل عقوبته في الدنيا، وعفا عنه في الآخرة، وبعكس ذلك إذا أبغضه، ويكفيك في هذا الباب ما جرى لفرعون لعنه الله؛ أنه عاش أربع مئة سنة لم يختلج له عرق، ولم يضرب له ضرس، ولم ترمد له عين، وكان أبغض الخلق إلى الله تعالى، وبرز منه شيء لم يبرز من إبليس لعنهما الله جميعًا؛ لأن إبليس تكبر على آدم، وفرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. فعند ذلك أخذه المولى، واسمع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
نظر عَمرُو بن مُرَّةٍ إلى امرأة فأعجبته، فكُفَّ بصره فقال: أرجو أن تكون كفارة لي (^١).
والحقُّ يغار على من يحبه أن ينظر إلى غيره، ومن أبغضه رماه للكائنات.
مسألة: رجل مسَّ أمرد بشهوة.
للفقهاء في المسألة قولان:
أحدهما: كمس النساء بشهوة ينقض الوضوء. ذكره القاضي أبو يعلى
_________________
(١) أخرجه أبو نُعيم في «الحلية» ٥/ ٩٥ عن عمرو بن مرة قال: نظرت إلى امرأة فأعجبتني، فكف بصري، فأرجو أن يكون ذلك كفارة. ووقع في نسخ كتابنا: (عمر بن مرو)، وصوابه: (عمرو) وهو عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث الجملي المرادي، أبو عبد الله وقيل: أبو عبد الرحمن، الكوفي الأعمى، ثقة عابد، أحد الأعلام، من صغار التابعين، توفي سنة (١١٨) وقيل قبلها، رحمه الله تعالى.
[ ٤٤٠ ]
في شرح مذهب مالك (^١)، وينقض أيضًا في مذهب أحمد بن حنبل (^٢) ومن تابعهما.
والقول الآخر: لا ينقض، وهو مذهب أبي حنيفة (^٣) والشافعي (^٤).
وأجمعوا أن الإنسان يأثم إذا التذَّ بلمسه ونظره.
وإذا كان الأمردُ الحسنُ الوجه صالحًا، قال بعض العلماء: لا بأس بمصافحته بغير شهوة، وكذلك النظر إليه. وعند بعضهم: لا يصافحه ولا ينظر إليه، ولا يخلو به، وسواء كان النظر والمصافحة بشهوة أو بغير شهوة خوفًا من الفتنة واقتداءً بالسنة.
واختار بعض العلماء أن لا يسمع الإنسان قراءته للقرآن.
وقد كان السلف الصالح إذا مرَّ أحدهم بغلامٍ حسن الوجه يفرُّ منه كفراره من الأسد؛ خوفًا على نفسه من الفتنة، فلا تتعرض أيها الغافل لهذه المحنة.
سألت جارية بشر الحافي عن باب حربٍ (^٥) فأجابها، وكانت ذات منصب وجمال، ثم جاء بعدها غلام حسن الوجه فسأله، فأطرق بشر، فرد (^٦) الغلام السؤال، فغمض الشيخ عينيه، فقال الفقراء للشاب: الباب بين
_________________
(١) انظر «الشرح الكبير» للدردير ١/ ١٢٠.
(٢) المشهور من مذهب أحمد أن لمس الأمرد لا ينقض الوضوء ولو بشهوة. انظر: «الشرح الكبير» لابن قدامة ١/ ١٨٨، و«الروض المربع شرح زاد المستنقع» للبهوتي ١/ ٣٤.
(٣) انظر «الفتاوى الهندية» ١/ ١٣.
(٤) انظر «الحاوي الكبير في فقه الشافعي» للماوردي ١/ ١٨٨.
(٥) باب حرب موضع في بغداد، عند «الحربية» وهي محلة كبيرة مشهورة، وكان بقرب الباب مقبرة مشهورة دفن فيها بشر الحافي وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهذه النسبة إلى حرب بن عبد الله البلخي، ويعرف بالراوندي، أحد قوَّاد أبي جعفر المنصور، وكان يتولى شرطة بغداد، وقتلت الترك حربًا في أيام المنصور سنة (١٤٧) ﵀. انظر «معجم البلدان» لياقوت (مادة: حرب).
(٦) كذا، وفي «سلوة الأحزان»: «ردَّدَ».
[ ٤٤١ ]
يديك. فلما غاب الشاب فتح الشيخ عينيه، فقال الفقراء: سألت المرأة فأجبتها، والغلام فلم تجبه؟! فروى الشيخ عن سفيان الثوري أنه قال: إذا أقبلت المرأة أقبل معها شيطان، وإذا أقبل الأمرد أقبل معه شيطانان. فخفت على نفسي من شياطينه (^١).
فانظر يا أخي! إلى فعل هذا السيد مع قوة إيمانه، ونحن ننظر إلى الحرام في كل وقت وأوان، وذلك يدل على قلة الدين وضعف الإيمان. ونسأل الله التوبة والإعانة، ونعوذ به من القطيعة والخذلان.
قال الجنيد: دخل رجل على الإمام أحمد بن حنبل، وكان الداخل من رؤساء الناس ومعه ابنه، وهو حسن المنظر، فقال أحمد: لا تأتِ به معك مرةً أخرى. أي الصبي (^٢).
هكذا رأينا أشياخنا، وبه أخبرونا عن أسلافهم.
وقال أسامة: كنا نقرأ على شيخ فبقي عنده غلام يقرأ عليه، فأردت القيام، فأخذ بيدي فقال: اصبر حتى يقرأ هذا الغلام. فكره أن يخلو به (^٣).
وكان أبو حنيفة يُجلس محمد بن الحسن خلفه ثم يعلمه خوفًا من الفتنة، واتباعًا للسنة؛ فقد ورد أن النبي ﷺ أقام أمرد من بين يديه وأجلسه خلفه، فقال عمر: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «أما تخشى الفتنة يا عمر؟!» (^٤).
_________________
(١) يرد هذا الخبر في «سلوة الأحزان للاجتناب عن مجالسة الأحداث والنسوان»، وقد اختلف في نسبته، والظاهر أنه لمحمد بن حميد المشتولي المتوفي بعد: (١١٦٧ هـ) ﵀.
(٢) هو في «سلوة الأحزان» بعد الخبر السابق مباشرة.
(٣) كلام أسامة ولم أعرفه في «سلوة الأحزان» أيضًا في نفس السياق.
(٤) ذكره أيضًا في «سلوة الأحزان» بعد قول أسامة دون قوله: «فقال عمر …». وقال ابن القطان الفاسي في أحكام النظر ١١٩: روى ابن شاهين بإسناد مجهول إلى أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ، وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة؛ فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره، وقال: «كانت خطيئة داود النظر». قال ابن القطان: مَنْ دون أبي أسامة مجهول، ومجالد ضعيف، وهو مع ذلك مرسل. وقال ابن حجر في «التلخيص» ٣/ ٣١٥: إسناده واهٍ.
[ ٤٤٢ ]
اسمع أيها الناظر المحروم قول السيد المعصوم، فترى بعض المبتدعين يؤاخي الأمرد ويصافحه، ويخلو به لأجل ما حصل بينهما من الصحبة والأخوة، فيتمرد على الله سبحانه بفعله وقوله، ويخرج عن طريق النبوة فيقول: ما أنا ممن يُغيِّره هذا، فيدعي العصمة، وهي ضمير الكفر، ويقع في العناء بقوله: أنا.
ومن السنة أن لا يُمكِّن المؤمن ولده إذا كان له حسن ظاهر من التبرج، والخروج إلى الأمكنة التي يخاف منها الفتنة إن كان يؤمن الأب بالله واليوم الآخر؛ لئلا يتخلق بأخلاق الشيطان، ولكي لا يعبث به الرجل الفاجر، وكذلك الأزمنة كالمواسم والأعياد، إلا لحاجة ضرورية خوفًا من الفتنة والفساد، ولكي لا تشغل به قلوب العباد، ولا يُمكَّن من الاختلاط بالرجال، ولا يدخل مع الفسقة الحمام، ولا يجلس في الأزقة مع أهل العربدة العوام، ولكن يعلمه ما ينفعه من أمر أخراه، ويجتمع بمن صدقت محبته في سيده ومولاه؛ لأنه يستحي من سيده أن يرتكب ما عنه نهاه، أو ينظر إلى شيء سواه. ويقال: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، فينشأ الولد مباركًا متبعًا للأثر، ومن لم يؤدبه فقد خالف الآية والخبر.
قال شيخنا ﵀ لمريدٍ له: أنت تختلط بهؤلاء المماليك السلطانية ولهم حسن ظاهر؟! قال: يا سيدي، أنا مشغول عنهم بمن حسَّنهم؛ فعينٌ نظرت إلى ما حرم الله سبحانه عليها العمى أولى بها.
نظر بعض الصالحين إلى محرَّم فدعا الله تعالى بكف بصره؛ فعمي، فكان ولده يقوده (لكي يصلي) (^١) مع الجماعة في مسجد النبي ﷺ، فصلى
_________________
(١) في (ق): ليصلي.
[ ٤٤٣ ]
مرةً وشُغل عنه ولدُه باللعب، وأخذ الرجلَ بطنُه فخاف الفضيحةَ، فسأل الله تعالى بردِّ بصره؛ فأبصر، قال مالك بن أنس: رأيته بصيرًا ثم أعمى ثم بصيرًا (^١).
والولي ليس بمعصوم، والمعصية لا تسقط ولايته؛ (^٢) (لأنه لم يتعمدها، وليست بباله، فإذا رماه فيها الشيطان أخذ بيده الرحمن؛ لأجل رجوعه بالتوبة والندم والاستغفار، وحلَّ من قلبه عقدة الإصرار.
قال رب العالمين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦].
وقال ﷺ: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (^٣).
وفي حديثٍ آخر: «ما أصرَّ (^٤) من استغفر، ولو عاد في اليوم مئة
_________________
(١) أخرج ابن الجوزي في «المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم» ٨/ ١٦٤، في ترجمة: (يونس بن يوسف أبو عمر بن حماس، وقيل: يوسف) وكان عابدًا مجتهدًا يصوم الدهرَ ويقوم الليل، وكان مستجاب الدعوة، توفي سنة (١٥٢ هـ) ﵀ بإسناده عن أبي ضمرة عاصم بن أبي بكر الزهري، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: كان يونس بن يوسف من العباد أو قال: من خيار الناس فأقبل ذات يوم، وهو رائح من المسجد، فلقيَتْه امرأةٌ، فوقع في نفسه منها، فقال: الَّلهم إنك جعلت لي بصري نعمةً وقد خشيتُ أن تكون عليَّ نقمة فأقبضه إليك. قال: فعمي، وكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له، فإذا استقبل به الأسطوانة اشتغل الصبيُّ يلعب مع الصبيان، فإن أتته حاجة حصبه فأقبل إليه، فبينا هو ذات ضحوةٍ في المسجد إذ حس في بطنه بشيء فحصب الصبيَّ، فاشتغل عنه مع الصبيان، حتى خاف الشيخ على نفسه، فقال: اللَّهم إنك كنت جعلت لي بصري نعمة وخشيت أن يكون نقمة فسألتك فقبضته إليك، وقد خشيت الفضيحة فردَّه عليَّ. فانصرف إلى منزله صحيحًا يمشي. قال مالك: فرأيته أعمى، ورأيته صحيحًا.
(٢) من هنا بداية سقوط ورقة من (ق).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ط): ضر.
[ ٤٤٤ ]
مرة» (^١). وقال ﷺ: «الندم توبة» (^٢).
فإذا خرج من القلب الإصرار، ودخل فيه الندم والتوبة والاستغفار؛ ذهبت الذنوب والأوزار.
فانظر إلى بركة التوبة والاستغفار! أما التوبة فإنها تجبُّ ما قبلها؛ لقوله ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (^٣).
والاستغفار هو من صفات الأبرار، قال الله تعالى: ﴿… وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
فقد تبين لك بركة التوبة والاستغفار، وما فيهما من الخيرات، وتكفير السيئات، وقد وصى الحق سبحانه نبيه ﷺ بذلك، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
_________________
(١) أخرجه أبو داود في «سننه» (١٥١٤)، والترمذي في «جامعه» (٣٥٥٩) من حديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أَصَرَّ من استغفر، ولو عاد في اليومِ سبعين مرة». وقال الترمذي: حديث غريب وليس إسناده بالقوي. وخرَّجه الألباني في «الضعيفة» (٤٤٧٤).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٤٢٢ (٤٠١٢)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٣/ ٣٧٣، وابن ماجه في «سننه» (٤٢٥٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣١٤٥): حسن لغيره.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٤٤٥ ]
فمن عمل بهذه الوصية حشره الله تعالى مع خير البرية، وغفر له كل خطية، وقال ﷺ: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (^١)، رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» (^٢).
وقال ﷺ: «طُوبى لمن وُجِدَ في صحيفته استغفارٌ كثيرٌ» (^٣).
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غفرت ذنوبه وإن كان فرَّ من الزحف» (^٤)، صححه الحاكم.
_________________
(١) أخرجه أحمد بن حنبل في «مسنده» ٢/ ٣٤١ (٨٤٩٣)، والبخاري في «صحيحه» (٦٣٠٧)، وابن ماجه في «سننه» (٣٨١٦)، والترمذي في «جامعه» (٣٢٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٦٢١)، ومسلم في «صحيحه» (٢٧٠٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٤٤٥) من حديث الأغرِ بن يسار المزني ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «توبوا إلى ربِّكم، فوالله إنِّي لأتوب إلى ربِّي ﷿ في اليوم مئة مرَّة».
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٠٠٥٦)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢١ (٤٧٢٦)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٧٨٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦١٨)، وابن ماجه في «سننه» (٣٨١٤)، وأبو داود في «سننه» (١٥١٦)، والترمذي في «سننه» (٣٤٣٤)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٢٩٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٩٢٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٣) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٣٨١٨)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٤٥٥) من حديث عبد الله بن بسر ﵁. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه»: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (١٦١٨): صحيح.
(٤) أخرجه أبو داود في «سننه» (١٥١٧)، والترمذي في «سننه» (٣٥٧٧) من حديث بلال بن يسار بن زيد، عن أبيه، عن جده: زيدٍ، أبي يسارٍ، مولى النبيِّ ﷺ ورضي عنه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (١٦٢٢): صحيح لغيره. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٦٩٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وقال: صحيح على شرط الشيخين.
[ ٤٤٦ ]
وكان ﷺ يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا (^١).
وجاء في الحديث أيضًا: «إذا قال العبد: يا رب. ثلاثًا؛ يقول الله تعالى: لبيك عبدي. فيعجِّلُ من ذلك ما يشاءُ ويؤخِّرُ ما يشاء» (^٢).
وقال ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى؛ فيغفر لهم» (^٣).
وهذا الحديث وما يقاربه ليس هو مذكور لكي يتجرأ العبد على المعصية، فقد كادت المعصية أن تكون كفرًا؛ لما جاء في الحديث: إن المعاصي تزيد الكفر، وتنقص الإيمان، وتبعد العبد عن رحمة الملك الديان.
والمراد من الحديث أن العبد لا ييأس من رحمة الله تعالى؛ وإن كثرت ذنوبه، فيستغفر الله تعالى منها فيغفرها، وإن كثرت؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
وقال ﷺ: «رُبَّ ذنبٍ أدخلَ صاحبَه الجنةَ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٩٤ (٣٧٤٤)، وأبو داود في «سننه» (١٥٢٤)، و«النَّسائي» في «الكبرى» (١٠٢٩١)، و«عمل اليوم والليلة» (٤٥٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٢٨١): ضعيف.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الديلمي في «الفردوس» (٦٢٢٣)، والواحدي في «الوسيط» ١/ ٢٨٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٢٧١). وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٠٩ (٨٠٨٢). ومسلم في «صحيحه» (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) هذا ليس بحديثٍ، ولكنه مما فهمه السلف من دلائل النصوص وأحوال العباد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والذنوب تنقص الإيمان، فإذا تاب العبد أحبه الله، وقد ترتفع درجته بالتوبة. قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة خيرًا منه=
[ ٤٤٧ ]
فترى الشيطان يزين للإنسان المعاصي، فيوقعه (^١) في الذنوب والأوزار، فيأخذ الله بيده إذا رجع بالتوبة والاستغفار، فلا يزال نادمًا مستغفرًا حتى يدخل الجنة، فيقول الشيطان: لو علمت أن هذا الذنب يكون سبب دخول هذا الجنة ما أوقعته فيه. ألا ترى كيف ورَّث آدمَ الذنبُ النبوةَ
_________________
(١) = قبل الخطيئة. فمن قُضي له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة. وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه، ويعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله، ويتوب إليه منها، وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «الأعمال بالخواتيم». (مجموع الفتاوى: ١٠/ ٤٥) وقال ابن القيم في «مدارج السالكين» ١/ ٣٠٧: «إن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات، وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار! قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى ذكر ذنبه، فيحدث له انكسارًا، وتوبة، واستغفارًا، وندمًا، فيكون ذلك سبب نجاته، ويعمل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، كلما ذكرها أورثته عُجُبًا وكبرًا ومنة، فتكون سبب هلاكه، فيكون الذنب موجبًا لترتب طاعات وحسنات، ومعاملات قلبية، من خوف الله والحياء منه، والإطراق بين يديه منكسًا رأسه خجلًا، باكيًا نادمًا، مستقيلًا ربه، وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولةً، وكبرًا، وازدراءً بالناس، ورؤيتهم بعين الاحتقار، ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله، وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجَب بطاعته، الصائل بها، المانِّ بها، وبحاله على الله ﷿ وعباده، وإن قال بلسانه خلاف ذلك، فالله شهيد على ما في قلبه، ويكاد يعادي الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه، ويخضعوا له، ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك، ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأي فيها ذلك كامنًا، ولهذا تراه عاتبًا على من لم يعظمه ويعرف له حقه، متطلبًا لعيبه في قالب حمية لله، وغضب له، وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه، ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا فتح له باب المعاذير والرجاء، وأغمض عنه عينه وسمعه، وكف لسانه وقلبه، وقال: باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود! وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفَّر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه. فإذا أراد الله بهذا العبد خيرًا ألقاه في ذنب يكسره به، ويعرفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج به منه داء العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده، فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة، ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال».
(٢) في (خ): فيرفعه.
[ ٤٤٨ ]
والخلافة لندمه ولإقلاعه، ولعلم الله سبحانه أنه لم يرد بذلك خلافه.
وأمَّا مَنْ ندم على الماضي ولم يصلح المستقبل، ويستغفر بلسانه وقلبه، ومصرٌ على عصيانه، فهذا كالمستهزئ بربه، والخلل في إيمانه.
وهذا كما قال الحسن البصري ﵁:) (^١) استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير. أو كما قال الفضيل رحمة الله عليه: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين.
وكان بعض العرب يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: اللهم إن استغفاري مع إصراري لُؤم، وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجزٌ، فكم تتحبَّب إليَّ بالنعم مع غناك عنِّي، وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك. يا من إذا وعد وفَّى، وإذا توعَّد (^٢) تجاوز وعفا؛ أدخل عظيمَ جُرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين.
فمن علامة التوبة أن يكون العبد تائبًا مستغفرًا بلسانه، مقلعًا عن الذنوب بقلبه، ويقضي الفرائض، ويرد المظالم، ويذيق نفسه مرارة الطاعة كما أذاقها حلاوة المعصية، والبكاء عوض الضحك، وتغيير الحال في المأكل والملبس والمنام وأن تضيق عليه الأرض ونفسه، كما جرى لأصحاب النبي ﷺ وهم الثلاثة الذين خُلفوا في غزوة تبوك (^٣).
_________________
(١) إلى هنا نهاية سقوط ورقة من (ق).
(٢) في (خ، ق): تواعد.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٥٦ (١٥٧٨٩)، والبخاري في «صحيحه» (٢٧٥٧) ومسلم في «صحيحه» (٢٧٦٩)، وأبو داود في «سننه» (٢٢٠٢)، والنَّسائي في «الكبرى» (١١٢٣٢) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك؛ أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِى قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غيرها قط إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يُعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، ما أحب أن لي بها مشهد بدر =
[ ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك لأني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزاة يغزوها إلا رَوَّى بغيره، حتى كانت تلك الغزاة فغزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجلا للمسلمين أمره ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان- فقال كعب: فقلَّ رجلٌ يريد يتغيَّب إلا ظنَّ أنَّ ذلك سيخفَي له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصعر، فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فارجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا. فقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا من جهازي، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو؛ فهمَّمت أنْ أرتحل فأدركهم - وليت أني فعلت - ثم لم يُقدَّر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ، فطفت فيهم يحزنني أن لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق أو رجلًا ممن عذره الله، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال: وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلًا من تبوك، حضرني بثي فطفقت أتفكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا، وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل أن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه وصبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس؛ فلمَّا فعل ذلك جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلَا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله ﵎، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: «تعال». فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلَّفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟!» قال: فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر؛ لقد أعطيت جدلًا، ولكنه =
[ ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله تعالى يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد علي فيه أني لأرجو قرة عيني عفوًا من الله ﵎، والله ما كان لي عُذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله ﷺ: «أمَّا هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك». فقمت وبادرت رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون؛ لقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذِّب نفسي. قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: فقلت لهم: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. قال فمضيت حين ذكروهما لي. قال ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه؛ فاجتنبنا الناس، قال: وتغيروا لنا حتى تنكرت لي من نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكنا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد، وأتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه فأقول في نفسي حرك شفتيه برد السلام أم لا، ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين؛ مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلى فسلمت عليه، فو الله ماردَّ علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدت فنشدته؛ فسكت، فعدت فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاء فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء. قال: فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت =
[ ٤٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ، فقالت له: يا رسول الله إن هلالًا شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربنك». قالت: فإنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو أستأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: والله لا استأذن فيها رسول الله ﷺ، وما أدري ما يقول رسول الله ﷺ إذا أستأذنته وأنا رجل شاب. قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال كمال خمسين ليلة حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله ﵎ منا قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخًا أوفي على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله ﵎ علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَلَ صاحبيَّ يبشرون، وركض إلى رجل فرسًا، وسعى ساع من أسلم وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمَّمُ رسول الله ﷺ يلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك». قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا بل من عند الله». قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه. قال: فلما جلست بين يديه، قال: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله. قال رسول الله ﷺ: «أمسك بعض مالك فهو خير لك». قال: فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال فقلت: يا رسول الله، إنما الله تعالى نجاني بالصدق؛ وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث مُذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله ﵎، والله ما تعمدت كذبة مذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني فيما بقي. قال: وأنزل الله ﵎: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ =
[ ٤٥٢ ]
ولقد طلب بعض الصحابة الموت، وبعض الناس دعا على نفسه بالعمى خوفًا وحياءً من رب السماء.
روي في «الصحيح»: أن رجلًا وامرأةً شهدا على أنفسهما بالزِّنى عند النبي ﷺ فرُجما وماتا إلى رحمة الله تعالى (^١). وهذه صفات المشتاقين، قال المولى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]. من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.
ثم اعلم بأن الكافر لا يتمنى الموت لأجل كفره، ولقد قال ﷺ لليهود: «أنتم تزعمون أنكم أبناء الله وأحباؤه فتمنوا الموت إن كنتم صادقين». ثم قال: «والذي نفسي بيده لن يتمناه أحد منكم إلا غصَّ بريقه» (^٢) فلم يتمنَّه أحدٌ منهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ
_________________
(١) =رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة ١١٧ - ١١٩] قال كعب: فوالله ما أنعم الله ﵎ علي من نعمة قط بعد أن هداني أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذ أن لا أكون كذبته؛ فأهلك كما هلك الذين كذبوه حين كذبوه، فإن الله ﵎ قال للذين كذبوه حين كذبوه شرَّ ما يقال لأحد، فقال الله تعالى ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة ٩٥ - ٩٦] قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم، فأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله تعالى، فبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو؛ وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٦٩٥)، وأبو داود في «سننه» (٤٤٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٧١٨٦) عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.
(٣) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٢٧٤ من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا. وقال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ١/ ٦٩٢: إسناده ضعيف. وأخرجه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٣٦٣ عن ابن عباس موقوفًا. وأخرج أبو يعلى في «المسند» (٢٦٠٤) من طريق عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا =
[ ٤٥٣ ]
أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]. وكذلك العاصي لا يحب الموت؛ لسوء ما قدَّم، ولولا الخوف من قلة الأدب لصرح بطلب الموت أولوا الألباب.
قال بعض العلماء: لا بأس بطلب الموت خوفًا من الوقوع في المعاصي.
قيل لبعض الصالحات: ما تشتهين؟ قالت: الموت. فقيل لها: ولم؟ قالت: والله إني أخاف كلما أصبح أن أجني على نفسي جنايةً يكون فيها عطبي أمام الآخرة.
ولا يتمنى الموت أحدٌ من أهل الطاعة فيخرج عن سنة صاحب المعجزات والشفاعة؛ لأن بفروغ (^١) الأجل ينقطع العمل، وما أحب الصالحون طول الأعمار إلا لكثرة قيام الليل وصيام النهار، والتلذذ بالطاعة والأذكار، والتردد لصلاة الجماعة وللزيارة لتلك الديار. قال قائلهم:
علي لربع العامرية وقفة … لتملي عليَّ الشوق والدمع كاتب
ومن عادتي حب الديار وأهلها (^٢) … وللناس فيما يعشقون مذاهب
وقال بعضهم:
مضت لنا بمنى والخيف أوقات … وطيب عيش قطعناه ولذات
لأسلكن ولو أن الأسود بها … قوافل ورماح الخط غابات
_________________
(١) = عبيد الله، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدً يصلي عند الكعبة لأتيته حتى أطأ على عنقه. قال: فقال رسول الله ﷺ: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا. ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا». قال الألباني في «الصحيحة» (٣٢٩٦): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وتابعه معمر عن عبيد الله به مختصرًا جدًا، ليس عنده إلا قوله: «لو فعل؛ لأخذته الملائكة عيانًا». أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ٥٢ و٢/ ٣٣٤، ومن طريقه البخاري (٤٩٥٨).
(٢) في (ق): بفراغ.
(٣) في (خ): لأهلها.
[ ٤٥٤ ]
أين هؤلاء من قوم يجهرون بالمعاصي، ولا يستحيون ممن بيده جميع النواصي؟ حتى إنَّ بعض المخذولين يفتخر بها، فيقول أحدهم لخليله: لست مثلي أنا في قعدة أشرب جرة، أو أزني كذا كذا مرة. وهذه المصائب ظلمات بعضها فوق بعض، ويخاف عليهم من سوء الخاتمة، وهو أشد ما يكون من العقوبة، وأهون من ذلك: موت القلب، ومحو لذة مناجاة الرحمن، والحرص على الذنوب، ونسيان القرآن.
وقف أبو عبد الله بن الجلاء ينظر إلى [غلام] نصرانيِّ حسن الوجه، فمرَّ به أبو عبد الله البلخي وقال له: ما أوجب وقوفك هنا؟ قال: يا عم، أما ترى هذه الصورة الحسنة كيف تعذب بالنار؟ فضربه الشيخ بين كتفيه وقال: لتجدنَّ غبَّها ولو بعد حين. قال: فوجدت غبها بعد أربعين سنة، وذلك أني نسيت القرآن (^١).
وقد افتتن بالمرد جماعة؛ لأن الشيطان يدخل على العبد من حيث يمكنه؛ لأنه لا يأتي للعابد يزين له الزنا أولًا، وإنما يحسن له النظر، والعالم والعابد قد أغلقا عنهما (^٢) باب النظر إلى النساء لقلة المخالطة، والصبي مخالط لهما، والآدمي يعجبه النظر إلى الأمرد الحسن أكثر من النظر إلى المرأة، وسببه لأن المادة التي خُلق منها أقوى من مادة النساء.
وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف
_________________
(١) أخرجه ابن الجوزي في «ذم الهوى» ١٢٧ بإسناده إلى محمد بن الحسين بن الجلندي المقرئ قال: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول، فذكر الخبر والزيادة منه. وأخرجه من هذا الوجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٦/ ٨٤، في ترجمة: (أحمد بن يحيى أبو عبد الله بن الجلاء) وقال: أحد مشايخ الصوفية الكبار، توفي سنة (٣٠٦) ﵀. وله ترجمة في «تاريخ بغداد» ٥/ ٢١٣. وأبو عبد الله البلخي هو محمد بن الفضل بن العباس الزاهد، الحَبرُ الواعظ، توفي سنة (٣١٩) ﵀، مترجم في «سير أعلام النبلاء» ١٤/ (٢٩٨).
(٢) في (خ): عليهما.
[ ٤٥٥ ]
يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث. نعوذ بالله من ذلك كله. وقد ذمَّ الله تعالى اللوطي ولعنه، ومع ذلك كله ترى العبد المخذول ينظر؛ فيُلعن، ويخرج عن طريق الرسول؛ وذلك لقوة المادة التي خلقوا منها، وهي أنموذج ما في الجنة.
فإن قيل: ما فائدة تحسين هذه الصورة ثم نهى عن النظر إليها؟
ذكرت ذلك مبينًا في باب التكبر تحت هذا الباب، ولا فائدة في إعادته. وقد حسن الله تعالى المحسنات وابتلاك بها، ليعلم صبرك، وهل تحبُّها أو تحبُّه، ومنن الله تعالى موجودة، لكن منع الإنسان من الشهود تعظيمه لنفسه، واشتغاله بهذا الوجود، وعدم وقوفه على الحدود. فمن محا نفسه أثبته الله، ومن غض بصره فتح الله بصِيرته، ومن ذلَّ لعظمة الله أعزَّه الله.
رأى بعض الصالحين ربه في منامه فقال: يا رب، بم يتقرب المتقرِّبون إليك؟ قال: بشيء ليس هو عندي وهو الذلُّ.
قال بعضهم شعرًا يناسب هذا:
إذا رمت عز الوصل ذُلَّ لمن تهوى … فكم عزة قد نالها المرء بالذل
إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكن … ذليلًا له فاقر السلام على الوصل
فطلب العلو في الدنيا والرئاسة هو من قلة الدين، وكثرة الخساسة؛ لأن من طلب أن يكون رأسًا (^١)
ألقى نفسه للعطب، ويكفيك من الأدلة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. قيل لبعض الصالحين: أتريد أن ترى الله تعالى؟ قال: لا. قيل: ولم؟ قال: أنزه ذلك الجلال (^٢) عن نظر مثلي.
ويحكى أن أبا حنيفة رأى الحق سبحانه في المنام وقال له: تمنَّ
_________________
(١) في (ق): رئيسًا.
(٢) في (خ): الجمال.
[ ٤٥٦ ]
عليَّ؟ فقال ﵁: يا رب، أسألك أن تنجيني من النار، فمثلي لا يسألك الجنة.
قيل لأبي يزيد: لم لا سألت الله المعرفة وقت قال لك: ما تريد؟ قال: غرت (^١) عليه أن يعرفه مثلي.
وقيل لبعض الصالحين وقد رأى فتح باب الكعبة: لم لا تدخلها؟ قال: أنا لا أرى نفسي أهلًا أن أطوف حول بيته، فكيف أدخله؟! (^٢)
وقال أحد المشايخ إما أبو يزيد أو غيره -: لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبًا.
وقيل لإبراهيم بن أدهم: أنت خيرٌ أم الكلب؟ فقال: أنا خيرٌ من الكلب إن جزت الصراط، والكلب خيرٌ مني إن لم أجز. وكذلك قال أبو يزيد.
وكان عطاء السُّلمي يقول إذا وقع الغلاء والوباء: ما أصابكم هذا إلا بشؤمي، لو مات عطاء لاستراح الناس.
وكان أحد المشايخ إذا رأى من أصحابه فترةً يقول: ما أصابكم هذا إلا بإدباري أنا.
ودخل شيخ من الصوفية الحمام، وإذا بصغار يلعبون على بطونهم، فأراد صغيرٌ منهم أن يدخل خلوة الشيخ، (فقال له صغير آخر: لا تدخل، ففي الخلوة رجل يهودي. ثم جاء الخادم بثياب الشيخ) (^٣) فوجده قد اصفرَّ، فقال له: ما بالك يا سيدي؟ قال: جاء صغير ليدخل الخلوة عليَّ فقال له صغير آخر (^٤): لا تدخل ففي الخلوة رجل يهودي، فقلت في نفسي: لو لم يكن
_________________
(١) في (ق، ب): يعز.
(٢) هذه الأخبار عن أبي حنيفة وأبي يزيد وغيرهما من الصالحين النكارةُ عليها ظاهرة، وهي مخالفة لقطعيات الكتاب والسنة، في سؤال الله تعالى العلم به، والجنةَ والنظر إلى وجهه الكريم.
(٣) ليست في (خ).
(٤) في (خ): مثله.
[ ٤٥٧ ]
فيَّ شيء من أفعال اليهود ما أنطق الله تعالى هذا الصغير بهذا.
وخرج رجل يعرف بالشيخ عبد العزيز الدِّيْرِينيِّ (^١) مسافرًا، فلقيه الصغار رعاة الغنم، فظنوا أنه يهودي فقالوا له: يا شيخ، قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. فقالها الشيخ، فجاؤوا له بحمارة طويلة وركَّبوا الشيخ من الغيط إلى البلد وزفُّوه، فلما دخل (^٢) البلد عرف الرجال (^٣) الشيخ، (فقصدوا ضرب) (^٤) الصغار، فنهاهم الشيخُ، وقال: ما عملوا معي إلا خيرًا، جدَّدوا إسلامي وركَّبوني إلى البلد (^٥).
وجرى لهذا السيد ما هو أعظم من هذا: دخل يومًا المحلة الكبيرة من أعمال مصر، فشبَّهه عَرِيف النَّصارى بنصراني هارب من الجالية. فمَسك الشيخَ وخنقه، وقال له: يا ملعون إلى كم تهرب مني؟ لا بدَّ ما أُخَلِّي
_________________
(١) هو الشيخ الزاهد الفقيه الواعظ الأديب عبد العزيز بن أحمد بن سعيد الدميري المعروف بالديريني الشافعي (٦١٢٦٩٤ هـ)، نسبته إلى «ديرين» في غربية مصر، وقبره بها، من كتبه «التيسير في علم التفسير»، و«الدرر الملتقطة في المسائل المختلطة»، و«طهارة القلوب، والخضوع لعلام الغيوب» في التصوف، و«إرشاد الحيارى في ردع من مارى في أدلة التوحيد ورد النصارى»، و«نظم الوجيز للغزالي في فروع الفقه الشافعي»، و«الشجرة في سيرة النبي ﷺ وأصحابه العشرة». قال العيني في «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» ١/ ٢٩٠: «كان فاضلًا، عالمًا بالنحو واللغة والأصلَيْن، وله في كل فنٍّ فضل، وكان مع ذلك راضيًا ببذاذة الحال، توفي ببلدته ديرين، ودفن فيها».
(٢) في (خ): وصل.
(٣) في (ق): الناس.
(٤) في (خ): فطلبوا ينهروا.
(٥) قال ابن السبكي في «طبقات الشافعية» ٨/ ٢٠٠ في ترجمة الديريني: حكي أنه دخل إلى المحلَّة الغربية في بعض أسفاره، وعليه عمامة متغيِّرة اللون، فظنها بعض من رآه زرقاء، فقال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالها، فنزع العمة من رأسه، وقال له: اذهب إلى القاضي لتسلم على يديه، فمضى معه، وتبعهم صبيان وخلق كثير على عادة من يسلم، فلما نظره القاضي عرفه، فقال له: ما هذا يا سيدي الشيخ؟ قال: قيل لي: قل الشهادتين فقلتهما، فقيل: امض معنا إلى القاضي لتنطق بهما بين يديه؛ فجئت.
[ ٤٥٨ ]
اليومَ القشاشَ يرمي أجنابك بالمقارع. وكان القشاش (^١) يومئذٍ متولي المحلة، فقال الشيخ للعريف: كم عليَّ؟ قال: أربع سنين ما دفعت لنا جالية (^٢). فقال الشيخ: خذ مني هذه السنة واذهب. فلم يقبل وجذب الشيخ بثيابه، ودخل به لمجلس الوالي، وكان الوالي قد قام ودخل بيته، فعرف الناظر الشيخ فانتهر (^٣) العريف، فأشار الشيخ له بالصمت، فصمت، فقال الشيخ عبد العزيز للعريف: تأخذ مني الذي قلت لك وإلا أقولها. قال العريف: تهددني بإسلامك؟! ما آخذ إلا الكل. فقال الشيخ: أنا أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقال الناظر للعريف: ويحك، تعرف من هذا؟ قال: نعم، هو نصراني. فقال الناظر: (كذبت هذا الشيخ عبد العزيز الديريني صاحب الكرامات) (^٤). فبُهت العريف من قوة حلم الشيخ وأسلم، وكان الشيخ عبد العزيز قليل الدنيا والمعلوم، ويفتي في جميع العلوم، ولم يلبس كلبس المشايخ، بل ما تيسر من اللباس، ولأجل ذلك كان يقع فيه الشك والالتباس.
_________________
(١) القشَّاشُ: ترجم له المقريزي في «السلوك لمعرفة دول الملوك» في وفيات سنة (٧٠٢) في وقعة شقحب ضدَّ التتار، فقال: «ومات الأمير أيدمر الشمسيُّ القشاش، وكان قد ولِي الغربية والشرقية جميعًا، واشتدت مهابته، وكان يعذب أهل الفساد بأنواع قبيحة من العذاب، منها: أنه كان يغرس خازوقًا، ويجعل محدَّده قائمًا، وبجانبه صار كبير يعلق فيه الرجل، ثم يرسله فيسقط على الخازوق، فيدخل فيه ويخرج من بدنه، ولم يجرؤ أحد من الفلاحين بالغربية والشرقية في أيامه أن يلبس مئزرًا أسود، ولا يركب فرسً ولا يتقلد سيفًا، ولا يحمل عصًى محلية بحديد، وعمل بها الجسور والترع وأتقنها، وأنشأ جسرًا بين ملقة صندفا وأرض سمنود عرف بالشقفي، فرآه بعد أن استشهد بمدة قاضي المحلة في النوم، فقال له: سامحني الله وغفر لي بعمارة جسر الشقفي. وكان قد فلج واستعفي من الولاية ولزم بيته، وخرج لغزوة شقحب في محفَّة إلى وقت القتال، فلبس سلاحه، وركب وهو في غاية الألم، فقيل له: إنك لا تقدر! فقال: والله لمثل هذا اليوم أن أنتظر، وإلا إيش يتخلص القشاش من ربه بغير هذا؟! وحمل على العدو، وقاتل فقتل، ورئي فيه ست جراحات».
(٢) الجالية: الذين جَلَوْا عن أوطانهم، يقال: استُعمِل فلانٌ على الجالِيَةِ، أي على جزية أهل الذمَّة. لسان العرب مادة: جلا.
(٣) في (خ): فطلب أن ينهر.
(٤) في (خ): بل هو الشيخ عبد العزيز.
[ ٤٥٩ ]
جاء إليه مرة ثلاثة من العرب فقال الواحد: هذا قال عنك إنك يهودي، والآخر قال إنك نصراني. وأنا قلت: مسلم. قال له: أصبت أنت يا ولدي. ولم يغضب.
قال له بعض أصحابه: أرنا كرامة. قال: نعم، اليوم أريكم كرامة. فعُزم على الشيخ إلى بلدٍ آخر، فقام هو وأصحابه، وجاءوا إلى البلد، فلما دخل المساء قال الفقراء: يا سيدي، وأين الكرامة؟ قال: وما هذه كرامة؟! نعصي الحق سبحانه وهو يحملنا من بلدٍ إلى بلد، ولم ينزل علينا رجزًا من السماء ولا خسف بنا الأرض.
اعلم أن من خاف الملامةَ لم تكن همَّته (^١) الكرامة، ليس الشأن لمن طلب الشأن؛ الشأن لمن رزق حسن الأدب.
لقد طال هذا الباب، بذكر الأحباب، وذكر من أناب إلى الله تعالى وخضع أحَبُّ لمؤلف هذا الكتاب (^٢) من ذكر من خاب وابتدع.
_________________
(١) في (ط): له همة.
(٢) في (خ): الكلام.
[ ٤٦٠ ]