ونسأل الله تعالى المسامحة، وأن لا يؤاخذنا وإياهم بما جرى به القلم، وكان علينا مقدرًا؛ فيحوزون مكانًا في المسجد لبسطهم ولخرقهم، ثم يأتون وقد غص (^١) المسجد بأهله فيتخطون رقاب المسلمين، ويمرون بين يدي المصلي جهالةً وتكبرًا، فينقرون الصلاة ويدرجون القراءة، ويخوضون في كلام الدنيا والإمام يخطب، فيقعون في خمسٍ من البدع؛ وذلك لقلة حظهم من جهة الآخرة، وكان ذلك عليهم في اللوح المحفوظ مسطرًا؛ فيحرمون أجر الجمعة والجماعة، ويخرجون عن سنة صاحب المعجزات والشفاعة. قال ﷺ: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت. فقد لغوت» (^٢)، قال الغزالي: من لغا لا جمعة له (^٣).
_________________
(١) في (خ): ملأ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٥٤١٦)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢٨٠ (٧٦٨٦)، والدارمي في «سننه» (١٥٤٩)، والبخاري في «صحيحه» (٩٣٤)، ومسلم في «صحيحه» (٨٥١) (١١)، وأبو داود في «سننه» (١١١٢)، وابن ماجه في «سننه» (١١١٠)، والترمذي في «جامعه» (٥١٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٧٢٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٨٠٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٧٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «إحياء علوم الدين» ١/ ٣٥٨.
[ ٢٦٥ ]
وقال ﷺ: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف أربعين» (^١).
والبدعة الأخرى: التخطي لرقاب المسلمين، لكي يصلي على بساطه أو على السجادة، ليُعطى أجر الصف الأول، ويعد من السابقين، ومن أهل الخير والعبادة، فلا يُعطى أجر الصف الأول، ولا يُعد من السابقين، ولا ممن لحق من أهل الخير والسعادة، فحَرَمه (^٢) تعالى أجر هذه العطية؛ وما سلم من البدعة والخطية؛ لتهجمه على شيء نهى عنه خير البرية.
والبدعة الأخرى: أنَّه حاز لنفسه مكانًا في بيت رب العالمين، وضيَّق الموضع على المسلمين، وينبغي للمؤمن أن يعظم المساجد، ويعظم كل راكع وساجد ويسامحهم، ويوسع لهم (^٣)؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١].
كان بعض الكبراء يعامل الناس، وكان مسرفًا على نفسه، وكان إذا عجز الرجل عن وفاء دينه يسامحه، ويقول: مسامحة، مسامحة. فمات على ذلك، فرآه بعض الصالحين في منامه، وقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه وعرض عليَّ ذنوبي كلها، وقال: أتنكر منها شيئًا؟ أظلمك حافظاك؟ قلت: لا يا رب. قال: مسامحة، مسامحة (^٤).
ونسأل الله التوفيق والسماح؛ وأن يرزقنا الدين والصلاح.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٣٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٣٢٢)، وابن أبي شَيبة في مصنفه (٢٩٢٧)، وأحمد في مسنده ٤/ ١٦٩ (١٧٥٤٠)، والدارمي في سننه (١٤١٧)، والبخاري في صحيحه (٥١٠)، ومسلم في صحيحه (٥٠٧) (٢٦١)، وأبو داود في سننه (٧٠١)، وابن ماجه في سننه (٩٤٥)، والترمذي في جامعه (٣٣٦)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٦٦ (٧٥٦)، وفي السنن الكبرى (٨٣٢)، وابن حبان في صحيحه (٢٣٦٦) من حديث أبي جهيم ﵁.
(٢) في (خ): فأحرمه الله.
(٣) في (خ): عليهم.
(٤) لم أقف على هذه الحكاية.
[ ٢٦٦ ]
وروي في الحديث الصحيح مثل هذه الحكاية: أن رجلًا يوقف بين يدي الله تعالى ويسأله، فيقول: يا رب، كنت أعامل الناس وأسامحهم. فيقول الحق سبحانه: «أنا أولى منك بذلك»، فيؤمر به إلى الجنة (^١).
وهذا معنى الحديث، ولفظه ذهب عن المؤلف، ونسأل الله تعالى مسامحة (^٢) لهذه النفس اللئيمة، الغادية في جهلها وغيِّها رائحة.
نرجع إلى مسألتنا، فالتواضع حسن، ومن الأمراء والكبراء أحسن.
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
وقال ﷺ: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة» (^٣).
فمن تواضع لله ولعباده المؤمنين، وترك ما تقدم ذكره من البدع مع فرش البساط؛ رفع الله قدره في الدنيا والآخرة، وثبَّت قدميه على الصراط، فإن أبت النفس أن تكون بين يدي الله تعالى ذليلة مسكينة فإذا مُهِد له جلس على بساطه في الحال، ولا يخرج عن سنة صاحب المعجزات (^٤) والسكينة، فإذا قام المصلي من مكانه لأجل ضرورة أو لعبادة فهو أحق بمكانه إذا غاب غيبة يسيرة. بهذا أخبرنا العلماء) (^٥) والله أعلم بالصواب والسريرة، والغيبة
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٦٣ (٧٥٧٩)، والبخاري في «صحيحه» (٢٠٧٨)، ومسلم في «صحيحه» (٧٥٧٩)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ٣١٨ (٤٦٩٥)، وفي «السنن الكبرى» (٦٢٩٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٠٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «كان رجل يداين الناس، وكان إذا رأى إعسار المعسر قال لفتاه: تجاوز عنه لعل الله تعالى يتجاوز عنا. فلقي الله فتجاوز عنه». وقد ورد من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) في (خ): المسامحة.
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ٥/ ٧١ (٤٦١٥)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٢٨٣٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٨٢، من حديث ركب المصري. وقال الألباني: ضعيف. انظر «ضعيف الجامع» (٣٦٤٢).
(٤) زاد في (ط): والسنة.
(٥) إلى هنا نهاية سقوط ورقة من (ق).
[ ٢٦٧ ]
الطويلة فيها خلاف العلماء (^١).
وينبغي لمن يدعي الدين وقد أذهب الله تعالى عن قلبه الغفلة والعمى أن يخالف نفسه بخروجه عن خلاف العلماء، ولا خلاف بين العلماء فيمن بسط شيئًا في المسجد ولم يجلس عليه ثم غاب إنه ابتدع، وخرج عن طريق الأحباب، ويخاف على المبتدع أن تصل وبال البدعة إليه يوم يوقفه الحق بين يديه.
ومما يناسب هذه البدعة الرَّدية: ما يفعله جهلة الصوفية في حَرَمِ خالق البرية، وفي الروضة المحمدية، وهذه أفعال غير مرضية؛ لخروج أصحابها عن السنة المضيَّة.
ثم اعلم أن الله تعالى أضاف المساجد لنفسه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ﴾ [الجن: ١٨]، سبب الإضافة لِتُعَظَّمَ ويَحْرُم بيعها، ولا يحوز أحدٌ (^٢) فيها مكانًا لنفسه، ويقوم فيها بأدب ومخافة، فحينئذٍ يعظم هذا العبد، ويثبت كيسًا طريفًا (^٣) من أهل الدين والخير والعفافة، قال ﷺ: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتْبعَ نفسَه هواها وتمنى على الله» (^٤).
وقال بعضهم:
ليس الظريف بكاملٍ في ظرفه … حتى يكون عن الحرام عفيفًا
فإذا تورع عن محارم ربه … فهناك يدعى في الأنام ظريفًا
_________________
(١) دليل هذه المسألة ما أخرجه مسلم (٢١٧٩) عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من قام من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به». قال ابن قادمة في «المغنى» ٢/ ١٠١: إذا جلس في مكان، ثم بدت له حاجة، أو احتاج إلى الوضوء، فله الخروج. فإذا قام من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به.
(٢) في (خ) لأحد.
(٣) في (خ): ظريفًا.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢٦٨ ]
فمن أراد الخير كله؛ فليسأل ربه أن يدخله في سنة نبيه وحبيبه ﷺ، فمن تبعه في الدنيا ألحقه الله تعالى به في الآخرة، ومَن أبَى طرده الله سبحانه عن بابه، وصرفه عن رحمته بقدرته القاهرة؛ لأن من شرط المرافقة الموافقة؛ لأن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، وقال: «سلمان منا أهل البيت» (^١)، وذلك لأنه أطاع الله تعالى، ولنبيه وحبيبه اتَّبع.
وقد كره العلماء تعليم القرآن في المساجد لمن لم يبلغ الحلم من الصبيان، فما بالك بمن يجعل هذا المكان المبارك كالحانوت والدكان؟!
وهذه البدعة لا يرضى الحق سبحانه عن فاعلها حيث كان، وأين كان؛ لأنها مخالفة للسنة والقرآن، ويجب على ولاة الأمر ومن قدر على إخراج هذه البدعة من بيت الكريم المنان إخراجها؛ وزجر هذا العبد المهان.
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
وقال ﷺ لمن يبيع في المسجد: «لا أربح الله لك تجارتك». ولمن ينشد الضالة: «لا ردها الله عليك، ما بنيت المساجد لهذا» (^٢)، وهذا نهي فاسمعوا وعوا قول المولى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
دخل رجل لبعض المساجد فقيل له: قم من مكان الأمير؛ أنت من أي البلاد؟ قال: أنا من بلدِ المساجد التي هي لله تعالى (^٣).
ومن البدعة الخارجة عن سنة النبي ﵊ ما يفعله بعض المجاورين بالمسجد الحرام، فيبسطون في الحرم الشريف الخرق والمرقعات والسجادة، ثم يغيبون غيبةً طويلةً، وهذه البدعة تخالف السنة، ولا ترضي عالم الغيب والشهادة، فمن علم بذلك وعليها أقام، مَثَلُه مَثَلِ من
_________________
(١) سبق تخريجه. ولا يصح.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (خ): فيها الله تعالى.
[ ٢٦٩ ]
قال: ربي الله. وما (^١) استقام، ونسأل الله الاستقامة والأمن من فزع يوم القيامة.
والبدع عند مقام إبراهيم الخليل لا ترضي المولى الجليل، وليس هذا العلم بنافع إن لم يدرك العبد المولى الغفور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]؛ ولأن النفس يشق عليها ترك المألوف؛ وإن كان ذلك لا يرضي المولى الرؤوف.
وبسط السجادة مع رؤيا العبادة من شهوات النفس الأمارة، ومن أصلح الله تعالى نفسه لا يحب ذلك ولا يختاره، ولا يخرج عن طريق نبيه وحبيبه، ولا يخالف أخباره، همه في الدنيا الطاعة والحُرَق، لا تزويق الملابس والخِرَق، قليل الراحة، كثير الخوف والقلق. شغلته العبادة عن تلفيق (^٢) (المرقعات والسجادة، فإن أردت اللحوق بهؤلاء السادة فمهد لنفسك بالتمسك بسنتهم؛ لتكون لك (^٣) ذخرًا عند عالم الغيب والشهادة، فمن تشبه بالقوم في ملابسهم، ولم يتخلق بأخلاقهم يقال له: هذه الخرقة، فأين الاجتهاد والحرقة؟ كما قيل في الأمثال: هذه العمائم فأين الرجال؟ فيصير زيًّا حسنًا بلا مباني (^٤)، فتنخرم عليه القواعد والمباني، كما قيل:
أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها
لا والذي حجت قريش بيته … مستقبلين الركن من بطحائها
ما أبصرت عيني خيام قبيلةٍ … إلا بكيت أحبتي بفنائها
اعلم أن الحق سبحانه لا ينظر لقالب ابن آدم، بل ينظر لقلبه؛ متى كان خاليًا من البدع والأكدار، ملئ من الحكمة والأنوار، ومعنى هذا الكلام
_________________
(١) في (ق): ثم.
(٢) من هنا بداية سقوط ورقة من (ق).
(٣) في (خ): له.
(٤) في (خ): معاني.
[ ٢٧٠ ]
قد ورد في الأحاديث والأخبار، قال ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى لباسكم ولا لصوركم، ولكن ينظر لقلوبكم وأعمالكم» (^١)، فمن خشَّن ثوبه، ولم يخشِّن حاله؛ فليس بشيء.
قال الشيخ أبو سليمان الداراني ﵀: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم، وشهوته في بطنه بخمسة دراهم (^٢).
ورأت عجوز شبابًا عليهم ثياب الصوف وهم جلوس يتضاحكون، فقالت: سبحان الله! زي الصالحين وأفعال الجاهلين. أنكرت عليهم لقلة التناسب.
ثم اعلم بأن لبس ما خشن من الثياب له أصل في الشرع، وكذلك لبس الصوف والمرقعات، من الصحابة من فعل ذلك لحاجة، وهم أهل الصُّفَّة، ومنهم من فعله من غير حاجة، بل تواضعًا لعظمة الله سبحانه؛ وهو عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ومن تابعهما من أولي الألباب، ﵃ أجمعين ما طلع نجم وغاب.
فمن فعل ذلك ولم يبتدع بل فعله إهانةً لنفسه، لكي لا تلبس الجديد وتخالفَ المولى المجيد، وتأكل الطعام اللذيذ ثم تصرفه في معصية الله تعالى وفيما لا يريد. فمن كانت هذه نيته جعله الله تعالى من عباده المتقين، وألحقه بالطائفة المباركة عن يقين. وأما التشبه بالظاهر فقط فلا. وأنشد (^٣):
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى … تقلب عريانًا وإن (^٤) كان كاسيًا
وخير خصال العبد طاعة ربه … فلا خير فيمن كان لله عاصيًا
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٨٤ (٧٨٢٧)، ومسلم في «صحيحه» (٢٥٦٤) (٣٤)، وابن ماجه في «سننه» (٤١٤٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». ولم نجده بلفظ: لباسكم.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٩/ ٢٦٠.
(٣) في (خ): (وأنشدوا في المعنى). والبيتان لأبي العتاهية.
(٤) في (خ): ولو.
[ ٢٧١ ]
ومن البدعة والآثام: مُكث المرأة في المسجد الحرام في طول الليالي والأيام؛ لأن بدن الحرة كله عورة، وقد يبدو شيء من عورتها للناظرين، ورفع صوتها ونومها ووضوئها فيه مع غَسل ما تحتاج إليه والآنية؛ مجموع ذلك يكون وبالًا عليها وداهية.
وهذه الأشياء تعد من الذنوب؛ لقلة التعظيم لبيت علام الغيوب، وقد صحَّ أن عائشة ﵂ نصبت لها خيمةً في المسجد لتعتكف فيه في أواخر شهر رمضان، فنهاها ﷺ عن ذلك، وأمرها بالاعتكاف في بيتها، مع علمه بيقظتها وتعظيمها لشعائر الله تعالى (^١).
وما تقدم ذكره من الإثم على المرأة الطاهرة.
وأما مُكث المرأة الحائض أو النفساء فيه، فهي على الحقيقة مدبرةٌ فاجرةٌ، فإن استحلَّت ذلك كفرتْ وخسرتِ الدنيا والآخرة (^٢)، ونسأل الله العظيم لنا ولهم ولجميع المسلمين المسامحة والحراسة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦٩٠)، وأحمد في «مسنده» ٦/ ٨٤ (٢٤٥٤٤)، والبخاري في «صحيحه» (٢٠٣٣)، وابن ماجه في «سننه» (١٧٧١)، وأبو داود في «سننه» (٢٤٦٤)، والنسائي في «سننه» ٢/ ٤٤ (٧٠٩) من حديث عائشة ﵂، ولفظه: أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها، فأمرت ببنائها فضرب، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها رسول الله ﷺ ففعلت، فأمرت ببنائها فضرب فلما رأت ذلك زينب أمرت ببنائها فضرب، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف، فبصر بالأبنية فقال: «ما هذه؟» قالوا: بناء عائشة وحفصة زينب. فقال النبي ﷺ: «آلبِرَّ أردتن بهذا؟ ما أنا بمعتكف». فرجع فلما أفطر اعتكف عشر شوال.
(٢) تحريم مكث الحائض والنفساء في المسجد مذهبُ جماهير العلماء من السلف والخلف، وعليه الفتوى في المذاهب الأربعة في عامة بلاد الإسلام، فالقطع بالتحريم لازم لعوام المسلمين لزومًا بيِّنًا، لكن لا يجوز التكفيرُ به لأنه ليس من المعلوم من الدين بالضرورة؛ وقد ذهب بعض أهل العلم كالمزني وداود الظاهري وابن حزم إلى الجواز لعدم ثبوت أدلة التحريم لديهم، فيعذرون لاجتهادهم، ويلحق بهم من لم يعلم بالتحريم من العامة. (ت)
[ ٢٧٢ ]
وهذا المكان الشريف هو موضوع لحطِّ الذنوب لا لحملها، وأمر الذنب بمكة شديد؛ لكونه في حضرة الله تعالى وفناء بيته، وأي شيء أعظم من مبارزة الملك في حَرَمه (^١)، ومخالفته في محلِّ حضرته! لكن ما أسرع نفوس الغافلين في قبول البدعة، ونبذ السنة) (^٢)، وما أشد تفريطها فيما هي مكلفة به ومسؤولة عنه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
قال ابن مسعود ﵁: ما من بلدٍ يؤاخذ العبدُ فيه بالهمَّة من غير فعلٍ إلا مكة (^٣).
قال المولى الكريم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وكان يقول ﵁: السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات (^٤).
فمكث المرأة في المسجد حرام بغير سترة في الليل والنهار، وفعلها ما تقدم آنفًا بدعة ومصيبة في دينها، ولا يُرضي الواحد القهار؛ وقد جاء في الأخبار: «إن النساء أكثر أهل النار». وشهد عليهن الصادق الأمين بأنهن
_________________
(١) في (خ): حومته.
(٢) إلى هنا نهاية سقوط ورقة من (ق).
(٣) ذكره الغزالي في «الإحياء» ١/ ٤٧١. وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٩٠٧٨)، من طريق سعيد بن منصور، وهذا في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» بإسناد ضعيف جدًّا عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ قال: من همَّ بخطيئة فعملها في سوى البيت لم يكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت؛ لم يُتمه الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم. وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٤٢٩٢) بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود، قال: من هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، وإن همَّ بعدن أبينَ أن يقتل عند المسجد الحرام، أذاقه الله من عذاب أليم، ثم قرأ: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد بن جبر المكي ﵀ من قوله، ولم نجده من قول ابن مسعود ﵁. انظر: «الدر المنثور».
[ ٢٧٣ ]
ناقصات عقل ودين (^١)، فإن أضافت لهذه البدعة ترك النكاح فقد خرجت عن طريق أهل الخير والدين والصلاح؛ لأن الشرع أمرها بالسترة، ونهى عن التبتل في الأحاديث الصحاح، وهذه البدعة فيها تشبه بمن ترهب من أهل الكتاب، وهي مخالفة لسنة نبينا وحبيبنا محمد ﷺ وعلى الآل والأصحاب.
ولا ينبغي لأولي الألباب التشبه بأهل الكتاب خوفًا من قوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٢). ولقوله: «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتنا فليس منا» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٧٦ (٣٥٦٩)، والدارمي في «سننه» (١٠٠٧)، والنسائي في «سننه» ١/ ٣٧٦ (٣٥٦٩) من حديث ابن مسعود ﵁. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٦٦ (٥٣٤٣)، ومسلم في «صحيحه» (٨٠)، وابن ماجه في «سننه» (٤٠٠٣) من حديث ابن عمر ﵁. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٧٣ (٨٨٦٢)، والترمذي في «الجامع» (٢٦١٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه البخاري في «صحيحه» (٣٠٤) و(١٤٦٢)، ومسلم في «صحيحه» (١٥٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: خرج رسول الله ﷺ في أضحًى، أو فطرٍ إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني أُريتكنَّ أكثر أهل النار». فقلن: لم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أذهبَ للبِّ الرجل الحازم من إحداكنَّ». قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟». قلن: بلى! قال: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟». قلن: بلى! قال: «فذلك من نقصان دينها». فأنت ترى أنَّ النبيَّ ﷺ قد ذكر نقصان عقلهن ودينهنَّ في سياق معيَّن أراد به أن ذلك النقص لم يمنعهن من غلبة الرجل الحازم العاقل، ثم بيَّن وجه ذلك النقص، فحدَّده في أمرين قدَّره الله تعالى عليهن، لا دخل لهنَّ في كسبهما، ولا يدخل التعيير على الإنسان فيما هو خارج عن كسبه. ومن هنا يتبيَّن أن وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين بإطلاقٍ غير متوجِّه، وأنه ليس من الدين والعقل والخُلق اقتباس هذين الوصفين دون سياقه وسببه، ثم جعله مسبَّة وشتيمة ترمى بها النساء، كما جرى عليه العامة بل حتى بعض أهل العلم وطلابه أيضًا، وفي هذا إساءة إلى حديث رسول الله ﷺ، وهو ما حمل أهل الزيغ والإلحاد على ردِّ الحديث وتكذيبه أو الاستهزاء والسخرية به والطعن في الدين. (ت)
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٨٤٦) من حديث عائشة ﵂. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٦٨٠٧): صحيح.
[ ٢٧٤ ]
ثم اعلم بأن النكاح سنة عند أكثر أهل العلم، وبعض العلماء يقول بوجوبه، واستدل بقوله ﷺ: «تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة» (^١).
وفائدة النكاح نَسَمة تَذْكُرُ الله تعالى وتوحِّده، وتجاهد في سبيله، ويباهى بها الأمم يوم القيامة؛ ولذلك كان من سنن النبيين ومن شعائر الصالحين.
وقد أفردت للنكاح بابًا في هذا الكتاب.
نرجع إلى ما كنا عليه: وتكره المجاورة في المساجد للغافلين؛ لقول الصادق الأمين: «المساجد بيوت المتقين» (^٢). ولم يقل بيوت الغافلين،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٠٣٩١)، من حديث سعيد بن أبي هلال مرسلًا بلفظ: «تناكحوا تكثروا؛ فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة، ينكح الرجل الشابة الوضيئة من أهل الذمة فإذا كبرت طلقها، الله الله في النساء؛ إن من حق المرأة على زوجها أن يطعمها، ويكسوها، فإن أتت بفاحشة فيضربها ضربًا غير مبرح». وقال الشيخ الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٤٨٤): ضعيف. وأخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (٢٦٦٣)، من حديث ابن عمر، بلفظ: «حجوا تستغنوا، وسافروا تصحوا، وتناكحوا تكثروا؛ فإني مباه بكم الأمم». وأخرجه أبو داود في «سننه» (٢٠٥٠)، والنسائي في «سننه» ٦/ ٦٥ (٣٢٢٧)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٦٢، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٨١، من حديث معقل بن يسار ﵁، ولفظه: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لا». ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم». وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٨٩): إسناده حسن صحيح. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٥٨ (١٢٦١٣)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٥٠٩٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٢٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٨١، من حديث أنس بن مالك ولفظه: كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: «تزوجوا الودود الولود؛ إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة». وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٤٥٢٢): ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٧٥٣)، وهناد في «الزهد» (٩٥١)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٧١٤٩) من حديث أبي الدرداء ﵁. وقال الشيخ الألباني في «ضعيف الجامع» (١٧٧٩): ضعيف.
[ ٢٧٥ ]
والغفلة في غير المساجد مصيبة عظيمة، فما بالك في المسجد! وإن اتفق ذلك في مكة فيكون أشد مقتًا؛ لتضاعف السيئات فيها؛ لأنها من الأماكن الشريفة، والغافل لا يقدر على إقامة الوظيفة. وقد ترك المجاورة بمكة عبد الله بن عباس وهو من خيار الناس، وكان ﵁ يقول: ما لي ببلد تضاعف فيها السيئات كما تضاعف الحسنات (^١). ولما حجَّ عمر بن الخطاب ﵁ نهى الناس عن المجاورة (^٢).
وكره المجاورة جماعة من العلماء، ومن جملتهم أبو حنيفة ﵀ (^٣)، ونسأل الله اليقظة والمسامحة بقدرته اللطيفة فكرهوا المجاورة لخوف قصورهم عن القيام بحقها، ومن التضجر، وزوال عظمتها من قلوبهم، فيحجبون لأجل ذلك عن محبوبهم، ولم يصلوا إلى مطلوبهم.
قال بعض المشايخ لأصحابه حين قدموا إلى مكة المشرفة: لا يصلح دخول هذا البيت إلا لمن عرف صاحبه.
ونسأل الله العظيم أن يجعلنا من أهل المعرفة، ويرزقنا اليقظة والمجاورة والوقوف بعرفة، فاليقظة في هذه الأماكن أجر كريم، والغفلة فيها خطر عظيم، فالحق سبحانه ما أضاف المساجد لنفسه إلا للتعظيم، تعالى الله سبحانه أن يحتاج إلى بيت أو مكان، أو أن تحصره الأكوان. كان الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض غنيًّا عن المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان (^٤). أيخلق شيئًا ويحتاج إليه؟ فمن اعتقد ذلك فقد افترى عليه. فلما
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣٤٥٥)، والفاكهي في «أخبار مكة» (١٤٩٥)، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ٥١٥ من طرق ضعيفة.
(٣) انظر البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ٢/ ٣٧٨.
(٤) هذا لا أصل له وإنما زاده بعضهم في الحديث الذي أخرجه البخاري (٣١٩١) و(٧٤١٨) عن عمران بن حصين قال: إني عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم!» قالوا: بشرتنا، فأعطنا! فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم!» قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقَّه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل =
[ ٢٧٦ ]
أضاف المولى المساجد لنفسه صارت خير البقاع، فتنزه عن دخول الصبيان والمجانين، ولا يقام فيها الحدود، ولا يعمل فيها من معايش الدنيا، ولا يقام أحد ويجلس مكانه، ولا يحوز مكانًا لنفسه ببَسْطِ البسط والخرق والرقاع، ولا يكثر كلام الدنيا ويغتاب، أو يرقص، أو يغني في المساجد إلا من أعمى الله قلبه وفرغه من التقوى والاطلاع، ولا ينشد فيها الضالة، ولا ما ذهب له من المتاع؛ بل يتحسر العبد على ما ذهب من عمره في الغفلة والبدعة وضاع، ولا يبيع العبد في بيت سيده ولا يشتري، فإن فعل فهو عبد خارج عن السنة مفتري، وسلعته بائرة؛ لأن المساجد من أسواق الآخرة، ولذلك قال المولى الغفور: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. فمن انتهى عن ما تقدم ذكره عظمه الله تعالى، وحصل له المطلوب، وتعظيم المساجد من تقوى القلوب.
روى الصحابة أن النبي ﷺ كان إذا دخل وقت الصلاة كأنه لم يعرفنا ولم نعرفه (^١).
_________________
(١) = شيء». ثم أتاني رجل فقال: يا عمران! أدرك ناقتك، فقد ذهبت. فانطلقت أطلبها، فإذا السراب ينقطع دونها، وأَيم الله لوددتُ أنها قد ذهبت ولم أقم. وقد شرح هذا الحديث شرحًا مجوَّدًا حسنًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواضع من كتبه، وقال في «الصفدية» ٢/ ٢٢٣: «زادَ فيه كثير من المتأخرين: «وهو الآن على ما عليه كان» ومنهم من يظن أن هذا من كلام النبي ﷺ، مع أن هذا لم يروه أحد عن النبي ﷺ لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيفٍ». وقال في «مجموع الفتاوى» ١٨/ ٢٢١: «وهذه الزيادة إنما زادها بعض الناس من عنده، وليست في شيء من الروايات. ثم إن منهم من يتأولها على أنه ليس معه الآن موجود، بل وجوده عين وجود المخلوقات، كما يقوله أهل وحدة الوجود الذين يقولون: عين وجود الخالق هو عين وجود المخلوق. كما يقوله ابن عربي، وابن سبعين، والقونوي، والتلمساني، وابن الفارض، ونحوهم. وهذا القول مما يعلم بالاضطرار شرعًا وعقلًا أنه باطل». وهذه الزيادة الباطلة جعلها ابن عطاء الله الإسكندري من الحِكَم، فذكرها في «حِكَمه» رقم: (٣٧)! (ت)
(٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» ١/ ٢٩٢ من حديث عائشة ﵂. وذكره السبكي في أحاديث الإحياء التي لم يجد لها إسنادًا. وقال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (٣٩٩): أخرجه الأزدي في «الضعفاء» من حديث سويد بن غفلة مرسلًا، بلفظ: كان النبي ﷺ إذا سمع الأذان كأنه لا يعرف أحدًا من الناس.
[ ٢٧٧ ]
وكان يقول: «أرحنا بها يا بلال» (^١).
وكره أبو الليث ﵁ جميع أعمال الدنيا في المساجد (^٢).
ولا يكره للماكث فيه والمعتكف أن يصلح فيه شأنه؛ كخياطة ثوبه، أو نعله، وإن اتكأ ونام لا يخرج عن سنة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.
وأباح البيع والشِّرى للمعتكف في المسجد من غير أن تكون السلعة حاضرة، وكره لغير المعتكف، بهذا جاءت السنة الطاهرة والأخبار المتواترة (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٦٤ (٢٣٠٨٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» ٦/ ٢٧٧ (٦٢١٥)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٥٥٤٩) من حديث رجل من أسلم. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٧١ (٢٣٥٤)، والدارقطني في «العلل» ٤/ ١٢٢ من حديث رجل من الأنصار. وأخرجه أبو داود في «سننه» (٤٩٨٥) من حديث رجل من خزاعة. وأخرجه الدارقطني في «العلل» ٤/ ١٢١ من حديث علي بن أبي طالب ﵁، ومن حديث محمد ابن الحنفية، وفي ٤/ ١٢٢ من حديث بلال ﵁، وقال: هو حديثٌ يُروى عن سالم بن أبي الجعد، واختلف عنه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٧٨٩٢): صحيح.
(٢) ذكر أبو الليث السمرقندي الحنفي في كتابه: «تنبيه الغافلين» ص: ٣٠٢ (باب حرمة المساجد) خمس عشرة خصلة في حرمتها، منها: أن لا يشتري فيها ولا يبيع، وأن لا يسل فيها السيف، ولا ينشد الضال، وأن لا يتكلم فيها بشيء من أحاديث الدنيا.
(٣) ليس في المسألة أخبار متواترة، وإنما هو اجتهاد فقهي، قال ابن هبيرة في «اختلاف الأئمة العلماء» ١/ ٢٦٧: «وأجمعوا على أنه ليس للمعتكف أن يتَّجر ويكتسب بالصنعة على الإطلاق، ثم اختلفوا في جواز البيع. فقال أبو حنيفة: له أن يبيع ويبتاع، وهو في المسجد، من غير أن يحضر السلع. وقال الشافعي: له أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله، ويبيع ويشتري من غير إكثار. وقال مالك: له أن يفعل ذلك إذا كان الاعتكاف تطوعًا، وكان يسيرًا. وعنه رواية أخرى: بالمنع من ذلك على الإطلاق. رواها عنه الجلَّاب، فقال: وقال مالك: ولا يبيع المعتكف، ولا يشتري، ولا يشتغل بحاجة ولا تجارة. وقال أحمد: لا يجوز له البيع والشراء على الإطلاق، ولا فرق في ذلك عنده بين قليله وكثيره، ولا يجوز له فعل الخياطة فيه سواء كان محتاجًا أو غير محتاج، وسواء في ذلك القليل والكثير».
[ ٢٧٨ ]
وصح أيضًا أن النبي ﷺ نهى عن البصاق في المسجد (^١)، وقال المولى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فإن قال قائل: أنا أتفل فيه وأدفنه؛ لما ورد أن كفارة البصاق في المسجد دفنه (^٢)، ألا لا تفعل؛ فإن ذلك من قلة التوفيق والأدب لمخالفة الحديث.
ولقلة التعظيم للمساجد يقع الإنسان في البدع والعطب، قال ﷺ: «من لا أدب فيه لا خير فيه» (^٣).
ثم اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين بقدرته القاهرة أن ترك الذنب أولى من فعله، ثم يتوب منه ويطلب من الله تعالى العفو والمغفرة. قال بعض الصالحين: لي كذا وكذا سنة لم أتكلم في المسجد بكلام الدنيا، ولا مددت فيه قدمي، ولا أسندت ظهري إلى شيء منه. فإن قال قائل: هذا جائز في الشرع؛ مسلَّم به، لكن الأدب والتعظيم هو من شعائر الصالحين.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٥٧)، وأحمد في «المسند» ٢/ ٦٦ (٥٣٣٥)، والبخاري في «صحيحه» (٤٠٦)، ومسلم في «صحيحه» (٥٤٧)، والنسائي في «سننه» ٢/ ٥١ (٧٢٤) من حديث ابن عمر ﵁ ولفظه: أن رسول الله ﷺ رأى بُصَاقًا في جدار القبلة فَحَكَّهُ، ثم أقبل على الناس، فقال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه إذا صلى». وأخرجه مالك في «الموطأ» (٤٥٨)، وأحمد في «مسنده» ٦/ ١٤٨ (٢٥١٥٦)، والبخاري في «صحيحه» (٤٠٧)، ومسلم في «صحيحه» (٥٤٩) من حديث عائشة ﵂، ولفظه: أن رسول الله ﷺ رأى في جدار القبلة مخاطًا، أو بصاقًا، أو نخامة، فحكه. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٧٣ (١٢٧٧٥)، والبخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢)، والنسائي في «سننه» ٢/ ٥٠ (٧٢٣) من حديث أنس ﵁، ولفظه: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها».
(٢) انظر الحديث السابق.
(٣) لم أقف عليه.
[ ٢٧٩ ]
قال ﷺ: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» (^١)، وقال: «من لا أدب فيه لا خير فيه» (^٢). وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بنى رحبة خارج المسجد وقال: من أراد أن ينام أو ينشد شعرًا أو يتكلم بكلام الدنيا فليذهب إلى الرحبة (^٣).
وقال بعض العلماء: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه فلا يقول إلا خيرًا.
جلس ابن أدهم يومًا وقد مدَّ رجله فسمع قائلًا يقول: أهكذا تجالس الملوك؟! (^٤)
_________________
(١) أخرجه ابن السمعاني في «أدب الإملاء» ١/ ٥، من حديث ابن مسعود ﵁. وقال الشيخ الألباني ﵀ في «ضعيف الجامع» (٢٤٩): ضعيف.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٢٢) بلاغًا عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٤) انظر «فيض القدير» ١/ ٢٥٣.
[ ٢٨٠ ]