اعلم رحمك الله تعالى أنَّ قراءة القرآن العظيم عبادة، وهي من جملة التوفيق والسعادة؛ لأن القارئ حبيب لعالم الغيب والشهادة. وقد أدرجت النبوة بين كتفيه، إلا أنه لا يوحى إليه، ويقال له يوم القيامة: اقرأ وارقَ! فيصعد إلى أعلى الدرجات، وله بقراءة كل حرف عشر حسنات، فيحصل له هذا الخير والمنة، إذا كانت قراءته موافقة للكتاب والسنة، فإن قرأه جُنُبًا، أو زاد فيه، فهذه القراءة تخرجه عن السنة، وفي جهنَّم تهويه (^١)، كمدِّ بعض جهلة القراء (^٢) في مكانٍ لا مدَّ فيه، فيزيد في كلام الخالق؛ فينقص عند الله هذا الجاهل الفاسق، فإن رضي بهذه البدعة الحاضرون فكلهم في الإثم واقعون، وعن الشرع الشريف خارجون، والتكرار يسقطهم من عين الواحد القهار إلا أن يكون بخشوع وتدبر، وبغير زيادة عن المقدار، فحينئذٍ يبلغ العبد بقراءته إلى منازل الأخيار، ويكون من أهل الله تعالى وخاصته، كما جاء في الأخبار عن النبي المختار الكامل الأنوار، صلوات الله تعالى عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار.
_________________
(١) في هذا الإطلاق مجازفة، فجواز قراءة القرآن للجنب مذهب جماعة من الأئمة، وقد أخرج ابن المنذر في «الأوسط» (٦٢٢): عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يقرأُ وِرْدَهُ وهو جنبٌ. قال ابن حجر في «تغليق التعليق» ٢/ ١٧٢: وإسناده صحيح. وهذا بخلاف من زاد فيه أو نقصَ منه أو حرَّفه عالمًا عامدًا فهو مستحقٌّ للوعيد.
(٢) في (ط): القراءة.
[ ١٤٤ ]
ومن جملة البدع ما يفعله بعض الإخوان من ترك القرآن قبل تمام السورة، ثم يأخذون في تجديد الأحزان بنشدهم (^١) الأشعار، وبروايتهم الأخبار. كل ذلك لأجل حطام هذه الدار: [أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار]؛ وذلك لخروجهم عن طريق النبيِّ المختار، والصحابة الأخيار، ومن تابعهم من المؤمنين الأبرار. والنار لمن ابتدع وجار، وقد صحَّ أن النبي ﷺ نهى عن تجديد الأحزان (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فأطع ربك بسماعك من نبيك أيها الإنسان.
ثم اعلم بأنه يجوز ترك القراءة قبل تمام السورة، إذا سأل العبد ربه الجنة عند ذكر الجنة، وكذلك التعوذ من النار، وأن يدخله في شفاعة النبي المختار.
وله أن يسأل الله تعالى الاستقامة، وأن يؤمنه من فزع يوم القيامة، وهذا ما يناسبه له أصل في الشرع، فإن قرأ رجل بصوت حسن فقال جاهل: والله طيبٌ. ما مراده إلا الصوت والأنغام، وعليهما يطرب العوام،
_________________
(١) في (ط): بإنشادهم.
(٢) لم أجد حديثًا بهذا النَّهي، أما حديث: «لا عزاءَ فوق ثلاث» الذي يتداوله العوام: فلا يُعرفُ له أصل؛ كما قال الألباني في «أحكام الجنائز» ٢٠٩. والذي صحَّ هو النهيُ عمَّا يمكن أن يجدِّد الأحزان ويثيرها أو يديمها، من ذلك: حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنَّا نعدُّ وفي رواية: نرَى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعةَ الطعام بعد دفنه من النياحة. أخرجه أحمد ٢/ ٢٠٤ (٦٩٠٥)، وابن ماجه (١٦١٢). قال الألباني في «أحكام الجنائز» ٢١٠: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه النووي والبوصيريُّ. قال النووي في «المجموع» ٥/ ٣٠٦: «وأما الجلوس للتعزية، فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها». ونصُّ الإمام الشافعي الذي أشار إليه النووي هو في كتاب «الأم» ١/ ٢٤٨: «وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يجدِّد الحزن، ويكلَّف المؤنة، مع ما مضى فيه من الأثر». (ت)
[ ١٤٥ ]
فإن كانت القراءة خارجة عن السنة والسامع عالمٌ بذلك، ثم قال: والله طيبٌ! فيفسق القارئ والسامع. فإن كانت القراءة ملحونة (^١) مبدَّلة فقال السامعُ: والله طيبٌ. وهو عالم بذلك اختلف العلماء في السامع، وقال بعضهم: يكفُر ويكفُر القارئ أيضًا، إذا تعمَّد اللحن والتبديل. والله سبحانه أعلم بالجملة والتفصيل.
وأشد تحريمًا ممن تقدم ذكرهم من الإخوان: إجلاس الأمرد الحسن الوجه والنغم في صدر المكان، ثم يجلس الرجال حوله فيقرءون القرآن، ويزيدون في كلام الرحمن، ويساعدون الصبي في طلوعه ونزوله وينظرون إليه، فيشاركون في الإثم والعدوان: الصبي ومن تابعه، ومن نظر إليه بعين شهوة، ومن كان السبب في جمعهم، ومن حضر من المستمعين في ذلك المكان، والقراءة إذا كانت على هذه الصفة تحيط بها البدع ولا تصل إلى الميت، ولا يؤجر القارئ والسامع، ويخاف على من أصر على هذه البدع وجعلها له عادةً أن يحرم عند الموت الخير والشهادة.
ومن البدع المخالفة للسنة والكتاب، القراءة بين يدي الجنازة، وفي الأسواق، وعلى الأبواب، وكذلك الجهر بالقراءة في الطريق، والحمام، وفي مجالس الفُسَّاق، وعند قومٍ لا يستمعون كلام الواحد الخلاق.
وأكثر ما يقال في هذا الكتاب (^٢) هو من البدع المستجدة مما شاهدناه، وما شَهِدنا إلا بما علمنا، والزمان باقٍ والتكليف قائم، وأيُّ قرنٍ أو عصرٍ يخلو بلا بدع؟
وقد قال ﷺ لأصحابه: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا» (^٣). وقال: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مئة شهيد» (^٤).
_________________
(١) في (ط): ملحوظة.
(٢) (ق): هذا الباب.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٤١٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٠٠. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٤١٨: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه محمد بن صالح العدوي ولم أر مَنْ ترجمه وبقية رجاله ثقات. وذكره الألباني في الضعيفة (٣٢٧).
[ ١٤٦ ]
وفي حديث آخر: «يأتي على أمتي زمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر» (^١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: كيف أنتم إذا ظهرت فيكم البدع، وعمل بها حتى يربُو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويسلم فيها الأعاجم، حتى يعمل الرجل بالسنة فيقال بدعة. قالوا: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وتفقه لغير الدين، وأبيعت الدنيا بعمل الآخرة (^٢).
فيجب على المسلم أن يتبرأ من أصحاب البدع؛ لأن النبي ﷺ تبرأ منهم.
قال يونسُ بن عبد الأعلى: قلت للشافعيِّ: إنَّ الليث بن سعد يقول: لو رأيتُ صاحبَ بدعة يمشي على الماء ما قَبِلته. فقال الشافعي: قَصَّرَ، لو رأيتُه يمشي على الهواء ما قَبِلته (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٢٦٠)، وابن عدي في «الكامل» (١٢٢٩). من حديث أنس بلفظ «يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر». قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وعمر بن شاكر شيخ بصري قد روى عنه غير واحد من أهل العلم. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٥٧): وهو ضعيف كما في «التقريب». لكن الحديث صحيح، فإن له شواهد كثيرة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٧٤٢)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٨٣١١)، والدارمي في «سننه» (١٨٥، ١٨٦)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٥١٤ - ٥١٥. من حديث ابن مسعود بلفظ: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة ..». وقال أبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٣٦: رواه محمد بن نبهان مرفوعًا والمشهور من قول عبد الله موقوف. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١١١): صحيح لغيره موقوفًا.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي»: ١٨٤، والبيهقي في «مناقب الشافعي» ١/ ٤٥٣. وذكره ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ١١/ ٤٦٦.
[ ١٤٧ ]
وقال الشيخ أبو مدين (^١) ﵃ أجمعين: مخالطة أهل البدع تُميت القلب؛ من كان فيه أدنى بدعة، احذر مجالسته لكي لا يعود شؤمها عليك ولو بعد حين.
وقال ﷺ لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقيٌّ» (^٢).
وأهل البدع هم أشقياء لا أتقياء، فسيندم من صحبهم يوم القيامة ندمًا طويلًا، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧].
وقال ﷺ: «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (^٣).
وفي حديث آخر: «إذا أراد الله بعبد خيرًا رزقه الله جليسًا صالحًا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه» (^٤).
_________________
(١) أبو مدين هو الشيخ الصوفي شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني (ت: ٥٩٤ هـ)، أصله من الأندلس. أقام بفاس، وسكن بجايةَ، وكثر أتابعه حتى خافه السلطان يعقوب المنصور. وتوفي بتلمسان، وقد قارب الثمانين أو تجاوزها.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٣٨ (١١٣٣٧)، والدارمي في «سننه» (٢٠٥٧)، وأبو داود في «سننه» (٤٨٣٢)، والترمذي في «الجامع» (٢٣٩٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٥٤). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٣٤١).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٠٣ (٨٠٢٨)، ٢/ ٣٣٤ (٨٤١٧)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٤١٣)، وأبو داود في «سننه» (٤٨٣٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٧٨). من حديث أبي هريرة. بلفظ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «الصحيحة» (٩٢٧) و«المشكاة» (٥٠١٩): حسن.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٧٠ (٢٤٤١٤)، وأبو داود في «سننه» (٢٩٣٢)، والنَّسائي في «المجتبى» ٧/ ١٥٩ (٤٢٠٤)، وفي «الكبرى» (٨٧٥٢) من حديث عائشة بلفظ: «من ولي منكم عملًا فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكره …». ولفظ «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره …». قال الألباني في «الصحيحة» (٤٨٩): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وقد صرح بقية بالتحديث فأمنَّا بذلك شر تدليسه.
[ ١٤٨ ]
والآدمي ضعيف، ويصحب شيطانًا من شياطين الإنس، فيزين له القبيح ظاهرًا، وشيطان الجن باطنًا، فيوقعانه في البدع والمخالفة، فيبعده الله من رحمته فتهلك هذه النفس الخبيثة التالفة؛ لأن النفس خبيثة، ثقيلة. ولذلك يعصي الله تعالى ويخالف أوامره الجليلة، فيصحب ثقيلًا آخر، فتصير نفسه فاجرة، وينسى الله تعالى والدار الآخرة.
قال بعض العلماء: اطلعت على ثمانية آلاف عيب في نفس ابن آدم، فهي مأوى كل شرٍّ، مشُومة (^١) في الطاعة، فكيف إذا عصت؟ كثيرة الخداع والتلون، تفرحك بالطاعة في أول النهار، وتحزنك بالمعصية في آخره، تراها في وقت رجعت إلى الله تعالى تائبةً، وفي وقت قد أعرضت مدبرةً هاربةً؛ كثيرة الألوان، أكثر تلونًا من حرباء. وأروغ من ثعلب، وأنوم من فهد، وأدْخَس (^٢) من حمار، هذا بعض صفاتها، ولا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى الواحد القهار، خالقها وموجدها (^٣).
وقد أخبر عنها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. تجرها للطاعة تجرك للمعصية، تحب ما يبغضه الله تعالى وتكره ما يحبه الله، وهي قرينة الشيطان؛ تتكاسل في الطاعة، وتسارع في العصيان. تراها في الشبع كالسبع الكثيف، وفي الجوع كالطفل الضعيف. وفي الغضب مثل الملوك والجبابرة. وفي الشهوة مثل البهيمة، وفي الخوف مثل الهرة، وفي الأمن مثل النمر والأسد. ومن سوء عادتها تخاف الفقر ولا تخاف الله تعالى وأليم عذابه، وهي مسخرة
_________________
(١) كذا، وأصلها: مشؤومة. أي تجرُّ الشؤم.
(٢) دخس لحمه دخسًا اكتنز، أصابه الدخس فهو دخس. ويقال: فرس دخس به عيب. انظر: «المعجم الوسيط» ١/ ٢٧٤.
(٣) لم أجده.
[ ١٤٩ ]
للشيطان (^١)، ولها أعوانٌ وأنصار؛ مثل الدنيا وزهرتها والهوى والشيطان. ولكل واحد من أعوانها جنود ووفود، وخيل وحشم من زينة الحياة الدنيا؛ مثل كثرة النوم والأكل والضحك وحكايات أبناء الدنيا وسلاطينها، وأفعال عشاقها وشياطينها، وحب الغنى والدنيا والكبر، والحسد والغيبة والنميمة، والعداوة والمدح لهذه النفس اللئيمة (^٢)، وارتكاب المعاصي والملاهي، والاشتغال بكل ما لا يعنيها، وبجمع المال، وطول الأمل، والتهاون في صالح العمل، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقلة الحياء من المولى الرؤوف، والتمنِّي والغرور، واللهو والسرور، وشهادة الزور، ونسيان الموت والقيامة والنشور، والعادات (^٣) والتجارات، وتحسين القبيح، وهتك الستر، ومجاوزة الحدِّ، وإنكار الحق، وتعظيم أبناء الدنيا، وتحقير أبناء الآخرة.
هذه الأشياء من بعض صفات النفس الأمارة بالسوء. فمن أراد الله تعالى له بخير بصره بعيوبها، وأعانه على تسخيرها، ومعرفة مكايدها، فيلجمها بلجام الورع والتقوى، ويقيدها بسلاسل الذل والانكسار، وتكليفات الشرع، واتباع النبي المختار ﷺ آناء الليل وأطراف النهار، ويسلط عليها الجوع والعطش والسهر، ويخالفها في كل شيء إلا في الطاعة. ويقتلها بسيف المجاهدة لكي يحيي الله تعالى قلبه بالمشاهدة، ويذمها في جميع أحوالها، ولا يغفل أبدًا عن تأديبها ورياضتها إلى الموت؛ فإنها مشومة إذا أقبلت، فكيف إذا أدبرت؟
ويجعل العقل عقالها والشرع سجنها، والعبادة سجانها، وذكر الموت طعامها وشرابها، وبعد هذا الاحتياط يتضرع العبد المسكين إلى خالقها وموجدها أن يعيذه من كيدها وسوء عاداتها، وغلبتها على عقله.
ومثل العقل والنفس كمثل عدوين، وبيد كل واحد منهما سيف مجرد ينتظر غفلة صاحبه ليقتله، ومَن غُلب سُلب.
_________________
(١) في (خ): الشيطان.
(٢) في (ط): الذميمة.
(٣) كذا تقرأ في النسخ، وقد تقرأ فيها: (العارات) بالراء، وفي (ط): العاريات.
[ ١٥٠ ]
وقد تقدَّم أن من قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيى الله تعالى قلبه بالمشاهدة، فينجو من شرها وكيدها وخداعها. قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، والظلم عليها منعها من الشهوات الفاسدة، واللذات الفانية، والأماني الباطلة، والآمال الكاذبة، وحب العلو والشرف والمال، ويكرهها على اتباع الكتاب والسنة، ويحرضها على ذكر الموت وحب الآخرة، ويخاف من مكرها في الزهد والعبادة. فإن خداعها في الطاعة أكثر من المعصية. وإن لها في الطاعات لشربًا وعيشًا طيبًا، أحب إليها من ركوب المعاصي؛ مثل تزيين الطاعة، ورؤية العبادة، وقيمة العمل، والرياء والنفاق، وحب إقبال الخلق والزيارة (^١)، وتقبيل اليد والتبرك، وحسن الصيت، وثناء الخلق، ورغبة الملوك، وتردد أبناء الدنيا، وحضور السماع، وتخريق الخرق والتصنع، وإظهار الصوم والصلاة، وقلة الأكل لرؤية الناس، والبكاء الكاذب، وتحريك الشفة، والإشارة بالعين، والتخشع بلا خشوع القلب، ورؤيا المنامات، ولبس المرقعات، والمؤاخاة (^٢)، والحكم على الماضي والمستقبل، والمبالغة في الطاعات عند رؤية العاجزين؛ وإذا خلا توانى في خدمة رب العالمين، والترفع والتصدر في المجالس، وأن يقام بين يديه وهو جالس وكثرة أصحاب الإرادة، وأكل الأطعمة اللذيذة. ويرضى في حالِهِ بنطِّه (^٣) في السَّماع؛ بحضور المردان، ونظارة النسوان. ونعوذ بالله من شر النفس والشيطان؛ لأن هذه الأشياء في الحقيقة أشر من شرب الخمر.
_________________
(١) يعني: أن ينال اهتمام الناس وتعظيمهم له بزيارته والإقبال عليه، وفي (ق): (إقبال الحلق والزنَّارة). وعلَّق صبحي لبيب هنا بقوله: والمقصود حلقات الدراويش والصوفية التي انتقدها التركماني نقدًا مرًّا لاذعًا، أما بالنسبة للزنارة واستخدام هذا المصطلح للشدِّ شدِّ الإخوان والفتيان فواضح أن المؤلف قصد الانتقاص منهم.
(٢) في (ق) وتبعه (ط): المواخات. وهو خطأ في الإملاء. والمؤاخاة من بدع الصوفية، وهي غير الأخوة الإيمانية العامة.
(٣) في (ط): (حالة نطِّه). والصواب ما أثبته، فالمقصود أنه يرضى بالنط والرقص لوقوع ذلك أثناء ورود (الحال) عليه أثناء السماع، وهي (حال) صوفية شيطانية بدعية. (ت)
[ ١٥١ ]
فأفق من سكرتك أيها الإنسان، واعلم أن أهل السماع نزهوه عن حضور الفسقة والنسوان (^١) والمردان. وشرطوا له المكان والإمكان والإخوان، وجميع هذه الأقوال والأفعال ليس لها أصل في الشرع، وما أنزل الله بها من سلطان. فلا تستبدل الهوى بالضلالة، والطاعة بالمعاصي والخسران، ونعوذ بالله العظيم من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول، ومن تسويل النفس والشيطان.
فانظر رحمك الله تعالى إلى بعض أوصاف النفس الأمارة، ومن أصلح الله نفسه لا يفعل شيئًا يكرهه الشرع، ولا يختاره، ولا يسعى في رضى نفسه، ويخالف نبيه ﵇ وأخباره (^٢)، فمن أرضى نفسه أسخط خالقه؛ لرضاه عنها مع فعلها الأشياء التي هي غير لائقة.
ثم اعلم رحمك الله أن أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة وعفة ويقظة عدم الرضا منك عنها؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]؛ ولأن يصحب الإنسان جاهلًا لا يرضى عن نفسه، خيرٌ له من أن يصحب عالمًا يرضى عن نفسه. وأي جهل لعبد لا يرضى عن نفسه؟ وأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟
اخرجْ -رحمك الله تعالى- من أوصاف البشرية، عن كل وصف يناقض العبودية لتكون لنداء الحق مجيبًا، من حضرته قريبًا، أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، عادِ نفسك وودَّني (^٣). وينبغي أن لا يركن المؤمن لنفسه أبدًا على طول المدى، ولا يغتر بصيامها وقيامها وتكمشها. فهي كالحية إذا أرادت أن تلسع أحدًا تكمشت.
فعدوك معك، فكن على حذر، اسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، فليس على العبد المؤمن أضر من نفسه، تراه يجتهدُ في خدمتها
_________________
(١) في (ط): النسوة.
(٢) في (خ): ويختاره.
(٣) ذكره إسماعيل حقي في «روح البيان» ٨/ ١٩٢، ٩/ ٣٨٤.
[ ١٥٢ ]
وتشهِّيها في المأكل والملبس، ومن كل ما تريد؛ مع علمه لمخالفتها للمولى المجيد، أرأيت أحدًا يسمِّن عدوه؟ أما سمعت قوله ﷺ: «إن الله يبغض الحبر السمين» (^١).
نرجع إلى مقصود الكتاب وهو ما ابتدع في القرآن من التطريب والألحان؛ لأنه يشبه الغناء.
قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، يعني فصِّله تفصيلًا وبيِّنه تبيينًا، وقد روي أن قراءة سيدنا رسول الله ﷺ كانت مرتلة مبينة حرفًا حرفًا (^٢).
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرؤوه حذرًا، مرتلًا، وبحزن (^٣).
وقال عبد الله بن عمر: يقال للقارئ يوم القيامة: اقرأ وارق ورتل كما
_________________
(١) ضعيف: أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧٥٩٧)، والطبري في «تفسيره» ١١/ ٥٢١. من حديث سعيد بن جبير مرسلًا بلفظ: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يُبْغِض الحَبْر السمين؟» وكان حبرًا سمينًا، فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء! فقال له أصحابه الذين معه: ويحك! ولا موسى! فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء! فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]. وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥٢٤٩) عن كعب الأحبار، من قوله.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٢٩٤، ٣٠٠، ٣٢٣ (٢٦٥٢٦، ٢٦٥٦٤، ٢٦٧٤٢)، وأبو داود في «سننه» (١٤٦٦)، والترمذي في «جامعه» (٢٩٢٣)، والنَّسائي في «المجتبى» ٢/ ١٨١ (١٠٢٢)، ٣/ ٢١٤ (١٦٢٩) وفي «الكبرى» (١٠٩٥، ١٣٧٥) من حديث أم سلمة بلفظ: ثم نعتت له قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «المشكاة» (١٢١٠)، وفي «ضعيف سنن أبي داود» (٢٦٠)، ووفي «ضعيف سنن الترمذي» (٢٩٢٣): ضعيف.
(٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال ١٠/ ٢٥٨.
[ ١٥٣ ]
كنت ترتل في الدنيا (^١).
وقال حذيفة ﵃ أجمعين: إذا قرأتم القرآن فاقرؤوه بحزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلًا (^٢).
وقال محمد بن سيرين: أصوات القرآن محدثة (^٣).
وقال أبو داود: سمعتُ رسول الله ﷺ يتخوَّف على أمته قومًا يتخذون
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٠٦٧٩) موقوفًا على عبد الله بن عمرو. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ١٩٢ (٦٧٩٩)، وأبو داود في «سننه» (١٤٦٤)، والترمذي في «جامعه» (٢٩١٤)، والنسائي في «الكبرى» (٨٠٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا. فما ورد في النسخ: «بن عمر» خطأ، صوابه: «بن عمرو». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «الصحيحة» (٢٢٤٠)، وفي «صحيح سنن أبي داود» (١٣١٧): إسناده حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
(٢) لم أجده عن حذيفة، وأخرجه ابن ماجه في «سننه» (١٣٣٧)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٨٩)، والبيهقي في «الكبرى» ١٠/ ٢٣١، من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره، فسلمت عليه. فقال: من أنت؟ فأخبرته. فقال: مرحبًا بابن أخي، بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا». قال الألباني في «الضعيفة» (٦٥١١): ضعيف. وأخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (١٤٦٢)، وابن الأعرابي في «معجمه» (١٢٨٤) من حديث بريدة بلفظ: «إن القرآن نزل بحزن فاتلوه بحزن». قال الألباني في «الضعيفة» (٢٥٢٣): ضعيف جدًّا. وذكر الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٨٧٩) حديث: «إن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا»، وقال: أخرجه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر بسند ضعيفٍ.
(٣) أخرجه ابن وضاح في «البدع» (٤٥)، ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» كما في «مختصره» ٧٧، ٨٠. وذكر أبو يعلى في «طبقات الحنابلة»: قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، عَنِ القراءة بالألحان؟ فقال: كل شيء محدثٌ فإنه لا يعجبني، إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلَّفه.
[ ١٥٤ ]
القرآن مزامير، يقدِّمون الرجلَ يؤمهم، ليس بأفقههم، ليس إلا ليغنِّيهم (^١).
وقال سليمان: خطبنا علي ﵁ فذكر خطبة له طويلة وذكر فيها فتنة وقال فيها: تضيع حقوق الرحمن، ويتغنَّى بالقرآن ذو الطرب والألحان (^٢).
فهذه الأشياء ابتدعوها وما أنزل الله بها من سلطان. فالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه. من أمر، أو نهى، أو وعد ووعيد، وما يخوفهم ويقربهم للمولى المجيد. بل يقصدون اللذة والطرب، والنغمات والألحان كنقر الأوتار، وأصوات المزامير، وبالله المستعان.
وأولياء الله تعالى يسمعون كلام الله سبحانه بالتدبر، والخشوع، والخوف، والوجل، لكي يؤجروا، وليرزقهم الله سبحانه حسن الخاتمة عند فروغ الأجل.
قال ربُّ الأرباب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال الواحد المنان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [محمد: ٢٤].
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وهذه الآيات تمنع أن يقرأ الإنسان بما يشبه الأغاني المطربة، والألحان؛ لأن ذلك يثمر ضد (^٣)
_________________
(١) كذا ورد في النسخ، وهو وهم. ومراده ما أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ٤٩٤ (١٦٠٤٠) والطبراني في «الكبير» ١٨/ ٣٤ (٥٨)، و«الأوسط» (٦٨٥)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٤٤٣، من حديث عبس الغفاريّ (ويقال: عابس) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بادروا بالأعمال خصالًا ستًّا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وقطيعة الرحم، وبيع الحكم، واستخفافًا بالدم، ونشؤا يتَّخذون القرآن مزاميرَ، يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم، ما يقدمونه إلا ليغنِّيهم». وأخرجه أبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» (٤٣٧) بإسناد ضعيف عن عابس الغفاري، عن أبي ذرٍّ، فذكره. والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٩٧٩).
(٢) لم أجده.
(٣) في (ط): منه.
[ ١٥٥ ]
الخشوع والخوف والوجل، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، بكوا لما عرفوا من معانيه، لا من نغمات القارئ، وإياك أن تغتر بقوله ﷺ: «ليس منَّا من لم يتغن بالقرآن» (^١). تفسيره: الاستغناء. هكذا رواه البخاري. وقال سفيان (^٢)، وأبو عبيدة (^٣): وهو من الاستغناء يستغنى به. وكذا جاء في اللغة، وإنه لكنز عظيم، يغني صاحبه يوم القيامة غنى لا فقر بعده، وينجيه من عذابٍ أليم.
وقال ﷺ: «حسنوا أصواتكم بالقرآن» (^٤).
وتفسيره: إقرؤوه ترتيلًا (^٥) مبينًا، بلا زيادة ولا نقصان. وهذا لا حجة فيه لمن يقول بالنغمات والألحان، فيستحب تحسين الصوت وهو الترتيل والخوف والتحرز مما تقدم ذكره؛ لما روي قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ؟ فقال: كان يمد مدًّا. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٢٧). من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٧٢ (١٤٧٦)، والدارمي في «سننه» (١٤٩٠)، وأبو داود في «سننه» (١٤٦٩) من حديث سعد بن أبي وقاص. وقوله: (وإياك أن تغتر …)؛ ليس بلائق، وكان ينبغي أن يقول مثلًا: وإياك أن تسيء فهم قوله ﷺ.
(٢) هو سفيان بن عُيينة، أخرجه البخاري في «الصحيح» (٥٠٢٣): قال سفيان: تفسيره يستغنى به.
(٣) كذا في النسخ، وصوابه: «أبو عُبيدة»، وهو أبو عُبيد القاسم بن سلَّام الهروي (ت: ٢٢٤)، وذكر هذا في كتابه: «غريب الحديث» ٢/ ١٤٢.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٠٥٦١) موقوفًا على عمر، وذكره ابن الملقن في البدر المنير ٩/ ٦٣٩ عن ابن عباس رفعه. وأخرجه الدارمي في سننه (٣٥٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢١٤١) من حديث البراء بلفظ حسنوا القرآن بأصواتكم قال الألباني في صحيح الجامع (٣١٤٥): صحيح. وأخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٨٣ (١٨٤٩٤)، والدارِمِي في سننه (٣٥٠٠)، وأبو داود في سننه (١٤٦٨)، وابن ماجه فيسننه (١٣٤٢)، والنَّسائي في المجتبى ٢/ ١٧٩ (١٠١٥)، وفي الكبرى (١٠٨٨) من حديث البراء بلفظ زينوا أصواتكم بالقرآن. قال الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٣٢٠): إسناده صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وابن كثير.
(٥) في (ط): مرتلًا.
[ ١٥٦ ]
باسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (^١).
فيجب على القارئ أن يتبع هذا النبي الكريم، ويقرأ بالترتيل والتعظيم، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن بمتشابهه.
قال بعض أهل العلم والصلاح: والله ما آمن بالقرآن من استحل محارمه (^٢).
وقال الحسن البصري: لقد قرأ هذا القرآنَ عبيدٌ وصبيان لا علم لهم بتأويله، وحفظوا حروفه، وأضاعوا حدوده. يقول أحدهم: لقد قرأت القرآن كله ما وَضَعتُ منه حرفًا واحدًا. ولقد وضعه كلَّه، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وإقامتها: فهم معانيها، والعمل بما فيها. فمَثَل من يقرأ القرآن ولم يفهم معانيه، ولا يعمل بما فيه، كمثل حمار يحمل أسفارًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١١٩ (١٢٣٤١)، والبخاري في «صحيحه» (٥٠٤٥، ٥٠٤٦)، وأبو داود في «سننه» (١٤٦٥)، وابن ماجه في «سننه» (١٣٥٣)، والترمذي في «الشمائل» (٣١٥)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ١٧٩ (١٠١٤)، وفي «الكبرى» (١٠٨٧).
(٢) وقد ورد هذا مرفوعًا: أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٩١٨)، والبزار في «مسنده» (٢٠٨٤)، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٣١ (٧٢٩٥)، و«الأوسط» (٤٣٦٦) من حديث صهيب. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بالقوي. وقال أبو حاتم في «العلل» (١٦٤٧): هذه كلها منكرة، ليست فيها حديث يمكن أن يقال إنه صحيح، وكأنه شبه الموضوع.
(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٧٩٣)، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (٣٠٦)، والفريابي في «فضائل القرآن» (١٦٠)، والخطيب في «اقتضاء العلم العمل» (١٠٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٤٢٥)، والآجري في «آداب حملة القرآن» (٣٢)؛ عن الحسن البصريِّ ﵀، قال: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان، لا علم لهم بتأويله، ولم يتاوَّلوا الأمر من أوَّله، قال الله ﷿: [كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته] [ص: ٢٩]، وما تدبُّر آياته إلا اتِّباعُه واللهِ بعلمه، أما واللهِ! ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله، فما أسقطت منه حرفًا، وقد واللهِ! أسقطه كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفسِ، والله ما هؤلاء بالقراء، ولا العلماء، ولا الحكماء، ولا الورعة، متى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء.
[ ١٥٧ ]
وقراءة آية يتدبرها الإنسان ويعمل بها، خير له من قراءة ختمة بغير تدبر ولا عمل، وقد شبه الواحد القهار هذا القارئ وأمثاله بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب والأسفار. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ونسأل الله سبحانه أن لا يجعلنا ممن رضي بالعلم دون العمل، وبالقول دون الفعل. فالعلم بغير عمل كقوس حسن بغير وتر، أو كسحاب كثير بغير مطر، أو كشجر غزير بغير ثمر. والقول بغير فعل أشد بلاءً، وصاحبه على خطر. ونسأل الله تعالى اللطف فيما قدره، وأن يجعلنا ممن ينزجر بزواجر القرآن ويتبع أوامره.
فالنفوس قد ترامت على البدع، وهي عن السنة نافرة، والقلوب غافلة غير حاضرة، والأعين لا تعتبر، وللحرام ناظرة، والألسن قد شغلت بكلام الدنيا وعيوب أهلها، وليست بذاكرة، والأبدان لا شاكرة ولا صابرة، ولا عاملة على رضى مَنْ هي إليه صائرة. فالأذن لا تسمع، والقلب لا يخشع، والعين لا تدمع، والبطن لا تشبع، والسلعة بائرة، والأحوال قد حرمت الاستقامة؛ وهي حائرةٌ. وكذلك الأفعال والأقوال قد خالفت السنة المباركة الطاهرة، ونسأل الله العظيم الاستقامة والخاتمة بقدرته القاهرة، وما ذلك بعزيز على من يحيي العظام الداثرة.
ثم اعلم بأن فضل القرآن ومن تعلمه، وعلمه بغير منة ولا ملالة، لا يعلمه إلا الله سبحانه. قال ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» (^١). وفي
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٥٨ (٤١٢)، والدارمي في «سننه» (٣٣٣٨)، والبخاري في «صحيحه» (٥٠٢٧)، وأبو داود في «سننه» (١٤٥٢)، وابن ماجه في «سننه» (٢١١)، والترمذي في «جامعه» (٢٩٠٧، ٢٩٠٨)، والنسائي في «الكبرى» (٨٠٣٧). من حديث عثمان. وأخرجه الدارمي في «سننه» (٣٣٣٧)، والترمذي في «جامعه» (٢٩٠٩) من حديث علي.
[ ١٥٨ ]
حديث آخر: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (^١).
وهو حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه، ولا تحصى غرائبه: من قال به صدق، ومن عمل به أجر. ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم، ومن سنة القراءة أن يكون عزم القارئ إيناس وحشة البلوى، وجلاء كربة الدنيا، والشوق للقاء المولى، ومعرفة أحكام العبودية، وضبط آداب الخدمة، فمن قرأه كذلك كان إمامه وشفيعه وحجة له، ومن أعرض عن هذه المواجب وتركه خلفه ساقه إلى النار؛ وكان حجة عليه يوم يوقفه الحق بين يديه؛ لأن القرآن العظيم لم ينزل إلا لتدبر آياته ومعانيه، والعمل بجميع ما فيه.
قال قتادة ﵁: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضى الله قضاءً: جعله شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا (^٢).
وفي الحديث: «إن الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، ومن قرأه وهو عليه شاق فله أجران» (^٣) وَ: «مَنْ استظْهَرَ القرآنَ منزلتُه في أعلى الجِنان،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠١٥)، وعبد الله ابن أحمد في «السنة» (١٢٨) من حديث أبي سعيد. والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٢٠٨)، وفي «الأسماء والصفات» (٤٩٤)، وعبد الله ابن أحمد في «السنة» (١٢٩) من حديث أبي هريرة. قال البيهقي: تفرد به عمر الأبح، وليس بالقوي. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٣٣٤): ضعيف.
(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٧٨٨)، والبغوي في «تفسيره» ٥/ ١٢٣، وفي «شرح السنة» ٤/ ٤٣٧.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٤٨ (٢٤٢١١)، والدارمي في «سننه» (٣٣٦٨)، والبخاري في «صحيحه» (٤٩٣٧)، ومسلم في «صحيحه» (٧٩٨) (٢٤٤)، وأبو داود في «سننه» (١٤٥٤)، وابن ماجه في «سننه» (٣٧٧٩)، والترمذي في «جامعه» (٢٩٠٤)، والنسائي في «الكبرى» (٨٠٤٥)؛ من حديث عائشة ﵂.
[ ١٥٩ ]
ويخَفَّف عن والديه العذابُ، ولو كانا مشركينَ» (^١).
ومن السنة أن يميز القارئ من بين أشكاله وأمثاله وأخلاقه وأفعاله، بحمل الأذى وترك الردى، ووجود الراحة.
وكان القارئ يعرف بين الصحابة بصفرة لونه، ونحول جسمه، وكثرة بكائه، يبكي إذا الناس يضحكون، ويحزن إذا الناس يفرحون، ويصوم إذا الناس يفطرون، للناس حالٌ وله حالٌ (^٢).
ومن أدب القراءة أن يتخلَّل القارئ ويستاك، ويتجمل بثيابه ويتطيب، ويستقبل القبلة، ولا يقرأ متكئًا ولا مستندًا، ولا ممدود الرجل، ويمسك عن القراءة إذا تثاءب، وإذا بدأ بقراءة سورة لم يقطعها حتى يختمها، ولتكن أطرافه وسماعه عند القراءة ساكنة، لا يضرب فخذه، ولا يمزق ثوبه، ولا
_________________
(١) علَّقه بهذا اللفظ أبو الليث السمرقندي في «تنبيه الغافلين» ١٥٠، فقال: وروى يزيد بن أبي حبيب، عن النبي ﷺ أنه قال: .. فذكره. وهذا مرسلٌ ضعيف، إن صحَّ الإسناد إلى يزيد بن أبي حبيب، فإنه ثقة فاضل من صغار التابعين، لكني لم أجده مسندًا، وأصله ما أخرجه ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٣١٠، من طريق محمد بن المهاجر، عن أبي معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من حفظ القرآن نظرًا خفف عن أبويه العذاب وإن كانا كافرين». قال ابن حبان: محمد بن المهاجر: يضع الحديث على الثقات، ويقلب الأسانيد على الأثبات، ويزيد في الأخبار الصحاح ألفاظًا زيادة ليس في الحديث. وقال الذهبي في «الميزان» (٨٢١٨): محمد بن مهاجر، شيخ متأخر وضَّاع. هو الطالقاني. يعرف بأخي حنيف. يروى عن أبي معاوية وغيره. كذَّبه صالح جزرة وغيره. وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ٢٥٤، والذهبي في «تلخيص كتاب الموضوعات» (١٥٤)، والسيوطي في «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» ١/ ٢٢٣، وابن عراق في «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» ١/ ٢٩٢. (ت)
(٢) في هذه الأوصاف بعض المبالغة، وإنما ظهرت هذه الأحوال فيمن هم بعد الصحابة، وأظهر ما تكون في الخوارج المارقة العُبَّاد القُرَّاء الذين قاتلهم الصحابة تنفيذًا لأمر النبي ﷺ. (ت)
[ ١٦٠ ]
يصيح، ولا يلطم خده؛ فقد كانت الصحابة أخشع الناس قلوبًا، وأرق أفئدة، ولم ينقل عنهم أنهم فعلوا شيئًا من ذلك. وليفرغ القارئ قلبه ليتدبر آياته، وللوقوف على معانيه، ويرى كأنه يتلى عليه الوحي، أو كأنه سمعه من رب العالمين كفاحًا، أو يقرؤه على حال من يراه الله تعالى. فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ليكن القارئ طاهرًا من الحدث، ويزين القرآن بصوته، فإن حلية القرآن الصوت الحسن، وحسنه أن يرى السامع له أنه يخشى الله تعالى بغير زيادة حرف ولا نقصان حرف؛ لكي لا يخرج عن سنة النبي ﷺ، وهو بإجماع المسلمين حرام.
ويقرأ بحزن ووجد، فإن لم يكن له حزن فليتشبه بالحزين وبالباكي؛ قال المولى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال ﷺ: «يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (^١)، أمرهم بالتشبه لأن من تشبه بقومٍ حشر معهم، وكذلك قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٢).
ويجتنب الإنسان أصوات الفسقة الذين يحرفون القرآن، ويدخلون فيه الزيادة والنقصان؛ لأن ذلك فتنة على القارئ والسامع، ولا يصل إلى الميت.
ويستعيذ القارئ بالله تعالى أن لا يلقى في قراءته شرًّا وفتنة. ثم يستعيذ من الشيطان الرجيم، ثم يسمي الله تعالى ويستعين به على حفظ معانيه،
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في «مسنده» (١٢٥)، وأبو يعلى في «مسنده» (٤١٣٤)، والبغوي في «شرح السنة» ١٥/ ٢٥٣؛ من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الألباني في «الضعيفة» (٦٨٨٩): وهذا إسناد ضعيف، أو ضعيف جدًّا؛ يزيد الرقاشي هو: ابن أبان وقد ضعفوه. وأخرجه ابن ماجه في «سننه» (٤١٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: «ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا». وإسناده ضعيف، كما بيَّنه الألباني في «الضعيفة» (٦٥١١) و(٦٨٨٩).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٦١ ]
ورعاية حقوقه، والقيام بموجبه، ولا يرفع صوته جدًّا، وخفض الصوت أولى لخشوع القلب، ولجمع السِّر والعقل، ولبعد الرِّياء والسُّمعة.
وقد ورد في الحديث الصحيح: «المُسِرُّ بالقرآن كالمُسرِّ بالصدقة» (^١).
وروي أنَّ صدقة السِّر تضاعف على صدقة العلانية بسبعين ضعفًا (^٢). فإن لم يخف الرِّياء والسُّمعة فالجهر أفضل عند بعضهم بشرط (^٣) أن لا يؤذي غيره من مصلٍّ أو نائم، أو طائف.
واستدل بأن الجهر أكثر عملًا؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه وسمعه إليه، ويطرد نومه وينشطه، ويوقظ غيره من نائم وغافل متى حصل في النية هذا وأمثاله، فالجهر أفضل، ويسأل الله تعالى عند آية الرحمة، ويتعوذ به عند آية العذاب، ويسبح الله تعالى عند ذكر جلاله وعظمته وكبريائه؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٥١، ٢٠١ (١٧٣٦٨، ١٧٤٤٤)، وأبو داود في «سننه» (١٣٣٣)، والترمذي في «جامعه» (٢٩١٩)، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ٨٠ (٢٥٦١)، وفي «الكبرى» (٢٣٤٢) من حديث عقبة بن عامر ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم في «المستدرك» ١/ ٥٥٤: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢٠٤): إسناده صحيح. وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي.
(٢) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ٤/ ٨٧، والطبري في «تفسيره» ٥/ ٥٨٣ من حديث ابن عباس بلفظ: «… فجعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفًا». والديلمي في «مسند الفردوس» (٣٢٣٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: «… وصدقة في السر أفضل من سبعين صدقة في العلانية». قال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣١٢٧): موضوع.
(٣) في (ط): بحيث.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٣٨٢، ٣٨٤ (٢٣٢٤٠، ٢٣٢٦١)، والدارمي في «سننه» (١٣٠٦)، ومسلم في «صحيحه» (٧٧٢)، وأبوداود في «سننه» (٨٧١)، وابن ماجه في «سننه» (١٣٥١)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٢، ٢٦٣)، والنسائي في «المجتبى» ٢/ ١٧٦، ١٧٧ (١٠٠٨، ١٠٠٩) من حديث حذيفة بألفاظ متقاربة.
[ ١٦٢ ]
ويعرب القرآن؛ ففي الحديث: «من أعرب القرآن كان له بكل حرف عشر حسنات» (^١).
وإعرابُه: أن يبين حروفه، ويفصل بين الكلمات، ولا يبهمه، وله أن يكرر بعض الآي لتحريك فكره لفهم معانيه، وتنبيه قلبه لاقتباس أنواره، فقد كان النبي ﷺ يكرر آية واحدة في ليلته (^٢).
ومن السنة أن يتعاهد القرآن لكي لا ينساه (^٣).
وقيل: ما نسى المؤمن شيئًا من القرآن إلا بذنبٍ جناه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. قال ﷺ: «عرضتْ عليَّ ذنوب أمتي فلم أر فيها شيئًا أعظم ممن حفظ القرآن ثم نسيه» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧٥٧٤) من حديث ابن مسعود بلفظ: «أعربوا القرآن فإنه من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، وكفارة عشر سيئات، ورفع عشر درجات». قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٣٩: فيه نهشل، وهو متروك. وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٣٤٨): موضوع.
(٢) ربَّما فعل ﷺ ذلك أحيانًا، كما أخرج «النسائي» ١/ ١٥٦، وابن ماجه (١٣٥٠)، والحاكم ١/ ٢٤١، من حديث أبي ذر ﵁ قال: قام النبي ﷺ بآية حتى أصبحَ يردِّدُها، والآية: [إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم] [المائدة: ١١٨]. وأخرج أحمدُ ٣/ ٦٢ (١١٥٩٣)؛ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول اللهِ ﷺ ردَّد آية حتى أصبحَ. والحديثان من الأحاديث الحسنة، كما قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١١١٠)، وفي «الضعيفة» (٦٠٣٧).
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٧ في «مسنده» (١٩٥٤٦)، والبخاري في «صحيحه» (٥٠٣٣)، ومسلم في «صحيحه» (٧٩١)؛ من حديث أبي موسى بلفظ: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذى نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل فى عقلها».
(٤) أخرجه أبو داود في «سننه» (٤٦١)، والترمذي في «جامعه» (٢٩١٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٢٩٧). من حديث أنس ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٧١): إسناده ضعيف.
[ ١٦٣ ]
وفي حديث آخر: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم» (^١).
واسمع قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦] (^٢).
ومن البدعة ما يعمل عند القرآن من الحركة والتخبط والاضطراب وضرب الصدر، وجر اللحية، وتخريق الثياب. لا يفعله العقلاء ولا أولوا الألباب لمخالفة السنة والكتاب. قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ [الحشر: ٢١]. أي: ذليلًا خاضعًا متضرعًا (^٣)، أي: خائفًا.
وقال المولى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. فلين القلب بالمحبة والأشواق. ولين الجسد بالطاعة والإنفاق (^٤).
والاقشعرار (^٥) هو شيء يحرك القلب فيصل تأثيره إلى الجلود، وهو
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٥/ ٢٨٤، ٢٨٥ (٢٢٤٥٦، ٢٢٤٦٣)، والدارِمِي في «سننه» (٣٣٤٠)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٣٠٦)، وأبو داود في «سننه» (١٤٧٤) من حديث سعد بن عبادة. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٦١)، و«المشكاة» (٢٢٠٠): إسناده ضعيف.
(٢) هذا الاستشهاد بالآية ليس في موضعه، فالمراد بالنسيان فيها: الإعراض وترك الإيمان وعدم العمل، فلا يقع هذا الوعيد على من نُسِّي ما حفظه من القرآن مع بقاء إيمانه الصحيح وعمله الصالح. وأحاديث الوعيد في نسيان القرآن ضعيفة كما تبيَّن من التخريج، فلا يصحُّ عدُّه في كبائر الذنوب كما فعل بعض العلماء، نعم؛ إن كان عن إهمال وتقصير فهو عيبٌ ونقصٌ، وفيه كراهة شديدة، وقد قال الإمام ابن المنادَى ﵀ في «متشابه القرآن» ٥٢: ما زال السلفُ يرهبون نسيان القرآن بعد الحفظ لما في ذلك من النقص. والله تعالى أعلم. (ت)
(٣) في (خ): متصدعًا.
(٤) في (ط): الاتفاق.
(٥) في (خ): الإقشعار.
[ ١٦٤ ]
خدمة الملك المعبود، فيضطرب الجسد من الخوف. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
قال العلماء: حقيقة الوجل سكون الجوارح من خوف الله، وهو أن يدخل القلب من أنوار الذكر، فتندرج فيه الأعضاء والجوارح، وتسكن في خلو ذلك النور، فلا يحس جليسه باضطرابه، وهكذا كانت الصحابة عند سماع القرآن، وكذلك التابعون لهم بإحسان.
وافهم قول عرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة، زَرَفَتْ منها العيون، ووجلت منها القلوب (^١). ولم يقل: صرخنا من موعظته، ولا رقصنا، ولا ضربنا بأيدينا، ولا بصدورنا، ولا شققنا ثيابنا، ولا جبذنا لحانا، ولا أطرقنا برؤوسنا؛ لأن الخشوع هو في القلب، لا في الرأس.
فمن تخشع بقالبه دون قلبه، هو منافق لا موافق.
قال أبو الدرداء ﵁: تعوذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يخشع الجسد والقلب ليس بخاشع (^٢).
كما يفعله الجاهلون والمبتدعون، فيصرخون عند المواعظ وقراءة القرآن، ويتخبطون ويتغاشون، وهذه الأشياء وما يقربها من الشيطان.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٢٦ (١٧١٤٤)، والدارمي في «سننه» (٩٥)، وأبو داود في «سننه» (٤٦٠٧)، وابن ماجه في «سننه» (٤٢)، والترمذي في «جامعه» (٢٦٧٦)؛ من حيث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسولُ الله ﷺ ذات يوم، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فوعَظَنا موعِظةً بَليغةً، ذَرَفتْ منها العيون، ووَجِلت منها القلوبُ، فقالَ رجل: يا رسولَ الله، كأنَّ هذه موعظةُ مودِّعٍ، فماذا تَعْهدُ إلينا؟ قال: «أُوصيكم بتقْوى الله، والسَّمعِ والطاعة، وإنْ عَبْدًا حبشيًّا، فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنّتي وسنّةِ الخلفَاءِ الراشِدينَ المهديِّينَ، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وكل بدْعَةٍ ضَلَالَة». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. وقال الألباني في «الصحيحة» (٩٣٧): هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٦٨٦١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٩٦٦).
[ ١٦٥ ]
وصح في الحديث أن للموسوسين شيطانًا يضحك بهم، يقال له الولهان (^١).
روي أن ابن عمر ﵄ مر برجل من أهل العراق وهو ساقط. فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: إنه إذا سمع القرآن وذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله ولا نسقط. ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صُنع (^٢) أصحاب رسول الله ﷺ (^٣).
فلو كان هذا حقًّا أو يثاب فاعله، لشاع في السابقين المتشرعين؛ كما فشا في المتأخرين المبتدعين: فقد علمت أن قراءة القرآن بالتدبر والتفكر والخشوع، مع سكون الجوارح والأركان، يورث القارئ رضى الرحمن، والفوز بالجنان.
ولا تكن من الخارجين فتسقط من عين رب العالمين. وانظر ماذا مَنَّ الله عليك به بقدرته القاهرة بأن ورثك كنزًا من كنوز الآخرة. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢].
فإذا فرح المغرور بما ورث من درهم ودينار، افرح أنت بما ورثك الله
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ١٣٦ (٢١٢٣٨)، وابن ماجه في سننه (٤٢١)، والترمذي في جامعه (٥٧)، وابن خزيمة في صحيحه (١٢٢). من حديث أبي بن كعب بلفظ إن للوضوء شيطانًا يقال له: الولهان. قال أبو عيسى: حديث أبي بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقوى. وقال الألباني في ضعيف الجامع (١٩٧٠): ضعيف جدًّا.
(٢) في (ط): فعل.
(٣) أخرجه أحمد في «الزهد» ٢٤٢، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (٣٠٧)، وأبو نُعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٣١٢، والثعلبي في «الكشف والبيان» [الزمر: ٢٣]. وأخرج البغوي في تفسيره [الزمر: ٢٣] عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله ﷿: تدمع عيونهم، وتشقعر جلودهم. قال: فقلت لها: إن ناسًا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خرَّ أحدهم مغشيًا عليه. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
[ ١٦٦ ]
تعالى من الآيات والأذكار، واقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
فافرح أيها المملوكُ بهدايا الملوك، وقل: ما آتاني الله خير مما آتاكم. أعطاهم شيئًا فانيًا، وخصك بما يبقى.
ثم اعلم بأن الله تعالى شبه القرآن العظيم بالميراث؛ ألا ترى أن بعضهم يرث من ميته جميع ماله، ومنهم من يرث النصف، ومنهم من يأخذ الربع، وآخر نصيبه الثلث، ومنهم من يرث السدس، وآخر يأخذ الشيء اليسير، وبذلك كله حكم المولى القدير، ومنهم من لا يأخذ شيئًا. كذلك القرآن العظيم؛ فلو تعلم القارئ أحكام القرآن ما وقع في ظلمات الجهل وكان حبيب الباري.
فإن احتج أحدٌ من هؤلاء المبتدعين الذين يتواجدون (^١) عند ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه؛ فيقومون ويصرخون ويتمايلون أو يرقصون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [السجدة: ١٩١]، يقال لهم: جهلتم تفسير الآية، ليس هذا الدليل يرضي المولى الجليل. وتفسيرها قوله ﷺ لعمران بن حصين، وكان به بواسير فسأل النبي ﷺ فقال: «صلِّ
_________________
(١) الوجد: الحزن، يقال: وجَد الرجلُ وَجْدًا بالفتح ووَجِد حَزِنَ، وتَوَجَّدْتُ لفلان، أَي حَزِنْتُ له. ثم استعمله الصوفية في مصطلحاتهم، وهو على ثلاثة مراتب: التواجد الوجد والوجود. فالتواجد استدعاء الوجد بنوع من الاختيار، وليس لصاحبه كمالَ الوجد لأنه غير متكلف. والوجد وجمعه المواجيد ما يصادف القلب، ويرد عليه بلا تكلف ولا تصنع، وقيل: هي بروق تلمع ثم تخمد سريعًا، والوجود فقدان العبد بمحاق أي: بزوال أوصاف البشرية، ووجود الحق، لأنه لا بقاء للبشرية عند ظهور سلطان الحقيقة، فالتواجد بداية، والوجود نهاية، والوجد واسط بين البداية والنهاية. والوجد والتواجد هو نتيجة سماع شيء مثير للوجدان كالقرآن والمدائح والغناء، فعند السماع يحصل لهم هيجان وثوران، وتمايل ورقص وحركات بهلوانية حتى يفعل الواحد منهم أفعالًا لا يستطيعها في غير هيجانه، أي: حضوره ووجده. وهذا كله من بدع الصوفية وسخافاتهم. وقال الغزالي في «إحيائه» ٣/ ٢٣٧: يثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد، ويثمر الوجد تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب، وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص!
[ ١٦٧ ]
قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (^١).
فإن قالوا: حال يعترينا. يقال لهم: الحال ينقسم إلى قسمين: حال رباني وحال شيطاني، ولكل منهما قرينة.
فأما الحال الرباني فاستغراق الشخص الإنساني، وغيابه في شهود المعاني، بحيث لا يعرف القاصي من الداني، ولا يظهر منه ما يخالف الشرع، وقواعد المباني (^٢).
وأما الحال الشيطاني فإنه يظهر التخبط والرقص، وما تقدم ذكره من الهذيان والدعاوي وهو واعي.
وكذلك التواجد على النغمات والألحان، هو استماع معلول؛ لأنه استمع على الصوت المطرب، لا على حقيقة القول، وهذا يدل على فراغ القلب من خوف الله تعالى، وفيه أيضًا تشبه بالكفرة، ولم ينقل مثل هذا عن السادة البررة. قال الله تعالى في صفة أعدائه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥].
قال علماء التفسير: كانوا يطوفون بالكعبة ويصفقون ويرقصون (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٤٢٦ (١٩٨١٩)، والبخاري في «صحيحه» (١١١٧)، وأبو داود في «سننه» (٩٥٢)، وابن ماجه في «سننه» (١٢٢٣)، والترمذي في «جامعه» (٣٧٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٩٧٩، ١٢٥٠)؛ من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٢) الحال من اصطلاحات الصوفية أيضًا، ويقصدون به أن ينبعث من باطن العبد داعية للمراقبة أو المحاسبة أو الإنابة أو غير ذلك، ثم تزول تلك الداعية لغلبة صفات النفس ثم تعود بعد زوالها، ثم تعود بعد عودها. والسلف الصالح لم يعرفوا هذا المصطلح، وإنما عرفوا ما جاءت في نصوص الكتاب والسنة من الخشوع والخشية والخوف والحب والرجاء والإنابة وغيرها من أعمال القلوب، التي تزيد النفوس صفاء، والعقول صحة، وليس أن يجعل العبد في غيبوبة لا يعرف القاصي من الداني! (ت)
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» ١٣/ ٥٢٤، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨٣٩١)، والطبراني في «الكبير» ١٢/ ١٣ (١٢٣٢٤) من حديث ابن عباس بلفظ: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفِّرون ويصفِّقون، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾.
[ ١٦٨ ]
ويخاف على من خرج عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، وتشبه بالكفار أن يلقى معهم في النار.
ومثل أحدهم كالكوز الفارغ الذي يتدحرج يمينًا وشمالًا فارغًا من التقوى والورع والإخلاص.
ولو كان هذا ملآن لكان ثابت الأركان، فقد تبين أن هذه الأشياء ما هي من صفات الخائفين، ولا طريق عباد الله الصالحين. قال بهز بن حكيم: صليت خلف زرارة بن أوفى فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] فخر ميتًا، فكنت ممن حمله إلى منزله (^١).
وسمع عمر بن الخطاب ﵁ آيةً من رجل يقرؤها، فخر مغشيًّا عليه، ومرض شهرًا (^٢).
فهذه صفة الأولياء لما كانت القلوب واعيةً أثَّر فيها القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. أي قلب واعٍ (^٣)، فاسلك مسالكهم، وانهج مناهجهم، والق عصاك فهذا جانب الوادي.
فإن قال قائل: من أين لي اللحوق بهؤلاء الأقوياء وأنا ضعيف، يقال له: فلا تخرج عن طريقهم تقع وتقوم وأنت تقفو الأثر. فتلحق بهم كما جاء في الخبر؛ وهو قول بعض الصحابة: يا رسول الله إنا نحب القومَ ولمَّا
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٤٤٥)، والحاكم في «مستدركه» ٢/ ٥٠٦، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٩٣٩)؛ من حديث بهز بن حكيم بلفظ: أمَّنا زرارة بن أوفَى في مسجد بني قشير، فقرأ المدثر فلما انتهى إلى هذه الآية: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] خرَّ ميتًا. قال بهزٌ: فكنتُ فيمن حمله. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (٤٤٥): صحيح. وللعلامة أبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري رسالة: «خشوع الصحابة وأحوال مبتدعة»، مفيدة في بابها.
(٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» ٢/ ٢٩٧، وابن كثير في «تفسيره» ٧/ ٤٣٠.
(٣) في (ط): داعٍ.
[ ١٦٩ ]
نلحق بهم. قال: «المرء مع من أحب» (^١).
فإن قالوا: إن هذا الأمر قد شاع بين العباد في جميع الأماكن والبلاد!
جوابُه: شيوع البدع وانتشارها، وقلة إنكارها لا يدل على جوازها، كما أن كتمها لا يدل على منعها، ألا ترى أن إسبال الثوب للرجل تحت الكعبين حرام، وقد شاعَ في جميع بلاد الإسلام، وكذلك الطيلسان بغير عذرٍ يكره لكلِّ إنسان (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أما الإسبال فقد ورد في تحريمه على الرجال أحاديث صحيحة، منها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار». أخرجه البخاري (٥٨٨٧)، والنسائي ٨/ ٢٠٧، وفي رواية النسائي: «إزرة المؤمن إلى عضلة ساقه، ثم إلى نصف ساقه، ثم إلى كعبه، وما تحت الكعبين من الإزار ففي النار». وعن العلاء بن عبد الرحمن ﵁ عن أبيه، قال: سألت أبا سعيدٍ عن الإزار، فقال على الخبير بها سقطت: قال رسول الله ﷺ: «إِزرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج أو قال: لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك فهو في النار، ومن جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه يوم القيامة». أخرجه أبو داود (٤٠٩٣)، وابن ماجه (٣٥٧٣)، وابن حبان في صحيحه (٥٤٢٦). وعن زيد بن أسلم: عن ابن عمر ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعليَّ إزار يتقعقع، فقال: من هذا؟ فقلت: عبد الله بن عمر. قال: «إن كنت عبد الله فارفع إزارك»، فرفعت إزاري إلى نصف الساقين. فلم تزل أزرته حتى مات. أخرجه أحمد ٢/ ١٤١. وعن أبي ذر الغفاري ﵁: عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وفي رواية: «المسبل إزاره». أخرجه مسلم (١٠٦)، وأبو داود (٤٠٨٧)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي ٨/ ٢٠٨، وابن ماجه (٢٢٠٨). وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء». أخرجه البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥)، والترمذي (١٧٣٠)، وابن ماجه (٣٥٦٩). =
[ ١٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفي الباب أحاديث أخرى راجعها في «الترغيب والترهيب» (٣٠٠٥ - ٣٠٢٣). وقد اتَّفق العلماء أنَّ إسبال الرجل ثوبه بطرًا وخيلاء من الكبائر، واختلفوا إذا لم يكن عن خيلاء، والصحيح فيه التحريم، كما قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ١٠/ ٢٧٥: «وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه … ويَتَّجه المنع أيضًا في الإسبال من جهة أخرى وهي كونه مظنة الخيلاء. قال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجُرُّه خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول لا أمتثله، لأن تلك العلة ليست فيَّ، فإنها دعوى غير مُسلَّمة، بل إطالته ذيله دالَّة على تكبُّره. انتهى ملخصًا. وحاصله أن الإسبال يستلزم جَرَّ الثوب، وجَرُّ الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء. ويُؤَيِّده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: «وإياك وجَرَّ الإزار، فإن جَرَّ الإزار من المخيلة».» أما الطيلسان: فهو من لباس اليهود. قال الإمام القاضي أبو يعلى ابنُ الفراء: لا يمنع أهل الذمة من الطيلسان، وهو المُقَوَّرُ الطرفين، المكفوف الجانبين، الملفَّق بعضها إلى بعض، ما كانت العرب تعرفه، وهو لباس اليهود قديمًا، والعجم أيضًا، والعرب تسمِّيه: ساجًا. ويقالُ: إنَّ أول من لبسه من العرب جُبير بن مطعم، وكان ابن سيرينَ يكرهه. نقله السبكي في «الفتاوى» ٢/ ٤٠٣، والسفاريني في «غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب» ٢/ ٢٥٨. وفي «تاج العروس»: القوارة كثُمامة: ما قُوِّر من الثوب وغيره، كقوارة القميص والجيب والبطيخ، أو يخص بالأديم خصه به اللحيانيُّ. والقوارة: اسم ما قطعت من جوانب الشيء المقوَّر، وكل شيء قطعت من وسطه خرقًا مستديرًا فقد قوَّرته. والقوارة أيضًا: الشيء الذي قطع من جوانبه. الأولى ذكرها الصاغاني، والثانية الجوهري وهو ضدٌّ. وفيه أيضًا: واختلف في الطيلسان والطيلس، فقيل: هو ضرب من الأكسية، والطالسان لغة فيه، قيل: هو معرَّب، وحكى عن الأصمعي: أنَّ الطيلسان ليس بعربي وأصله فارسيٌّ، إنما هو تالسان، فأُعرب، هكذا بالسين المهملة، وفي بعض نسخ التهذيب: بالشين المعجمة، وهكذا ضبطه الأرموي. ومن المجاز يقال في الشتم: يا ابن الطيلسان! أي إنك أعجمي، لأن العجم هم الذين يتطيلسون، نقله الزمخشري والصاغاني. وروى أبو عبيد عن الأصمعي، قال: السدوس: الطيلسان. وجمعه: الطيالسة، قال ابن سيده: والهاء في الجمع للعجمة، قال: وجمع الطيلس: الطيالس، قال: ولم أعرف للطالسان جمعًا. وفي «صحيح مسلم» (٢٩٤٧) من حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: =
[ ١٧١ ]
ومثل هذه البدعة كثير، لا يحتمله هذا المختصر فلا يحتج به ولا يعتبر.
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت الملائكة عليه حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلَّت
_________________
(١) = «يتبع الدجَّال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة». وأخرج الحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٩١: عن أبي عمران الجوني: أنَّ أنس بن مالك ﵁ حدَّثه قال: ما أشبهتُ الناس اليومَ في المسجدِ وكثرةَ الطيالسة؛ إلا بيهود خيبر. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ومعناه: الطيالسة المصبَّغة فإنَّها لباس اليهود. وقال ابن الحاج في «المدخل» ١/ ١٤٥: وقد ورد في الطيلسان أنه ريبةٌ بالليل ومذلة بالنهار، وقد ورد أن أحبار اليهود إنما كانوا يُعرفون في زمان نبينا ﷺ بصفة هذا الطيلسان اليوم، فيكون ذلك تشبهًا بهم. ثم قال: وأما الطيلسان المعهود في هذا الزمان فيكره لما تقدم ذكره، فإن كان لضرورة كحرٍّ أو بردٍ، فلا بأس به، لكن بشرط أن لا يتكلَّف هذا التكلف الذي يفعله بعض الناس اليوم فيه، وما لم يخرج به إلى حدِّ هذا الكبر الشنيع. وذكر صديق حسن خان في «حسن الأسوة» ٢٠٦ قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قُلْ لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ [الأحزاب: ٥٩]، فقال: استنبط بعض أهل العلم من هذه الآية أن ما يفعله علماء هذا الزمان في ملابسهم من سعة الأكمام، والعمة، ولبس الطيلسان حسنٌ، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزًا لهم، وبذلك يعرفون فيلتفت إلى فتاواهم وأقوالهم. قال السبكي: ومنه يعلم أن تمييز الأشراف بعلامةٍ أمر مشروع أيضًا. انتهى. وأقول: ما أبرد هذا الاستنباط وأبعده، وما أقل نفعه وجدواه، لا سيما بعد ما ورد في السنة المطهرة من النهي عن الإسراف في اللباس، وإطالته، وقد منع من ذلك سلف الأمة وأئمتها، فأين هذا من ذاك، وإنما هو بدعة قبيحة شنيعة، مردودة على صاحبها، أحدثها علماء السوء ومشايخ الدنيا، ومن هنا قال على القاري في معرض الذمِّ لأهل مكةَ: لهم عمائم كالأبراج، وكمائم كالأخراج. وما ذكره من أن زي العلماء والأشراف في هذا الزمان سنةٌ؛ ردَّه ابن الحاج في «المدخل» بأنه مخالف لزيهم في زمن النبي ﷺ، وزمن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من خير القرون، فإن قيل: إنهم به يعرفون! قيل: إنهم لو بقوا على الزي الأول لعرفوا به أيضًا، لمخالفته لما عليه غيرهم الآن. وانظر: «أحكام أهل الذمة» لابن القيم ٣/ ١٢٩٥. (ت)
[ ١٧٢ ]
عليه الملائكة حتى يمسي (^١).
وكان أنس بن مالك ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا (^٢).
وروي في «الصحيح»: أن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن (^٣)؛ فيستحب (^٤) الدعاء عَقِيب الختم استحبابًا (^٥) مؤكدًا.
وروي أنَّ مَنْ قرأ القرآنَ ثم دعا أمَّن على دعائه أربعةُ ألف ملك (^٦).
وينبغي أن يلح في الدعاء بالأمور المهمة من مصالح الدنيا والآخرة له وللمسلمين.
ويستحب إذا فرغ من الختم شرع في أخرى متصلًا؛ لما جاء في
_________________
(١) أخرجه الدارمي في «سننه» (٣٤٨٣)، البغوي في «شرح السنة» ٤/ ٤٩٣. قال أبو محمد الدارمي: هذا حسن عن سعد.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» ١/ ١٤٠، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٠٦٦١)، والدارمي في «سننه» (٣٤٧٤)، والطبراني في «الكبير» ١/ ٢٤٢ (٦٧٤). قال الدارقطني في «العلل» ١٢/ ١٣٨: صحيح.
(٣) لم يرد هذا في «الصحيح»، وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٠٦٦٥)، والدارمي في «السنن» (٣٣٨٥)، والفريابي في «فضائل القرآن» (٧٨) عن الإمام مجاهد بن جبر المكي ﵀ قال: الرحمة تنزل عند ختم القرآن. (ت) وأخرج الفريابي (٧٨) عن الحكم قال: كان مجاهد وعبدة بن أبي لبابة، وناس يعرضون المصاحف، فلما كان في اليوم الذي أرادوا أن يختموا فيه القرآن بعثوا إليَّ وإلى سلمة بن كهيل، فقالوا: إنا كنا نعرض المصاحف، وإنا نريد أن نختم اليوم، فإنه كان يقال: الرحمة تنزل أو تحضر عند ختم القرآن. (ت)
(٤) في (ط): فيستجب.
(٥) في (ط) استيجابًا.
(٦) أخرجه الدارمي في «سننه» (٣٤٨١)، عن حميد الأعرج من قوله. وهو حميد بن قيس الأعرج المكي، تابعيٌّ فاضل، كان قارئ أهل مكة. وهو من رجال الكتب الستة، توفي سنة (١٣٠) أو بعدها. قال وهيب بن الورد: كان الأعرج يقرأ في المسجد، ويجتمع الناس عليه حين يختم القرآن، وأتاه عطاءٌ ليلة ختم القرآن. (ت)
[ ١٧٣ ]
الحديث: «إن خير الأعمال الحل والرحلة». قيل: وما هما؟ قال: «افتتاح القرآن وختمه» (^١).
ومن حصل له التدبر والفكر، وجمع القلب بقراءته من حفظه فهو أفضل من قراءته في المصحف بغير تدبر وجمع. وإن حصل ما تقدم ذكره من جمع القلب والتدبر في قراءته من المصحف فهو أفضل، وإن استويا فالقراءة من المصحف أفضل.
قال السيد الجليل صاحب الكرامات والمواهب والمعارف إبراهيم الخوَّاص ﵁: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين (^٢).
_________________
(١) ذكره بهذا اللفظ الديلمي في «مسند الفردوس» (٢٨٨٩) عن أنس بن مالك. وأخرجه الدارمي في «سننه» (٣٤٧٦)، والترمذي في «جامعه» (٢٩٤٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» ١٢/ ١٦٨ (١٢٧٨٣)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٥٧٦. من حديث ابن عباس بلفظ: قال رجل: يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الحالُّ المرتحل» قال: وما الحال المرتحل؟ قال: «الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حلَّ ارتحلَ». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن عباس. وقال الألباني في «ضعيف الترمذي» (٥٦٨): ضعيف الإسناد.
(٢) أخرجه ابن الجوزي في «ذم الهوَي» ١/ ٧٠، والنووي في «الأذكار» ١/ ١٠٧. وإبراهيم الخوَّاص: أبو إسحاق هو إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل (ت: ٢٩١)، والخوَّاص: بائع الخوص. قال الخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٧: من أهل سر من رأى، وهو أحد شيوخ الصوفية، وممن يذكر بالتوكل وكثرة الأسفار إلى مكة وغيرها على التجريد، وله كتب مصنفة. (ت)
[ ١٧٤ ]