قال الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. فدلت هذه الآية أن ثَمَّ تكبرًا بحق، وهو قوله ﷺ: «إذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم» (^١)، فينبغي للمؤمن أن يتكبر على المتكبرين إن لم يخف شرَّهم؛ لأنهم قد سقطوا من رحمة الله ورضوانه؛ لما روي أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: قل للمتكبرين لا يدعوني، فليس لهم عندي رحمة (^٢). وقال ﷺ: «ثلاث مهلكات: شحٌّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه» (^٣).
_________________
(١) أورده الغزالي في «إحياء علوم الدين» (٣/ ٣٤١) بلفظ: «إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم، وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم؛ فإن ذلك مذلة لهم وصغار». وقال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ٢/ ٩٥٦: غريب. وذكره الفتني في «تذكرة الموضوعات» ١٩١.
(٢) لم أقف عليه. وهو من منكرات الإسرائليات.
(٣) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٤٥٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧٤٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٣٢٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٤٣) من حديث أنس ﵁. وقال الهيثمى في «المجمع» ١/ ٩١: فيه زائدة بن أبي الرقاد وزياد النميرى، وكلاهما مختلف في الاحتجاج به. وفي الباب عن عبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفي، وعبد الله بن عمر، وقد حسنه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (١٨٠٢).
[ ٤٦١ ]
فالكبر والعجب مصيبتان في الدين عظيمتان، وآفتان كبيرتان، قال الواحد القهار: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (^١) [غافر: ٣٥]، وقال ربُّ العالمين: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠].
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: التقى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو على الصفا (^٢) فتواقفا، فمضى ابن عَمرٍو (^٣)، وأقام ابن عُمر (^٤) يبكي، فقالوا: وما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا يعني عبدَ الله بن عمرو (^٥) - زعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من كبرٍ أكبَّه الله في النار على وجهه» (^٦).
وقال: «لا يزالُ الرجلُ يَذهبُ بنفسه حتى يُكتبَ في الجبَّارين فيصيبه ما أصابهم» (^٧).
وقال موسى ﵇ يوم الطور: يا رب من أبغض خلقك إليك؟
_________________
(١) في (خ، ق): (إن الله لا يحب كل متكبر جبار). وهذا سبق قلم من الناسخ، فليس في كتاب الله ﷿ هذا، بل فيه: (إن الله لا يحب كل خوان كفور) [الحج: ٣٨]، و(إن الله لا يحب كل مختال فخور) [لقمان: ١٨].
(٢) كذا في النسخ، وفي مصادر الحديث: (على المروة).
(٣) في النسخ: (ابن عُمر) وهو وهم من المؤلف أو الناسخ.
(٤) في النسخ: (ابن عَمرو) وهو وهم أيضًا.
(٥) في النسخ: (عبد الرحمن بن عمرو) وهو ثالث الأخطاء، وقد صححناها من مصادر التخريج.
(٦) حديث صحيح: أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢١٥ (٧٠١٥)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٦٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٨١٥٤)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤٣٧٤) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، فذكره.
(٧) أخرجه الترمذي في «الجامع» (٢٠٠٠)، والروياني في «المسند» (١١٦٧)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٦٢٥٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٣٥٨٩) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٩١٤): ضعيف.
[ ٤٦٢ ]
قال: يا موسى، من تكبَّر قلبه، وغلظ لسانه، وصفقت عينه، وبخلت يده (^١).
ثم اعلم بأن الله سبحانه جعل التواضع من أخلاق النبيين والصالحين، وجعل التكبر من أخلاق الأبالسة والجبابرة والفراعنة، لعنهم الله أجمعين، فإن (^٢) اتصفتَ به في الدنيا، حشركَ الله تعالى معه في الآخرة. واسمع قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «طُوبى لمن تواضع من غير مَسْكنةٍ» (^٣)، فالمتواضع هو من أهل الجنة، ومن جار فله النار.
قال ﷺ: «يقول الله ﷿: الكبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إِزاري، من نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار ولا أبالي» (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) في النسخ: (ومن).
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٤٦١٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٨٢) عن ركب المصري قال: قال رسول الله ﷺ: «طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذلَّ في نفسه من غير مسكنة، وأنفق مالًا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت علانيته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٩٥): رواه الطبراني من طريق نصيح العبسي عن ركب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٨٣٥).
(٤) أخرجه الحميدي في «مسنده» (١١٤٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٧١١١)، وأحمد بن حنبل في «مسنده» ٢/ ٣٧٦ (٨٨٩٤)، وابن ماجة في «سننه» (٤١٧٤)، وأبو داود في «سننه» (٤٠٩٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٢٨) من حديث أبي هريرة ﵁. وليس فيه: «ولا أبالي». وأخرج مسلم في «الصحيح» (٢٦٢٠) عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: «العزُّ إزارُه، والكبرياءُ رداؤه، فمن ينازعني عذبته». قال الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» (٢٦٢١): كذا فيما رأينا من نسخ كتاب مسلم. وأخرجه أبو بكر البرقاني في كتابه من حديث عمر بن حفص بن غياث الذي أخرجه مسلم من حديثه وبذلك الإسناد إلى أبي مسلم الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿: العزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئًا منهما عذبته». وهكذا أخرجه أبو مسعود في كتابه. (ت)
[ ٤٦٣ ]
فإيَّاك أيها المسكين! أن تتصف في هذا الباب ببعض صفات مولاك، فتكون النار مأواك، وارجع إلى قدرك، فإنك عبدٌ ضعيف، لكي يرحمك المولى اللطيف. قال ﷺ: «رحم الله من عَرَف قدره، وكفى الناس أمره» (^١)، فمن تواضع عرف قدرَه، ومن تكبر ما عرف قدرَه ولا كفى الناس أمره، فيوقعهم بتكبره في الغيبة، ونسأل الله تعالى أن يحرسنا من كل المعاصي، ومن هذه المصيبة.
انظر أيها المبعود (^٢) إلى حالك ثم تكبَّر: أوَّلك نطفة، وآخرك جيفة، وأنت الآن كجراب حسن، ظاهره مليح، وباطنه قبيح، دمٌ وقيح، وبول ومصارين، وما يبرز منك يؤذي الناظرين.
مرَّ بعضهم بكَنيفٍ مكشوفٍ فسدَّ أنفَه من نتن رائحته، وإذا لسان الحال يقول: أنا ما كنت كذا. كان الناظر يودُّ لو رآني أو شمَّني، صحبتك ستَّ ساعات من النهار فصرت إلى ما ترى من الأوساخ والأكدار.
فانظر أيها العبد كل شيء يصحبك تلف، حتى المسك والورد، فيا من هذا حاله، وبعد هذا يموت، ولا يحمل قرصة برغوث، أيليق لك التكبر أيها الممقوت؟!
ثم اعلم بأن التكبر أول معصية عُصي الله تعالى بها، وعبد إبليس ربه مئة ألف سنة على قول بعض العلماء، ورفعه الله إلى السماء، وكان رفيع المنزلة، حسن الصورة، مستجاب الدعوة، خازنًا من خزان الجنة،
_________________
(١) ليس هذا بحديث، وإنما حكمة قديمة تذكر عن بعض السلف، فقد ذكر القشيري في «الرسالة» ١/ ٢٨١ عن عمر بن عبد العزيز قال: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه. وذكر أبو منصور الثعالبي في «درر الحكم» ٣٩ عن علي ﵁ قال: ما هلك امرؤٌ عرف قدرَهُ.
(٢) في (خ): المعبد. وفي (ب): المبعد.
[ ٤٦٤ ]
تحت يده ألوف من الملائكة، يحكم عليهم، فتكبر على آدم، فصيَّره الله تعالى بعد الملكية (^١) شيطانًا، وغيَّر لونه ومكانه، ولعنه إلى يوم القيامة، فيخاف على المتكبر أن يحبط عمله الله تعالى، ويكون رفيقًا لإبليس في جهنم، فيعود في حسرة وندامة؛ لتشبهه بالأبالسة والفراعنة لعنهم الله، ومن تشبه بقوم حُشر معهم (^٢). روي ذلك عن من ظللته الغمامة.
قال العلماء: لما خلق الله هذا الوجود، طلب الكل العلو إلا الماء، فتواضع فجرت منه السيول، وطلبت بطون الأودية والسهول، ولم تتعرض للعلو، فجعل الله تعالى منه كل شيء حي، مما يعقل ومما لا يعقل، وعاشت الأشجار، وأذهب الله به الأكدار، وطهر به الأنجاس، وعاش النبات والحيوان والناس، وكذلك أنت أيها المؤمن؛ إن تواضعت (لله ولعظمته) (^٣)؛ جعل منك كل شيء حي، فيحيي (^٤) جوارحك بالمجاهدة، ويحيي قلبك بالمشاهدة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
فإن قال قائل: قد أخبرتني ببعض ما أعد الله تعالى من الحسنات لمن تواضع لعظمة الله وخضع، وما أعده لمن خرج عن طريق الله ورسوله فتكبر وابتدع، فأخبرني ما صفة التواضع؟ وما هو التكبر؟ وما صفة الرحمة؟ فإن كان فيَّ شيء من صفة المتكبرين فادع الله الكريم الغفار أن ينقذني من صفات أهل النار، وإن ظهر (^٥) فيَّ شيء من التواضع شكرت الله تعالى الذي خصني بحلية الأبرار.
_________________
(١) في (خ): المليكة.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٥٠ (٥١١٤)، وعبد بن حميد في «مسنده» (٨٤٨)، وأبو داود في «سننه» (٤٠٣١) من حديث ابن عمر، بلفظ: «ومن تشبَّه بقوم فهو منهم». وقال الزركشي في «اللآلي المنثورة في الأحاديث المشهورة»: أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر بإسناد في ضعف.
(٣) في (خ، ب): لعظمة الله سبحانه.
(٤) في (خ): هو يحيي.
(٥) في (ق): كان. وفي (ب): حق.
[ ٤٦٥ ]
اعلم رحمك الله تعالى! أن الكبر صفة (^١) من صفات الجبل الشامخ والتلِّ العالي، وصفة المتواضع (^٢) كالأرض اللينة الوطية، وصفة الرحمة كالمطر.
فإن قال القائل: إن المطر إذا نزل عمَّ العالي والمتواطي.
قيل: صدقت، لكنه لا يستقر الماء على ما علا من الأرض، وينزل الجميع إلى الأرض الوطيَّة فتصبح مخضرة من هذه الخيرات والعطيَّة. قال الله سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. والعبد المتواضع هو من المتقين، قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، أي: يمشون وهم متواضعون. وقال تعالى: ﴿وَلَا تصاعر خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (^٣) [لقمان: ١٨]، أي: لا تمله عن الناس معرضًا وتكبرًا عليهم واستخفافًا بهم. وهذه صفة من صفات المتكبر: يغمض المؤمنين الأخيار، ولا يدور مع الحق حيث دار.
قال ﷺ: «ثلاثٌ هن أصل كل خطيَّة، فاتقوهن واحذروهن: إيَّاكم الكبر؛ فإن إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم، وإيَّاكم الحرص؛ فإن آدم حمله الحرص على أن يأكل من الشجرة، وإيَّاكم الحسد، فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما الآخر حسدًا» (^٤).
وفي حديث آخر أنه قال ﷺ: «عُرِض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار؛ فأمَّا أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد
_________________
(١) في (خ، ب): المتكبر صفته.
(٢) في (خ، ب): المتضع.
(٣) وهي قراءة نافع وأبي عمرو والكسائي وخلف بألف بعد الصاد وتخفيف العين لغة الحجاز، وافقهم اليزيدي والأعمش، والباقون بتشديد العين بلا ألف لغة تميم. انظر: «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» للبناء (ص ٤٤٨).
(٤) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٩/ ٤٠) من حديث ابن مسعود ﵁. وأورده الألباني في «الضعيفة» (٦٦٦٩) وقال: ضعيف جدًّا.
[ ٤٦٦ ]
مملوك لم يشغله رقُّ الدنيا عن طاعة ربه، وفقير ضعيف ذو عيال. وأمَّا أول ثلاثة يدخلون النار: أميرٌ مسلط، وذو ثروة من المال لا يؤدي الزكاة، وفقير فخور» (^١)، فالتكبر هو حجاب بين العبد ورب الأرباب، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يخرق هذا الحجاب.
ثم اعلم بأن الله ﷿ قد جعل قبل خلق السموات والأرض العزَّ في الطاعة، والذُّل في المعصية، والمؤمن هو عالم بأن الحق تعالى لا بد أن يعزَّ من أطاعه، ويذلَّ من عصاه، وتراه على الدوام يخالف سيده ومولاه، وكيف هذا؟! قال: حتى تعلم أن ناصيتك بيده، وأن العلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر، ونسأل الله تعالى أن يدرك نفوسنا الهالكة التالفة، فليس لها من دون الله كاشفة، فمن رزقه الله تعالى علمًا وعقلًا، ثم سعى في استجلاب ما يضره، وفي دفع ما ينفعه (كان هذا العلم والعقل) (^٢) حجة عليه يوم يوقفه الحق بين يديه، ليته لا رزق هذا العقل والعلم؛ لأن الجهل خيرٌ من علمه، والمجنون أحسن حالًا من هذا العاقل؛ لأن المجنون القلم مرفوع عنه، ويثاب على جُنِّه، وهذا المسكين يعاقب على عقله، وكان ﷺ يتعوذ من علم لا ينفع، ومن أذن لا تسمع، ومن قلب لا يخشع، (ومن عين لا تدمع) (^٣)، ومن بطن لا يشبع (^٤). وقد وصف الله تعالى لنا في الكتاب صفة الأعداء وصفة الأحباب؛ لكي (نتصف
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤٢٥ (٩٤٩٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٢٤٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٣١٢) و(٧٢٤٨) و(٧٤٨١) من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٤٦٤): ضعيف.
(٢) في (خ): هذا العلم والعقل يكونا.
(٣) ليست في (ق).
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٧٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (٧٨١٦) من حديث زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها».
[ ٤٦٧ ]
بصفة) (^١) أحبابه، ونعدل عن وصف من طرده الله تعالى عن بابه، فقال في صفة أعدائه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤]. فالكبر يؤدي إلى الكفر بالحرمان، ولأجل التواضع جعل الله موسى ﷺ نبيًّا وكلمه بغير ترجمان، فاختر أيها المؤمن! لنفسك ببيان، ولا تَبْع الهدى بالضلالة والخسران، ثم اعلم أن سبب ما كثَّرنا هاهنا الأخبار والأمثال والدليل إلا لكثافة هذا الآدمي؛ فإن طبعه ثقيل، وفي أكثر أوقاته إلى اللهو والبدع والباطل يميل، ولا سيما المتكبر؛ فإنه أثقل الجماعة الخارجين عن طريق صاحب المعجزات والشفاعة.
ومن الكبر أيضًا أن يسخر الإنسان بخلقٍ من خلقِ الله تعالى مؤمنًا كان أو كافرًا، برًّا كان أو فاجرًا، قال المولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. فإن قدرت أن لا تسخر من كلبٍ فافعل؛ لأنه خلق من خلق الله.
قال بعض الصالحين: لو سخرت من كلب خفت أن يحوِّلني الله كلبًا. سخر بعضهم من كلب فسمع قائلًا يقول: اخلق مثله. فكان سبب توبته؛ فلم يسخر من شيء بعد ذلك.
وكذلك لا يسخر الإنسان من أهل الكفر، والفسوق والعصيان، ويشكر الله عند رؤياهم؛ لأجل ما عافاه وابتلاهم؛ قال ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا الله العافية» (^٢)، فإذا رأى الإنسان من ابتلي في جسمه بأمراض
_________________
(١) في (خ): تتصف بوصف.
(٢) ليس لهذا الحديث أصل بهذا اللفظ، وساق الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦٦٤٦) في ترجمة: العباس الآجري، عن الحسن بن غالب، قال: سمعت عباسًا الآجري، يقول: سئل الشبليُّ عن قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية»، قال: من هم أهل البلاء؟، قال: أهل الغفلة عن الله. والشبلي هو أبو بكر دلف بن جحدر، وقيل: ابن جعفر، الخراساني الأصل، والبغدادي المولد والمنشأ، من الزهاد والعباد، مالكي المذهب، صحب الجنيد وطبقته، وتوفي سنة (٣٣٤) ﵀. ولعلهم أخذوا هذا اللفظ من الحديث الثابت في هذا الباب؛ وهو ما أخرجه الترمذي =
[ ٤٦٨ ]
مختلفة أيسخر منه أو يشمت به؟ قال: لا، بل يرحمه. قال: فالعاصي أشد بلاءً؛ لأن العاصي قد ابتلي في دينه، والكافر ذهب دينه كله؛ فارحمهما جميعًا (^١).
رأى إبراهيم بن أدهم سكرانًا على قارعة الطريق وقد تعفر وجهه بالتراب، فأخذ ماءً وغسل وجه السكران، ثم دعا له بالتوبة والغفران، فقيل للسكران حين صحا: إن إبراهيم رآك معفَّر (^٢) الوجه طريحًا، فغسل وجهك، ودعا لك التوبة. فقال الرجل: اللَّهم إني تائب إليك. فقيل لإبراهيم في منامه: يا إبراهيم، طهرت فمه لأجلنا؛ طهرنا قلبه لأجلك.
وكان رجل في زمن عيسى ابن مريم ﵇ يُعرف بالملعون؛ (لأجل قلة دينه و) (^٣) خيره، فطلب منه رجل سيفًا يجاهد به في سبيل الله
_________________
(١) = (٣٤٣٢) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء». وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. أخرجه ابن ماجه (٣٨٩٢) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من فجَئَه صاحب بلاءٍ، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا؛ عوفي من ذلك البلاء كائنًا ما كان». وأخرجه عبد بن حميد (٣٨)، والترمذي (٣٤٣١) من الوجه الذي أخرجه ابن ماجه، لكنه عندهما من حديث ابن عمر، عن أبيه ﵄ مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وعمرو بن دينار، قهرمان آل الزبير، شيخ بصري، وليس هو بالقوي في الحديث، وقد تفرد بأحاديث عن سالم بن عبد الله بن عمر. والحديث صحَّحه بطرقه الألبانيُّ في «الصحيحة» (٦٠٣) و(٢٧٣٧). (ت)
(٢) كذا في النسخ، وفي السياق خلل ظاهر، ويبدو أن هذه الفقرة جاءت جوابًا على من استشكل حمل الحديث على الابتلاء المعنوي، مع أن ظاهره في الابتلاء الجسدي، فقال المؤلف أو من ينقل عنه، ولا أدري إن كان المراد الشبلي فليس في المصدر السابق هذه التتمة فإذا رأى الإنسان من ابتلي …، قال محاوره: لا بل يرحمه، …
(٣) في (خ): مغيَّر. ويمكن أن تقرأ: مغبَّر.
(٤) في (خ): لقلة.
[ ٤٦٩ ]
تعالى، فأخرج له سيفًا، فمرَّ الرجل والسيف بيده (^١) على عيسى ﵇، فقال له: من أين لك هذا السيف؟ فقال: دفعه لي الملعون. ففرح عيسى ودعا له، فنزل جبريل ﵇ وقال: إن الله تعالى غفر للملعون بدعائك، وهو رفيق هذا العابد الماشي معك. فبشر عيسى العابد؛ فسخر منه العابد، وقال: الجنة حرام عليَّ لأجله. فنزل جبريل ثانيًا، وقال لعيسى: إن الله تعالى أحبط عمل العابد، وجعله مكان الملعون في النار، وغفر للملعون وجعله مكان العابد في الجنة (^٢).
فيجب على المسلم أن يهجر الفسقة، ويبغضهم، ويزجرهم إما بسبٍّ أو بضربٍ، إن عملوا ما يستحقون ذلك (^٣)، كل (^٤) ذلك بالظاهر؛ لامتثال
_________________
(١) في (ق): في يده.
(٢) لم أقف عليه. ويغني عن هذه القصة ما أخرجه مسلم (٢٦٢١) عن جندب، أن رسول الله ﷺ، حدَّث: «أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك» أو كما قال. يتألى: يحلف والألية اليمين. وأخرج أبو داود (٤٩٠١) عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متآخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر. فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي أبعثت عليَّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة! فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته. وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٤٤٥٥).
(٣) هذا قول بعيد عن الصواب، والنهي عن المنكر لا يكون بالسبِّ والضرب، وإنما بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وبالترغيب والترهيب بالآيات والأحاديث الصحيحة. أما السب والضرب فظلم وبغي وسوء خلق، وهو يزيد المبتدع والفاسق نفرة من الحق والخير، والسب لا يجوز بحال إلا أن ينتصف الإنسان ممن سبه دون أن يفحش في القول، أما الضرب فمن اختصاص من له سلطة وولاية، وبالله التوفيق. (ت)
(٤) في (ق): على.
[ ٤٧٠ ]
الشرع الطاهر، ويرحمهم، ويدعو لهم في الباطن، وكذلك الحاكم يقتل مَنْ قتل، ويقطع يدَ مَنْ سرق، ويُحدُّ مَنْ وجب عليه الحدَّ، ويعزر من وجب عليه التعزير: يستوي في ذلك الرجال والنساء، ولا يقبل فيهم شفاعة الشافعين، هذا في الظاهر. وفي الباطن لا يسخر منهم، ولا يشمت بهم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية. ولقوله ﷺ: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (^١).
فلا تسخر من أحد، واقتبس من هذه الأنوار، وإياك والعجب؛ فإنها بدعة مشؤومة، يلقى صاحبها في النار، كما جاء في الأخبار: «ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المهلكات: فشحٌّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وأما المنجيات: فالعدل في الرضى والغضب، والاقتصاد في الفاقة والغنى، وخشية الله تعالى في السر والعلانية» (^٢).
قال الشعبي: كان رجل إذا مشى أظلته سحابة (^٣)، فقال رجل: لأمشينَّ في ظله. فأعجب العابد بنفسه، وقال: مثل هذا يمشي في ظلي. فلما افترقا ذهب الظل مع ذلك الرجل الذي يمشي معه (^٤).
فانظر إلى شؤم العجب، كيف صير هذا العابد كمريض بغير عائد.
وقال مطرف بن عبد الله: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا، وأصبح معجبًا (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٥٠٦) والطبراني في «المعجم الكبير» ٢٢/ ٥٣ (١٢٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٧٧٧) من حديث واثلة بن الأسقع ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٤٢٦): ضعيف.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) في (ق): غمامة.
(٤) ذكره أبو الليث السمرقندي في «تنبيه الغافلين» ٤٨٥.
(٥) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٤٤٨)، وأحمد بن حنبل في «الزهد» ١/ ٢٤١، من كلام التابعي الجليل مطرِّف بن عبد الله بن الشخير البصري ﵀.
[ ٤٧١ ]
ومن عرف نفسه لا يدخل عليه العجب كالصحابة والتابعين لهم بإحسان: كان أحدهم لا يعرف من بين عبيده، يأكلون جميعًا، ويلبسون سواءً، فكان علي بن أبي طالب ﵁ يشتري ثوبين، ويخيطهما ويلقيهما بين يدي عبده، فيختار العبد أيهما شاء.
وصحَّ أن البشير النذير كان يطحن مع الخادم، ويحلب الشاة، ويعلف البعير، ويحمل حوائجه من السوق البعض على يديه وشيء في ثوبه، ويخيط ثوب الأرملة، ويخصف نعل (^١) الفقير (^٢).
_________________
(١) في (ق): ثوب.
(٢) قال الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٣/ ٣٥٦: وقد قال أبو سلمة قلت لأبي سعيد الخدري: ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم؟ فقال: يا ابن أخي كل لله، واشرب لله، والبس لله، وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف، وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله ﷺ في بيته، كان يعلف الناضح، ويعقل البعير، ويقم البيت، ويحلب الشاة، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويطحن عنه إذا أعيا، ويشتري الشيء من السوق، ولا يمنعه الحياء أن يلعقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه، وينقلب إلى أهله يصافح الغني والفقير والكبير والصغير، ويسلم مبتدئًا على كل من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حر أو عبد، من أهل الصلاة، ليست له حلة لمدخله، وحلة لمخرجه، لا يستحي من أن يجيب إذا دعي، وإن كان أشعث أغبر، ولا يحقر ما دعي إليه وإن لم يجد إلا حشف الدقل، لا يرفع غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، هين المؤنة، لين الخلق، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طليق الوجه، بسام من غير ضحك، محزون من غير عبوس، شديد في غير عنف، متواضع في غير مذلة، جواد من غير سرف، رحيم لكل ذي قربى ومسلم، رقيق القلب دائم الإطراق، لم يبشم قط من شبع، ولا يمد يده من طمع. قال أبو سلمة: فدخلت على عائشة ﵂ فحدثتها بما قال أبو سعيد في زهد رسول الله ﷺ، فقالت: ما أخطأ منه حرفًا، ولقد قصر إذ ما أخبرك أن رسول الله ﷺ لم يمتلئ قط شبعًا، ولم يبث إلى أحد شكوى، وإن كانت الفاقة لأحب إليه من اليسار والغنى، وإن كان ليظل جائعًا يلتوي ليلته حتى يصبح، فما يمنعه ذلك عن صيام يومه، ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى بكنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، من مشارق الأرض ومغاربها، لفعل، وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع، فأمسح بطنه بيدي، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك، ويمنعك من الجوع؟ فيقول: «يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا =
[ ٤٧٢ ]
وروي أنه كان يحط يده في يد الجارية، فتذهب به حيث شاءت (^١). وركب حمارًا عريانًا، وكان من جملة خُلُقه اللطيف إذا ركب الناقة يحب الرديف؛ فخلقه الجميل وخلق الأصحاب لا يحصرهم هذا الكتاب، لكن ذكرنا شيئًا من بعض صفات الأحباب، وليعلم الإنسان أن الله سبحانه قد نفى عنهم الكبر والإعجاب.
روي أن سلمان الفارسي كان يضفر الخوص في أمريته، فلامه بعض الناس (^٢)، فقال ﵁: جئتكم ومعي درهم من حلال أشتري به خوصًا وأعمله قففًا (^٣)، فيصير الدرهم ثلاثًا، فأتصدق بدرهم، والدرهم الآخر أنفقه على عيالي، والدرهم الباقي هو رأس مالي، والله لو نهاني عن ذلك عمر بن الخطاب ما انتهيت (^٤).
وكان أبو هريرة ﵁ يحتطب ويبيعه، فينفقه على نفسه وعلى عياله، وهو يومئذٍ أمير بالمدائن، وكان إذا اشتد الزحام والحطب على ظهره يقولون: طرِّقوا للأمير (^٥).
ومع هذا الاحتياط العظيم كان الخوف قد استولى على قلوبهم،
_________________
(١) =على حالهم، وقدموا على ربهم، فأكرم مآبهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم، فأصبر أيامًا يسيرة، أحب إلي من أن ينقص حظي غدًا في الآخرة، وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي»، قالت عائشة ﵂: فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله ﷿. قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء»: حديث أبي سعيد الخدري وعائشة … بطوله؛ لم أقف له على إسنادٍ.
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في «مسنده» ٣/ ٩٨ (١١٩٤١)، وابن ماجة في «سننه» (٤١٧٧) عن أنس بن مالك موصولًا. وأخرجه البخاري في «صحيحه» (٦٠٧٢) معلقًا، بلفظ: إن كانت الأَمَة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فتنطلق به حيث شاءت.
(٣) في (خ): الصالحين.
(٤) في (ب): قفصًا.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ذكره ابن الأثير في «جامع الأصول» في ألفاظ حديث لأبي هريرة برقم: (٨٢١٧).
[ ٤٧٣ ]
فبعض الصحابة لم يدخل في أمر من أمور الدنيا قط، وخُطب على الولاية وأبى، وبعضهم عزل نفسه، وولَّى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يُعرف بعمير على أهل حمص، ثم عزله بعد سنة، فذهب من حمص (^١) ماشيًا، وأتى إلى المدينة على ساكنها السلام ماشيًا، فدخل على عمر بن الخطاب ﵁ وقد تغير من مشقة الطريق، فقال عمر: ما بالك؟ قال: ما بي شيء، هذا جرابي لزادي، وقصعتي لأجل وضوئي وطعامي، وعكازي أجاهد به عدوي، والدنيا كلها تبعًا لي، فلام عمر أهل حمص لأجل ما تركوا أميرهم بعد سنة يأتي من عندهم ماشيًا، فقال عمير: اتق الله يا عمر، ولا تغتاب المسلمين، فقد نهاك الله عن الغيبة، أنا لم أطلب منهم شيئًا. فطلب عمر أن يوليه أمرًا آخر، فأبى وقال: لقد كان يومًا مشئومًا عليَّ الذي (عملت لك) (^٢) فيه، لقد قلت يومًا لنصراني: أخزاه الله. كيف يكون حالي بين يدي الله تعالى؟! فلو لم تولني أنت ما سببت أحدًا. ثم ذهب إلى أهله، وكانوا في قرية ظاهر المدينة، فطلبه عمر وأعطاه وسقًا من طعام وثوبين، فقبل الثوبين وقال: أم فلان عريانة. وردَّ الوسق، وقال: قد تركت في البيت قُوت يومين، وما ندري نعيش لثلاث أم لا. فمات عمير بعد ثلاثة أيام، فخرج عمر بن الخطاب في جنازته حافيًا باكيًا (^٣).
فمَن هذا من بعض أحواله، من أين يأتيه الكبر أو العجب؟! لا يدخلان إلا على رجل قد سخط الله عليه لجلوسه متكئًا، والخدم قد طال وقوفهم (بغير حاجة) (^٤) بين يديه، وقد جاء في الأخبار أن (تلك صفة) (^٥) أهل النار.
_________________
(١) في (خ، ق): لحمص.
(٢) في (خ، ب): رأيتك.
(٣) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٤٠٢. وعمير هذا هو عمير بن سعد بن عبيد الأنصاري الصحابي، الذي كان يقال فيه: «عمير نسيج وحده».
(٤) ليست في (ق).
(٥) في (خ، ب): هذه صفات.
[ ٤٧٤ ]
وقد وصى النبي ﷺ على الإماء والعبيد، فمن عمل بوصيته ورحمهم؛ رحمه الله تعالى، وأعطاه ما يريد، فقال في وصيته: «لا تكلفوهم؛ فإنهم لحم ودم كأمثالكم؛ ألا من كلَّفهم كنت خصمه يوم القيامة» (^١).
ومن السنة أن لا يغلظ عليهم في الكلام جبرًا لقلوبهم؛ فإنها مكسورة لأجل العبودية، ولمفارقة الإخوان والأهل والأوطان، والتشتت في البراري والبلدان، فمن جبرهم جبره علام الغيوب يوم تنكسر فيه القلوب، ومن رحمهم وأراحهم في هذه المدة القليلة أراحه (^٢) الله تعالى راحة طويلة (^٣).
قال صلوات الله عليه وسلامه: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يَرحم لا يُرحم» (^٤).
فإذا طال وقوف الأجناد والمماليك بغير حاجة بين يدي الأمير، ولم يأذن لهم بالجلوس، فقد سقط من عين الملك القدوس القدير، وخرج عن طريق البشير النذير، وهو نوع من التكبر، ومن صفات الجبابرة والفراعنة
_________________
(١) لم نجده، وانظر حديث أبي ذر الآتي، وقد صحَّ أنَّ عامة وصية رسول الله ﷺ كانت: «الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم»، وفي لفظ: «اتقوا الله، وما ملكت أيمانكم» حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه. انظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٨٦٨).
(٢) في (ق): أراحهم.
(٣) وأَخرج أحمد في «مسنده» ٥/ ١٦١ (٢١٤٣٢)، والبخاري في «صحيحه» (٣٠)، وفي «الأدب المفرد» (١٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (١٦٦١)، وابن ماجة في «سننه» (٣٦٩٠)، وأبو داود في «سننه» (٥١٥٧)، والتِّرمِذي في «جامعه» (١٩٤٥) عن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربدة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلًا فعيرته بأمه؛ فقال لي النبي ﷺ: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم».
(٤) هذا حديث حسن صحيح، وقد سبق تخريجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
[ ٤٧٥ ]
(لعنهم الله) (^١)، ومن تشبه بقوم (في الدنيا) (^٢) حُشر معهم في الدار الآخرة، كذا ورد في الأخبار المتواترة (^٣)، وقال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (^٤).
ومن السنة أن يعفو السيد عن عبده إذا غضب عليه، ويتذكر غضب الله تعالى، كما جاء في الحديث «يقول الله تعالى: يا عبدي، اذكر غضبي إذا غضبت» (^٥).
فقد مدح الله تعالى من كظم غيظه بقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، والمحب لا يعذب محبوبه. وفي الخبر: «ينادي منادٍ يوم القيامة: أين من كان أجره على الله؟ فليقم. فلا يقوم إلا من عفا» (^٦).
وتصديق الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فإن كان ولا بد من ضربه، فلا يزيد على ثلاث، فإنه
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) ليست في (ق).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (٥٠٣) من حديث جابر، قال: قال النبي ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا، ولا تسلموا بتسليم اليهود والنصارى، فإن تسليم اليهود بالأكف، وتسليم النصارى بالإشارة». وإسناده ضعيفٌ جدًّا، لكن له طرق ليس فيها الجملة الأولى، فراجع «الصحيحة» (١٧٨٣).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (١٨/ ٨٧) عن علي بلفظ: «ينادى مناد يوم القيامة من بطنان العرش: ألا فليقم من كان أجره على الله. فلا يقم إلا من عفا عن أخيه». وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٨٣١٣) عن أنس: عن النبي ﷺ قال: «ينادي مناد: من كان أجره على الله فليدخل الجنة مرتين. فيقوم من عفا عن أخيه، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]». وقال العراقي في «تخريج الإحياء»: أخرجه الطبراني في «مكارم الأخلاق»، وفيه الفضل بن يسار ولا يتابع على حديثه. وانظر: «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٢٥٨٣).
[ ٤٧٦ ]
قصاص يوم القيامة، ويرى السيد تقصير رقيقه في خدمته من تقصيره هو في خدمة سيده وخالقه.
كان محمد بن المنكدر إذا غضب على غلامه يقول: ما أشبهك بسيدك (^١).
وعرك عثمان بن عفان ﵁ أذن غلامه مرة، ثم ندم على فعله، وقال لغلامه: اعرك أذني كما فعلت بك. وأكرهه على ذلك (^٢).
وغضب مرة أبو هريرة على غلام (^٣) له فرفع يده ليضربه، فافتكر القصاص، وقال: لأبيعنك لمن يوفيني ثمنك. فأعتقه (^٤).
وإذا ضرب الرجل مملوكه، فأقسم عليه بالله تعالى؛ فليتركه ويبر قسم الله تعالى (^٥)؛ إلا أن يكون حدًّا من حدود الله ﷿، فإن لم يوافقه المملوك على ما يريد فلا يعذبه على ممر الأيام والشهور، والحق سبحانه غيور، وليس له ناصر إلا الرب الغفور. وقد نهى الشرع (^٦) عن تعذيب الحيوان؛ فما ظنك بالإنسان! فينبغي بيعه ولو بثمن بخس؛ نقص الدنيا ولا ذهاب الآخرة. وإن كانت الدابة تحمل السيد وعبده فلا يتركه يسعى خلفه؛ فإنه نوع من التكبر، وخلاف للسنة، فإن لم تطق الدابة حملهما فلا يسرع في السير لأجل راحة عبده، فلا يدري لعل العبد أفضل من سيده عند الله تعالى، فيا حسرة سيد تجره إلى النار الزبانية، وعبده تتلقاه الملائكة لجنة قطوفها دانية، وهذه حسرة عظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾
_________________
(١) أخرج ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٠/ ١٧ أن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كان إذا غضب على غلامه قال: ما أشبهك بمولاك، تعصيني وأنا أعصي الله، فإذا اشتد غضبه قال: أنت حر لوجه الله.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (خ): خادم.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) في (ق): قسمه.
(٦) في (ق): الحق.
[ ٤٧٧ ]
[مريم: ٣٩]، ومن الإحسان: إذا طالت المدة، أو كبر العبد عند سيده، (أن يعتقه) (^١) لعله ينجو من عهدته كفافًا.
وجاء في الحديث الصحيح: «إن الله تعالى يعتق بكلِّ عضوٍ من العبد عضوًا من السيد حتى الفرج بالفرج» (^٢)، ويحسن السيد لمن كان (من مماليكه) (^٣) أكثر دينًا، لا أكثر حسنًا؛ موافقة لله تعالى، فإنه يحب من أطاعه ويبغض من عصاه. فإن كان العبد طائعًا لربه ممتثلًا أوامر سيده، معتدل القامة؛ كان خيرًا على خير، الذي حسَّن الله تعالى خَلقه وخُلقه. لكن النفس تميل إلى الشاب الجميل، ومن نظر إليه بشهوة سقط من عين المولى الجليل، وقد حسَّن الله سبحانه هذه المحسنات لمعانٍ ثلاث:
الأولى: يقول الإنسان (^٤): هذا حُسْنُ ما يفنَى، فما بالك بحسن ما يبقى.
والثانية: ليحصل للصابر الثواب بكف الكف عن العصيان، وظهور ثمرة الإيمان؛ فإن في الشرع لا يحل النظر إليه بغير حاجة، وتحرم الخلوة به، ولا يحل أيضًا لمسه إلا بغير شهوة؛ لأن النفس تلتذ بجميع ما ذكرناه، وتلتذ النفس أيضًا بمجالسته وبكلامه وبسلامه، ونهى الشرع عن مجالستهم، وعن النظر إليهم.
وقد تقدم قول سهل بن عبد الله: إنه سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم: اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف
_________________
(١) في (خ، ب): أعتقه.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٠ (١٦٠١٠)، وأبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في «الكبرى» (٤٨٩٢)، وابن حبان (٤٣٠٧)، والحاكم ٢/ ٢١٢، عن الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي، فقلنا: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: أتينا النبيَّ ﷺ في صاحبٍ لنا قد أوجب، فقال: «اعتقوا عنه، يعتق الله ﷿ بكل عضو منه عضوًا منه من النار». وقال ابن الملقن في «البدر المنير» ٨/ ٥٠٣: حديث صحيح.
(٣) في (ق): في ممالكه.
(٤) في (خ، ب): القائل.
[ ٤٧٨ ]
يعملون ذلك العمل الخبيث. نعوذ بالله العظيم من ذلك كله. قال ﷺ: «ملعون ملعون ملعون، من عمل بعمل قوم لوط» (^١)، وقال: «أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط، ألا فلترتقب أمتي العذاب إذا اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» (^٢).
وفي حديثٍ آخر: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في دبرها» (^٣). وقال ﵇: «من مات من أمتي وقد عمل عمل قوم لوط؛ نقله الله إليهم حتى يحشر معهم» (^٤).
_________________
(١) سلف ذكره وتخريجه.
(٢) أخرج أحمد ٣/ ٣٨٢، وابن ماجه (٢٥٦٣)، والترمذي (١٤٥٧) عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وحسَّنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٤١٧). وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» (٥١٩٤) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا استعملت أمتي خمسًا فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، ولبس الحرير، واتخذوا القينات، وشربوا الخمور، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء». ثم ساقه من وجه آخر (٥١٩٥) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا استحلت أمتي خمسًا فعليهم الدمار: إذا ظهر التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء». ثم قال البيهقي: إسناده وإسناد ما قبله غير قوي، غير أنه إذا ضم بعضه إلى بعض أخذ قوة، والله أعلم. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٠٥٤): حسن لغيره.
(٣) أخرجه الترمذي (١١٦٥)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٥٢)، وأبو يعلى (٢٣٧٨)، وابن حبان (٤٢٠٣) و(٤٢٠٤) و(٤٤١٨) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر». قال الألباني في «آداب الزفاف»: وسنده حسن وحسنه الترمذي وصححه ابن راهويه كما في «مسائل المروزي». وصححه أيضًا: ابن حزم في «المحلى» ١٠/ ٧٠، وابن دقيق العيد في «الإلمام» (١١٢٧). وراجع طرق الحديث وشواهده الكثيرة في «البدر المنير» لابن الملقن ٧/ ٦٥٠.
(٤) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٢/ ٤٧٤، وابن الجوزي في «ذم الهوى» ٢٠٨ من حديث أنس ﵁. وهو ضعيف جدًّ، كما قال الألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (٥٨٥١).
[ ٤٧٩ ]
قال المؤلف: يكفي اللوطي من البلاء اختلاطه يوم القيامة مع قوم لوط، وبعده من المؤمنين.
والثالثة: حسَّنَ المحسَّنات ليختبرك هل تحبها أو تحبه؟ فإن تركت ما يفنى عوضك الحق بما يبقى.
وجاء في الحديث: «من ترك شيئًا لله عوضه الله ما هو خير منه» (^١)، فكثير من العباد نظروا (^٢) لظاهر زينة الدنيا، فافتتنوا (^٣)، ومن أيقظه الله تعالى نظر إلى باطنها، فرأى أولها حسنًا، وآخرها فناءً وبلاءً وحزنًا، فلما رأى (آخرها زهد في أولها) (^٤)، فتركها قبل أن تتركه، وعمَّر قبره بالأعمال الصالحة، قبل أن يدخله، وعمل على رضَى مولاه قبل أن يلقاه.
قال بعض الأغنياء لفقير: ما لنا لا نحب الموت؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم، وأخربتم أخراكم، والإنسان لا يحب النقلة من العمارة إلى الخراب (^٥).
ومن البدع ما يفعله بعض جهلة المسلمين، فيلبس مملوكه الجميل الذهب والحرير، فيزداد بذلك حسنًا على حسنه، فيشغل به القلوب، ويوقع العباد في المعاصي والذنوب، فيسقط السيد من عين علام الغيوب؛ لفعله ذلك، ولوقوفه بغير حاجة بين يديه، ولتمتعه بالنظر إليه، فيكون مبتدعًا عاصيًا من ثلاث وجوه، ونعوذ بالله من فعل الرابعة أن يوقعه الشيطان فيها.
أولها: لبس الذهب والحرير، وهما حرامان على ذكور هذه الأمة، والإثم على من ألبسه.
والثاني: النظر إليه بشهوة، وهذه والأولى حرامان على المسلمين (^٦)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (ق): إذا نظر.
(٣) في (ق): افتتن.
(٤) في (خ، ب): أولها زهد في آخرها.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) في (خ، ب): المؤمنين.
[ ٤٨٠ ]
بإجماع المسلمين، وطول الوقوف بغير حاجة من أفعال المتكبرين، فإن قال قائل: أنا أحب النظر إلى ما حسَّنه الله من الصور، لكن ما في قلبي خيانة. كذب والذي أسبل على الخلق ستره وإحسانه؛ لأن الله تعالى لما خلق النفوس خلق فيها الميل، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقد خلق الله تعالى في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأباح الجميع لآدم ﵇ غير شجرة، وكان جلساؤه الملائكة فلما خلق تعالى حواء ترك آدم الجميع ومشى خلفها، فلما مالت نفسه إليها زوجه الله تعالى بها، ولما دخلن النسوة على يوسف ﵇ يراودنه بأن لا يخالف امرأة العزيز خاف على نفسه من الميل؛ فدعا ربه وقال: يا رب، كانت واحدة صرن جماعة، ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤]. فمن بارز الله تعالى بالميل إلى محرم ثم ادعى القوة والعصمة، يخاف عليه (من الميل به إلى) (^١) جهنم، وقد جاء في بعض الآثار: من قارف الفتنة وادعى العصمة فارجموه فإنه كذاب (^٢). فنفس آدم ﵇ مالت، وهذا العبد الكثيف الخارج عن الشرع الشريف يدعي القوة، وهو ضعيف، والدليل على ضعفه قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. فسَّرها سفيان قال: هي المرأة تمر بالرجل فلا يملك نفسه عن النظر إليها، ولا ينتفع بها. فأي شيء أضعف من هذا؟ (^٣).
والغلام الحسن الوجه هو بمنزلة النساء؛ بل هو أشد فتنة؛ لأن المرأة بمعزل عن الرجال، وهذا مختلط بهم، والمرأة قد يصل إليها بالزواج، وهذا قد حرَّمه الله تعالى أبدًا (على طول المدى) (^٤)، فلا تلق نفسك بصحبته في
_________________
(١) في (خ) أن تميل به.
(٢) أورده السفاريني في «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب» ١/ ٧٢.
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٨/ ٢١٦)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/ ٩٢٦) عن سفيان، عن ابن طاووس، عن أبيه.
(٤) ليست في (ق).
[ ٤٨١ ]
المهالك والردى، ولا تقل بمشاهدته فتخرج عن السنة، وتدخل في طريق من ضلَّ واعتدى. وكان السلف الصالح إذا رأى أحدهم الأمرد يفر منه كما يفر من الأسد.
قال المؤلف عفا الله عنه: رأيت فرسًا عند بعض الأصحاب إذا قرب منه الأمرد يميل برأسه إليه ويلعب معه، وإذا جاءه الرجل الملتحي يكدمه ويرفسه. فالدابة تميل وهذا الآدمي الخارج الثقيل قال إنه لا يميل، فيخالف بقوله وفعله الدليل، ويعصي المولى الجليل.
ثم اعلم بأن المملوك عند سيده أمانة؛ فإن ظلمه أو أغضبه أو نظر إليه بشهوة وقع في الذنوب والخيانة، فيخاف على سيده أن لا يوفقه الله تعالى، ولا يرزقه أمانَهُ.
وإن كان السيد محصنًا وأراد الفساد بعبده، ولم يمكن الخلاص لعبده منه إلا بقتل سيده لم يأثم العبد بقتله، فيقلُّ الفساد، وتستريح منه البلاد والعباد؛ لأن المملوك هو للخدمة لا للفراش كما جاء في الحديث «الصحيح» (^١)، وكذلك إذا غصب الرجل امرأةً أجنبيةً، وأراد بها الفساد، ولم تقدر أن تتخلص منه إلا بقتله لم تأثم بقتله. وكذلك إذا علمت المرأةُ أن زوجها طلقها ثلاثًا، أو الطلاق البائن ثم جاء يريد جماعها بقلة دينه؛ إن عملت له شيئًا فمات منه لم تأثم، بهذا أخبرنا علماؤنا (^٢).
_________________
(١) لا ندري أي حديث يقصد، وكون العبد المملوك الذَّكر للخدمة لا للفراش مما لا يختلف فيه أحد من المسلمين، وكذلك سيدته لا يجوز لها أن تستمتع بعبدها إجماعًا، ولكن لها أن تعتقه وتتزوجه إذا شاءت ذلك، أما الأمة المملوكة فيباح للسيد الذكر الاستمتاع بأمته، وفي هذا رفع لشأنها، فإن الأمة إذا استمتع بها سيدها ربما تأتي منه بولد فيرتفع قدرها بذلك، وتكون حرة بعد موت سيدها لا تورث ولا تباع.
(٢) قال ابن نجيم في «البحر الرائق شرح كنز الحقائق» ٣/ ٢٧٧: «وهل لها أن تقتله إذا أراد جماعها بعد علمها بالبينونة فيه قولان، والفتوى: أنه ليس لها أن تقتله، وعلى القول بقتله تقتله بالدواء، فإن قتلته بالسلاح وجب القصاص عليها، وليس لها أن تقتل نفسها، وعليها أن تفدي نفسها بمال أو تهرب، وليس له أن يقتلها إذا حرمت عليه، =
[ ٤٨٢ ]
والذي يباح من النظر هو أن يقع نظره على شيء بغير تعمد، وينظر السيد أو المعلم للصبي الحسن بقدر الحاجة من أمر ونهي أو تعليم شيء، فإذا فرغ من حاجته غضَّ بصره.
وكذلك الطبيب والشاهد ومشتري الجارية، ينظرون بقدر الحاجة، فما (^١) زاد نقص عند الله تعالى، وكل مَنْ تحلت النفس بالنظر إليه فنظره حرام، وسواء كان المنظور إليه ابن سبعين سنة أو بنت شهرين، وسواء كانت امرأة أبيه أو امرأة ابنه، أو بنت امرأته التي دخل بها، والنظر يباح للشاهد والطبيب ومشتري الجارية وإن اشتهت نفوسهم؛ لأجل الضرورة ولمصالح العباد، فإذا عرف حلية المرأة لا يزيد (^٢).
ألا ترى أن الإنسان إذا اضطر أُحلت له الميتة، فيتناول منها قدر القوت؛ لكي لا يموت، والزيادة حرام، وقال بعضهم: يأكل حتى يشبع ولا عليه ملام؟ ويجوز شرب الخمر لمن وقف في حلقه شيء، فإذا نزلت اللقمة فالزيادة حرام، وكذلك من ابتلي بالعطش المهلك، ولم يجد غير محرم يشرب منه قدر ما يزيل عطشه، والزيادة حرام، ونظيره كثير، ونسأل الله حسن الخاتمة واللطف والتدبير فيما جرت به المقادير.
وقد جاء في الحديث: «إن سبعة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين»، وذكر من جملتهم: «اللوطي، والجامع بين المرأة وابنتها» (^٣)، وهذا يدل على أن النفس الخبيثة تزني بمحارمها،
_________________
(١) =ولا يقدر أن يتخلص منها بسبب أنه كلما هرب ردته بالسحر، الكلُّ في «شرح المنظومة» لابن الشحنة». قلتُ: هذا رأي خالٍ من الدليل، وهو غير سديد، والإذن لها بقتله سرًّا بسمٍّ ونحوه أقبح وأسوأ من تحريضها على قتله بالسلاح، فإنه يفتح بابًا عظيمًا للفساد والفوضى والجرأة على الدماء، خاصَّة من امرأة قد أغاظها طلاق زوجها لها، فتصنع له مكيدة وتقتله، وتدعي أنه أراد جماعها! (ت)
(٢) في (خ): ومن.
(٣) في (خ): يزاد.
(٤) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥٤٧٠) من حديث أنس بن مالك، ولفظه: =
[ ٤٨٣ ]
وهذه الآفات تأتي من النظر إلى المحرمات. فالقلب كثير التقلب، والميل إلى المحسنات، قال ﷺ: «ما سمي القلب قلبًا إلا لتقلبه فإذا ثبَّته الحقُّ ثبت» (^١)، قال المولى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وكان ﷺ يقول: «اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك» (^٢).
والقلوب على أقسام: قلب كالشجرة الخضراء، وقلب كالشجرة اليابسة، فإذا هبت رياح المعاصي فالشجرة (^٣) الخضراء تتحرك، لكن أصلها ثابت، مالت ولم تقلع، وهذه صفة قلب المؤمن الطائع، وأما الشجرة اليابسة فتقلع، وهذا قلب المؤمن العاصي.
والقلب هو قوام البدن؛ إن مال القلب مالت جميع الجوارح معه، وإن اعتدل القلب اعتدل الكل؛ قال ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^٤).
_________________
(١) = «سبعة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، فمن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوا، والناكح حليلة جاره». قال ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٦٣٣: هذا حديث لا يصح عن رسول الله. وقال ابن كثير في «تفسيره» ٥/ ٤٦٣: هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف؛ لجهالته.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٤٠٨ عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة، يقلبها الريح ظهرًا لبطن». واختلف في رفعه ووقفه، والظاهر أن الأرجح هو الوقف كما تجده في التعليق على «المسند» (١٩٧٥٧)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٣٦٥) مرفوعًا.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٤١٨ (٩٤٢٠)، وعبد بن حميد في «مسنده» (١٥١٨)، والنَّسائي في «عمل اليوم والليلة» (٣٠٤) من حديث عائشة أنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ رأسه إلى السماء إلا قال: «يا مصرف القلوب ثبت قلبي على طاعتك».
(٤) في (خ): على الشجرة.
(٥) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥٢)، ومسلم في «صحيحه» (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
[ ٤٨٤ ]
والعبد الطائع لله تعالى ولسيده له أجران، والآبق يحبط الله عمله ويدخله النار؛ إلا أن يهرب من دار الحرب، فيعتق على سيده بدخوله دار الإسلام والإيمان. ومن الدناءة أن يستعمل السيد من أعتقه.
ولا يخرج العبد من طاعة سيده إلا أن يأمره بمعصية، وكذلك الجارية والزوجة إن لم تخف إحداهن على هلاك (^١) عضو من أعضائها، (أو الإتلاف) (^٢)، فحينئذٍ لم تأثم بفعل المعصية لأجل الخوف بلا خلاف. ويبنى على ذلك الكفر بالله تعالى والسب والسجود للصليب؛ كل ذلك لا يضرُّه إذا كان القلب مؤمنًا بالحبيب.
ويكره للخادم أن يذوق الطعام في وقت الصِّيام، إذا كان السيد صالحًا؛ لأن الصالح لا يعذب الخدام لأجل ملوحة الطعام؛ لأنه يرى الأشياء من الملك العلام، وهو راضٍ عن الله سبحانه، والله تعالى يرضى عنه، ويدخله الجنة بسلام، فإن كان السيد ظالمًا يؤلم عبده لأجل ملوحة الطعام؛ فيذوقه العبد قبل غروب الشمس في رمضان وغيره ولا عليه ملام، ومن السنة أن لا يرضى السيد من خدمه بالفاحشة لكي لا يكون شريكهم في الإثم، وقال بعض العلماء: يقيم عليهم الحد؛ فإن لم يفعل خرج عن طريق من ظللته الغمامة، ويؤخذ منه الحد يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، والخدم من جملة الأهل، ومن السنة إذا بلغ العبد الصالح، وخاف عليه سيده من العنت يزوجه، والولد بطريق الأولى، فإن بلغ الولد ولم يزوجه والده مع القدرة؛ خرج الأب عن السنة. ومهما وقع من الولد من المعاصي الأب شريك الولد في الإثم، على كل واحدٍ منهما إثمٌ كاملٌ؛ عملًا بحديث رسول الله ﷺ.
_________________
(١) في (ق): تلاف.
(٢) ليست في (ق).
[ ٤٨٥ ]